الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠ الصفحة 75

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠

نَعْيٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - النَّعْيُ وَالنُّعْيَانُ لُغَةً: خَبَرُ الْمَوْتِ، أَوْ نِدَاءُ الدَّاعِي، أَوِ الدُّعَاءُ بِمَوْتِ الْمَيِّتِ وَالإِْشْعَارُ بِهِ، النَّاعِي: الَّذِي يَأْتِي بِخَبَرِ الْمَوْتِ، أَوْ بِإِذَاعَةِ مَوْتِ الشَّخْصِ أَوْ يَنْدُبُهُ.

قَال ابْنُ مَنْظُورٍ: كَانَتِ الْعَرَبُ إِذَا قُتِل مِنْهُمْ شَرِيفٌ أَوْ مَاتَ بَعَثُوا رَاكِبًا إِلَى قَبَائِلِهِمْ يَنْعَاهُ إِلَيْهِمْ (١) .

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢) .

(ر: جَنَائِز ف ٤) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - النَّدْبُ:

٢ - النَّدْبُ مِنْ مَعَانِي النَّدْبِ فِي اللُّغَةِ: الْبُكَاءُ

_________

(١) لِسَان الْعَرَبِ لاِبْن مَنْظُور، وَالصِّحَاحِ لِلْجَوْهَرِيِّ، مَادَّة (نَعِي) .

(٢) الْمَجْمُوع شَرْح الْمُهَذَّبِ لِلنَّوَوِيِّ ٥ / ٢١٩، وَفَتْح الْبَارِي ٣ / ٤٥٢ - ٤٥٣، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ١ / ١٥٥، وَالشَّرْح الصَّغِير ١ / ٥٧٠، وَغَايَة الْمُنْتَهَى ١ / ٢٢٨.

مَعَ تَعْدِيدِ مَحَاسِنِ الْمَيِّتِ بِلَفْظِ النِّدَاءِ، كَوَاسَيِّدَاهُ، وَاجَبَلاَهُ.

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (١) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّعْيِ أَنَّ النَّدْبَ قَدْ يَقْتَرِنُ بِالنَّعْيِ، وَقَدْ يَحْصُل بَعْدَهُ، فَلَيْسَ هُنَاكَ تَلاَزُمٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الإِْخْبَارِ بِالْمَوْتِ.

ب - النَّوْحُ:

٣ - النَّوْحُ لُغَةً: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْبُكَاءِ مَعَ رَنَّةٍ، وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ: أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ عِنْدَ الْبَيْعَةِ أَلاَّ نَنُوحَ (٢) .، وَعَنْ أَبَى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: لَعَنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ النَّائِحَةَ وَالْمُسْتَمِعَةَ (٣) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ النَّوْحِ وَالنَّعْيِ أَنَّ النَّعْيَ الْمُطْلَقَ الإِْعْلاَمُ سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ بُكَاءٌ أَمْ لاَ، أَمَّا النَّوْحُ فَهُوَ

_________

(١) الصِّحَاح، وَالْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ

(٢) حَدِيث: أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ عِنْدَ الْبَيْعَةِ ألا نَنُوحَ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِي ٣ / ١٧٦ ط السَّلَفِيَّة وَمُسْلِم (٢ / ٦٤٥ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ

(٣) حَدِيث: لَعَنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ النَّائِحَة وَالْمُسْتَمِعَة. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (٣ / ٤٩٣ ط حِمْص وَأَحْمَد فِي الْمُسْنَدِ (٣ / ٦٥ ط الميمنية، وَقَال الْخَطَابِيّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ بِهَامِش سُنَن أَبِي دَاوُ

الإِْعْلاَمُ الْمُقْتَرِنُ بِالْبُكَاءِ، وَقَدْ يَحْصُل بَعْدَ الإِْخْبَارِ بِالْمَوْتِ (١) .

صِيغَةُ النَّعْيِ:

٤ - لَمْ يَذْكُرِ الْفُقَهَاءُ صِيغَةً مُحَدَّدَةً لِلنَّعْيِ، بَعْدَ اسْتِبْعَادِ مَا كَانَ مُبَاهَاةً وَمُفَاخَرَةً وَلَكِنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى اخْتِيَارِ مَا فِيهِ تَذَلُّلٌ وَاسْتِرْحَامٌ.

قَال ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلًا عَنِ الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ (٢): وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِنَحْوِ: مَاتَ الْفَقِيرُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ، ثُمَّ قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَيَشْهَدُ لَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ كَانَ يُؤْذِنُ بِالْجِنَازَةِ، فَيَمُرُّ بِالْمَسْجِدِ فَيَقُول: عَبْدُ اللَّهِ دُعِيَ فَأَجَابَ، أَوْ أَمَةُ اللَّهِ دُعِيَتْ فَأَجَابَتْ (٣) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلنَّعْيِ:

٥ - اخْتَلَفَتْ أَقْوَال الْفُقَهَاءِ فِي حُكْمِ النَّعْيِ، حَتَّى فِي الْمَذْهَبِ الْوَاحِدِ، مَا بَيْنَ الاِسْتِحْبَابِ وَالإِْبَاحَةِ وَالْكَرَاهَةِ وَالتَّحْرِيمِ، وَلِذَا اخْتَارَ بَعْضُ

_________

(١) لِسَان الْعَرَبِ، مَادَّة (نُوح)، وَاللُّؤْلُؤ وَالْمَرْجَان فِيمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ ١٨٨.

(٢) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ١ / ٦٢٩

(٣) أَثَر أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ كَانَ يُؤْذِنُ بِالْجِنَازَةِ. . . أَخْرَجَهُ ابْن أَبِي شَيْبَة فِي الْمُصَنَّفِ (٣ / ٢٧٦ ط الدَّار السَّلَفِيَّة) .

الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ أَقْوَالَهُمْ لَيْسَتْ مِنْ قَبِيل الْخِلاَفِ فِي الأَْمْرِ إِذْ لَمْ تَتَوَارَدْ عَلَى الصُّورَةِ الْمُطْلَقَةِ لِلنَّعْيِ.

قَال الْمُبَارَكْفُورِيُّ نَقْلًا عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ: يُؤْخَذُ مِنْ مَجْمُوعِ الأَْحَادِيثِ ثَلاَثُ حَالاَتٍ:

١ - إِعْلاَمُ الأَْهْل وَالأَْصْحَابِ وَأَهْل الصَّلاَحِ، فَهَذَا سُنَّةٌ.

٢ - دَعْوَةُ الْحَفْل لِلْمُفَاخَرَةِ بِالْكَثْرَةِ، فَهَذَا مَكْرُوهٌ.

٣ - الإِْعْلاَمُ بِنَوْعٍ آخَرَ، كَالنِّيَاحَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا مُحَرَّمٌ.

وَقَال الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلاَنِيُّ: النَّعْيُ لَيْسَ مَمْنُوعًا كُلُّهُ، وَإِنَّمَا نُهِيَ عَمَّا كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ يَصْنَعُونَهُ وَلَمْ يُنْقَل رَأْيٌ فِقْهِيٌّ بِوُجُوبِ النَّعْيِ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ مُفْلِحٍ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ حَتَّى لِلْقَرِيبِ، فَقَال: وَلاَ يَلْزَمُ إِعْلاَمُ قَرِيبٍ (١) .

النَّعْيُ الْمُسْتَحَبُّ:

٦ - النَّعْيُ الْمُسْتَحَبُّ أَوِ الْمَنْدُوبُ إِلَيْهِ عَلَى حَسَبِ تَعْبِيرِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ - هُوَ عَلَى مَا صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِهِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الْمُتَّجَهُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ

_________

(١) الْفُرُوع ٢ / ١٩٢ وَفَتْح الْبَارِي ٣ / ١١٦ وَتُحْفَة الأَْحْوَذِيّ ٤ / ٥٩، جَامِع التِّرْمِذِيّ بِشَرْحِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ ٤ / ٢٠٦.

قَوْل النَّخَعِيِّ وَابْنُ سِيرِينَ - مَا كَانَ فِيهِ إِعْلاَمُ الْجِيرَانِ وَالأَْصْدِقَاءِ.

قَال فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْلَمَ جِيرَانُهُ وَأَصْدِقَاؤُهُ حَتَّى يُؤَدُّوا حَقَّهُ بِالصَّلاَةِ عَلَيْهِ وَالدُّعَاءِ لَهُ.

رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنِ النَّخَعِيِّ: لاَ بَأْسَ إِذَا مَاتَ الرَّجُل أَنْ يُؤْذَنَ صَدِيقُهُ وَأَصْحَابُهُ، إِنَّمَا يُكْرَهُ أَنْ يُطَافَ فِي الْمَجْلِسِ فَيُقَال: أَنْعِي فُلاَنًا لأَِنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْل أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ بِاخْتِصَارٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ.

قَال النَّوَوِيُّ، فِي شَرْحِ حَدِيثِ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى، وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ (١) . فِيهِ اسْتِحْبَابُ الإِْعْلاَمِ بِالْمَيِّتِ، لاَ عَلَى صُورَةِ نَعْيِ الْجَاهِلِيَّةِ، بَل مُجَرَّدُ إِعْلاَمِ الصَّلاَةِ عَلَيْهِ وَتَشْيِيعِهِ وَقَضَاءِ حَقِّهِ فِي ذَلِكَ، وَالَّذِي جَاءَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ النَّعْيِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ هَذَا وَإِنَّمَا الْمُرَادُ نَعْيُ الْجَاهِلِيَّةِ الْمُشْتَمِل عَلَى ذِكْرِ الْمَفَاخِرِ وَغَيْرِهَا.

_________

(١) حَدِيث أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِي ٣ / ٢٠٢ ط السَّلَفِيَّة) وَمُسْلِم (٢ / ٦٥٦ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم.

وَقَال ابْنُ مُفْلِحٍ: وَيَتَوَجَّهُ اسْتِحْبَابُهُ، لإِعْلاَمِهِ ﷺ أَصْحَابَهُ بِالنَّجَاشِيِّ، وَقَوْلِهِ عَنِ الَّذِي يُقِمُّ الْمَسْجِدَ، أَيْ يَكْنُسُهُ: أَفَلاَ كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ، دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ أَيْ أَعْلَمْتُونِي، قَال ابْنُ سِيرِينَ: لاَ أَعْلَمُ بَأْسًا أَنْ يُؤْذِنَ الرَّجُل بِالْمَوْتِ صَدِيقَهُ وَحَمِيمَهُ (١) .

وَحَدِيثُ الَّذِي يُقِمُّ الْمَسْجِدَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ مُفْلِحٍ وَغَيْرُهُ فِي إِيذَانِ أَصْحَابِ الْمَنْعِيِّ وَأَقَارِبِهِ هُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنْ أَسْوَدَ (رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً كَانَ يُقِمُّ الْمَسْجِدَ فَمَاتَ وَلَمْ يَعْلَمِ النَّبِيُّ ﷺ بِمَوْتِهِ، فَذَكَرَهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَال: مَا فَعَل ذَلِكَ الإِْنْسَانُ؟ قَالُوا: مَاتَ يَا رَسُول اللَّهِ، قَال: أَفَلاَ آذَنْتُمُونِي؟ فَقَالُوا: إِنَّهُ كَانَ كَذَا وَكَذَا قِصَّتُهُ (قَال الرَّاوِي): فَحَقَّرُوا شَأْنَهُ قَال: فَدُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ (٢) .

_________

(١) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ١ / ١٥٧، وَشَرْح صَحِيح مُسْلِم لِلنَّوَوِيِّ ٧ / ٢١، وَفَتْح الْبَارِي ٣ / ٤٥٣، وَالْفُرُوع لاِبْن مُفْلِح ٢ / ١٩٢، وَالْمَجْمُوع شَرْح الْمُهَذَّبِ لِلنَّوَوِيِّ ٥ / ٢١٦، وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٢ / ٢٣٩، وَمَطَالِب أُولِي النُّهَى ١١ / ٧٤١.

(٢) حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنْ أُسَوِّدَ كَانَ يَقُمِ الْمَسْجِدُ. . . . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِي ٣ / ٢٠٥ ط السَّلَفِيَّة) وَمُسْلِم (٢ / ٦٥٩ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ)، وَاللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ

وَنَقَل النَّوَوِيُّ عَنِ الْحَاوِي لِلْمَاوَرْدِيِّ أَنَّ بَعْضَ الشَّافِعِيَّةِ اسْتَحَبَّ النَّعْيَ لِلْغَرِيبِ الَّذِي إِذَا لَمْ يُؤْذَنُ بِهِ لاَ يَعْلَمُهُ النَّاسُ (١) .

وَالْوَجْهُ فِي الاِسْتِحْبَابِ عِنْدَ ابْنِ قُدَامَةَ أَنَّ فِي كَثْرَةِ الْمُصَلِّينَ عَلَى الْمَيِّتِ أَجْرًا لَهُمْ وَنَفْعًا لِلْمَيِّتِ فَإِنَّهُ يَحْصُل لِكُل مُصَلٍّ مِنْهُمْ قِيرَاطٌ مِنَ الأَْجْرِ، وَجَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَا مِنْ مَيِّتٍ يُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِائَةً كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ إِلاَّ شُفِّعُوا فِيهِ (٢) .

وَقَال ﷺ كَذَلِكَ: مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جِنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لاَ يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلاَّ شَفَّعَهُمُ اللَّهُ فِيهِ (٣) .

وَيَشْمَل حُكْمُ الاِسْتِحْبَابِ، النِّدَاءَ فِي الأَْسْوَاقِ عَلَى مَا نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ النِّهَايَةِ قَوْلُهُ: إِنْ كَانَ الْمَنْعِيُّ عَالِمًا أَوْ زَاهِدًا فَقَدِ اسْتَحْسَنَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ النِّدَاءَ فِي الأَْسْوَاقِ لِجِنَازَتِهِ وَهُوَ

_________

(١) الْمَجْمُوعِ لِلنَّوَوِيِّ ٥ / ٢١٦

(٢) حَدِيث: مَا مِنْ مَيِّتٍ يُصَلَّى عَلَيْهِ أُمَّة. . . . أَخْرَجَهُ مُسْلِم (٢ / ٦٥٤ - ط الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ عَائِشَة ﵂.

(٣) حَدِيث: مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جِنَازَتِهِ. . . أَخْرَجَهُ مُسْلِم (٢ / ٦٥٥ - ط الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ ابْن عَبَّاسٍ ﵄.

الأَْصَحُّ، وَلَكِنْ لاَ يَكُونُ عَلَى هَيْئَةِ التَّفْخِيمِ (١) .

النَّعْيُ الْمُبَاحُ:

٧ - النَّعْيُ الْمُبَاحُ هُوَ مَا اقْتُصِرَ فِيهِ عَلَى الإِْعْلاَمِ بِالْمَوْتِ بِصُورَةٍ خَالِيَةٍ مِنْ عَمَلٍ مُحَرَّمٍ، قَال الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: مَحْضُ الإِْعْلاَمِ بِذَلِكَ لاَ يُكْرَهُ، فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَلاَ.

وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: لاَ بَأْسَ بِإِعْلاَمِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِمَوْتِهِ لِيَقْضُوا حَقَّهُ، وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُنَادَى عَلَيْهِ فِي الأَْزِقَّةِ وَالأَْسْوَاقِ، لأَِنَّهُ يُشْبِهُ نَعْيَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَالأَْصَحُّ أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ تَنْوِيهٌ بِذِكْرِهِ وَتَفْخِيمٌ بَل يَقُول: الْعَبْدُ الْفَقِيرُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ الْفُلاَنِيُّ. . . فَإِنَّ نَعْيَ الْجَاهِلِيَّةِ مَا كَانَ فِيهِ قَصْدُ الدَّوَرَانِ مَعَ الضَّجِيجِ وَالنِّيَاحَةِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ فِي قَوْلِهِ ﷺ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ (٢) .، كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ.

_________

(١) فَتْح الْبَارِي ٣ / ٤٥٢، وَالْمُغني لاِبْن قُدَامَة ٢ / ٤٣٣، وَالشَّرْح الْكَبِير عَلَى الْمُقْنِعِ ٢ / ٤٣٢، وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٢ / ٢٣٩.

(٢) حَدِيث: لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُود وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِي ٣ / ١٦٦ ط السَّلَفِيَّة) وَمُسْلِم (١ / ٩٩ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ ابْن مَسْعُود ﵁.

وَجَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: وَكَرِهَ بَعْضُهُمُ النِّدَاءَ فِي الأَْسْوَاقِ، وَالأَْصَحُّ أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِهِ، كَمَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.

وَحَصَرَ الْحَنَابِلَةُ النَّعْيَ الْمُبَاحَ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ نِدَاءٌ، قَال الرَّحِيبَانِيُّ: لاَ بَأْسَ بِإِعْلاَمِ أَقَارِبِهِ وَإِخْوَانِهِ مِنْ غَيْرِ نِدَاءٍ، لإِعْلاَمِهِ ﷺ أَصْحَابَهُ بِالنَّجَاشِيِّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَفِيهِ كَثْرَةُ الْمُصَلِّينَ عَلَيْهِ فَيَحْصُل لَهُمْ ثَوَابٌ وَنَفْعٌ لِلْمَيِّتِ (١) .

قَال ابْنُ الْمُرَابِطِ - مِنْ شُرَّاحِ الْبُخَارِيِّ - مُبَيِّنًا الْحِكْمَةَ فِي الإِْبَاحَةِ: مُرَادُهُ أَنَّ النَّعْيَ الَّذِي هُوَ إِعْلاَمُ النَّاسِ بِمَوْتِ قَرِيبِهِمْ مُبَاحٌ وَإِنْ كَانَ فِيهِ إِدْخَال الْكَرْبِ وَالْمَصَائِبِ عَلَى أَهْلِهِ، لَكِنَّ فِي تِلْكَ الْمَفْسَدَةِ مَصَالِحَ جَمَّةً لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ مِنَ الْمُبَادَرَةِ لِشُهُودِ جِنَازَتِهِ وَتَهْيِئَةِ أَمْرِهِ وَالصَّلاَةِ عَلَيْهِ وَالدُّعَاءِ لَهُ وَالاِسْتِغْفَارِ وَتَنْفِيذِ وَصَايَاهُ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الأَْحْكَامِ.

وَقَدِ اسْتَدَل النَّوَوِيُّ لِلإِْبَاحَةِ بِالأَْحَادِيثِ الَّتِي اسْتَدَل بِهَا الْقَائِلُونَ بِالاِسْتِحْبَابِ ثُمَّ قَال: الصَّحِيحُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الأَْحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ أَنَّ

_________

(١) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ١ / ١٥٧، وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٢ / ٢٧٩، وَمَطَالِب أُولِي النُّهَى ١ / ٨٤٧، وَالْمَجْمُوع شَرْح الْمُهَذَّبِ ٥ / ٢١٦، وَفَتْح الْبَارِي ٣ / ٤٥٣.

الإِْعْلاَمَ بِمَوْتِهِ لِمَنْ يَعْلَمُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ بَل إِنْ قُصِدَ بِهِ الإِْخْبَارُ لِكَثْرَةِ الْمُصَلِّينَ فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ ذِكْرُ الْمَآثِرِ وَالْمَفَاخِرِ وَالتَّطْوَافُ بَيْنَ النَّاسِ يَذْكُرُهُ بِهَذِهِ الأَْشْيَاءِ، وَهَذَا نَعْيُ الْجَاهِلِيَّةِ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ فَقَدْ صَحَّتِ الأَْحَادِيثُ بِالإِْعْلاَمِ فَلاَ يَجُوزُ إِلْغَاؤُهَا (١) .

النَّعْيُ الْمَكْرُوهُ:

٨ - لِلنَّعْيِ الْمَكْرُوهِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ صُورَتَانِ:

الأُْولَى: أَنَّهُ مَا كَانَ لِغَيْرِ قَرِيبٍ أَوْ صَدِيقٍ أَوْ جَارٍ أَوْ مَنْ يُرْجَى إِجَابَةُ دُعَائِهِ.

الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ مَا كَانَ بِنِدَاءٍ، وَعَلَيْهِ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا.

قَال فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ: كُرِهَ صِيَاحٌ بِمَسْجِدٍ، أَوْ بِبَابِهِ، بِأَنْ يُقَال: فُلاَنٌ قَدْ مَاتَ فَاسْعَوْا إِلَى جِنَازَتِهِ مَثَلًا، إِلاَّ الإِْعْلاَمَ بِصَوْتٍ خَفِيٍّ أَيْ مِنْ غَيْرِ صِيَاحٍ فَلاَ يُكْرَهُ.

وَقَال ابْنُ مُفْلِحٍ: وَلاَ يُسْتَحَبُّ النَّعْيُ، وَهُوَ النِّدَاءُ بِمَوْتِهِ بَل يُكْرَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَقَال: لاَ يُعْجِبُنِي، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ: يُكْرَهُ إِعْلاَمُ غَيْرِ قَرِيبٍ أَوْ صَدِيقٍ. وَنَقَل حَنْبَلٌ عَنْهُ: أَوْ جَارٍ، وَعَنْهُ: أَوْ أَهْل دِينٍ.

وَنَقَل النَّوَوِيُّ الْكَرَاهَةَ فِي نَعْيِ الْمَيِّتِ وَالنِّدَاءِ عَلَيْهِ لِلصَّلاَةِ وَغَيْرِهَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ

_________

(١) الْمَجْمُوع ٥ / ٢١٦