الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ النَّظَرِ إِلَى الْوَجْهِ بِقَصْدِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، وَإِلَيْهِ وَإِلَى غَيْرِهِ بِقَصْدِ تَحَمُّلِهَا، وَاشْتَرَطُوا لِذَلِكَ عَدَمَ قَصْدِ اللَّذَّةِ عِنْدَ النَّظَرِ (١) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَنْظُرَ مِنَ الْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ إِلَى مَا تَقْتَضِيهِ حَاجَةُ الْحُكْمِ، وَكَذَلِكَ الشَّاهِدُ عِنْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهَا أَوْ لَهَا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ فَقَطْ وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ إِذَا دُعِيَتْ لِلشَّهَادَةِ لَهَا أَنْ تَنْظُرَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ أَيْضًا، وَلاَ يَحِل النَّظَرُ إِلَى غَيْرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلْحُكْمِ وَالشَّهَادَةِ، وَلاَ يَحِل إِطَالَةُ النَّظَرِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْمَقْصُودِ، فَإِنِ اكْتَفَى بِنَظْرَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ تَجُزِ الثَّانِيَةُ إِلاَّ إِذَا كَانَتْ لِلتَّحَقُّقِ، بَل ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَحَقَّقَ الْمَقْصُودُ بِالنَّظَرِ إِلَى بَعْضِ الْوَجْهِ لَمْ يَجُزِ الاِسْتِيعَابُ، وَأَنَّهُ إِنْ تَحَقَّقَ مِنْ فَوْقِ النِّقَابِ لَمْ يَجُزِ النَّظَرُ إِلَى مَا تَحْتَهُ، لأَِنَّ مَا جَازَ لِلضَّرُورَةِ يُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا، وَمَا زَادَ ظَل عَلَى أَصْل الْحَظْرِ.
كَذَلِكَ أَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ - فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ - لِلشَّاهِدِ عِنْدَ تَحَمُّل الشَّهَادَةِ النَّظَرَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ إِلَى مَنْ يَشْهَدُ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ، وَتَوَسَّعُوا فِي ذَلِكَ اعْتِنَاءً بِالشَّهَادَةِ إِحْيَاءً لِلْحُقُوقِ، فَنَصُّوا عَلَى جَوَازِ النَّظَرِ لِلرِّجَال خَاصَّةً إِلَى فَرْجِ الزَّانِيَيْنِ لِتَحَمُّل شَهَادَةِ الزِّنَى، وَعَلَى جَوَازِ النَّظَرِ لِلرِّجَال
_________
(١) الْفَوَاكِه الدَّوَانِي ٢ / ٣٦٦، وَالْبَيَان وَالتَّحْصِيل ٤ / ٣٠٥، وَالذَّخِيرَة ٤ / ١٩١.
وَالنِّسَاءِ إِلَى الْفَرْجِ لِتَحَمُّل الشَّهَادَةِ بِوِلاَدَةٍ أَوْ عَبَالَةٍ (كِبَرِ الذَّكَرِ، أَوِ الْتِحَامِ إِفْضَاءٍ، وَإِلَى الثَّدْيِ لِتَحَمُّل الشَّهَادَةِ بِالرَّضَاعِ، وَلَمْ يَشْتَرِطُوا فِي جَوَازِ النَّظَرِ لِتَحَمُّل الشَّهَادَةِ، عَدَمَ وُجُودِ الْمُجَانِسِ أَوِ الْمَحَارِمِ، كَمَا فَعَلُوا فِي النَّظَرِ لِلْعِلاَجِ، لَكِنَّهُمُ اشْتَرَطُوا عِنْدَ عَدَمِ تَعَيُّنِ الشَّاهِدِ أَنْ لاَ تُخْشَى الْفِتْنَةُ وَالشَّهْوَةُ، فَإِنْ خُشِيَتِ الْفِتْنَةُ أَوِ الشَّهْوَةُ لَمْ يَجُزِ النَّظَرُ إِلاَّ إِذَا تَعَيَّنَ، وَقَال السُّبْكِيُّ: وَمَعَ ذَلِكَ يَأْثَمُ بِالشَّهْوَةِ وَإِنْ أُثِيبَ عَلَى التَّحَمُّل، لأَِنَّهُ فِعْلٌ ذُو وَجْهَيْنِ. وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فَأَحَل النَّظَرَ لِلشَّهَادَةِ بِشَهْوَةٍ وَبِدُونِهَا، وَاسْتَدَل بِأَنَّ الشَّهْوَةَ أَمْرٌ طَبْعِيٌ لاَ يَنْفَكُّ عَنِ النَّظَرِ فَلاَ يُكَلَّفُ الشَّاهِدُ بِإِزَالَتِهَا، وَلاَ يُؤَاخَذُ بِهَا كَمَا لاَ يُؤَاخَذُ الزَّوْجُ بِمَيْل قَلْبِهِ إِلَى بَعْضِ نِسْوَتِهِ، وَالأَْوْجَهُ عِنْدَ الرَّمْلِيِّ حَمْل التَّأْثِيمِ عَلَى مَا كَانَ مِنْ ثَوَرَانِ الشَّهْوَةِ بِالاِخْتِيَارِ وَعَدَمِهِ عَلَى مَا كَانَ بِدُونِ اخْتِيَارٍ، وَفِي مُقَابِل الصَّحِيحِ ذَهَبَ الإِْصْطَخْرِيُّ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ النَّظَرِ لِتَحَمُّل الشَّهَادَةِ فِي كُل مَا تَقَدَّمَ، وَقِيل: يَجُوزُ فِي الزِّنَى دُونَ غَيْرِهِ، وَقِيل عَكْسُهُ (١) .
_________
(١) نِهَايَة الْمُحْتَاجِ وَحَاشِيَة الشبراملسي ٦ / ١٩٨، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٥ / ٣٧٦، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ١٤٨.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ لِلشَّاهِدِ النَّظَرَ إِلَى وَجْهِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهَا تَحَمُّلًا وَأَدَاءً عِنْدَ طَلَبِ الشَّهَادَةِ مِنْهُ، لِتَكُونَ الشَّهَادَةُ وَاقِعَةً عَلَى عَيْنِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهَا، قَال أَحْمَدُ: لاَ يَشْهَدُ عَلَى امْرَأَةٍ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَرَفَهَا بِعَيْنِهَا، وَأَجَازَ بَعْضُهُمُ النَّظَرَ إِلَى الْكَفَّيْنِ لِلشَّهَادَةِ، وَذَكَرَ ابْنُ رَزِينٍ أَنَّ الشَّاهِدَ يَنْظُرُ إِلَى مَا يَظْهَرُ غَالِبًا، وَاخْتَارَ فِي مَطَالِبِ أُولِي النُّهَى أَنَّ الشَّاهِدَ لَيْسَ لَهُ النَّظَرُ إِلَى غَيْرِ الْوَجْهِ، لأَِنَّ الشَّهَادَةَ لاَ دَخْل لَهَا فِي الْكَفَّيْنِ، وَنُقِل ذَلِكَ عَنِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ (١) .
رَابِعًا: النَّظَرُ لِلْمُعَامَلَةِ:
٣٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنِ الْفُقَهَاءِ فِي تَحْرِيمِ النَّظَرِ لِلْمُعَامَلَةِ إِذَا قُصِدَ بِهِ التَّلَذُّذُ أَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ وُقُوعُ الشَّهْوَةِ مَعَهُ، فَإِنْ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ اللَّذَّةُ وَلاَ خِيفَتْ مِنْهُ الْفِتْنَةُ أَوِ الشَّهْوَةُ، فَيَجُوزُ إِلَى مَا سِوَى الْعَوْرَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا هُوَ مَذْهَبُهُمْ فِي الْحُكْمِ الأَْصْلِيِّ لِلنَّظَرِ، وَهُوَ جَوَازُهُ إِذَا كَانَ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ وَاقْتَصَرَ عَلَى مَا سِوَى الْعَوْرَةِ، وَمِنْ جُمْلَةِ أَدِلَّتِهِمْ عَلَى جَوَازِ نَظَرِ الرَّجُل إِلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ مِنَ الْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ الْحَاجَةُ إِلَى التَّعَامُل بَيْنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ، وَهَذِهِ الْحَاجَةُ لاَ تَسْتَلْزِمُ مِنَ النَّظَرِ إِلَى غَيْرِ مَا سِوَى الْعَوْرَةِ.
_________
(١) مَطَالِب أُولِي النُّهَى ٥ / ١٤، ١٥، وَالإِْنْصَاف ٨ / ٢٢، وَالْمُبْدِع ٧ / ٩.
وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَهُمْ تَحْرِيمُ نَظَرِ الرَّجُل مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى أَيِّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ الْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ حَتَّى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَجَازُوا لِلرَّجُل النَّظَرَ إِلَى وَجْهِ الْمَرْأَةِ لِلْمُعَامَلَةِ مِنْ بَيْعٍ وَشِرَاءٍ وَنَحْوِهِمَا، لِيَرْجِعَ بِالْعُهْدَةِ، وَيُطَالِبَ بِالثَّمَنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلاَ يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَى غَيْرِ الْوَجْهِ، لِلاِكْتِفَاءِ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ فِي تَحْقِيقِ الْحَاجَاتِ النَّاشِئَةِ عَنِ الْمُعَامَلَةِ، وَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى وَجْهِ الرَّجُل لِلْمُعَامَلَةِ أَيْضًا لِتَحَقُّقِ الْحَاجَةِ فِي حَقِّهَا كَالرَّجُل، وَرُوِيَ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُل النَّظَرُ إِلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ مِنَ الْمَرْأَةِ إِذَا كَانَتْ تُعَامِلُهُ، وَذَكَرَ ابْنُ رَزِينٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُبْتَاعِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَظْهَرُ غَالِبًا مِنَ الْمَرْأَةِ الَّتِي تَبِيعُهُ أَوْ تَشْتَرِي مِنْهُ (١) .
خَامِسًا: النَّظَرُ لِلتَّعْلِيمِ:
٣٥ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى اعْتِبَارِ تَعْلِيمِ الْمَرْأَةِ مِنَ الْحَاجَاتِ الَّتِي يُبَاحُ مِنْ أَجْلِهَا النَّظَرُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَقَوْلُهُمْ بِأَنَّ أَصْل الْحَاجَةِ أَوْ أَدْنَى حَاجَةٍ كَافٍ لإِبَاحَةِ النَّظَرِ إِلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ يَدُل عَلَى إِبَاحَةِ
_________
(١) نِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٦ / ١٩٨، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ١٢٨، وَالْحَاوِي الْكَبِير ٩ / ٣٦، وَالْمُبْدِع ٧ / ٩، وَالإِْنْصَاف ٨ / ٢٢، وَمَطَالِب أُولِي النُّهَى ٥ / ١٤
ذَلِكَ لأَِجْل التَّعْلِيمِ، وَقَصَرَ بَعْضُهُمُ الْجَوَازَ عَلَى مَا يَجِبُ تَعَلُّمُهُ وَتَعْلِيمُهُ كَالْفَاتِحَةِ وَمَا يَتَعَيَّنُ تَعْلِيمُهُ مِنَ الصَّنَائِعِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا، بِشَرْطِ التَّعَذُّرِ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَعَدَمِ وُجُودِ الْمُجَانِسِ وَعَدَمِ الْخَلْوَةِ. وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ تَعْلِيمَ الزَّوْجِ لِمُطَلَّقَتِهِ، لأَِنَّ كُلًّا مِنَ الزَّوْجَيْنِ تَعَلَّقَتْ آمَالُهُ بِالآْخَرِ، فَصَارَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا طَمْعَةٌ فِي صَاحِبِهِ فَمُنِعَ مِنْ ذَلِكَ (١) .
_________
(١) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ١٢٨ وَمَا بَعْدَهَا، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٦ / ١٩٩، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٥ / ٢١ وَمَا بَعْدَهَا
نُعَاسٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - النُّعَاسُ فِي اللُّغَةِ: أَوَّل النَّوْمِ أَوِ النَّوْمُ الْقَلِيل، يُقَال: نَعَسَ نَعْسًا وَنَعَسًا وَنُعَاسًا: فَتَرَتْ حَوَاسُّهُ فَقَارَبَ النَّوْمَ فَهُوَ نَاعِسٌ، وَنَعْسَانُ قَلِيلَةٌ، وَمِنْهُ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ (١) .
وَقَال الأَْزْهَرِيُّ: حَقِيقَةُ النُّعَاسِ السِّنَةُ مِنْ غَيْرِ نَوْمٍ، وَمِنْ عَلاَمَاتِ النُّعَاسِ: سَمَاعُ كَلاَمِ الْحَاضِرِينَ وَإِنْ لَمْ يَفْهَمْهُ (٢) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - النَّوْمُ:
٢ - النَّوْمُ: مَعْرُوفٌ وَهُوَ ضِدُّ الْيَقَظَةِ فَتْرَةُ رَاحَةٍ لِلْبَدَنِ وَالْعَقْل تَغِيبُ خِلاَلَهَا الإِْرَادَةُ وَالْوَعْيُ
_________
(١) الأَْنْفَال / ١١
(٢) لِسَان الْعَرَبِ، وَالْقَامُوس الْمُحِيط، وَالْمُعْجَم الْوَسِيط
(٣) الْمُفْرَدَات فِي غَرِيبِ الْقُرْآنِ، وَأَسْنَى الْمَطَالِب ٢ / ٥٦
جُزْئِيًّا أَوْ كُلِّيًّا، وَتَتَوَقَّفُ الْوَظَائِفُ الْبَدَنِيَّةُ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ حَالَةٌ طَبِيعِيَّةٌ، تَتَعَطَّل مَعَهَا الْقُوَى بِسَبَبِ تَرَقِّي الْبُخَارَاتِ إِلَى الدِّمَاغِ (١) .
وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ النُّعَاسِ وَالنَّوْمِ قَال زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ: إِنَّ النَّوْمَ فِيهِ غَلَبَةٌ عَلَى الْعَقْل بِسُقُوطِ الْحَوَاسِّ، وَالنُّعَاسَ لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا فِيهِ فُتُورُ الْحَوَاسِّ (٢) .
ب - الإِْغْمَاءُ:
٣ - الإِْغْمَاءُ فِي اللُّغَةِ: فَقْدُ الْحِسِّ وَالْحَرَكَةِ لِعَارِضٍ (٣) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: آفَةٌ فِي الْقَلْبِ أَوِ الدِّمَاغِ تُعَطِّل الْقُوَى الْمُدْرِكَةَ وَالْمُحَرِّكَةَ عَنْ أَفْعَالِهَا مَعَ بَقَاءِ الْعَقْل مَغْلُوبًا (٤) .
وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ النُّعَاسِ وَالإِْغْمَاءِ: أَنَّ الإِْغْمَاءَ يُعَطِّل الْقُوَى الْمُدْرِكَةَ وَالْمُحَرِّكَةَ عَنْ أَفْعَالِهَا؟ وَأَمَّا النُّعَاسُ فَإِنَّهُ لاَ يُعَطِّل الْقُوَى الْمُدْرِكَةَ وَالْمُحَرِّكَةَ عَنْ أَفْعَالِهَا يَمْنَعُ مِنْ سَمَاعِ كَلاَمِ النَّاسِ.
_________
(١) الْمُعْجَم الْوَسِيط، وَالْمِصْبَاح الْمُنِير، وَلِسَان الْعَرَبِ، وَالْمُفْرِدَاتِ لِلرَّاغِبِ، وَالتَّعْرِيفَات للجرجاني.
(٢) أَسْنَى الْمَطَالِب ١ / ٥٦، وَحَاشِيَة الشَّرْقَاوِي ١ / ٧٠
(٣) الْمُعْجَم الْوَسِيط
(٤) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ١ / ٢٩٧، ٢ / ٤٢٢، وَمَرَاقِي الْفَلاَح بِحَاشِيَةٍ الطحطاوي ص ٥٠، التَّقْرِير وَالتَّحْبِير ٢ / ١٧٩.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالنُّعَاسِ:
أَثَرُ النُّعَاسِ فِي الْوُضُوءِ:
٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْوُضُوءَ لاَ يُنْقَضُ بِالنُّعَاسِ وَلَوْ شَكَّ هَل نَامَ أَوْ نَعَسَ فَلاَ وُضُوءَ عَلَيْهِ لأَِنَّ الأَْصْل الطَّهَارَةُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَضَّأَ. وَقَال زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ: لَوْ رَأَى رُؤْيَا وَشَكَّ أَنَامَ أَمْ لاَ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ لأَِنَّ الرُّؤْيَا لاَ تَكُونُ إِلاَّ بِنَوْمٍ (١) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: النُّعَاسُ فِي حَالَةِ الاِضْطِجَاعِ لاَ يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ ثَقِيلًا أَوْ خَفِيفًا، فَإِنْ كَانَ ثَقِيلًا فَهُوَ حَدَثٌ، وَإِنْ كَانَ خَفِيفًا لاَ يَكُونُ حَدَثًا، وَالْفَاصِل بَيْنَ الْخَفِيفِ وَالثَّقِيل أَنَّهُ إِنْ كَانَ يَسْمَعُ مَا قِيل عِنْدَهُ فَهُوَ خَفِيفٌ، وَإِنْ كَانَ يَخْفَى عَلَيْهِ عَامَّةُ مَا قِيل عِنْدَهُ فَهُوَ ثَقِيلٌ (٢) .
وَقَال الْبُهُوتِيُّ نَقْلًا عَنِ ابْنِ الْمُنِيرِ: يُغْتَفَرُ النُّعَاسُ الْخَفِيفُ، وَالأَْوْلَى لأَِئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ (٣) .
_________
(١) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ١ / ٣٠٢، وَشَرْح الْجُمَل ١ / ٦٩، وَالأُْمِّ ١ / ١٤، ١٨، وَأَسْنَى الْمَطَالِب ١ / ٥٦، وَالْمُغْنِي ١ / ١٧٦، وَشَرْح صَحِيح مُسْلِم لِلنَّوَوِيِّ ٢ / ٦٤ ط دَار الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ.
(٢) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ١ / ١٢، وَابْن عَابِدِينَ ١ / ٩٧.
(٣) كَشَّاف الْقِنَاع ١ / ٢٩٥
النُّعَاسُ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ:
٥ - قَال ابْنُ قُدَامَةَ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ نَعَسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْ يَتَحَوَّل عَنْ مَوْضِعِهِ، وَاسْتَدَل لِذَلِكَ بِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ يَقُول: إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلْيَتَحَوَّل مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ (١) . وَلأَِنَّ تَحَوُّلَهُ عَنْ مَجْلِسِهِ يَصْرِفُ عَنْهُ النَّوْمَ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيُّ: أُحِبُّ لِلرَّجُل إِذَا نَعَسَ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَوَجَدَ مَجْلِسًا غَيْرَهُ - وَلاَ يَتَخَطَّى فِيهِ أَحَدًا - أَنْ يَتَحَوَّل عَنْهُ لِيَحْدُثَ لَهُ الْقِيَامُ وَاعْتِسَافُ الْمَجْلِسِ مَا يُذْعِرُ عَنْهُ النَّوْمَ وَإِنْ ثَبَتَ وَتَحَفَّظَ مِنَ النُّعَاسِ بِوَجْهٍ يَرَاهُ يَنْفِي النُّعَاسَ عَنْهُ فَلاَ أَكْرَهُ ذَلِكَ لَهُ وَلاَ أُحِبُّ إِنْ رَأَى أَنَّهُ يَمْتَنِعُ مِنَ النُّعَاسِ إِذَا تَحَفَّظَ أَنْ يَتَحَوَّل وَأَحْسَبُ مَنْ أَمَرَهُ بِالتَّحَوُّل إِنَّمَا أَمَرَهُ حِينَ غَلَبَ عَلَيْهِ النُّعَاسُ فَظَنَّ أَنْ لَنْ يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ إِلاَّ بِإِحْدَاثِ تَحَوُّلٍ وَإِنْ ثَبَتَ فِي مَجْلِسِهِ نَاعِسًا كَرِهْتُ لَهُ ذَلِكَ وَلاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرْقُدُ زَائِلًا عَنْ حَدِّ الاِسْتِوَاءِ (٣) .
_________
(١) حَدِيث: إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ. . . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (٢ / ٤٠٤ ط الْحَلَبِيّ) وَقَال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(٢) الْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة ٢ / ٣٥٣
(٣) الأُْمّ ١ / ١٩٨.