الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠
وَلِلشَّافِعِيَّةِ قَوْلٌ آخَرُ يُقَابِل الأَْصَحَّ، وَهُوَ أَنَّهُ يُسْتَصْحَبُ فِيهِ حُكْمُ الصِّغَرِ، فَيُعَامَل بِمَا كَانَ يُعَامَل بِهِ فِي الصِّغَرِ، وَلِلْحَنَابِلَةِ قَوْلاَنِ آخَرَانِ فِي حُكْمِ الْخُنْثَى:
الأَْوَّل: أَنَّهُ كَالرَّجُل.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا تَشَبَّهَ بِذَكَرٍ عُومِل كَالرَّجُل، وَإِنْ تَشَبَّهَ بِأُنْثَى عُومِل كَالْمَرْأَةِ (١) .
التَّرْخِيصُ بِالنَّظَرِ إِلَى مَالاَ يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَيْهِ:
٢٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ النَّظَرَ إِلَى مَا لاَ يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَيْهِ فِي الأَْصْل يُبَاحُ فِي مَوْضِعَيْنِ:
الأَْوَّل: إِذَا وَقَعَ عَلَى سَبِيل الْفَجْأَةِ.
الثَّانِي: إِذَا دَعَتْ إِلَيْهِ ضَرُورَةٌ أَوْ حَاجَةٌ، وَفِيمَا يَأْتِي تَفْصِيل ذَلِكَ:
نَظَرُ الْفُجَاءَةِ:
٢٩ - الْفُجَاءَةُ بِالضَّمِّ وَالْمَدِّ، وَكَذَلِكَ الْفَجْأَةُ وِزَانُ تَمْرَةٍ، هِيَ الْبَغْتَةُ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ سَبَبٍ (٢)، وَيُقْصَدُ بِنَظَرِ الْفَجْأَةِ النَّظَرُ غَيْرُ الْمَقْصُودِ مِنَ النَّاظِرِ.
وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ هَذَا النَّظَرَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ وَلاَ إِثْمَ فِيهِ، لِمَا وَرَدَ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
_________
(١) مَجْمَع الأَْنْهُر ٢ / ٧٢٩، ٧٣٠، وَمَغْنَى الْمُحْتَاج ٣ / ١٣٢، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٥ / ٣٧٤ - ٣٧٥، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٦ / ١٩٥، وَكَشَّاف الْقِنَاع ١ / ٣٠٩، الإِْنْصَاف ٨ / ٢٧، وَمَطَالِب أُولِي النُّهَى ٥ / ١٧.
(٢) الْمِصْبَاح، وَالْمُعْجَم الْوَسِيط.
﵁ أَنَّهُ قَال: سَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي (١)، فَدَل عَلَى أَنَّ الإِْثْمَ فِي اسْتِدَامَةِ النَّظَرِ بَعْدَ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ، وَلَيْسَ فِي النَّظْرَةِ الأُْولَى غَيْرِ الْمَقْصُودَةِ أَيُّ إِثْمٍ، وَلِمَا وَرَدَ عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: يَا عَلِيُّ لاَ تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّ لَكَ الأُْولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآْخِرَةُ (٢) . فَدَل عَلَى أَنَّ النَّظْرَةَ الأُْولَى إِذَا كَانَتْ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لاَ إِثْمَ فِيهَا (٣) .
نَظَرُ الْحَاجَةِ:
٣٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ عَلَى إِبَاحَةِ النَّظَرِ لِلضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ إِلَى مَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَيْهِ عِنْدَ تَحَقُّقِهَا، وَإِنَّمَا وَقَعَ بَيْنَهُمْ خِلاَفٌ فِي تَحْدِيدِ الْحَاجَاتِ الْمُبِيحَةِ وَالْمَوَاضِعِ الَّتِي يَحِل النَّظَرُ إِلَيْهَا، وَشُرُوطِ الإِْبَاحَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ مِنَ
_________
(١) حَدِيث: سَأَلَتْ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ نَظَر الْفُجَاءَة. . . أَخْرَجَهُ مُسْلِم (٣ / ١٦٩٩ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) .
(٢) حَدِيث: يَا عَلِيّ لاَ تَتْبَعُ النَّظْرَة النَّظْرَة فَإِنَّ لَك الأُْولَى. . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (٢ / ٦١٠ ط حِمْص وَالتِّرْمِذِيّ (٥ / ١٠١ ط الْحَلَبِيّ)، وَقَال التِّرْمِذِيّ: حَسَن غَرِيب.
(٣) تَفْسِير الْقُرْطُبِيّ ١٢ / ٢٢٣ ط دَار الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، وَالْمُرَقَّاةِ ٦ / ٣٧٩، ٢٨٢، وَالْبَيَان وَالتَّحْصِيل ٤ / ٣٠٥، وَمَطَالِب أُولِي النُّهَى ٥ / ١٨، وَالإِْنْصَاف ٨ / ٢٧، وَفَتْح الْقَدِير للشوكاني ٤ / ٣١.
الْحَاجَاتِ الْمُبِيحَةِ لِلنَّظَرِ: الْخِطْبَةَ وَالتَّدَاوِيَ وَالْقَضَاءَ وَالشَّهَادَةَ وَالْمُعَامَلَةَ وَالتَّعْلِيمَ وَغَيْرَهَا.
أَوَّلًا - النَّظَرُ لِلْخِطْبَةِ:
٣١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ نَظَرِ الْخَاطِبِ إِلَى الْمَخْطُوبَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ هَذَا النَّظَرِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ النَّظَرُ لِلأَْمْرِ بِهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مَعَ التَّعْلِيل بِأَنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَهُمَا.
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنْ يُبَاحَ لِمَنْ أَرَادَ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إِجَابَتُهُ نَظَرَهَا.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (خُطْبَة ف ٢٦ - ٣٢) .
ثَانِيًا - النَّظَرُ لِلْعِلاَجِ وَمَا يَلْتَحِقُ بِهِ:
٣٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ النَّظَرِ لِلْعِلاَجِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ، مَهْمَا كَانَ النَّاظِرُ وَالْمَنْظُورُ إِلَيْهِ، رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً، وَمَهْمَا كَانَ مَحَل النَّظَرِ عَوْرَةً أَوْ غَيْرَهَا، وَذَلِكَ بِشُرُوطٍ هِيَ:
أ - أَنْ تُوجَدَ حَاجَةٌ مَاسَّةٌ لِلْعِلاَجِ وَنَحْوِهِ، كَمَرَضٍ أَوْ أَلَمٍ أَوْ هُزَالٍ فَاحِشٍ يُعْتَبَرُ أَمَارَةً عَلَى وُجُودِ مَرَضٍ، وَأَلْحَقُوا بِذَلِكَ حَاجَاتٍ أُخْرَى مِنْهَا الْخِتَانُ لِلرِّجَال وَالنِّسَاءِ، لأَِنَّهُ سَنَةٌ فِي حَقِّ
الرِّجَال وَمَكْرُمَةٌ فِي حَقِّ النِّسَاءِ، وَكَذَلِكَ الْفَصْدُ وَالْحِجَامَةُ، فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ اسْتَأْذَنَتْ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الْحِجَامَةِ، فَأَمَرَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أَبَا طَيْبَةَ أَنْ يُحْجِمَهَا (١)، وَمِنْ ذَلِكَ الْوِلاَدَةُ تُعْتَبَرُ حَاجَةً مُبِيحَةً لِنَظَرِ الْقَابِلَةِ إِلَى مَوْضِعِ الْفَرْجِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَرْأَةِ، لأَِنَّهُ لاَبُدَ مِنْهُ لاِسْتِقْبَال الْمَوْلُودِ، وَبِدُونِهِ يُخْشَى عَلَى الْوَلَدِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا إِعْطَاءُ الْحُقْنَةِ لِلْعِلاَجِ، فَإِنَّهَا نَوْعٌ مِنَ الْمُدَاوَاةِ، فَيُبَاحُ النَّظَرُ إِلَى مَوْضِعِ الْحَقْنِ، وَلَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ اشْتَرَطُوا أَنْ يَكُونَ الْحَقْنُ لِعِلاَجِ مَرَضٍ، وَلَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ وُجُودِ الْمَنْفَعَةِ الظَّاهِرَةِ مِنْهُ، فَنَصُّوا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ النَّظَرِ إِلَى مَوْضِعِ الاِحْتِقَانِ إِذَا كَانَتِ الْغَايَةُ مِنْهُ مُجَرَّدَ التَّقَوِّي عَلَى الْجِمَاعِ، خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ.
وَمِنَ الْحَاجَاتِ الْمُلْحَقَةِ بِهَذَا الْبَابِ الْقِيَامُ عَلَى خِدْمَةِ مَرِيضٍ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ كَأَقْطَعِ الْيَدَيْنِ، فَيُبَاحُ النَّظَرُ لِمُسَاعَدَتِهِ فِي قَضَاءِ حَاجَاتِهِ الشَّخْصِيَّةِ كَالْوُضُوءِ وَالاِسْتِنْجَاءِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ، وَمِنْهَا أَيْضًا الْحَاجَةُ إِلَى مَعْرِفَةِ بَكَارَةِ امْرَأَةٍ أَوْ ثُيُوبَتِهَا أَوْ بُلُوغِ رَجُلٍ، فَإِنَّ الرَّسُول ﷺ لَمَّا حَكَّمَ
_________
(١) حَدِيث: أَمَرَ أَبَا طِيبَةٍ أَنْ يُحْجِمَ أَمْ سَلَمَة. . . سَبَقَ تَخْرِيجه ف ١٣.
سَعْدًا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، وَاحْتِيجَ لِمَعْرِفَةِ الْبَالِغِينَ مِنْهُمْ أَمَرَ بِالْكَشْفِ عَنْ مُؤْتَزَرِهِمْ، قَال عَطِيَّةُ الْقُرَظِيُّ: عُرِضْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ فَكَانَ مَنْ أَنْبَتَ قُتِل، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ خَلَّى سَبِيلَهُ وَكُنْتُ مِمَّنْ لَمْ يَنْبِتْ فَخَلَّى سَبِيلِي (١)، كَمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّهُ أُتِيَ بِغُلاَمٍ سَرَقَ، فَقَال: انْظُرُوا إِلَى مُؤْتَزَرِهِ، فَلَمْ يَجِدُوهُ أَنْبَتَ الشَّعْرَ فَلَمْ يَقْطَعْهُ (٢)،.، وَمِنْهَا ضَرُورَةُ إِنْقَاذِ إِنْسَانٍ مِنْ غَرَقٍ أَوْ حَرْقٍ أَوْ هَدْمٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَيَجُوزُ لِلْمُنْقِذِ النَّظَرُ إِلَى الْمُضْطَرِّ فِي حُدُودِ الضَّرُورَةِ (٣) .
ب - أَنْ يَكُونَ النَّظَرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ أَوِ الْحَاجَةِ
_________
(١) حَدِيث عَطِيَّةٍ الْقُرَظِيّ: عَرَضْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ. . . . . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (٤ / ١٤٥) وَقَال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(٢) أَثَر عُثْمَان رَضِيَ اللَّهُ: أَنَّهُ أُتِيَ بِغُلاَمٍ سَرَقَ. . . أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق فِي الْمُصَنَّفِ (٧ / ٣٣٨، ١٠ / ١٧٨ ط الْمَجْلِس الْعِلْمِيّ) .
(٣) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٩ / ٥٣٢ - ٥٣٣، بَدَائِع الصَّنَائِع ٥ / ١٢٤، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٥ / ٣٣٠، وَتَبْيِين الْحَقَائِقِ ٦ / ١٧، وَالْهِدَايَة مَعَ تَكْمِلَةِ الْفَتْحِ ١٠ / ٣٠ / ٣١، وَالْمَبْسُوط ١٠ / ١٥٦، وَالْفَوَاكِه الدَّوَانِي ٢ / ٣٦٧، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ١٣٣، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٦ / ١٩٧، وَالْحَاوِي الْكَبِير ٩ / ٣٥، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٥ / ٣٧٥، ٢ وَالْمُبَاع ٩ / ٩، ١٠، وَمَطَالِب أُولِي النُّهَى ٥ / ١٥، ٢ وَكَشَّاف الْقِنَاع / ٣٠٨ ١، ٥ / ١٣، وَالإِْنْصَاف ٨ / ٢٢، وَتَفْسِير الرَّازِيّ ٦ / ٣٥٤ (الْمَطْبَعَة الْخَيْرِيَّة) .
فَمَا لَزِمَ لِدَفْعِهَا جَازَ، وَمَا زَادَ عَنْ قَدْرِ الضَّرُورَةِ بَقِيَ عَلَى أَصْل التَّحْرِيمِ، وَلِذَلِكَ اشْتَرَطُوا فِي نَظَرِ الطَّبِيبِ أَنْ لاَ يَعْدُوَ مَوَاضِعَ الْمَرَضِ وَمَا يَلْزَمُ لِمَعْرِفَتِهِ، وَالْخَاتِنُ لاَ يَنْظُرُ إِلاَّ إِلَى مَوْضِعِ الْخِتَانِ، وَفِي الْحُقْنَةِ لاَ يُنْظَرُ إِلاَّ إِلَى مَوْضِعِ الْحَقْنِ، وَفِي الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ يُقْتَصَرُ فِي إِبَاحَةِ النَّظَرِ عَلَى مَوْضِعِهِمَا، وَكَذَلِكَ النَّظَرُ لِتَحْدِيدِ الْبَكَارَةِ وَالثُّيُوبَةِ وَالْبُلُوغِ لاَ يَحِل النَّظَرُ إِلاَّ إِلَى الْمَوَاضِعِ اللاَّزِمَةِ لِهَذَا الْغَرَضِ.
وَاشْتَرَطَ فُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْحَاجَةِ الْمُبِيحَةِ لِلنَّظَرِ أَنْ تَكُونَ مُلاَئِمَةً مِنْ حَيْثُ قُوَّتُهَا وَتَأَكُّدُهَا لِغِلَظِ الْعَوْرَةِ وَخِفَّتِهَا، فَإِذَا كَانَ النَّظَرُ إِلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ اعْتُبِرَ أَصْل الْحَاجَةِ أَوْ أَدْنَى حَاجَةٍ، وَفِيمَا عَدَاهُمَا سِوَى السَّوْأَتَيْنِ يُعْتَبَرُ تَأَكُّدُ الْحَاجَةِ، وَفِي السَّوْأَتَيْنِ اعْتَبَرُوا الْحَاجَةَ الشَّدِيدَةَ أَوِ الضَّرُورَةَ (١) .
ج - عِنْدَ اخْتِلاَفِ الْجِنْسِ يُشْتَرَطُ لإِبَاحَةِ النَّظَرِ لِلْعِلاَجِ أَنْ لاَ تَكُونَ خَلْوَةً بَيْنَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ؛ لأَِنَّ الْحَاجَةَ تُسَوِّغُ النَّظَرَ، وَلاَ تُسَوِّغُ الْخَلْوَةَ، فَتَبْقَى
_________
(١) الْبَدَائِع ٥ / ١٢٤، وَمَجْمَع الأَْنْهُر ٢ / ٥٣٢، ٢ وَالْهِدَايَة مَعَ تَكْمِلَةِ الْفَتْحِ ١٠ / ٣٠، ٣١، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٦ / ١٩٧، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ١٣٣، وَالْحَاوِي ٩ / ٣٥، وَالْمُبْدِع ٧ / ٩، وَمَطَالِب أُولِي النُّهَى ٥ / ١٥.
مُحَرَّمَةً، إِلاَّ إِذَا تَعَذَّرَ وُجُودُ مَانِعٍ لِلْخَلْوَةِ مِنْ مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ أَوْ خِيفَ الْهَلاَكُ قَبْل حُضُورِهِ (١) .
د - اشْتَرَطَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ لِحِل النَّظَرِ بَيْنَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ لِلْعِلاَجِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ أَنْ يَتَعَذَّرَ دَفْعُ الْحَاجَةِ بِاللُّجُوءِ إِلَى الْجِنْسِ الْمُشَابِهِ، فَلاَ يُعَالِجُ الرَّجُل الْمَرْأَةَ مَعَ وُجُودِ امْرَأَةٍ أُخْرَى تَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ بِذَلِكَ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي يَدْفَعُ الْحَاجَةَ، وَكَذَلِكَ لاَ تُعَالِجُ الْمَرْأَةُ الرَّجُل مَعَ وُجُودِ رَجُلٍ يُمْكِنُهُ الْقِيَامُ بِالْعِلاَجِ الْمَطْلُوبِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ نَظَرَ الإِْنْسَانِ إِلَى جِنْسِهِ أَخَفُّ مِنْ نَظَرِهِ إِلَى غَيْرِ جِنْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدِ الْمُعَالِجُ مِنَ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ أَوْ وُجِدَ وَكَانَ لاَ يُحْسِنُ الْعِلاَجَ جَازَ نَظَرُ الرَّجُل إِلَى الْمَرْأَةِ وَعَكْسُهُ.
وَلَمْ يَشْتَرِطْ بَعْضُ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ هَذَا الشَّرْطَ، وَاشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ فِي النَّظَرِ لِلْعِلاَجِ وَنَحْوِهِ أَنْ لاَ يُمْكِنَ تَعْلِيمُ شَخْصٍ مُجَانِسٍ لِلْمَنْظُورِ إِلَيْهِ الشَّيْءَ الْمَطْلُوبَ مِنْ مُعَالَجَةٍ وَنَحْوِهَا، فَإِنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزِ النَّظَرُ، وَقَصَرَ بَعْضُهُمْ هَذَا الشَّرْطَ عَلَى حَالَةِ النَّظَرِ إِلَى الْفَرْجِ لِلْعِلاَجِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ وَجَبَ سَتْرُ كُل عُضْوٍ سِوَى مَوْضِعِ الْمَرَضِ، ثُمَّ يَنْظُرُ وَيَغُضُّ
_________
(١) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ١٣٣، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٦ / ١٩٧، ٣ / ١٧٥، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٥ / ٣٧٥، وَمَطَالِب أُولِي النُّهَى ٥ / ١٥.
بَصَرَهُ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ مَا اسْتَطَاعَ (١) .
هـ - اشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لِحِل النَّظَرِ بِقَصْدِ الْعِلاَجِ وَنَحْوِهِ أَنْ لاَ يَكُونَ الْمُعَالِجُ ذِمِّيًّا إِذَا وُجِدَ مُسْلِمٌ يَقُومُ مَقَامَهُ (٢)، إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ ذَهَبُوا إِلَى تَقْدِيمِ الْمُجَانِسِ لِلْمَرِيضِ فِي النَّظَرِ لِلْعِلاَجِ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا، عَلَى غَيْرِ الْمُجَانِسِ وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا، فَلَوْ لَمْ يُوجَدْ لِعِلاَجِ الْمَرْأَةِ إِلاَّ كَافِرَةٌ وَمُسْلِمٌ تُقَدَّمُ الْكَافِرَةُ، لأَِنَّ نَظَرَهَا وَمَسَّهَا أَخَفُّ مِنَ الرَّجُل، وَقَدْ رَتَّبَ الْبُلْقِينِيُّ ذَلِكَ فَقَال: إِنْ كَانَتِ الْمَرِيضَةُ امْرَأَةً مَسْلِمَةً فَيُعْتَبَرُ وُجُودُ امْرَأَةٍ مَسْلِمَةٍ، فَإِنْ تَعَذَّرَتْ فَصَبِيٌّ مُسْلِمٌ غَيْرُ مُرَاهِقٍ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَصَبِيٌّ كَافِرٌ غَيْرُ مُرَاهِقٍ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَامْرَأَةٌ كَافِرَةٌ، فَإِنْ تَعَذَّرَتْ فَمَحْرَمُهَا الْمُسْلِمُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَمَحْرَمُهَا الْكَافِرُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَأَجْنَبِيٌّ مُسْلِمٌ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَأَجْنَبِيٌّ كَافِرٌ، لَكِنْ رَأَى الرَّمْلِيُّ وَالْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ أَنَّ الْمُتَّجَهَ تَأْخِيرُ الْمَرْأَةِ الْكَافِرَةِ عَنِ الْمَحْرَمِ بِقِسْمَيْهِ.، كَمَا رَجَّحَ الرَّمْلِيُّ تَقْدِيمَ الْمَمْسُوحِ فِي الْمُعَالَجَةِ عَلَى الْمُرَاهِقِ وَالأُْنْثَى
_________
(١) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٥ / ٣٣٠، وَمَجْمَع الأَْنْهُر ٢ / ٥٣٨، وَالْهِدَايَة مَعَ تَكْمِلَةِ الْفَتْحِ ١٠ / ٣١، وَالْمَبْسُوط ١٠ / ١٥٦، مُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ١٣٣، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٦ / ١٩٧، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٥ / ٣٧٥.
(٢) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ١٣٣، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٦ / ١٩٧، وَالْمُبْدِعِ ٧ / ٩، وَمَطَالِب أُولِي النُّهَى ٥ / ١٥.
وَلَوْ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ وَالدِّينِ، وَاعْتَبَرَ وُجُودَ مَنْ لاَ يَرْضَى بِالْمُعَالَجَةِ إِلاَّ بِأَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ كَالْعَدَمِ، وَاحْتُمِل أَنَّهُ لِوُجُودِ كَافِرٍ يَرْضَى بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْل وَمُسْلِمٍ لاَ يَرْضَى إِلاَّ بِهَا فَالْمُسْلِمُ كَالْعَدَمِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ بِسُقُوطِ حَضَانَةِ الأُْمِّ إِذَا طَلَبَتْ أُجْرَةَ الْمِثْل وَوَجَدَ الأَْبُ مَنْ يَرْضَى بِدُونِهَا، وَقَدَّمَ بَعْضُهُمُ الأَْمْهَرَ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ وَالدِّينِ فَلَوْ وُجِدَ كَافِرٌ أَعْرَفُ بِالدَّاءِ وَالدَّوَاءِ مِنَ الْمُسْلِمِ وَالْمُسْلِمَةِ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ (١) .
وَ- اشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ أَنْ يَكُونَ الْمُعَالِجُ أَمِينًا غَيْرَ مُتَّهَمٍ فِي خُلُقِهِ وَدِينِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ وُجُودُ الأَْمِينِ جَازَ الرُّجُوعُ إِلَى غَيْرِهِ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ، وَاشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ فِي مُعَالَجَةِ الرَّجُل لِلْمَرْأَةِ وَجَوَازِ نَظَرِهِ إِلَيْهَا أَنْ يَأْمَنَ الاِفْتِتَانَ بِهَا إِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ، فَإِنْ تَعَيَّنَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَالِجَهَا وَيَكُفَّ نَفْسَهُ مَا أَمْكَنَ (٢) .
ثَالِثًا: النَّظَرُ لِلْقَضَاءِ وَالشَّهَادَةِ:
٣٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَحِل لِلْقَاضِي أَنْ يَنْظُرَ بِغَرَضِ الْقَضَاءِ إِلَى وَجْهِ الْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ، وَإِنْ عَلِمَ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وُقُوعُ الشَّهْوَةِ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَقْصِدَهَا عِنْدَ النَّظَرِ، وَأَمَّا النَّظَرُ إِلَى الْكَفَّيْنِ
_________
(١) نِهَايَة الْمُحْتَاجِ مَعَ حَاشِيَة الشبراملسي ٦ / ١٩٧، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ١٣٣.
(٢) نِهَايَة الْمُحْتَاجِ مَعَ حَاشِيَة الشبراملسي ٦ / ١٩٧، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ١٣٣، وَالْحَاوِي الْكَبِير ٩ / ٣٥.
فَيَحْرُمُ إِنْ قَصَدَ اللَّذَّةَ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وُقُوعُ الشَّهْوَةِ، فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهَا وَأَمِنَ الشَّهْوَةَ فَهُوَ جَائِزٌ.
وَالشَّاهِدُ عِنْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ حُكْمُهُ فِي النَّظَرِ كَالْقَاضِي، وَأَمَّا النَّظَرُ لِتَحَمُّلِهَا فَقَدِ اخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ فِي جَوَازِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الأَْوَّل: - وَهُوَ الأَْصَحُّ - أَنَّهُ يَحْرُمُ إِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الشَّهْوَةُ، لأَِنَّهُ لاَ ضَرُورَةَ عِنْدِ التَّحَمُّل، فَقَدْ يُوجَدُ مَنْ يَتَحَمَّل الشَّهَادَةَ وَلاَ يَشْتَهِي، بِخِلاَفِ حَالَةِ الأَْدَاءِ، حَيْثُ الْتَزَمَ هَذِهِ الأَْمَانَةَ بِالتَّحَمُّل، وَهُوَ مُتَعَيَّنٌ لأَِدَائِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ وَإِنْ لَمْ يَأْمَنِ الشَّهْوَةَ، وَذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ يَقْصِدَ تَحَمُّل الشَّهَادَةِ لاَ قَضَاءَ الشَّهْوَةِ، فَإِذَا تَحَقَّقَ هَذَا الشَّرْطُ جَازَ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، فَلِشُهُودِ الزِّنَى مَثَلًا أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى مَوْضِعِ الْعَوْرَةِ بِقَصْدِ تَحَمُّل الشَّهَادَةِ، وَأَمَّا إِذَا أَمِنَ الشَّهْوَةَ فَلاَ خِلاَفَ عِنْدَهَمْ فِي جَوَازِ النَّظَرِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ لِتَحَمُّل الشَّهَادَةِ، فَالْخِلاَفُ عِنْدَهُمْ فِي حُكْمِ نَظَرِ الشَّاهِدِ تَحَمُّلًا عِنْدَ خَوْفِ الشَّهْوَةِ وَلَيْسَ عِنْدَ أَمْنِهَا (١) .
_________
(١) الْمَبْسُوط ١٠ / ١٥٤، ١٥٥، وَمَجْمَع الأَْنْهُر ٢ / ٥٤٠، وَالْهِدَايَة وَتَكْمِلَة الْفَتْحِ ١٠ / ٣٠ - ٣٣، وَالْبَدَائِع ٥ / ١٢٢، وَتَبْيِين الْحَقَائِقِ ٦ / ١٧، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ ٥ / ٣٢٩، ٣٣٠