الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠ الصفحة 72

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠

وَالنَّوَوِيُّ وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُمْ هُوَ الأَْصَحُّ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ.

وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ هَذَا الْقَوْل يَرَوْنَ أَنَّهُ يَحِل لِلْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ أَنْ تُمَكِّنَ الْكَافِرَةَ مِنَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا، وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا تَمْكِينُهَا مِنَ النَّظَرِ إِلَى مَا سِوَى ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي الْمُعْتَمَدِ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ تَيْمِيَةَ، وَعَلَى الْقَوْل الآْخَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ يَحِل لِلْمُسْلِمَةِ أَنْ تُمَكِّنَ الْكَافِرَةَ مِنَ النَّظَرِ إِلَى شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهَا، وَهُوَ قَوْلٌ لِبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، وَهَذَا الْقَوْل إِذَا كَانَتِ الْكَافِرَةُ غَيْرَ مَحْرَمٍ لِلْمُسْلِمَةِ (أَيْ تَنْزِل مَنْزِلَةَ الرَّجُل الْمَحْرَمِ) وَغَيْرَ مَمْلُوكَةٍ لَهَا، أَمَّا هُمَا فَيَجُوزُ لَهُمَا النَّظَرُ إِلَيْهَا.

وَاسْتَدَل أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْل بِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَوْ نِسَائِهِنَّ (١) فَقَدْ فَسَّرَهَا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّهُنَّ النِّسَاءُ الْمُسْلِمَاتُ الْحَرَائِرُ، وَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى مَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مِنْ قَوْلِهِ فِي تَفْسِيرِ الآْيَةِ: هُنَّ الْمُسْلِمَاتُ لاَ تُبْدِيهِ لِيَهُودِيَّةٍ وَلاَ نَصْرَانِيَّةٍ، وَلأَِنَّهُ لَوْ جَازَ لِلْكَافِرَةِ النَّظَرُ إِلَى الْمُسْلِمَةِ لَمْ يَبْقَ لِلتَّخْصِيصِ الْوَارِدِ فِي الآْيَةِ بِالإِْضَافَةِ فَائِدَةٌ، فَدَل عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ صِنْفٌ مِنَ

_________

(١) سُورَة النُّور / ٣١

النِّسَاءِ هُنَّ الْمُسْلِمَاتُ. وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ عَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ ﵁: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ نِسَاءً مِنْ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ يَدْخُلْنَ الْحَمَّامَاتِ وَمَعَهُنَّ نِسَاءُ أَهْل الْكِتَابِ فَامْنَعْ ذَلِكَ وَحُل دُونَهُ وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِنَّهُ لاَ يَحِل لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى عَوْرَتِهَا إِلاَّ أَهْل مِلَّتِهَا (١)، أَيْ مَا يُعَرَّى وَيَنْكَشِفُ مِنْهَا.

وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَال: لاَ تَضَعُ الْمُسْلِمَةُ خِمَارَهَا عِنْدَ مُشْرِكَةٍ، وَلاَ تُقَبِّلُهَا، لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُول: أَوْ نِسَائِهِنَّ فَلَيْسَتْ مِنْ نِسَائِهِنَّ. كَمَا اسْتَدَلُّوا بِأَنَّ كَشْفَ الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ عَنْ بَدَنِهَا أَمَامَ الْكَافِرَةِ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى أَنْ تَصِفَهَا لِزَوْجِهَا أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ دِينَهَا لاَ يَمْنَعُهَا عَنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْمُسْلِمَةُ فَإِنَّهَا تَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ فَتَنْزَجِرُ عَنْهُ (٢) .

وَقَدْ وَرَدَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ تُقَبِّل النَّصْرَانِيَّةُ الْمُسْلِمَةَ أَوْ تَرَى عَوْرَتَهَا وَيَتَأَوَّل

_________

(١) أَثَر عُمَر أَمَّا بَعْدٌ فَإِنَّهُ بَلَّغَنِي أَنَّ نِسَاءً مِنْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ. . . أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى (٧ / ٩٥ ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ) بِرِوَايَتَيْهِ.

(٢) الدَّرّ الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ٩ / ٥٣٤، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٥ / ٣٢٧، وَمَجْمَع الأَْنْهُر ٢ / ٥٣٩، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ وَتَقْرِيرَات الشَّيْخِ عِلِيش ١ / ٢١٣، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٧ / ٢٢ وَمَا بَعْدَهَا، ٣ / ١٧٤، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ١٢٨ وَمَا بَعْدَهَا، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٦ / ١٩٤، وَالإِْنْصَاف ٨ / ٢٥، وَالْمُبْدِع ٧ / ١٠، وَفَتْح الْقَدِير للشوكاني ٤ / ٣٢، وَتَفْسِير الْقُرْطُبِيّ ١٢ / ٢٣٣، وَتَفْسِير ابْن كَثِير ٢ / ٦٠٠، ٦٠١، وَأَحْكَام الْقُرْآنِ لِلْجَصَّاصِ - تَفْسِير سُورَةِ النُّور (٣ / ٣١٨

" أَوْ نِسَائِهِنَّ " (١) .

الْقَوْل الثَّانِي: أَنَّ نَظَرَ الْمَرْأَةِ الْكَافِرَةِ إِلَى الْمُسْلِمَةِ كَنَظَرِ الْمُسْلِمَةِ إِلَى الْمُسْلِمَةِ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَدِ اسْتَظْهَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ، فَقَدْ قَال: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أُرِيدَ بِنِسَائِهِنَّ مَنْ يَصْحَبُهُنَّ مِنَ الْحَرَائِرِ مَسْلَمَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا، وَالنِّسَاءُ كُلُّهُنَّ فِي حِل نَظَرِ بِعْضِهِنَّ إِلَى بَعْضٍ سَوَاءٌ. وَيُسْتَفَادُ مِثْل هَذَا مِنْ قَوْل السَّرَخْسِيِّ: إِنْ كَانَ مَعَ الرِّجَال امْرَأَةٌ كَافِرَةٌ عَلَّمُوهَا الْغُسْل لِتُغَسِّلَهَا، لأَِنَّ نَظَرَ الْجِنْسِ لاَ يَخْتَلِفُ بِالْمُوَافَقَةِ فِي الدِّينِ وَالْمُخَالَفَةِ وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ اعْتَبَرَهُ الْغَزَالِيُّ هُوَ الأَْصَحُّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ الْكَبِيرِ وَنَصَرَاهُ، وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْكَافِي، وَقَدْ رَجَّحَ هَذَا الْقَوْل

_________

(١) أَثَر: أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ تَقْبَل النَّصْرَانِيَّة الْمُسْلِمَة. . أَخْرَجَهُ الطَّبَرَيْ (١٨ / ٩٥ ط دَار الْمَعْرِفَة) .

مِنَ الْعُلَمَاءِ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ، حَيْثُ نَقَل عَنْهُ الأَْلُوسِيُّ أَنَّهُ قَال: وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا كَالْمُسْلِمَةِ، وَالْمُرَادُ بِنِسَائِهِنَّ جَمِيعُ النِّسَاءِ، وَقَوْل السَّلَفِ مَحْمُولٌ عَلَى الاِسْتِحْبَابِ. وَكَذَلِكَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، حَيْثُ قَال: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِجَمِيعِ النِّسَاءِ، وَإِنَّمَا جَاءَ بِالضَّمِيرِ لِلاِتِّبَاعِ، فَإِنَّهَا آيَةُ الضَّمَائِرِ، إِذْ فِيهَا خَمْسٌ وَعِشْرُونَ ضَمِيرًا، لَمْ يَرِدْ فِي الْقُرْآنِ لَهَا نَظِيرٌ.

وَاسْتَدَل أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْل بِأَنَّ نِسَاءَ أَهْل الْكِتَابِ كُنَّ يَدْخُلْنَ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمْ يَكُنَّ يَتَحَجَّبْنَ وَلاَ أُمِرْنَ بِحِجَابٍ وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِالْقِيَاسِ عَلَى نَظَرِ الرَّجُل الْكَافِرِ لِلرَّجُل الْمُسْلِمِ بِجَامِعِ اتِّحَادِ الْجِنْسِ، فَكَمَا لَمْ يُفَرَّقْ فِي حُكْمِ النَّظَرِ بَيْنَ الرِّجَال بِاخْتِلاَفِ الدِّينِ، فَكَذَلِكَ فِي حُكْمِهِ بَيْنَ النِّسَاءِ، وَلأَِنَّ الْمَعْنَى الَّذِي مُنِعَ بِهِ الرِّجَال مِنَ النَّظَرِ إِلَى النِّسَاءِ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي النَّظَرِ بَيْنَ النِّسَاءِ، سَوَاءٌ اتَّحَدَ الدِّينُ أَمِ اخْتَلَفَ، وَلأَِنَّ هَذَا الْقَوْل أَرْفَقُ بِالنَّاسِ وَيَرْفَعُ حَرَجًا عَنْهُمْ، إِذْ لاَ يَكَادُ يُمْكِنُ احْتِجَابُ الْمُسْلِمَاتِ عَنِ الذِّمِّيَّاتِ (١) .

_________

(١) الْعِنَايَة عَلَى الْهِدَايَةِ ١٠ / ٤٧، ٤٨، وَالْمَبْسُوط ١٠ / ١٦١، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٧ / ٢١ وَمَا بَعْدَهَا، وَزَاد الْمُحْتَاجِ ٣ / ١٢١ وَمَا بَعْدَهَا، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٤ / ٢١٤، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٦ / ١٩٤، وَالإِْنْصَاف ٨ ٢٤، وَالْمُبْدِع ٧ ١٠، وَمَطَالِب أُولِي النُّهَى ٥ / ١٥، وَالْمُغْنِي ٦ / ٥٦٢، ٥٦٣، وَتَفَاسِير الأَْلُوسِي ١٨ / ١٤٣، وَأَحْكَام الْقُرْآنِ لاِبْنِ الْعَرَبِيِّ ٣ / ٣٢٦.

الْقَوْل الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمَةِ أَنْ تُمَكِّنَ الْكَافِرَةَ مِنَ النَّظَرِ إِلَى مَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ مَحَارِمُهَا، وَهُوَ قَوْل بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَصَفَهُ النَّوَوِيُّ بِالأَْشْبَهِ وَالرَّمْلِيُّ وَالْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ بِالْمُعْتَمِدِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (١) .

نَظَرُ الْفَاجِرَةِ إِلَى الْعَفِيفَةِ:

٢٤ - نَصَّ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِلْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهَا الْمَرْأَةُ الْفَاجِرَةُ، لأَِنَّهَا تَصِفُهَا عِنْدَ الرِّجَال، فَلاَ تَضَعُ جِلْبَابَهَا وَلاَ خِمَارَهَا أَمَامَهَا (٢) .

وَذَهَبَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْفَاسِقَةَ مَعَ الْعَفِيفَةِ كَالْكَافِرَةِ مَعَ الْمُسْلِمَةِ، يَعْنِي أَنَّ الْمُسْلِمَةَ الْعَفِيفَةَ يَحْرُمُ عَلَيْهَا تَمْكِينُ الْفَاسِقَةِ مِنَ النَّظَرِ إِلَى بَدَنِهَا، وَتَابَعَهُ آخَرُونَ مِنْ عُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ كَالزَّرْكَشِيِّ، لَكِنَّ

_________

(١) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ وَتَقْرِيرَات الشَّيْخِ عِلِيش عَلَيْهَا ١ / ٢١٣، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٧ / ٢١ وَمَا بَعْدَهَا، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ١٢٨ وَمَا بَعْدَهَا، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٦ / ١٩٤، وَالإِْنْصَاف ٨ / ٢٤، وَالْمُبْدِع ٧ / ١٠ - ١١.

(٢) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٥ / ٣٢٧.

بَعْضَهُمْ قَصَرَ هَذَا الْحُكْمَ عَلَى نَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الْفَاسِقَاتِ هُنَّ الْمُسَاحِقَاتِ، أَوْ مَنْ كَانَ عِنْدَهُنَّ مَيْلٌ إِلَى النِّسَاءِ، وَعَمَّمَهُ آخَرُونَ عَلَى كُل فَاسِقَةٍ سَوَاءٌ أَكَانَ فِسْقُهَا بِسَبَبِ تَعَاطِي السِّحَاقِ أَمْ بِسَبَبِ الزِّنَا أَمْ بِسَبَبِ الْقِيَادَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، لَكِنَّ أَكْثَرَ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ يَرَوْنَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ وَغَيْرُهُ، لأَِنَّ الْفَاسِقَةَ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ، وَالْفِسْقُ لاَ يُخْرِجُهَا عَنِ الإِْيمَانِ.

وَدَلِيل أَصْحَابِ هَذَا الْقَوْل مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ هُوَ قِيَاسُ الْفَاجِرَةِ عَلَى الْكَافِرَةِ مِنْ حَيْثُ كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا مَظِنَّةُ نَقْل مَا تَرَاهُ مِنْ مَحَاسِنِ الْمَرْأَةِ الْعَفِيفَةِ إِلَى زَوْجِهَا أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الرِّجَال، فَيَحْرُمُ نَظَرُهَا وَيَحْرُمُ تَمْكِينُهَا مِنَ النَّظَرِ كَالرَّجُل (١) .

النَّظَرُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ:

٢٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُبَاحُ لِكُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ النَّظَرُ إِلَى جَمِيعِ بَدَنِ صَاحِبِهِ بِدُونِ كَرَاهَةٍ سِوَى الْفَرْجِ وَالدُّبُرِ، سَوَاءٌ أَكَانَ النَّظَرُ بِشَهْوَةٍ أَمْ بِغَيْرِهَا، مَادَامَتِ الزَّوْجِيَّةُ قَائِمَةً

_________

(١) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٥ / ٣٢٧ وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٩ / ٥٣٤، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ١٢٨ وَمَا بَعْدَهَا، وَحَاشِيَة السُّيُوطِيّ عَلَى الرَّوْضَةِ (مُنْتَقَى الْيَنْبُوع ٥ / ٣٧١، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ وَحَاشِيَة الشبراملسي ٦ / ١٩٥.

بَيْنَهُمَا، وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ نَظَرِ الْوَاحِدِ مِنْهُمَا إِلَى فَرْجِ الآْخَرِ أَوْ دُبُرِهِ.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى إِبَاحَةِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ يَحِل لِكُلٍّ مِنْهُمَا النَّظَرُ إِلَى جَمِيعِ بَدَنِ الآْخَرِ، وَلاَ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ أَيُّ عُضْوٍ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (١) فَاسْتَثْنَى سُبْحَانَهُ مِنَ الأَْمْرِ بِحِفْظِ الْفُرُوجِ، الزَّوْجَاتِ وَالْمَمْلُوكَاتِ، وَيَدْخُل فِي ذَلِكَ الاِسْتِمْتَاعُ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ، وَلاَ خِلاَفَ فِي دُخُول الْمَسِّ وَالْوَطْءِ فِي هَذَا الاِسْتِثْنَاءِ، فَكَذَلِكَ النَّظَرُ مِنْ بَابِ أَوْلَى (٢)، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ ﵁ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَال: احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ (٣)، وَفِيهِ دَلاَلَةٌ

_________

(١) سُورَة الْمُؤْمِنُونَ / ٥، ٦

(٢) الْهِدَايَة وَتَكْمِلَة الْفَتْحِ ١٠ / ٣٧، ٣٨ وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٩ / ٥٢٦، وَالْمَبْسُوط ١٠ / ١٤٨، ١٤٩، الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٥ / ٣٢٧، وَمَجْمَع الأَْنْهُر ٢ / ٥٣٩، وَتَبْيِين الْحَقَائِقِ ٦ / ١٨، ١٩، وَكَشَّاف الْقِنَاع ١ / ٣٠٨، وَالإِْنْصَاف ٨ / ٣٢، وَالْمُبْدِع ٧ / ١٢، وَمَطَالِب أُولِي النُّهَى ٥ / ١٧.

(٣) حَدِيث: احْفَظْ عَوْرَتك إِلاَّ مِنْ زَوْجَتك. . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (٤ / ٣٠٤ ط حِمْص) وَالتِّرْمِذِيّ (٥ / ٩٧ - ٩٨ ط الْحَلَبِيّ) وَقَال التِّرْمِذِيّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.

عَلَى إِبَاحَةِ النَّظَرِ إِلَى عَوْرَةِ الزَّوْجَةِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الأَْوْلَى لِلزَّوْجَيْنِ أَنْ لاَ يَنْظُرَ أَحَدُهُمَا إِلَى عَوْرَةِ صَاحِبِهِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا نَظَرْتُ أَوْ مَا رَأَيْتُ فَرْجَ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَطُّ (١) .

وَاسْتَثْنَى أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ مِنْ حِل النَّظَرِ إِلَى الْفَرْجِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ النَّظَرَ إِلَى فَرْجِ الْمُظَاهَرِ مِنْهَا، وَقَالاَ: يَحِل لَهُ النَّظَرُ إِلَى الشَّعْرِ وَالظَّهْرِ وَالصَّدْرِ مِنْهَا، وَتَرَدَّدَ صَاحِبُ الدُّرِّ فِي حِل النَّظَرِ إِلَى فَرْجِ الْحَائِضِ مَعَ الْقَطْعِ بِتَحْرِيمِ قُرْبَانِهَا فِيمَا تَحْتَ الإِْزَارِ، وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِكَرَاهَةِ النَّظَرِ إِلَى الْفَرْجِ حَال الْحَيْضِ (٢) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي نَظَرِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ إِلَى فَرْجِ صَاحِبِهِ إِلَى مِثْل مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، فَيَحِل بِدُونِ كَرَاهَةٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ النَّظَرِ إِلَى الدُّبُرِ، فَقَال الأَْقْفَهَسِيُّ: لاَ يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَيْهِ لأَِنَّهُ يَحْرُمُ التَّمَتُّعُ بِهِ، فَيَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَيْهِ (٣) .

_________

(١) حَدِيث عَائِشَة: مَا نَظَرْت أَوْ مَا رَأَيْت. . . أَخْرَجَهُ ابْن مَاجَهْ (١ / ٢١٧) وَضَعْف إِسْنَادِهِ الْبُوصَيْرِيّ فِي مِصْبَاحِ الزُّجَاجَةِ (١ / ١٤٤ - ط دَارٍ الْجِنَان) لِجَهَالَةِ الرَّاوِي عَنْ عَائِشَة.

(٢) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٩ / ٣٢٦ - ٣٢٧، الإِْنْصَاف ٨ / ٣٣، وَمَطَالِب أُولِي النُّهَى ٥ / ١٧

(٣) مَوَاهِب الْجَلِيل ٣ / ٤٠٥، وَبِلُغَةِ السَّالِكِ ٢ / ٢١٧، ٢١٨، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٢ / ٢١٥، وَالْبَيَانِ وَالتَّحْصِيل ٥ / ٧٩، ٨٠.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لأَِحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى فَرْجِ الآْخَرِ، وَتَشْتَدُّ الْكَرَاهَةُ إِذَا كَانَ النَّظَرُ إِلَى بَاطِنِ الْفَرْجِ (١)، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا نَظَرْتُ إِلَى فَرْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَطُّ أَوْ مَا رَأَيْتُ فَرْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَطُّ.

ثُمَّ اسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ مِنْ جَوَازِ النَّظَرِ مَعَ الْكَرَاهَةِ إِلَى فَرْجِ الزَّوْجَةِ النَّظَرَ إِلَى فَرْجِ الزَّوْجَةِ الْمُعْتَدَّةِ عَنْ وَطْءِ أَجْنَبِيٍّ بِشُبْهَةٍ، فَهَذِهِ لاَ يَحِل النَّظَرُ مِنْهَا إِلاَّ إِلَى مَا عَدَا مَا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا، وَذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى إِبَاحَةِ النَّظَرِ إِلَى الدُّبُرِ وَالتَّلَذُّذِ بِهِ بِمَا سِوَى الإِْيلاَجِ، وَذَهَبَ الدَّارِمِيُّ مِنْهُمْ إِلَى تَحْرِيمِ النَّظَرِ إِلَى الدُّبُرِ، أَيْ إِلَى حَلْقَتِهِ، وَجَمِيعُ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِحَال الْحَيَاةِ.

وَنَصُّوا عَلَى أَنَّ الزَّوْجَةَ لاَ يَحِل لَهَا النَّظَرُ إِلَى فَرْجِ زَوْجِهَا إِذَا مَنَعَهَا مِنْ ذَلِكَ بِخِلاَفِ الْعَكْسِ لأَِنَّهُ يَمْلِكُ التَّمَتُّعَ بِهَا بِخِلاَفِ الْعَكْسِ نَقَلَهُ الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ عَنِ الزَّرْكَشِيِّ وَاسْتَظْهَرَهُ، وَنُقِل عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ التَّوَقُّفُ فِيهِ (٢) .

_________

(١) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٢ / ٢١٥، وَزَاد الْمُحْتَاجِ ٣ / ١٧٦، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٦ / ١٩٩ - ٢٠٠، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ مَعَ مُنْتَقَى الْيَنْبُوع لِلسُّيُوطِيِّ ٥ / ٣٧٣، وَمَطَالِب أُولِي النُّهَى ٥ / ١٧، وَالْمُبْدِع ٧ / ١٢ - ١٣.

(٢) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٢ / ٢١٥، وَزَاد الْمُحْتَاجِ ٣ / ١٧٦، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٦ / ١٩٩، ٢٠٠، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ مَعَ مُنْتَقَى الْيَنْبُوع لِلسُّيُوطِيِّ ٥ / ٣٧٢، ٣٧٣، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ١٢٨ وَمَا بَعْدَهَا، وَالإِْنْصَاف ٨ / ٣٢، وَالْمُبْدِع ٧ / ١٢، ١٣، وَمَطَالِب أُولِي النُّهَى ٥ / ١٧.

نَظَرُ الإِْنْسَانِ إِلَى عَوْرَةِ نَفْسِهِ:

٢٦ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى كَرَاهَةِ نَظَرِ الشَّخْصِ إِلَى فَرْجِ نَفْسِهِ بِلاَ حَاجَةٍ، وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: وَنَظَرُهُ إِلَى بَاطِنِهِ أَشَدُّ كَرَاهَةً (١) .، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ (٢) .

نَظَرُ الْخُنْثَى:

٢٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْخُنْثَى يُعَامَل فِي نَظَرِهِ إِلَى غَيْرِهِ وَفِي نَظَرِ غَيْرِهِ إِلَيْهِ بِالأَْحْوَطِ، فَيُعْتَبَرُ مَعَ النِّسَاءِ رَجُلًا أَوْ مُرَاهِقًا، وَيَعْتَبَرُ مَعَ الرِّجَال امْرَأَةً أَوْ مُرَاهِقَةً، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةِ، وَمُسْتَنَدُهُمْ وُجُوبُ الأَْخْذِ بِالأَْحْوَطِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ سَبَبِ الْحَظْرِ وَسَبَبِ الإِْبَاحَةِ، وَهُمَا مَوْجُودَانِ فِي الْخُنْثَى الْمُشْكِل لِتَسَاوِي احْتِمَال كَوْنِهِ ذَكَرًا مَعَ احْتِمَال كَوْنِهِ أُنْثَى.

_________

(١) الرَّوْضَة ٥ / ٣٧٢ وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ١٣٥

(٢) حَدِيث: احْفَظْ عَوْرَتك إِلاَّ مَنْ زَوَّجَتْك أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينَك سَبَقَ تَخْرِيجَهُ ف ٢٥.