الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠ الصفحة 71

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠

وَالْغَالِبُ كَالْمُتَحَقِّقِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَإِذَا نَظَرَ الرَّجُل إِلَى الْمَرْأَةِ مُشْتَهِيًا وُجِدَتِ الشَّهْوَةُ فِي الْجَانِبَيْنِ: فِي جَانِبِهِ حَقِيقَةً، لأَِنَّهُ هُوَ الْمَفْرُوضُ، وَفِي جَانِبِهَا اعْتِبَارًا وَإِنْ لَمْ يَقَعْ بِالْفِعْل، لِقِيَامِ الْغَلَبَةِ مَقَامَ الْحَقِيقَةِ، وَإِذَا نَظَرَتْ إِلَيْهِ مُشْتَهِيَةً لَمْ تُوجَدِ الشَّهْوَةُ مِنْ جَانِبِهِ حَقِيقَةً، لأَِنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ لَمْ يَنْظُرْ، وَلاَ اعْتِبَارَ لِعَدَمِ الْغَلَبَةِ، فَكَانَتِ الشَّهْوَةُ مِنْ جَانِبِهَا فَقَطْ، وَالْمُتَحَقِّقُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ فِي الإِْفْضَاءِ إِلَى الْمُحَرَّمِ أَقْوَى مِنَ الْمُتَحَقِّقِ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ لاَ مَحَالَةَ.

أَمَّا إِذَا كَانَ نَظَرُ الْمَرْأَةِ إِلَى الأَْجْنَبِيِّ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ يَقِينًا، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَحِل لَهَا النَّظَرُ إِلَيْهِ مِنْهُ وَمَا لاَ يَحِل عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:

الأَْوَّل: يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَنْظُرَ مِنَ الرَّجُل الأَْجْنَبِيِّ إِلَى مَا سِوَى عَوْرَتِهِ أَيْ إِلَى مَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ، حَيْثُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ مِنَ الرَّجُل، وَأَمَّا السُّرَّةُ وَالرُّكْبَةُ وَالْفَخِذُ مِنْهُ فَفِي كَوْنِهَا مِنَ الْعَوْرَةِ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، فَمَنِ اعْتَبَرَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَوْرَةً قَال بِعَدَمِ جَوَازِ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إِلَيْهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْتَبِرْهُ كَذَلِكَ قَال بِالْجَوَازِ وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (عَوْرَة ف ٨) .

وَإِلَى هَذَا الْقَوْل ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ

وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ أَيْضًا وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِالسُّنَّةِ وَالْمَعْقُول.

أَمَّا السُّنَّةُ فَقَدِ اسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى، تَضَعِينَ ثِيَابَكِ (١)، وَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتُرُنِي وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ (٢)، كَمَا اسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا فَرَغَ مِنْ خُطْبَةِ الْعِيدِ أَتَى إِلَى النِّسَاءِ وَمَعَهُ بِلاَلٌ، فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: فَرَأَيْتُهُنَّ يَهْوِِِِينَ بِأَيْدِيهِنَّ يَقْذِفْنَهُ فِي ثَوْبِ بِلاَلٍ، ثُمَّ انْطَلَقَ هُوَ وَبِلاَلٌ إِلَى بَيْتِِهِ (٣) .

وَمِنَ الْمَعْقُول اسْتَدَلُّوا بِأَنَّ النِّسَاءَ لَوْ مُنِعْنَ مِنَ النَّظَرِ إِلَى الرِّجَال مُطْلَقًا لَوَجَبَ عَلَى الرِّجَال الْحِجَابُ كَمَا وَجَبَ عَلَى النِّسَاءِ، وَلأَِنَّ مَا لَيْسَ

_________

(١) حَدِيث: (اعْتُدِيَ عِنْدَ ابْنِ أُمٍّ مَكْتُومٍ. . . .) أَخْرَجَهُ مُسْلِم (٢ / ١١١٦ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ عَائِشَة ﵂.

(٢) حَدِيث عَائِشَة: رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ يَسْتُرُنِي وَأَنَا أَنْظُرُ. . . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِي ٦ / ٥٥٣ ط السَّلَفِيَّة) وَمُسْلِم (٢ / ٦٠٨ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) وَاللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ.

(٣) حَدِيث ابْن عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا فَرَغَ مِنْ خُطْبَةِ الْعِيدِ. . . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِي ٢ / ٤٦٥ ط السَّلَفِيَّة) وَمُسْلِم (٢ / ٦٠٢ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) .

بِعَوْرَةٍ يَسْتَوِي فِي حُكْمِ النَّظَرِ إِلَيْهِ الرِّجَال وَالنِّسَاءُ مَادَامَ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ، كَالثِّيَابِ وَالدَّوَابِّ، فَكَانَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَنْظُرَ مِنَ الرَّجُل مَا لَيْسَ عَوْرَةً، كَمَا لَهُ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا مَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ عِنْدَ عَدَمِ الْخَوْفِ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِأَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَحْضُرْنَ الصَّلاَةَ مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، وَلاَ بُدَّ أَنْ يَقَعَ نَظَرُهُنَّ إِلَى الرِّجَال، فَلَوْ لَمْ يَجُزْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُنَّ بِحُضُورِ الْمَسْجِدِ وَالْمُصَلَّى (١) . .

الْقَوْل الثَّانِي: أَنَّ نَظَرَ الْمَرْأَةِ إِلَى الرَّجُل الأَْجْنَبِيِّ حُكْمُهُ كَحُكْمِ نَظَرِ الرَّجُل إِلَى مَحَارِمِهِ، فَيَحِل لَهَا أَنْ تَنْظُرَ مِنَ الرَّجُل إِلَى مِثْل مَا يَحِل لَهُ أَنْ يَنْظُرَ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ، وَيَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَى مَا عَدَا ذَلِكَ، وَذَهَبَ إِلَى هَذَا الْقَوْل الْحَنَفِيَّةُ فِي مُقَابِل الصَّحِيحِ (وَهِيَ رِوَايَةُ الأَْصْل لِمُحَمَّدٍ، وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ، وَلِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهٌ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْقَوْل، وَهُوَ أَنَّهُ يَحِل لَهَا النَّظَرُ إِلَى مَا يَبْدُو مِنْهُ فِي الْمِهْنَةِ.

وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْل أَنَّ حُكْمَ النَّظَرِ عِنْدَ اخْتِلاَفِ

_________

(١) الْمَبْسُوط ١٠ / ٤٨٠، وَالْهِدَايَة وَشُرُوحهَا ١٥ / ٣٣ - ٣٥ وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٩ / ٥٣٣ - ٥٣٤، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٥ / ٣٢٧، وَمَجْمَع الأَْنْهُر ٢ / ٥٣٨، ٥٣٩، وَتَبْيِين الْحَقَائِقِ ٦ / ١٨، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٦ / ١٩٤، ١٩٥، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٧ / ٢١ وَمَا بَعْدَهَا، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ١٣٠، وَزَاد الْمُحْتَاجِ ٣ / ١٧٤، ١٧٥، وَالْمُبْدِع ٧ / ١١، وَمَطَالِب أُولِي النُّهَى ٥ / ١٥، ١٦، وَالإِْنْصَاف ٨ ٢٥.

الْجِنْسِ غِلَظٌ فِي الشَّرْعِ عَنْ حُكْمِهِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ، مِمَّا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ نَظَرُ الْمَرْأَةِ إِلَى الرَّجُل أَغْلَظَ فِي الْحُكْمِ مِنْ نَظَرِ الرَّجُل إِلَى الرَّجُل، وَإِنْ كَانَتْ عَوْرَتُهُ لاَ تَخْتَلِفُ، حَتَّى إِنَّهُ لاَ يُبَاحُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُغَسِّل الرَّجُل بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَوْ كَانَتْ هِيَ فِي النَّظَرِ إِلَيْهِ كَالرَّجُل فِي النَّظَرِ إِلَى الرَّجُل لَجَازَ لَهَا أَنْ تُغَسِّلَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ (١) .

الْقَوْل الثَّالِثُ: أَنَّ حُكْمَ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إِلَى الرَّجُل الأَْجْنَبِيِّ كَحُكْمِ نَظَرِهِ إِلَيْهَا، فَلاَ يَحِل أَنْ تَرَى مِنْهُ إِلاَّ مَا يَحِل لَهُ أَنْ يَرَى مِنْهَا، وَهَذَا هُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ، وَرِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ قَدَّمَهَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلاَصَةِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَقَطَعَ بِهَا ابْنُ الْبَنَّا وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، لَكِنَّ النَّوَوِيَّ جَعَلَهَ هُوَ الأَْصَحُّ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ، تَبَعًا لِجَمَاعَةٍ مِنَ الأَْصْحَابِ وَمَا قَطَعَ بِهِ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْقَوْل الصَّحِيحَ الَّذِي عَلَيْهِ الْفَتْوَى عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الرَّجُل لاَ يَحِل لَهُ أَنْ يَنْظُرَ مِنَ الْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ الشَّابَّةِ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهَا، وَأَنَّ

_________

(١) الْمَبْسُوط ١٠ / ١٤٨، وَالدَّرّ الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ٩ / ٥٣٣، وَالْخَرَشِيّ ١ / ٢٤٨، وَمَوَاهِب الْجَلِيل ٢ / ١٨٣، وَبِلُغَةِ السَّالِكِ ١ / ١٩٣، وَحَاشِيَةِ الدُّسُوقِيّ ١ / ٢١٥، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٧ / ٢١ وَمَا بَعْدَهَا، وَالإِْنْصَاف ٨ / ٢٥، وَالْمُبْدِع ٧ ١١.

مُقَابِلَهُ جَوَازُ نَظَرِهِ إِلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ مَعَ الْكَرَاهَةِ. وَبِنَاءً عَلَى الْقَوْل الصَّحِيحِ فِي حُكْمِ نَظَرِ الرَّجُل إِلَى الْمَرْأَةِ يَكُونُ مُقْتَضَى هَذَا الْقَوْل فِي حُكْمِ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إِلَى الرَّجُل الأَْجْنَبِيِّ هُوَ التَّحْرِيمُ مُطْلَقًا، لَكِنْ قَال الْجَلاَل الْبُلْقِينِيُّ: هَذَا لَمْ يَقُل بِهِ أَحَدٌ مِنَ الأَْصْحَابِ، وَاتَّفَقَتِ الأَْوْجُهُ عَلَى جَوَازِ نَظَرِهَا إِلَى وَجْهِ الرَّجُل وَكَفَّيْهِ عِنْدَ الأَْمْنِ مِنَ الْفِتْنَةِ.

وَاسْتَدَل أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْل بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ (١) فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى النِّسَاءَ بِغَضِّ أَبْصَارِهِنَّ كَمَا أَمَرَ الرِّجَال، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَمَيْمُونَةَ، إِذْ أَقْبَل ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَدَخَل عَلَيْهِ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: احْتَجِبَا مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، أَلَيْسَ هَذَا أَعْمَى لاَ يُبْصِرُنَا وَلاَ يَعْرِفُنَا؟ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا؟ أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ؟ (٢) . فَلَوْ كَانَ نَظَرُ النِّسَاءِ إِلَى الرِّجَال مُبَاحًا لَمَا أَمَرَهُمَا الرَّسُول ﷺ بِالاِحْتِجَابِ عَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ﵁ وَهُوَ أَعْمَى وَلَمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِمَا النَّظَرَ إِلَيْهِ.

_________

(١) سُورَة النُّور / ٣١

(٢) حَدِيث: أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ. . . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (٤ / ٣٦١ - ٣٦٢ ط حِمْص) وَالتِّرْمِذِيّ (٥ / ١٠٢ ط الْحَلَبِيّ) وَأَشَارَ ابْن حَجَرٍ فِي التَّلْخِيصِ (٣ / ١٤٨) إِلَى إِعْلاَلِهِ بِجَهَالَة رَاوٍ فِيهِ.

وَاسْتَدَلُّوا بِالْمَعْقُول، وَهُوَ أَنَّ النِّسَاءَ أَحَدُ نَوْعَيِ الآْدَمِيِّينَ، فَحَرُمَ عَلَيْهِنَّ النَّظَرُ إِلَى النَّوْعِ الآْخَرِ، قِيَاسًا عَلَى الرِّجَال، يُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْمَعْنَى الْمُحَرِّمَ لِلنَّظَرِ هُوَ خَوْفُ الْفِتْنَةِ، وَهُوَ مُتَحَقِّقٌ فِي نَظَرِ الْمَرْأَةِ إِلَى الرِّجَال، بَل أَشَدُّ شَهْوَةً وَأَسْرَعُ افْتِتَانًا (١) .

الْقَوْل الرَّابِعُ: أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى وَجْهِ الرَّجُل وَكَفَّيْهِ وَقَدَمَيْهِ وَلاَ يَحْرُمُ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا النَّظَرُ إِلَى مَا سِوَى ذَلِكَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ، وَاعْتَبَرَهُ ظَاهِرَ كَلاَمِ أَحْمَدَ، وَالْقَاضِي (٢) .

نَظَرُ الْمَرْأَةِ إِلَى مَحَارِمِهَا مِنَ الرِّجَال:

٢٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنْ نَظَرَ الْمَرْأَةِ إِلَى مَحَارِمِهَا مِنَ الرِّجَال لاَ يَحِل إِذَا كَانَ بِشَهْوَةٍ أَوْ بِقَصْدِ اللَّذَّةِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَحِل لَهَا النَّظَرُ إِلَيْهِ مِنَ الرَّجُل الْمَحْرَمِ عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ:

فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّهُ يَحِل لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَنْظُرَ مِنْ مَحْرَمِهَا إِلَى مَا سِوَى مَا

_________

(١) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ١٢٨ وَمَا بَعْدَهَا، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٦ / ١٩٤، ١٩٥، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٧ / ٢١ وَمَا بَعْدَهَا، وَزَاد الْمُحْتَاجِ ٣ / ١٧٤، ١٧٥، وَالإِْنْصَاف ٨ / ٢٥، ٢٦.

(٢) الإِْنْصَاف ٨ ٢٦

بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ (١) .

وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلَمْ تُفَرِّقْ عِبَارَاتُهُمْ فِي حُكْمِ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إِلَى الرَّجُل بَيْنَ الْمَحْرَمِ وَغَيْرِهِ، وَأَنَّهُ يَحِل لَهَا أَنْ تَنْظُرَ مِنْهُ إِلَى مَا سِوَى الْعَوْرَةِ، أَيْ إِلَى السُّرَّةِ وَمَا فَوْقَهَا، وَمَا تَحْتَ الرُّكْبَةِ، وَهَذَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِهِمْ، وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الأَْصْل فَلاَ يَحِل لَهَا أَنْ تَنْظُرَ إِلاَّ إِلَى مَا يَحِل لِلرَّجُل أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ، حَتَّى يَحْرُمَ عَلَيْهَا أَنْ تَنْظُرَ إِلَى ظَهْرِهِ وَبَطْنِهِ (٢) .

وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَال الْمَرْدَاوِيُّ: يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ إِلَى مَا لاَ يَظْهَرُ غَالِبًا، وَإِلَى الرَّأْسِ وَالسَّاقَيْنِ وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الأَْصْحَابِ، وَحُكْمُ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ حُكْمُ الأَْمَةِ الْمُسْتَامَةِ فِي النَّظَرِ، خِلاَفًا وَمَذْهَبًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَقَطَعَ بِهِ الأَْكْثَرُ.

ثُمَّ قَال الْمَرْدَاوِيُّ: وَحُكْمُ الْمَرْأَةِ فِي النَّظَرِ إِلَى مَحَارِمِهَا حُكْمُهُمْ فِي النَّظَرِ إِلَيْهَا، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ (٣) .

_________

(١) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ١ / ٢١٥، وَبِلُغَةِ السَّالِكِ ١ / ١٩٤، وَالْخَرَشِيّ ١ / ٢٤٨، وَمَوَاهِب الْجَلِيل ٢١٨٣، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٧ / ٢١ وَمَا بَعْدَهَا، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٦ / ١٩٥، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٤ / ٢١٤.

(٢) الْمَبْسُوط ١٠ / ١٤٨

(٣) الإِْنْصَاف ٨ / ٢٠

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ آخَرَ إِلَى أَنَّ نَظَرَ الْمَرْأَةِ إِلَى ذِي مَحْرَمِهَا كَنَظَرِهِ إِلَيْهَا (١) .

نَظَرُ الْمَرْأَةِ إِلَى الْمَرْأَةِ:

٢١ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَحِل لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى الْمَرْأَةِ مَهْمَا كَانَتْ إِذَا كَانَ هَذَا النَّظَرُ بِشَهْوَةٍ أَوْ بِقَصْدِ التَّلَذُّذِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَقَدْ فَرَّقَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بَيْنَ نَظَرِ الْمُسْلِمَةِ إِلَى الْمَرْأَةِ، وَنَظَرِ الْكَافِرَةِ إِلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ، وَفِي نَظَرِ الْمُسْلِمَةِ فَرَّقُوا بَيْنَ الْفَاجِرَةِ وَالْعَفِيفَةِ:

نَظَرُ الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ إِلَى الْمَرْأَةِ:

٢٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ نَظَرِ الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ إِلَى الْمَرْأَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: أَنَّهُ يَحِل لِلْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ أَنْ تَنْظُرَ مِنَ الْمَرْأَةِ إِلَى مَا يَحِل لِلرَّجُل أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ مِنَ الرَّجُل، فَيَحِل لَهَا أَنْ تَنْظُرَ مِنَ الْمَرْأَةِ إِلَى جَمِيعِ بَدَنِهَا مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَإِلَى هَذَا الْقَوْل ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ فِي الْمَشْهُورِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الْمُعْتَمَدِ وَالْحَنَابِلَةِ.

وَاسْتَدَل أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْل بِحَدِيثِ الرَّسُول ﷺ: لاَ يَنْظُرُ الرَّجُل إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُل

_________

(١) رَوْضَة الطَّالِبِينَ ٧ / ٢١ وَمَا بَعْدَهَا

وَلاَ الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ (١) .، وَذَلِكَ أَنَّهُ ﷺ بَيَّنَ عَوْرَةَ الرَّجُل بِالنِّسْبَةِ لِلرَّجُل، فَدَل عَلَى أَنَّ عَوْرَةَ الْمَرْأَةِ مَعَ الْمَرْأَةِ مِثْلُهُ، لاِتِّحَادِ الْجِنْسِ، وَمَا عَدَا الْعَوْرَةَ لاَ يَتَنَاوَلُهُ النَّهْيُ، فَيَبْقَى النَّظَرُ إِلَيْهِ جَائِزًا.

كَمَا اسْتَدَلُّوا بِالْقِيَاسِ عَلَى نَظَرِ الرَّجُل إِلَى الرَّجُل بِجَامِعِ اتِّحَادِ الْجِنْسِ، وَعَدَمِ الْخَوْفِ مِنَ الشَّهْوَةِ وَالْوُقُوعِ فِي الْفِتْنَةِ، وَبِأَنَّ الشَّرْعَ أَبَاحَ لِلنِّسَاءِ الْمُسْلِمَاتِ تَجْرِيدَ الْمَرْأَةِ الَّتِي تَمُوتُ لِغُسْلِهَا، وَلَمْ يَجْعَل ذَلِكَ لِلرِّجَال وَإِنْ كَانُوا مِنْ مَحَارِمِهَا، فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَوْرَةَ الْمَرْأَةِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ كَعَوْرَةِ الرَّجُل فِي حَقِّ الرَّجُل، كَذَلِكَ قَالُوا: إِنَّ الضَّرُورَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى الاِنْكِشَافِ فِيمَا بَيْنَ النِّسَاءِ (٢) . الْقَوْل الثَّانِي: أَنَّ الْمَرْأَةَ الْمُسْلِمَةَ يَحِل لَهَا أَنْ تَنْظُرَ مِنَ الْمَرْأَةِ مَا يَحِل لِلرَّجُل أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ، حَتَّى لاَ يُبَاحَ لَهَا النَّظَرُ إِلَى

_________

(١) حَدِيث: لاَ يَنْظُرُ الرَّجُل إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُل. . . . سَبَقَ تَخْرِيجه ف ١٧.

(٢) الْمَبْسُوط ١٠ / ١٤٧ تَبْيِين الْحَقَائِقِ ٦ / ١٨، وَمَجْمَع الأَْنْهُر ٢ / ٥٣٨، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٥ / ٣٢٧، الْهِدَايَة وَشُرُوحهَا ١٥ / ٣٥ - ٣٧، وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٩ / ٥٣٣، وَمَوَاهِب الْجَلِيل ٢ / ١٨٠، وَبِلُغَةِ السَّالِكِ ١ / ١٩٢، وَحَاشِيَةِ الدُّسُوقِيّ ١ / ٢١٣، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ١٢٨ وَمَا بَعْدَهَا، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٦ ١٩٤، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٧ / ٢١ وَمَا بَعْدَهَا، وَالإِْنْصَاف ٨ / ٢٤، وَالْمُبْدِع ٧ ١٠، وَمَطَالِب أُولِي النُّهَى ٥ / ١٥.

ظَهْرِهَا وَبَطْنِهَا، وَهَذَا الْقَوْل رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ مَرْجُوحٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالأَْوَّل هُوَ الصَّحِيحُ (١) .

وَاسْتَدَل أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْل بِمَا وَرَدَ مِنْ نَهْيِ النِّسَاءِ عَنْ دُخُول الْحَمَّامَاتِ بِمِئْزَرٍ وَبِغَيْرِ مِئْزَرٍ، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِنَّهَا سَتُفْتَحُ لَكُمْ أَرْضُ الْعَجَمِ وَسَتَجِدُونَ فِيهَا بُيُوتًا يُقَال لَهَا الْحَمَّامَاتُ، فَلاَ يَدْخُلَنَّهَا الرِّجَال إِلاَّ بِالأُْزُرِ، وَامْنَعُوهَا النِّسَاءَ إِلاَّ مَرِيضَةً أَوْ نُفَسَاءَ (٢) .

نَظَرُ الْكَافِرَةِ إِلَى الْمُسْلِمَةِ:

٢٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَمْكِينِ الْمُسْلِمَةِ الْمَرْأَةَ الْكَافِرَةَ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهَا عَلَى أَقْوَالٍ:

الأَْوَّل: أَنَّ الْمَرْأَةَ الْكَافِرَةَ فِي نَظَرِهَا إِلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ كَالرَّجُل الأَْجْنَبِيِّ، فَلاَ يَحِل لِلْمُسْلِمَةِ أَنْ تُمَكِّنَهَا مِنَ النَّظَرِ إِلَى شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهَا سِوَى مَا يَحِل لِلرَّجُل الأَْجْنَبِيِّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ مِنْهَا، وَهَذَا قَوْل الْحَنَفِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ اعْتَبَرَهُ الْبَغَوِيُّ وَالْبُلْقِينِيُّ

_________

(١) الْمَرَاجِع السَّابِقَة

(٢) حَدِيث: إِنَّهَا سَتَفْتَحُ لَكُمْ أَرْضَ الْعَجَمِ. . . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (٤ / ٣٠٢ ط حِمْص) وَابْن مَاجَهْ (٢ / ١٢٣٣ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) وَأَوْرَدَهُ الْمُنْذِرِي فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (١ / ١٩٩) وَذَكَرَ أَنَّ فِي إِسْنَادِهِ رَاوِيًا ضَعِيفًا.