الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠ الصفحة 70

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠

إِلاَّ إِلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَقِيل: لاَ يُبَاحُ لَهُمُ النَّظَرُ مُطْلَقًا كَغَيْرِهِمْ مِنَ الرِّجَال (١) .

نَظَرُ الصَّغِيرِ إِلَى الْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ:

١٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي نَظَرِ الصَّغِيرِ إِلَى الْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الصَّغِيرَ الَّذِي لَمْ يَظْهَرْ عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ، وَلاَ يَعْرِفُ الْعَوْرَةَ مِنْ غَيْرِ الْعَوْرَةِ يَجُوزُ لِلنِّسَاءِ أَنْ يُبْدِينَ مَوَاضِعَ الزِّينَةِ مِنْهُنَّ لَهُ (٢) .

وَصَحَّحَ الْقُرْطُبِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الأَْطْفَال لاَ يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ سَتْرُ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهَا أَمَامَهُ، وَحَكَى قَوْلًا آخَرَ أَنَّهُ يَلْزَمُهَا سَتْرُ مَا سِوَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، لأَِنَّهَا قَدْ تَشْتَهِي هِيَ إِذَا أَبْدَتْ عَوْرَتَهَا لَهُ (٣) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الطِّفْل الَّذِي لَمْ يَظْهَرْ عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ لاَ حِجَابَ مِنْهُ، لَكِنْ فَرَّقَ الإِْمَامُ فِي نَظَرِ الصَّبِيِّ بَيْنَ ثَلاَثِ دَرَجَاتٍ: الأُْولَى: أَنْ لاَ يَبْلُغَ أَنْ يَحْكِيَ مَا يَرَى فَهَذَا حُضُورُهُ كَغَيْبَتِهِ، وَيَجُوزُ التَّكَشُّفُ لَهُ، وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَبْلُغَ أَنْ يَحْكِيَ مَا يَرَى، وَلَكِنْ لاَ يَكُونُ فِيهِ

_________

(١) المغني ٧ / ٤٩٢، ٤٦٣، والإنصاف ٨ / ٢١، ومطالب أولي النهى ٥ / ١٤

(٢) بدائع الصنائع ٥ / ١٢٣، والمبسوط ١٠ / ١٥٨، وتبيين الحقائق ٦ / ٣٠، والهداية والعناية ١٠ / ٤٥، ٤٦

(٣) تفسير القرطبي ١٢ / ٢٣٧

ثَوَرَانُ شَهْوَةٍ وَتَشَوُّفٍ نَحْوَ النِّسَاءِ، فَهَذَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُبْدِيَ أَمَامَهُ مَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُبْدِيَهُ أَمَامَ مَحَارِمِهَا، وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يَبْلُغَ أَنْ يَحْكِيَ مَا يَرَى وَيَكُونَ فِيهِ ثَوَرَانُ شَهْوَةٍ وَتَشَوُّفٍ فَهَذَا كَالْبَالِغِ (١) .

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الطِّفْل غَيْرَ الْمُمَيِّزِ لاَ يَجِبُ الاِسْتِتَارُ مِنْهُ، وَأَمَّا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذِي شَهْوَةٍ فَلَهُ النَّظَرُ إِلَى مَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَهُمْ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لاَ شَهْوَةَ لَهُ فَأَشْبَهَ الطِّفْل، لأَِنَّ الْمُحَرِّمَ لِلرُّؤْيَةِ فِي حَقِّ الْبَالِغِ كَوْنُهُ مَحَلًّا لِلشَّهْوَةِ، وَهُوَ مَعْدُومٌ هُنَا. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ كَالْمَحْرَمِ لاَ يَنْظُرُ مِنَ الأَْجْنَبِيَّةِ سِوَى مَا يَظْهَرُ غَالِبًا، وَوَجْهُهَا مَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَوِ الطِّفْل الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ (٢)، حَيْثُ جَاءَ عَطْفُهُ عَلَى ذَوِي الْمَحَارِمِ، فَدَل عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ كَحُكْمِ ذَوِي الْمَحَارِمِ.

وَأَمَّا إِنْ كَانَ ذَا شَهْوَةٍ، فَالْمَذْهَبُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ كَذِي الْمَحْرَمِ.

وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَاتٌ أُخْرَى (٣) .

_________

(١) روضة الطالبين ٧ / ٢٢، ومغني المحتاج ٣ / ١٣٠، وزاد المحتاج ٣ / ١٧٢، ١٧٣

(٢) سورة النور / ٣١

(٣) المغني ٧ / ٤٥٨، والإنصاف ٨ / ٢٣، ومطالب أولي النهى ٥ / ١٦، والمبدع ٧ / ١٠

نَظَرُ الْمُرَاهِقِ إِلَى الْمَرْأَةِ:

١٣ - الْمُرَاهِقُ هُوَ مَنْ قَارَبَ الاِحْتِلاَمَ وَلَمْ يَحْتَلِمْ بَعْدُ، بِأَنْ يَكُونَ فِيهِ تَشَوُّفٌ إِلَى النِّسَاءِ، وَالْقُدْرَةُ عَلَى الْمُوَاقَعَةِ وَالْجِمَاعِ، وَقَدَّرَ بَعْضُهُمُ الْمُرَاهَقَةَ بِمَا يُقَارِبُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ نَظَرِهِ إِلَى الْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّهُ فِي ذَلِكَ كَالرَّجُل الأَْجْنَبِيِّ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ مِثْل هَذَا الصَّبِيِّ أُمِرَ بِالاِسْتِئْذَانِ فِي بَعْضِ الأَْوْقَاتِ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ (١) فَدَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَحِل نَظَرُهُ إِلَى مَوَاضِعِ الزِّينَةِ مِنَ الْمَرْأَةِ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَوِ الطِّفْل الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ (٢)، أَيِ الَّذِينَ لاَ يُمَيِّزُونَ الْعَوْرَةَ مِنْ غَيْرِ الْعَوْرَةِ وَلَمْ يَبْلُغُوا حَدَّ الشَّهْوَةِ، وَهُوَ يَدُل بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ يُمَيِّزُونَ الْعَوْرَةَ وَبَلَغُوا حَدَّ الشَّهْوَةِ لاَ يَحِل لَهُمْ أَنْ يَطَّلِعُوا عَلَى مَوَاضِعِ الزِّينَةِ مِنَ الْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ، وَلاَ يَحِل لَهَا أَنْ تُبْدِيَ زِينَتَهَا لَهُمْ، وَيَجِبَ عَلَى وَلِيِّهِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنَ النَّظَرِ كَمَا يَلْزَمُهُ مَنْعُهُ سَائِرَ الْمُحَرَّمَاتِ (٣) .

_________

(١) سورة النور / ٥٨

(٢) سورة النور / ٣١

(٣) بدائع الصنائع ٥ / ١٢٣، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٣٠، وتفسير القرطبي ١٢ / ٢٣٧، وروضة الطالبين ٧ / ٢١ وما بعدها، ونهاية المحتاج ٦ / ١٩١، والإنصاف ٨ / ٢٣، والمبدع ٧ / ١٠.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ الْمُرَاهِقَ، فِي النَّظَرِ إِلَى الأَْجْنَبِيَّةِ، كَالْبَالِغِ مَعَ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذَا بَلَغَ الأَْطْفَال مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا (١) فَأَمَرَ بِالاِسْتِئْذَانِ إِذَا بَلَغُوا الْحُلُمَ فَدَل عَلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْبَالِغِ وَغَيْرِهِ، وَعَلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَبْلُغِ الأَْطْفَال الْحُلُمَ يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَى النِّسَاءِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ، وَلَوْ لَمْ يَحِل لَهُمُ النَّظَرُ إِلَى مَوَاضِعَ زَائِدَةٍ عَمَّا يَحِل لِلْبَالِغِ لَمَّا كَانَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ (٢)، كَمَا اسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ اسْتَأْذَنَتْ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الْحِجَامَةِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَبَا طَيْبَةَ أَنْ يَحْجُمَهَا، قَال: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَال: كَانَ أَخَاهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ أَوْ غُلاَمًا لَمْ يَحْتَلِمْ (٣) .

نَظَرُ الرَّجُل إِلَى الْعُضْوِ الْمُنْفَصِل مِنَ الْمَرْأَةِ:

١٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنِ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ نَظَرَ الرَّجُل إِلَى أَيِّ عُضْوٍ مُنْفَصِلٍ مِنْ أَعْضَاءِ الْمَرْأَةِ بِشَهْوَةٍ حَرَامٌ، سَوَاءٌ أَكَانَ انْفِصَالُهُ فِي حَال الْحَيَاةِ أَوْ بَعْدَ الْمَوْتِ.

_________

(١) سورة النور / ٥٩

(٢) روضة الطالبين ٧ / ٢١ وما بعدها، ونهاية المحتاج ٦ / ١٩١، وزاد المحتاج٣ / ١٧٢، والإنصاف ٨ / ٢٣، والمبدع ٧ / ١٠، ومطالب أولي النهى ٥ / ١٦

(٣) حديث: أن أم سلمة استأذنت رسول الله ﷺ. . . . أخرجه مسلم (٤ / ١٧٣٠ ط عيسى الحلبي) .

كَذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَحِل لَهُ أَنْ يَنْظُرَ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ إِلَى الْعُضْوِ الْمُبَانِ مِنَ الْمَرْأَةِ إِذَا كَانَ مِمَّا يَحِل لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهِ قَبْل الاِنْفِصَال.

وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ نَظَرِ الرَّجُل إِلَى الْعُضْوِ الْمُبَانِ مِنَ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ إِذَا كَانَ مِمَّا لاَ يُبَاحُ لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهِ قَبْل انْفِصَالِهِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:

الأَْوَّل: لاَ يَحِل لِلرَّجُل أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الْعُضْوِ الْمُبَانِ مِنَ الْمَرْأَةِ إِذَا كَانَ مِمَّا لاَ يَحِل النَّظَرُ إِلَيْهِ قَبْل انْفِصَالِهِ، وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ إِنْ كَانَ انْفِصَالُهُ فِي حَال الْحَيَاةِ أَمْ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْقَاعِدَةُ عِنْدَ أَصْحَابِ هَذَا الْقَوْل أَنَّ كُل عُضْوٍ لاَ يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَيْهِ قَبْل الاِنْفِصَال لاَ يَجُوزُ بَعْدَهُ، فَلاَ يَجُوزُ لِلرَّجُل أَنْ يَنْظُرَ مِنَ الأَْجْنَبِيَّةِ يَدًا وَلاَ ذِرَاعًا وَلاَ شَعْرَ رَأْسٍ وَلاَ سَاقًا وَإِنْ أُبِينَ ذَلِكَ مِنْهَا حَيَّةً أَوْ مَيِّتَةً، بَل قَالُوا: لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى عَظْمِ ذِرَاعٍ أَوْ سَاقٍ أَوْ قُلاَمَةِ ظُفْرٍ الرِّجْل دُونَ الْيَدِ، وَقَاسُوا الْمُنْفَصِل عَلَى الْمُتَّصِل، لأَِنَّ حُرْمَةَ الآْدَمِيِّ وَأَجْزَائِهِ لاَ تُفَارِقُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَإِلَى هَذَا الْقَوْل ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَعُبِّرَ عَنْهُ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ وَفِي مَجْمَعِ الأَْنْهُرِ بِالأَْصَحِّ. وَكَذَلِكَ ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ (١) .

_________

(١) الدر المختار ورد المحتار ٩ / ٥٣٤، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٢٩، ومجمع الأنهر ٢ / ٥٣٩، ومغني المحتاج ٣ / ١٣٠، ونهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي ٦ / ٢٠٠، وروضة الطالبين ٧ / ٢٦

الثَّانِي: يَحِل النَّظَرُ إِلَى الْعُضْوِ الْمُبَانِ مِنَ الْمَرْأَةِ إِذَا أُبِينَ مِنْهَا فِي حَيَاتِهَا، لأَِنَّهُ صَارَ أَجْنَبِيًّا عَنِ الْجِسْمِ. وَلاَ يَحِل النَّظَرُ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ انْفِصَالُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ، وَقَالُوا بِتَحْرِيمِ النَّظَرِ إِلَى أَجْزَاءِ الأَْجْنَبِيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مُتَّصِلَةً أَمْ مُنْفَصِلَةً، وَمَنَعُوا النَّظَرَ فِي الْقُبُورِ مَخَافَةَ مُصَادَفَةِ مَا لاَ يَحِل النَّظَرُ إِلَيْهِ (١) .

الثَّالِثُ: يَجُوزُ لِلرَّجُل أَنْ يَنْظُرَ إِلَى عُضْوٍ مَبَانٍ مِنَ الْمَرْأَةِ، لِزَوَال حُرْمَتِهِ بِالاِنْفِصَال، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةِ (٢)، لَكِنِ احْتَمَل الإِْمَامُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَتَمَيَّزِ الْمُبَانُ مِنَ الْمَرْأَةِ بِصُورَتِهِ وَشَكْلِهِ عَمَّا لِلرَّجُل، كَقُلاَمَةِ الظُّفْرِ وَالشَّعْرِ وَالْجِلْدِ لَمْ يَحْرُمِ النَّظَرُ إِلَيْهِ، وَإِنْ تَمَيَّزَ حَرُمَ، وَقَدْ ضَعَّفَ النَّوَوِيُّ هَذَا الْقَوْل، بِأَنَّهُ لاَ أَثَرَ لِلتَّمْيِيزِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ جُزْءٌ يَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَيْهِ (٣) .

نَظَرُ الرَّجُل إِلَى الْمَرْأَةِ عَنْ طَرِيقِ الْمَاءِ وَالْمِرْآةِ:

١٥ - نَظَرُ الرَّجُل إِلَى صُورَةِ مَا لاَ يَحِل النَّظَرُ إِلَى عَيْنِهِ مِنَ الْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ أَشَارَ إِلَى حُكْمِهِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، مِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَابِدِينَ، حَيْثُ

_________

(١) بلغة السالك ١ / ١٩٤

(٢) روضة الطالبين ٧ / ٢٦، ومطالب أولي النهى ٥ / ١٩

(٣) روضة الطالبين ٧ / ٢٦، ونهاية المحتاج ٦ / ٢٠٠، ٢٠١.

قَال: لَمْ أَرَ مَا لَوْ نَظَرَ إِلَى الأَْجْنَبِيَّةِ مِنَ الْمِرْآةِ أَوِ الْمَاءِ، وَقَدْ صَرَّحُوا فِي حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ بِأَنَّهَا لاَ تَثْبُتُ بِرُؤْيَةِ فَرْجٍ مِنْ مِرْآةٍ أَوْ مَاءٍ لأَِنَّ الْمَرْئِيَّ مِثَالُهُ لاَ عَيْنُهُ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ نَظَرَ مِنْ زُجَاجٍ أَوْ مَاءٍ هِيَ فِيهِ، لأَنَّ الْبَصَرَ يَنْفُذُ فِي الزُّجَاجِ وَالْمَاءِ فَيَرَى مَا فِيهِ، وَمُفَادُ هَذَا أَنَّهُ لاَ يَحْرُمُ نَظَرُ الأَْجْنَبِيَّةِ مِنَ الْمِرْآةِ أَوِ الْمَاءِ، إِلاَّ أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ بِالنَّظَرِ وَنَحْوِهِ شُدِّدَ فِي شُرُوطِهَا، لأَِنَّ الأَْصْل فِيهَا الْحَل، بِخِلاَفِ النَّظَرِ، لأَِنَّهُ إِنَّمَا مُنِعَ مِنْهُ خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ وَالشَّهْوَةِ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ هُنَا، وَرَأَيْتُ فِي فَتَاوَى ابْنِ حَجَرٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ذَكَرَ فِيهِ خِلاَفًا بَيْنَهُمْ وَرَجَّحَ الْحُرْمَةَ بِنَحْوِ مَا قُلْنَاهُ (١)، وَقَال الرَّمْلِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ شَارِحًا لِقَوْل النَّوَوِيِّ فِي الْمِنْهَاجِ: وَيَحْرُمُ نَظَرُ فَحْلٍ بَالِغٍ إِلَى عَوْرَةِ حُرَّةٍ أَجْنَبِيَّةٍ، خَرَجَ مِثَالُهَا، فَلاَ يَحْرُمُ نَظَرُهُ فِي نَحْوِ مِرْآةٍ، كَمَا أَفْتَى بِهِ جَمْعٌ، لأَِنَّهُ لَمْ يَرَهَا. . . مَا لَمْ يَخَفْ فِتْنَةً (٢) .

نَظَرُ الرَّجُل إِلَى الْمَرْأَةِ الْمَيِّتَةِ:

١٦ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ حُكْمَ نَظَرِ الرَّجُل إِلَى الْمَرْأَةِ بَعْدَ مَوْتِهَا كَحُكْمِهِ فِي حَيَاتِهَا، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا إِلَى غَيْرِ مَا كَانَ يَحِل لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهِ حَال

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٩ / ٥٣٤

(٢) نهاية المحتاج ٦ / ١٨٧

الْحَيَاةِ، إِلاَّ إِذَا وُجِدَتْ ضَرُورَةٌ تَقْتَضِي ذَلِكَ، لأَِنَّ الْمَوْتَ لاَ تَرْتَفِعُ بِهِ الْحُرْمَةُ، بَل تَتَأَكَّدُ، وَلأَِنَّ هَذِهِ الْحُرْمَةَ لِحَقِّ الشَّرْعِ، وَالآْدَمِيُّ مُحْتَرَمٌ شَرْعًا حَيًّا وَمَيِّتًا (١) .

وَانْظُرْ (تَغْسِيل الْمَيِّتِ ف ١١ وَمَا بَعْدَهَا) .

نَظَرُ الرَّجُل إِلَى الرَّجُل:

١٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ نَظَرُ الرَّجُل إِلَى الرَّجُل بِشَهْوَةٍ أَوْ بِقَصْدِ التَّلَذُّذِ (٢)، كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُل أَنْ يَنْظُرَ مِنَ الرَّجُل إِلَى عَوْرَتِهِ بِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ، وَلَوْ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ، وَيَحِل لَهُ النَّظَرُ إِلَى مَا سِوَاهَا، لِمَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ يَنْظُرُ الرَّجُل إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُل وَلاَ الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ، وَلاَ يُفْضِي الرَّجُل إِلَى الرَّجُل فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَلاَ تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ (٣) .

_________

(١) المبسوط ١٠ / ١٦٠، ١٦١، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٣٠، بلغة السالك ١ / ١٩٤، ونهاية المحتاج ٦ / ٢٠٠، ومغني المحتاج ٣ / ١٣٠، والمجموع ٥ / ١٣٩، وروضة الطالبين ٧ / ٢١ وما بعدها، المغني ٢ / ٥٢٥ وما بعدها

(٢) مغني المحتاج ٣ / ١٣٠، ونهاية المحتاج ٦ / ١٩٢، والإنصاف ٨ / ٣٠، ومجموع الفتاوى ٢١ / ٢٤٩

(٣) حديث: لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل. . . . أخرجه مسلم (١ / ٢٦٦ ط عيسى الحلبي) .

وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدِ عَوْرَةِ الرَّجُل الَّتِي يَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَيْهَا، وَقَدْ ذَهَبَ مُعْظَمُهُمْ إِلَى أَنَّ عَوْرَةَ الرَّجُل مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي دُخُول كُلٍّ مِنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فِي عَوْرَتِهِ، وَكَذَلِكَ الْفَخِذُ (١) .

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (عَوْرَةٍ ف ٨) .

نَظَرُ الرَّجُل إِلَى وَجْهِ الأَْمْرَدِ:

١٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ النَّظَرِ إِلَى الأَْمْرَدِ عَنْ شَهْوَةٍ أَوْ بِقَصْدِ التَّلَذُّذِ وَالتَّمَتُّعِ بِمَحَاسِنِهِ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ الأَْمْرَدِ الصَّبِيحِ وَغَيْرِهِ، بَل نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ النَّظَرَ إِلَى الأَْمْرَدِ بِشَهْوَةٍ أَشَدُّ إِثْمًا مِنَ النَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَةِ بِشَهْوَةٍ، لأَِنَّهُ لاَ يَحِل بِحَالٍ.

وَأَمَّا إِذَا كَانَ النَّظَرُ إِلَى الأَْمْرَدِ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ وَلاَ قَصْدِ التَّلَذُّذِ فَإِمَّا أَنْ يَخَافَ مِنَ النَّظَرِ ثَوَرَانَ الشَّهْوَةِ، أَوْ يَأْمَنَ مِنْ ثَوَرَانِهَا، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (أَمْرَدَ ف ٤) .

_________

(١) المبسوط ١٠ / ١٤٦، ١٤٧، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٢٧، والدر المختار ورد المحتار ٩ / ٥٢٦، ومواهب الجليل ٢ / ١٧٨، ١٨٠، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١ / ٢١٣، والخرشي ١ / ٢٤٦، ونهاية المحتاج ٦ / ١٩١، وروضة الطالبين ٧ / ٢١ وما بعدها، ومغني المحتاج ٣ / ١٣٠، ومطالب أولي النهى ٥ / ١٥، والإنصاف ٨ / ٢٥، والمبدع ٧ / ١٠، وكشاف القناع ١ / ٣٠٨

نَظَرُ الْمَرْأَةِ إِلَى الرَّجُل: يَخْتَلِفُ حُكْمُ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إِلَى الرَّجُل بِاخْتِلاَفِ كَوْنِهِ أَجْنَبِيًّا أَوْ مِنْ ذَوِي مَحَارِمِهَا:

نَظَرُ الْمَرْأَةِ إِلَى الرَّجُل الأَْجْنَبِيِّ:

١٩ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ نَظَرَ الْمَرْأَةِ إِلَى أَيِّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ الرَّجُل الأَْجْنَبِيِّ يَكُونُ حَرَامًا إِذَا قَصَدَتْ بِهِ التَّلَذُّذَ أَوْ عَلِمَتْ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهَا وُقُوعُ الشَّهْوَةِ أَوْ شَكَّتْ فِي ذَلِكَ، بِأَنْ كَانَ احْتِمَال حُدُوثِ الشَّهْوَةِ وَعَدَمِ حُدُوثِهَا مُتَسَاوِيَيْنِ، لأَِنَّ النَّظَرَ بِشَهْوَةٍ إِلَى مَنْ لاَ يَحِل بِزَوْجِيَّةٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ نَوْعُ زِنًا، وَهُوَ حَرَامٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ.

وَفِي مُقَابِل الصَّحِيحِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مَا وَرَدَ فِي كِتَابِ الأَْصْل لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَغُضَّ بَصَرَهَا عَمَّا سِوَى الْعَوْرَةِ مِنَ الرَّجُل إِذَا عَلِمَتْ وُقُوعَ الشَّهْوَةِ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهَا ذَلِكَ أَوْ شَكَّتْ فِيهِ، بِمَعْنَى أَنَّ نَظَرَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ مَكْرُوهًا وَلَيْسَ مُحَرَّمًا، بِخِلاَفِ الرَّجُل، فَإِنَّ نَظَرَهُ إِلَى مَا يَحِل لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهِ مِنَ الْمَرْأَةِ بِدُونِ شَهْوَةٍ يَحْرُمُ إِذَا كَانَ مَعَ الشَّهْوَةِ، أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وُقُوعُهَا، أَوْ شَكَّ فِي ذَلِكَ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ بِحَسَبِ هَذَا الْقَوْل أَنَّ الشَّهْوَةَ عَلَى النِّسَاءِ غَالِبَةٌ،