الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠
الرَّجُل يَزْدَادُ فِي صِحَّةِ رَأْيِهِ مَا نَصَحَ لِمُسْتَشِيرِهِ، فَإِذَا غَشَّهُ سَلَبَهُ اللَّهُ نُصْحَهُ وَرَأْيَهُ، وَلاَ يَلْتَفِتَنَّ إِلَى مَنْ قَال: إِذَا نَصَحْتَ الرَّجُل فَلَمْ يَقْبَل مِنْكَ فَتَقَرَّبْ إِلَى اللَّهِ بِغِشِّهِ، فَذَلِكَ قَوْلٌ أَلْقَاهُ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ، اللَّهُمَّ إِلاَّ أَنْ يُرِيدَ بِغِشِّهِ السُّكُوتَ عَنْهُ، فَقَدْ قِيل: كَثْرَةُ النَّصِيحَةِ تُورِثُ الظِّنَّةُ.
وَقَال الرَّاغِبُ الأَْصْفَهَانِيُّ: أَوَّل النُّصْحِ أَنْ يَنْصَحَ الإِْنْسَانُ نَفْسَهُ فَمَنْ غَشَّهَا فَقَلَّمَا يَنْصَحُ غَيْرَهُ (١) .
وَفِي عَوْنِ الْمَعْبُودِ: وَيَنْبَغِي لِمَنِ اسْتَنْصَحَ أَنْ يُخْلِصَ النَّصِيحَةَ، لأَِنَّهُ مُسْتَشَارٌ يُوَجِّهُ إِلَى مَا فِيهِ رُشْدُ الْمُسْتَشِيرِ وَخَيْرُهُ، فَإِنْ أَشَارَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ صَوَابٍ فَقَدْ غَشَّهُ فِي مَشُورَتِهِ، رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ (٢)، قَال الطِّيبِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَمِينٌ فِيمَا يُسْأَل مِنَ الأُْمُورِ فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يَخُونَ الْمُسْتَشِيرَ بِكِتْمَانِ مَصْلَحَتِهِ (٣) .
_________
(١) الذَّرِيعَة إِلَى مَكَارِمَ الشَّرِيعَة ص ٢٩٥.
(٢) حَدِيث: " الْمُسْتَثَار مُؤْتَمَن ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (٥ / ٣٤٥ ط حِمْص) وَالتِّرْمِذِيّ (٥ / ١٢٥ ط الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وَقَال: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
(٣) عَوْن الْمَعْبُودِ شَرْح سُنَنِ أَبِي دَاوُد ط دَار الْفِكْرِ ١٤ / ٣٦، وَفَيْض الْقَدِير ٦ / ٢٦٨.
عُدَّةُ النَّاصِحِ:
١١ - نَقَل الْمَنَاوِيُّ أَنَّ النَّاصِحَ يَحْتَاجُ إِلَى عِلْمٍ كَبِيرٍ كَثِيرٍ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ أَوَّلًا إِلَى عِلْمِ الشَّرِيعَةِ وَهُوَ الْعِلْمُ الْعَامُّ الْمُتَضَمِّنُ لأَِحْوَال النَّاسِ، وَعِلْمِ الزَّمَانِ، وَعِلْمِ الْمَكَانِ، وَعِلْمِ التَّرْجِيحِ إِذَا تَقَابَلَتِ الأُْمُورُ فَيَفْعَل بِحَسَبِ الأَْرْجَحِ عِنْدَهُ، وَهَذَا يُسَمَّى عِلْمَ السِّيَاسَةِ، فَإِنَّهُ يَسُوسُ بِذَلِكَ النُّفُوسَ الْجَمُوحَةَ الشَّارِدَةَ عَنْ طَرِيقِ مَصَالِحِهَا، فَلِذَلِكَ قَالُوا: يَحْتَاجُ النَّاصِحُ إِلَى عِلْمٍ وَعَقْلٍ وَفِكْرٍ صَحِيحٍ وَرُؤْيَةٍ حَسَنَةٍ وَاعْتِدَال مِزَاجٍ وَتُؤَدَةٍ وَتَأَنٍّ، فَإِنْ لَمْ تُجْمَعْ هَذِهِ الْخِصَال فَخَطَؤُهُ أَسْرَعُ مِنْ إِصَابَتِهِ فَلاَ يَنْصَحُ (١) .
النَّصِيحَةُ مِنْ مَكَارِمِ الأَْخْلاَقِ:
١٢ - قَال الْمَنَاوِيُّ: بِالنَّصِيحَةِ يَحْصُل التَّحَابُبُ وَالاِئْتِلاَفُ، وَبِضِدِّهَا يَكُونُ التَّبَاغُضُ وَالاِخْتِلاَفُ، وَأَقْصَى مُوجِبَاتِ التَّحَابُبِ أَنْ يَرَى الإِْنْسَانُ لأَِخِيهِ مَا يَرَاهُ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ نَقَل قَوْل الْعُلَمَاءِ: مَا فِي مَكَارِمِ الأَْخْلاَقِ أَدَقُّ وَلاَ أَخْفَى وَلاَ أَعْظَمُ مِنَ النَّصِيحَةِ (٢) .
وَقَال ابْنُ عُلَيَّةَ فِي قَوْل أَبِي بَكْرٍ الْمُزَنِيِّ: مَا فَاقَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ أَصْحَابَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِصَوْمٍ وَلاَ صَلاَةٍ وَلَكِنْ بِشَيْءٍ كَانَ فِي قَلْبِهِ،
_________
(١) فيض القدير ٦ / ٢٦٨
(٢) فيض القدير ٦ / ٢٦٨
قَال: الَّذِي كَانَ فِي قَلْبِهِ الْحُبُّ لِلَّهِ ﷿، وَالنَّصِيحَةُ فِي خَلْقِهِ.
وَقَال الْفُضَيْل بْنُ عِيَاضٍ: مَا أَدْرَكَ عِنْدَنَا مَنْ أَدْرَكَ بِكَثْرَةِ الصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ، وَإِنَّمَا أَدْرَكَ عِنْدَنَا بِسَخَاءِ الأَْنْفُسِ وَسَلاَمَةِ الصَّدْرِ وَالنُّصْحِ لِلأُْمَّةِ (١) .
وَقَال الْحَسَنُ: قَال بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنْ شِئْتُمْ لأَُقْسِمَنَّ لَكُمْ بِاللَّهِ أَنَّ أَحَبَّ عِبَادِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ. . . الَّذِينَ يُحَبِّبُونَ اللَّهَ إِلَى عِبَادِهِ، وَيُحَبِّبُونَ عِبَادَ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَيَسْعَوْنَ فِي الأَْرْضِ بِالنَّصِيحَةِ (٢) .
النَّصِيحَةُ لِلْغَائِبِ:
١٣ - لاَ يُقَصَّرُ حَقُّ الْمُسْلِمِ فِي النُّصْحِ عَلَى حُضُورِهِ، بَل إِنَّ حَقَّهُ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ فِي النُّصْحِ يَمْتَدُّ إِلَى غِيَابِهِ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ: لِلْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ سِتُّ خِصَالٍ. . . وَذَكَرَ مِنْهَا: يَنْصَحُ لَهُ إِذَا غَابَ أَوْ شَهِدَ (٣) .، قَال ابْنُ رَجَبٍ: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا ذُكِرَ فِي غَيْبِهِ بِالسُّوءِ أَنْ يَنْصُرَهُ وَيَرُدَّ عَنْهُ، وَإِذَا رَأَى مَنْ يُرِيدُ أَذَاهُ فِي غَيْبِهِ كَفَّهُ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ النُّصْحَ فِي الْغَيْبِ يَدُل
_________
(١) جامع العلوم والحكم ١ / ٢٢٥
(٢) جامع العلوم والحكم ١ / ٢٢٤
(٣) حديث: للمؤمن على المؤمن ست خصال. . . أخرجه الترمذي (٥ / ٨٠ - ٨١ ط الحلبي) والنسائي (٤ / ٥٣ ط التجارية الكبرى) وقال الترمذي: حسن صحيح.
عَلَى صِدْقِ النُّصْحِ (١) .
النُّصْحُ لِلذِّمِّيِّ وَالْكَافِرِ:
١٤ - ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَنْصَحَ الْكَافِرَ أَوِ الذِّمِّيَّ لِحَدِيثِ: الدِّينُ النَّصِيحَةُ؟ قُلْنَا: لِمَنْ يَا رَسُول اللَّهِ، قَال: لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَِئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ، وَإِلْحَاقُ غَيْرِ الْمُسْلِمِ بِالْمُسْلِمِ يَصِحُّ إِذَا كَانَ مِثْلَهُ، وَلَيْسَ الذِّمِّيُّ كَالْمُسْلِمِ، وَلاَ حُرْمَتُهُ كَحُرْمَةِ الْمُسْلِمِ " (٢) .
وَقَال ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلاَنِيُّ: التَّقْيِيدُ بِالْمُسْلِمِ - أَيْ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَفِيهِ فَشَرَطَ عَلَيَّ وَالنُّصْحُ لِكُل مُسْلِمٍ (٣) . لِلأَْغْلَبِ، وَإِلاَّ فَالنُّصْحُ لِلْكَافِرِ مُعْتَبَرٌ، بِأَنْ يُدْعَى إِلَى الإِْسْلاَمِ، وَيُشَارَ عَلَيْهِ بِالصَّوَابِ إِذَا اسْتَشَارَ (٤) .
الْمُسْلِمُ يَنْصَحُ حَيًّا وَمَيِّتًا:
١٥ - مِنْ شَأْنِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَقُومَ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ
_________
(١) جامع العلوم والحكم ١ / ٢٢٤
(٢) جامع العلوم والحكم ١ / ٢٢٥، ومطالب أولي النهى ٥ / ٢٤.
(٣) حديث جرير: فشرط علي النصح لكل مسلم. أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ١٣٩ ط السلفية) ومسلم (١ / ٧٥ عيسى الحلبي) واللفظ للبخاري.
(٤) فتح الباري ١ / ١٣٩ - ١٤٠
النُّصْحِ فِي كُل الظُّرُوفِ وَالأَْحْوَال، حَتَّى وَهُوَ يَسْتَقْبِل الْمَوْتَ، فَقَدْ أَثْنَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى مَنْ فَعَل ذَلِكَ، وَدَعَا لَهُ بِالرَّحْمَةِ (١)، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ الرَّبِيعِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَلَمَّا الْتُمِسَ فِي الْقَتْلَى وُجِدَ وَهُوَ حَيٌّ، فَقَال لِمُلْتَمِسِهِ - وَهُوَ أَبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ﵁ مَا شَأْنُكَ؟ قَال: بَعَثَنِي رَسُول اللَّهِ ﷺ لآِتِيَهُ بِخَبَرِكَ، قَال: فَاذْهَبْ إِلَيْهِ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلاَمَ؟ . . وَأَخْبِرْ قَوْمَكَ أَنَّهُمْ لاَ عُذْرَ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ إِنْ قُتِل رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَحَدٌ مِنْهُمْ حَيٌّ، قُل لِقَوْمِكَ: يَقُول لَكُمْ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ: اللَّهَ اللَّهَ وَمَا عَاهَدْتُمْ عَلَيْهِ رَسُول اللَّهِ لِمَجِيءِ لَيْلَةِ الْعَقَبَةِ، فَوَاللَّهِ مَا لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ عُذْرٌ إِنْ خُلِصَ إِلَى نَبِيِّكُمْ وَفِيكُمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ، قَال أُبَيٌّ: فَلَمْ أَبْرَحْ حَتَّى مَاتَ، فَرَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَال: ﵀، نَصَحَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ حَيًّا وَمَيِّتًا (٢) .
_________
(١) انظر الفتوحات الربانية على الأذكار النووية لابن علان الصديقي الشافعي ط المكتبة الإسلامية ٦ / ٢٦٢
(٢) حديث: ﵀، نصح لله ولرسوله حيا وميتا أخرجه ابن الأثير في أسد الغابة (٢ / ١٩٦ - ١٩٧ ط دار الفكر) من حديث يحيى بن سعيد مرسلا.
نَضْحٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - مِنْ مَعَانِي النَّضْحِ فِي اللُّغَةِ الْبَل بِالْمَاءِ وَالرَّشِّ، يُقَال: نَضَحَ الْمَاءَ، وَنَضَحَ الْبَيْتَ بِالْمَاءِ.
وَيُطْلَقُ النَّضْحُ كَذَلِكَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي يُنْضَحُ بِهِ الزَّرْعُ أَيْ يُسْقَى بِالنَّاضِحِ وَهُوَ السَّانِيَةُ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ قَال الْمَرْدَاوِيُّ: نَضَحَ الشَّيْءَ: غَمَرَهُ بِالْمَاءِ وَإِنْ لَمْ يَقْطُرْ مِنْهُ شَيْءٌ (٢) .
وَقَال إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ: النَّضْحُ أَنْ يَغْمُرَ وَيُكَاثِرَ بِالْمَاءِ مُكَاثَرَةً لاَ يَبْلُغُ جَرَيَانَ الْمَاءِ وَتَرَدُّدَهُ وَتَقَاطُرَهُ بِخِلاَفِ الْمُكَاثَرَةِ فِي غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَجْرِي بَعْضُ الْمَاءِ وَيَتَقَاطَرُ مِنَ الْمَحِل وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ عَصْرُهُ (٣) .
وَفَسَّرَ الْفُقَهَاءُ النَّضْحَ كَذَلِكَ بِالسَّانِيَةِ وَهِيَ الإِْبِل الَّتِي يُسْتَقَى عَلَيْهَا (٤) .
_________
(١) المصباح المنير، والمغرب
(٢) الإنصاف ١ / ٣٢٣
(٣) صحيح مسلم بشرح النووي ٣ / ١٩٥ ط المطبعة المصرية بالأزهر
(٤) فتح الباري ٣ / ٣٤٩ ط السلفية، وعمدة القاري ٩ / ٧٢
وَقَال الْعَيْنِيُّ: النَّوَاضِحُ الإِْبِل الَّتِي يُسْتَقَى عَلَيْهَا وَاحِدُهَا نَاضِحٌ وَالأُْنْثَى نَاضِحَةٌ (١) .
وَقَال الْقَرَافِيُّ: النَّضْحُ: السَّقْيُ بِالْجَمَل، وَيُسَمَّى الْجَمَل الَّذِي يَجُرُّهُ نَاضِحًا (٢) .
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالنَّضْحِ:
نَضْحُ الْفَرْجِ وَالسَّرَاوِيل بَعْدَ الاِسْتِنْجَاءِ:
٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُتَوَضِّئِ أَنْ يَأْخُذَ حَفْنَةً مِنْ مَاءٍ فَيَنْضَحَ بِهَا فَرْجَهُ وَدَاخِل سَرَاوِيلِهِ أَوْ إِزَارِهِ بَعْدَ الاِسْتِنْجَاءِ دَفْعًا لِلْوَسْوَاسِ، فَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: جَاءَنِي جِبْرِيل فَقَال: يَا مُحَمَّدُ إِذَا تَوَضَّأْتَ فَانْتَضِحْ (٣) .
قَال حَنْبَلٌ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ قُلْتُ: أَتَوَضَّأُ وَاسْتَبْرِئُ وَأَجِدُ فِي نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَحْدَثْتُ بَعْدَهُ؟ قَال: إِذَا تَوَضَّأْتَ فَاسْتَبْرِئْ، ثُمَّ خُذْ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَرُشَّهُ عَلَى فَرْجِكَ وَلاَ تَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَذْهَبُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ (٤) .
_________
(١) عمدة القاري ٩ / ٧٢، وانظر كشاف القناع ٢ / ٢٠٩
(٢) الذخيرة ٣ / ٨٣
(٣) حديث: جاءني جبريل فقال: يا محمد إذا توضأت فانتضح أخرجه الترمذي (١ / ٧١ ط الحلبي) وقال: حديث غريب، ثم ذكر أن أحد رواته قال عنه البخاري: منكر الحديث.
(٤) الفتاوى الهندية ١ / ٤٩، والبحر الرائق ١ / ٢٥٣، والمجموع ٢ / ١١٢، والمغني ١ / ١٥٥ - ١٥٦
تَطْهِيرُ بَوْل الصَّبِيِّ بِالنَّضْحِ:
٣٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ تَطْهِيرِ بَوْل الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ غَسْل بَوْل الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَأْكُلاَ الطَّعَامَ، وَلاَ يَكْفِي النَّضْحُ فِيهِمَا (١) . .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ إِلَى أَنَّهُ يُجْزِئُ فِي بَوْل الْغُلاَمِ الَّذِي لَمْ يَأْكُل الطَّعَامَ النَّضْحُ (٢) .
وَيَشْتَرِطُ الشَّافِعِيَّةُ فِي النَّضْحِ إِصَابَةَ الْمَاءِ جَمِيعَ مَوْضِعِ الْبَوْل وَأَنْ يَغْمُرَهُ وَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَنْزِل عَنْهُ (٣) .
وَيَرَى النَّخَعِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ فِي رِوَايَةٍ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ أَنَّهُ يَكْفِي النَّضْحُ فِي بَوْل الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ جَمِيعًا (٤) .
وَلِمَعْرِفَةِ حُكْمِ بَوْل الصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يَطْعَمْ مِنْ حَيْثُ الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ (ر:. نَجَاسَةٌ) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٢١٢، والاختيار ١ / ٣٢، والتاج والإكليل ١ / ١٠٨، والمجموع ٢ / ٥٨٩، وصحيح مسلم بشرح النووي ٣ / ١٩٥ ط المطبعة المصرية بالأزهر
(٢) المجموع ٢ ٥٨٩، وصحيح مسلم بشرح النووي ٣ / ١٩٥، والإنصاف ١ / ٣٢٣
(٣) المجموع ٢ / ٥٨٩
(٤) المجموع ٢ / ٥٨٩ - ٥٩٠، وصحيح مسلم بشرح النووي ٣ / ١٩٥
زَكَاةُ مَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ:
٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنِ الْفُقَهَاءِ فِي وُجُوبِ نِصْفِ الْعُشْرِ فِيمَا يُسْقَى مِنَ الزُّرُوعِ بِالْمُؤَنِ كَالدَّوَالِي النَّوَاضِحِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًا الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ (١) . قَال الْقَرَافِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْحَدِيثِ: وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ مَتَى كَثُرَتِ الْمُؤْنَةُ خَفَّتِ الزَّكَاةُ رِفْقًا بِالْعِبَادِ، وَمَتَى قَلَّتْ كَثُرَتِ الزَّكَاةُ لِيَزْدَادَ الشُّكْرُ لِزِيَادَةِ النِّعَمِ، وَنَظِيرُهُ الزَّكَاةُ فِي الْمَعْدِنِ، وَالْخُمْسُ فِي الرِّكَازِ (٢) .
وَالتَّفْصِيل فِي (زَكَاةٌ ف ١١٥ وَمَا بَعْدَهَا) .
_________
(١) حديث: فيما سقت السماء والعيون. . أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٣٤٧ ط السلفية) من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) الذخيرة ٣ / ٨٢، والمغني ٢ / ٦٩٨، ونهاية المحتاج ٣ / ٧٦، والاختيار ١ / ١١٣
نُطْفَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - النُّطْفَةُ فِي اللُّغَةِ: مَاءُ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّا خَلَقْنَا الإِْنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ (١) الآْيَةَ، وَسُمِيَّ هَذَا الْمَاءُ نُطْفَةً لِقِلَّتِهِ، لأَِنَّ النُّطْفَةَ: الْقَلِيل مِنَ الْمَاءِ، وَقَدْ يَقَعُ عَلَى الْكَثِيرِ، وَالْجَمْعُ نُطَفٌ وَنِطَافٌ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لِلنُّطْفَةِ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْعَلَقَةُ:
٢ - الْعَلَقَةُ فِي اللُّغَةِ: الْمَنِيُّ يَنْتَقِل بَعْدَ طَوْرِهِ، فَيَصِيرُ دَمًا غَلِيظًا مُتَجَمِّدًا، وَهِيَ الْقِطْعَةُ الَّتِي يَتَكَوَّنُ مِنْهَا الْوَلَدُ، وَالْعَلَقَةُ طَوْرٌ مِنْ أَطْوَارِ الْجَنِينِ، يُقَال: عَلَقَتِ الْمَرْأَةُ: إِذَا حَبِلَتْ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ (٣) .
_________
(١) سورة الإنسان / ٢
(٢) المصباح المنير، والمفردات في غريب القرآن، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٢ / ٦ - ٧، وفتح الباري شرح صحيح البخاري ١١ / ٤٧٩
(٣) سورة غافر / ٦٧