الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠
وَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّصِيحَةِ وَالتَّوْبِيخِ الإِْسْرَارُ وَالإِْعْلاَنُ (١)، بِمَعْنَى أَنَّ النَّصِيحَةَ مِنْ شَأْنِهَا الإِْسْرَارُ بِهَا، وَالتَّوْبِيخُ يَكُونُ عَلاَنِيَةً.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٥ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ النَّصِيحَةَ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِينَ، قَال ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ: يَتَأَكَّدُ وُجُوبُهَا لِخَاصَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ. وَقَال الرَّاغِبُ الأَْصْفَهَانِيُّ: عَظَّمَ النَّبِيُّ ﷺ أَمْرَ النُّصْحِ فَقَال: الدِّينُ النَّصِيحَةُ (٢)، فَبَيَّنَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أَنَّ النُّصْحَ وَاجِبٌ لِكَافَّةِ النَّاسِ بِأَنْ تَتَحَرَّى مَصْلَحَتَهُمْ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ (٣) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: النَّصِيحَةُ فَرْضُ عَيْنٍ سَوَاءٌ طُلِبَتَ أَوْ لَمْ تُطْلَبْ إِذَا ظَنَّ الإِْفَادَةَ لأَِنَّهُ مِنْ بَابِ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ.
_________
(١) مُخْتَصَر مِنْهَاج الْقَاصِدِينَ ص ٩٩ ط. الْمَكْتَبُ الإِْسْلاَمِيُّ، وَإِحْيَاء عُلُوم الدِّينِ ٢ / ١٨٢ ط دَار الْمَعْرِفَة - بَيْرُوت.
(٢) حَدِيث: " الدِّين النَّصِيحَة " أَخْرَجَهُ مُسْلِم (١ / ٧٤ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيث تَمِيم الدَّارِي.
(٣) الشَّرْح الصَّغِير عَلَى أَقْرَبَ الْمَسَالِك إِلَى مَذْهَب الإِْمَامِ مَالِك، وَحَاشِيَةِ الصَّاوِي ط دَارَ الْمَعَارِف ٤ / ٧٤١، وَالذَّرِيعَة إِلَى مَكَارِمَ الشَّرِيعَة ط دَار الصَّحْوَة وَدَار الْوَفَاء ص ٢٩٥، وَالزَّوَاجِر عَنِ اقْتِرَافِ الْكَبَائِرِ ط مُصْطَفَى الْبَابِيّ الْحَلَبِيّ ١ / ٢٢١.
وَنَقَل النَّوَوِيُّ عَنِ ابْنِ بَطَّالٍ أَنَّ النَّصِيحَةَ فَرْضُ كِفَايَةٍ يُجْزَى فِيهِ مَنْ قَامَ بِهِ وَيَسْقُطُ عَنِ الْبَاقِينَ (١) .
وَهِيَ لاَزِمَةٌ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ أَوِ الطَّاقَةِ إِذَا عَلِمَ النَّاصِحُ أَنَّهُ يُقْبَل نُصْحُهُ وَيُطَاعُ أَمْرُهُ وَأَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ الْمَكْرُوهَ فَإِنْ خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ أَذًى فَهُوَ فِي سَعَةٍ، وَقَال غَيْرُهُمْ: إِنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِ: الدِّينُ النَّصِيحَةُ وُجُوبُ النُّصْحِ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لاَ يُفِيدُ فِي الْمَنْصُوحِ (٢) .
وَلاَ يَسْقُطُ التَّكْلِيفُ بِالنَّصِيحَةِ عَنِ الْمُسْلِمِ مَادَامَ صَحِيحَ الْعَقْل، قَال ابْنُ رَجَبٍ: قَدْ تُرْفَعُ الأَْعْمَال كُلُّهَا عَنِ الْعَبْدِ فِي بَعْضِ الْحَالاَتِ، وَلاَ يُرْفَعُ عَنْهُ النُّصْحُ لِلَّهِ، فَلَوْ كَانَ مِنَ الْمَرَضِ بِحَالٍ لاَ يُمْكِنُهُ عَمَلٌ بِشَيْءٍ مِنْ جَوَارِحِهِ بِلِسَانٍ وَلاَ غَيْرِهِ غَيْرَ أَنَّ عَقْلَهُ ثَابِتٌ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ النُّصْحُ لِلَّهِ بِقَلْبِهِ، وَهُوَ أَنْ يَنْدَمَ عَلَى ذُنُوبِهِ، وَيَنْوِيَ إِنْ صَحَّ أَنْ يَقُومَ بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَيَجْتَنِبَ مَا نَهَاهُ عَنْهُ، وَإِلاَّ كَانَ غَيْرَ نَاصِحٍ لِلَّهِ بِقَلْبِهِ (٣) .
_________
(١) شَرْح صَحِيح مُسْلِم لِلنَّوَوِيِّ ١ / ٣٩٩، وَدَلِيل الْفَالِحِينَ ١ / ٤٥٩.
(٢) الشَّرْح الصَّغِير ٤ / ٧٤١، وَشَرْح صَحِيح مُسْلِم لِلنَّوَوِيِّ ١ / ٣٩٩، وَدَلِيل الْفَالِحِينَ ١ / ٤٦٠، وَفَيْض الْقَدِير شَرْح الْجَامِع الصَّغِير للمناوي ط مُصْطَفَى مُحَمَّد ٣ / ٥٥٦.
(٣) جَامِع الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ ١ / ٢٢٠ - ٢٢١.
مَكَانَةُ النَّصِيحَةِ فِي الدِّينِ:
٦ - رَوَى تَمِيمُ بْنُ أَوْسٍ الدَّارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: الدِّينُ النَّصِيحَةُ (١) . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حَصْرِ الدِّينِ فِي النَّصِيحَةِ - الَّذِي وَرَدَ بِالْحَدِيثِ - هَل هُوَ حَصْرٌ مَجَازِيٌّ أَمْ حَقِيقِيٌّ.
فَقَال بَعْضُهُمْ كَالْمُنَاوِيِّ وَابْنِ عَلاَّنٍ: حَدِيثُ الدِّينُ النَّصِيحَةُ أَيْ هِيَ عِمَادُ الدِّينِ وَقِوَامُهُ كَقَوْلِهِ ﷺ: الْحَجُّ عَرَفَةُ (٢) فَهُوَ مِنَ الْحَصْرِ الْمَجَازِيِّ لاَ الْحَقِيقِيِّ، أَيْ أَنَّهُ أُرِيدَ الْمُبَالَغَةُ فِي مَدْحِ النَّصِيحَةِ حَتَّى جُعِلَتْ كُل الدِّينِ وَإِنْ كَانَ الدِّينُ مُشْتَمِلًا عَلَى خِصَالٍ كَثِيرَةٍ غَيْرِهَا (٣) .
وَقَال غَيْرُهُمْ كَابْنِ رَجَبٍ: أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، فَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّ النَّصِيحَةَ تَشْمَل خِصَال الإِْسْلاَمِ وَالإِْيمَانِ وَالإِْحْسَانِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي حَدِيثِ جِبْرِيل، وَسَمَّى ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا، فَإِنَّ النُّصْحَ لِلَّهِ يَقْتَضِي الْقِيَامَ بِأَدَاءِ وَاجِبَاتِهِ عَلَى أَكْمَل وُجُوهِهَا، وَهُوَ مَقَامُ الإِْحْسَانِ، فَلاَ
_________
(١) حَدِيث: " الدِّين النَّصِيحَة ". سَبَقَ تَخْرِيجه ف ٥.
(٢) حَدِيث: " الْحَجّ عَرَفَة ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (٣ / ٢٢٨ ط الْحَلَبِيّ)، وَالْحَاكِم (٢ / ٢٧٨ ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ) مِنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن يَعْمُرُ ﵁ وَقَال: صَحِيح.
(٣) فَيْض الْقَدِير ٣ / ٥٥٥، وَدَلِيل الْفَالِحِينَ ١ / ٤٥٩.
يَكْمُل النُّصْحُ لِلَّهِ بِدُونِ ذَلِكَ، وَلاَ يَتَأَتَّى ذَلِكَ بِدُونِ كَمَال الْمَحَبَّةِ الْوَاجِبَةِ وَالْمُسْتَحَبَّةِ (١) .
وَقَال ابْنُ حَجْرٍ الْعَسْقَلاَنِيُّ: يُحْتَمَل أَنْ يُحْمَل الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ لأَِنَّ كُل عَمَلٍ لَمْ يُرِدْ بِهِ عَامِلُهُ الإِْخْلاَصَ فَلَيْسَ مِنَ الدِّينِ (٢) .
مَنْ تَجِبُ لَهُ النَّصِيحَةُ وَمَا تَكُونُ بِهِ:
٧ - وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: الدِّينُ النَّصِيحَةُ " قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَال: لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَِئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ (٣) .
قَال النَّوَوِيُّ: ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَلاَمًا نَفِيسًا، أَنَا أَضُمُّ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ، قَالُوا:
أَمَّا النَّصِيحَةُ لِلَّهِ تَعَالَى فَمَعْنَاهَا مُنْصَرِفٌ إِلَى الإِْيمَانِ بِهِ، وَنَفْيِ الشَّرِيكِ عَنْهُ، وَتَرْكِ الإِْلْحَادِ فِي صِفَاتِهِ، وَوَصْفِهِ بِصِفَاتِ الْكَمَال وَالْجَلاَل كُلِّهَا، وَتَنْزِيهِهِ ﷾ مِنْ جَمِيعِ النَّقَائِصِ، وَالْقِيَامِ بِطَاعَتِهِ، وَاجْتِنَابِ مَعْصِيَتِهِ، وَالْحُبِّ فِيهِ، وَالْبُغْضِ فِيهِ، وَمُوَالاَةِ مَنْ أَطَاعَهُ، وَمُعَادَاةِ مَنْ
_________
(١) جَامِع الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ ١ / ٢١٨.
(٢) فَتْح الْبَارِّي ١ / ١٣٨.
(٣) حَدِيث: " الدِّين النَّصِيحَة ". سَبَقَ تَخْرِيجه ف ٥.
عَصَاهُ، وَجِهَادِ مَنْ كَفَرَ بِهِ، وَالاِعْتِرَافِ بِنِعْمَتِهِ، وَشُكْرِهِ عَلَيْهَا، وَالإِْخْلاَصِ فِي جَمِيعِ الأُْمُورِ، وَالدُّعَاءِ إِلَى جَمِيعِ الأَْوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ، وَالْحَثِّ عَلَيْهَا، وَالتَّلَطُّفِ بِالنَّاسِ أَوْ مَنْ أَمْكَنَ مِنْهُمْ عِلْمُهَا، قَال الْخَطَّابِيُّ: حَقِيقَةُ هَذِهِ الإِْضَافَةِ رَاجِعَةٌ إِلَى الْعَبْدِ فِي نُصْحِهِ نَفْسَهُ فَاللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ نُصْحِ النَّاصِحِ (١) .
وَأَمَّا النَّصِيحَةُ لِكِتَابِ اللَّهِ ﷾ فَتَكُونُ بِالإِْيمَانِ بِأَنَّهُ كَلاَمُ اللَّهِ تَعَالَى وَتَنْزِيلُهُ، لاَ يُشْبِهُهُ شَيْءٌ مِنْ كَلاَمِ الْخَلْقِ، وَلاَ يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ، ثُمَّ تَعْظِيمُهُ وَتِلاَوَتُهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ، وَتَحْسِينُهَا وَالْخُشُوعُ عِنْدَهَا، وَإِقَامَةُ حُرُوفِهِ فِي التِّلاَوَةِ، وَالذَّبُّ عَنْ تَأْوِيل الْمُحَرِّفِينَ وَتَعَرُّضِ الطَّاغِينَ، وَالتَّصْدِيقُ بِمَا فِيهِ، وَالْوُقُوفُ مَعَ أَحْكَامِهِ، وَتَفَهُّمُ عُلُومِهِ وَأَمْثَالِهِ، وَالاِعْتِبَارُ بِمَوَاعِظِهِ، وَالتَّفَكُّرُ فِي عَجَائِبِهِ، وَالْعَمَل بِمُحْكَمِهِ وَالتَّسْلِيمُ لِمُتَشَابِهِهِ، وَالْبَحْثُ عَنْ عُمُومِهِ وَخُصُوصِهِ وَنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ، وَنَشْرُ عُلُومِهِ، وَالدُّعَاءُ إِلَيْهِ وَإِلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ نَصِيحَتِهِ (٢) .
_________
(١) شَرْح صَحِيح مُسْلِم لِلنَّوَوِيِّ ١ / ٣٩٧، وَدَلِيل الْفَالِحِينَ لِطُرُقِ رِيَاض الصَّالِحِينَ ١ / ٤٥٩، وَفَتْح الْبَارِّي ١ / ١٣٨، وَالشَّرْحِ الصَّغِيرِ ٤ / ٧٤٢، وَالنِّهَايَة فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ وَالأَْثَر لاِبْنِ الأَْثِيرِ ط دَار الْفِكْرِ - بَيْرُوت.
(٢) الْمَرَاجِع السَّابِقَة.
وَأَمَّا النَّصِيحَةُ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ فَتَصْدِيقُهُ عَلَى الرِّسَالَةِ، وَالإِْيمَانُ بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ، وَطَاعَتُهُ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَنُصْرَتُهُ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَمُعَادَاةُ مَنْ عَادَاهُ وَمُوَالاَةُ مَنْ وَالاَهُ، وَإِعْظَامُ حَقِّهِ وَتَوْقِيرِهِ، وَإِحْيَاءُ طَرِيقَتِهِ وَسُنَّتِهِ، وَبَثُّ دَعْوَتِهِ، وَنَشْرُ شَرِيعَتِهِ، وَنَفْيُ التُّهْمَةِ عَنْهَا، وَاسْتِثَارَةُ عُلُومِهَا، وَالتَّفَقُّهُ فِي مَعَانِيهَا، وَالدُّعَاءُ إِلَيْهَا، وَالتَّلَطُّفُ فِي تَعَلُّمِهَا وَتَعْلِيمِهَا، وَإِعْظَامُهَا وَإِجْلاَلُهَا، وَالتَّأَدُّبُ عِنْدَ قِرَاءَتِهَا، وَالإِْمْسَاكُ عَنِ الْكَلاَمِ فِيهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَإِجْلاَل أَهْلِهَا لاِنْتِسَابِهِمْ إِلَيْهَا، وَالتَّخَلُّقُ بِأَخْلاَقِهِ وَالتَّأَدُّبُ بِآدَابِهِ، وَمَحَبَّةُ أَهْل بَيْتِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَمُجَانَبَةُ مَنِ ابْتَدَعَ فِي سُنَّتِهِ أَوْ تَعَرَّضَ لأَِحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (١) .
وَالنَّصِيحَةُ لأَِئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ تَكُونُ بِمُعَاوَنَتِهِمْ عَلَى الْحَقِّ، وَطَاعَتِهِمْ فِيهِ، وَأَمْرِهِمْ بِهِ وَتَنْبِيهِهِمْ وَتَذْكِيرِهِمْ بِرِفْقٍ وَلُطْفٍ، وَإِعْلاَمِهِمْ بِمَا غَفَلُوا عَنْهُ وَلَمْ يَبْلُغْهُمْ مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ، وَتَرْكِ الْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ، وَتَأْلِيفِ قُلُوبِ النَّاسِ لِطَاعَتِهِمْ، قَال الْخَطَّابِيُّ: وَمِنَ النَّصِيحَةِ لَهُمُ الصَّلاَةُ خَلْفَهُمْ، وَالْجِهَادُ مَعَهُمْ، وَأَدَاءُ الصَّدَقَاتِ إِلَيْهِمْ، وَتَرْكُ الْخُرُوجِ بِالسَّيْفِ عَلَيْهِمْ إِذَا ظَهَرَ مِنْهُمْ حَيْفٌ أَوْ سُوءُ عِشْرَةٍ، وَأَنْ لاَ يُغَرُّوا بِالثَّنَاءِ
_________
(١) الْمَرَاجِع السَّابِقَة.
الْكَاذِبِ عَلَيْهِمْ، وَأَنْ يُدْعَى لَهُمْ بِالصَّلاَحِ وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْخُلَفَاءُ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يَقُومُ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَصْحَابِ الْوِلاَيَاتِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ أَيْضًا ثُمَّ قَال: وَقَدْ يُتَأَوَّل ذَلِكَ عَلَى الأَْئِمَّةِ الَّذِينَ هُمْ عُلَمَاءُ الدِّينِ وَأَنَّ مِنْ نَصِيحَتِهِمْ قَبُول مَا رَوَوْهُ وَتَقْلِيدَهُمْ فِي الأَْحْكَامِ وَإِحْسَانَ الظَّنِّ بِهِمْ (١) .
وَأَمَّا نَصِيحَةُ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ - وَهُمْ مَنْ عَدَا وُلاَةِ الأَْمْرِ - فَإِرْشَادُهُمْ لِمَصَالِحِهِمْ فِي آخِرَتِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَكَفِّ الأَْذَى عَنْهُمْ، فَيُعَلِّمُهُمْ مَا يَجْهَلُونَ مِنْ دِينِهِمْ وَيُعِينُهُمْ عَلَيْهِ بِالْقَوْل وَالْفِعْل، وَسَتْرِ عَوْرَاتِهِمْ، وَسَدِّ خَلاَّتِهِمْ، وَدَفْعِ الْمَضَارِّ عَنْهُمْ وَجَلْبِ الْمَنَافِعِ لَهُمْ وَأَمْرِهِمْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيِهِمْ عَنِ الْمُنْكَرِ بِرِفْقٍ وَإِخْلاَصٍ، وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ، وَتَوْقِيرِ كَبِيرِهِمْ، وَرَحْمَةِ صَغِيرِهِمْ، وَتَخَوُّلِهِمْ بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَتَرْكِ غِشِّهِمْ وَحَسَدِهِمْ، وَأَنْ يُحِبَّ لَهُمْ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الْخَيْرِ، وَيَكْرَهَ لَهُمْ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ مِنَ الْمَكْرُوهِ، وَالذَّبِّ عَنْ أَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِهِمْ، بِالْقَوْل وَالْفِعْل، وَحَثِّهِمْ عَلَى التَّخَلُّقِ وَبِجَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنْوَاعِ النَّصِيحَةِ، وَتَنْشِيطِ هِمَمِهِمْ إِلَى الطَّاعَاتِ (٢) .
_________
(١) الْمَرَاجِعُ السَّابِقَةُ.
(٢) الْمَرَاجِع السَّابِقَة.
الْحَاجَةُ إِلَى النَّصِيحَةِ:
٨ - الْمُسْلِمُ بِحَاجَةٍ إِلَى نُصْحِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، قَال الْغَزَالِيُّ: لأَِنَّهُ يَرَى مِنْهُ مَا لاَ يَرَى مِنْ نَفْسِهِ، فَيَسْتَفِيدُ مِنْ أَخِيهِ مَعْرِفَةَ عُيُوبِ نَفْسِهِ، وَلَوِ انْفَرَدَ لَمْ يَسْتَفِدْ، كَمَا يَسْتَفِيدُ بِالْمِرْآةِ الْوُقُوفَ عَلَى عُيُوبِ صُورَتِهِ الظَّاهِرَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ (١)، وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّ أَحَدَكُمْ مِرْآةُ أَخِيهِ، فَإِنْ رَأَى بِهِ أَذًى فَلْيُمِطْهُ عَنْهُ (٢) .
وَقَدْ كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يَسْتَهْدِي ذَلِكَ مِنْ إِخْوَانِهِ، وَيَقُول: رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً أَهْدَى إِلَى أَخِيهِ عُيُوبَهُ، وَقَال لِسَلْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَقَدْ قَدِمَ عَلَيْهِ: مَا الَّذِي بَلَغَكَ عَنِّي مِمَّا تَكْرَهُ؟ فَاسْتَعْفَى، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ، فَقَال: بَلَغَنِي أَنَّ لَكَ حُلَّتَيْنِ تَلْبِسُ إِحْدَاهُمَا بِالنَّهَارِ وَالأُْخْرَى بِاللَّيْل، وَبَلَغَنِي أَنَّكَ تَجْمَعُ بَيْنَ إِدَامَيْنِ عَلَى مَائِدَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَال عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَمَّا هَذَانِ فَقَدْ
_________
(١) حَدِيث: " الْمُؤْمِن مِرْآة الْمُؤْمِن. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (٥ / ٢١٧ ط حِمْص) وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْكُبْرَى (٨ / ١٦٧ ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَال المناوي فِي فَيْض الْقَدِير (٦ / ٢٥٢ ط التِّجَارِيَّة الْكُبْرَى): إِسْنَادُهُ حَسَن.
(٢) حَدِيث: " إِنَّ أَحَدَكُمْ مِرْآة أَخِيهِ. . . ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (٤ / ٣٢٦ ط الْحَلَبِيّ) ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ شُعْبَة ضَعْف أَحَد رُوَاته.
كَفَيْتُهُمَا فَهَل بَلَغَكَ غَيْرُهُمَا؟ فَقَال: لاَ (١) .
وَقَدْ قَال الْمُنَاوِيُّ: مَنْ قَبِل النَّصِيحَةَ أَمِنَ الْفَضِيحَةَ وَمَنْ يَأْبَى فَلاَ يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ، وَقَال الْغَزَالِيُّ: وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى الْكَاذِبِينَ بِبُغْضِهِمْ لِلنَّاصِحِينَ (٢) إِذْ قَال ﷾: وَلَكِنْ لاَ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٣) .
الإِْسْرَارُ بِالنَّصِيحَةِ:
٩ - قَال الْعُلَمَاءُ: يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ النَّصِيحَةُ فِي سِرٍّ لاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، بِأَنْ يَنْصَحَ النَّاصِحُ لِلْمَنْصُوحِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَلاَ يُطْلِعَ عَلَى عَيْبِهِ أَحَدًا، لأَِنَّ نَصَائِحَ الْمُؤْمِنِينَ فِي آذَانِهِمْ، وَمَا كَانَ عَلَى الْمَلأَِ فَهُوَ تَوْبِيخٌ وَفَضِيحَةٌ وَمَا كَانَ فِي السِّرِّ فَهُوَ شَفَقَةٌ وَنَصِيحَةٌ.
وَقَال الشَّافِعِيُّ: مَنْ وَعَظَ أَخَاهُ سِرًّا فَقَدْ نَصَحَهُ وَزَانَهُ وَمَنْ وَعَظَهُ عَلاَنِيَةً فَقَدْ فَضَحَهُ وَشَانَهُ.
وَقَال الْغَزَالِيُّ: اللَّهُ تَعَالَى يُعَاتِبُ الْمُؤْمِنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَحْتَ كَنَفِهِ فِي ظِل سَتْرِهِ، فَيُوقِفُهُ عَلَى ذُنُوبِهِ سِرًّا، وَقَدْ يُدْفَعُ كِتَابُ عَمَلِهِ مَخْتُومًا إِلَى
_________
(١) إِحْيَاء عُلُوم الدِّينِ لِلْغَزَالِيِّ ٢ / ١٨٢ - ١٨٣.
(٢) فَيْض الْقَدِير ٣ / ٥٥٦، وَإِحْيَاء عُلُوم الدِّينِ ٢ / ١٨٣.
(٣) سُورَة الأَْعْرَاف / ٧٩
الْمَلاَئِكَةِ الَّذِينَ يَحِفُّونَ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ، فَإِذَا قَارَبُوا بَابَ الْجَنَّةِ أَعْطَوْهُ الْكِتَابَ مَخْتُومًا لِيَقْرَأَهُ، وَأَمَّا أَهْل الْمَقْتِ فَيُنَادَوْنَ عَلَى رُؤُوسِ الأَْشْهَادِ وَتُسْتَنْطَقُ جَوَارِحُهُمْ بِفَضَائِحِهِمْ فَيَزْدَادُونَ بِذَلِكَ خِزْيًا وَافْتِضَاحًا.
وَقَال ابْنُ رَجَبٍ: كَانَ السَّلَفُ إِذَا أَرَادُوا نَصِيحَةَ أَحَدٍ وَعَظُوهُ سِرًّا، بَل إِنَّ بَعْضَ السَّلَفِ إِذَا سَمِعَ مَا يَكْرَهُ عَنْ أَخِيهِ ذَبَّ عَنْ عِرْضِهِ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهِ بِرَأْيِهِ وَنَصَحَهُ، نَقَل ابْنُ الْحَاجِّ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَال لِلْفُضَيْل: إِنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ قَبِل جَوَائِزَ السُّلْطَانِ، فَقَال: مَا أَخَذَ مِنْهُمْ إِلاَّ دُونَ حَقِّهِ، ثُمَّ خَلاَ بِهِ وَحَدَّثَهُ فِي ذَلِكَ بِالرِّفْقِ فَقَال: يَا أَبَا عَلِيٍّ إِنْ لَمْ نَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ فَإِنَّا نُحِبُّ الصَّالِحِينَ (١) .
بَل إِنَّهُمْ كَانُوا يَجْعَلُونَ السَّتْرَ وَالنُّصْحَ مِنْ خِلاَل الْمُؤْمِنِ، قَال الْفُضَيْل: الْمُؤْمِنُ يَسْتُرُ وَيَنْصَحُ، وَالْفَاجِرُ يَهْتِكُ وَيُعَيِّرُ (٢) .
الإِْخْلاَصُ فِي النَّصِيحَةِ:
١٠ - نَقَل الرَّاغِبُ الأَْصْفَهَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُ قَال: لاَ يَزَال
_________
(١) جَامِع الْعُلُومِ وَالْحِكَم ١ / ٢٢٥، وَمُخْتَصَر مِنْهَاج الْقَاصِدِينَ ص ٩٩، وَإِحْيَاء عُلُوم الدِّينِ ٢ / ١٨٢، وَإِتْحَاف السَّادَة الْمُتَّقِينَ بِشَرْحِ إِحْيَاء عُلُوم الدِّينِ ٦ / ٢٢٤ ط دَار الْفِكْرِ، وَالْمَدْخَل لاِبْنِ الْحَاجِّ ١ / ١٩٨ ط الْحَلَبِيّ.
(٢) جَامِع الْعُلُومِ وَالْحِكَم ١ / ٢٢٥.