الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠ الصفحة 59

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠

كَانَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ تَعَيَّنَ الرَّفْعُ لِلْحَاكِمِ (١) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: الزَّوْجُ الَّذِي لَهُ حَقُّ تَأْدِيبِ امْرَأَتِهِ يُمْنَعُ مِنْهُ إِذَا عُلِمَ مَنْعُهُ حَقَّهَا حَتَّى يُؤَدِّيَهُ وَحَتَّى يُحْسِنَ عِشْرَتَهَا، لأَِنَّهُ يَكُونُ ظَالِمًا بِطَلَبِهِ حَقَّهُ مَعَ مَنْعِهَا حَقَّهَا (٢) .

وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (تَأْدِيب ف ٣،٤،٧، ٨، وَزَوْج ف ٧) .

مَا يَكُونُ بِهِ التَّأْدِيبُ لِلنُّشُوزِ:

١٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ لِلزَّوْجِ تَأْدِيبُ امْرَأَتِهِ لِنُشُوزِهَا، وَعَلَى أَنَّ هَذَا التَّأْدِيبَ يَكُونُ بِالْوَعْظِ وَالْهَجْرِ فِي الْمَضْجَعِ وَالضَّرْبِ، لِقَوْل اللَّهِ ﷿: وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ (٣) .

وَلَهُمْ بَعْدَ هَذَا الإِْجْمَال تَفْصِيلٌ فِي كُلٍّ مِنَ الْوَعْظِ وَالْهَجْرِ فِي الْمَضْجَعِ وَالضَّرْبِ، عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

أ - الْوَعْظُ:

١٤ - الْوَعْظُ هُوَ: التَّذْكِيرُ بِمَا يُلَيِّنُ الْقَلْبَ لِقَبُول الطَّاعَةِ وَاجْتِنَابِ الْمُنْكَرِ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ

_________

(١) حَاشِيَة الْجُمَل عَلَى شَرْح التَّحْرِير ٤ / ٢٨٩.

(٢) كَشَّاف الْقِنَاع ٥ / ٢١٠.

(٣) سُورَةُ النِّسَاءِ / ٣٤

الْمُتَرَتِّبَيْنِ عَلَى طَاعَتِهِ وَمُخَالَفَتِهِ.

وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ وَعْظِ الرَّجُل امْرَأَتُهُ إِنْ نَشَزَتْ، أَوْ ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ نُشُوزِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ.

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْوَعْظَ - فِي الْحَالاَتِ الَّتِي يُشْرَعُ فِيهَا - مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ.

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الزَّوْجَ يَعِظُ امْرَأَتَهُ إِنْ نَشَزَتْ فِعْلًا.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ يَعِظُهَا إِذَا ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ نُشُوزِهَا.

وَقَال الْفُقَهَاءُ: يَعِظُهَا عَلَى الرِّفْقِ وَاللِّينِ، بِأَنْ يَقُول لَهَا: كُونِي مِنَ الصَّالِحَاتِ الْقَانِتَاتِ الْحَافِظَاتِ لِلْغَيْبِ، وَلاَ تَكُونِي مِنْ كَذَا وَكَذَا، وَيَعِظُهَا بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيُذَكِّرُهَا مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا مِنْ حُسْنِ الصُّحْبَةِ وَجَمِيل الْعِشْرَةِ لِلزَّوْجِ وَالاِعْتِرَافِ بِالدَّرَجَةِ الَّتِي لَهُ عَلَيْهَا، وَيُحَذِّرُهَا عِقَابَ الدُّنْيَا بِالضَّرْبِ وَسُقُوطِ الْمُؤَنِ، وَعِقَابَ الآْخِرَةِ بِالْعَذَابِ، وَيَقُول لَهَا: اتَّقِ اللَّهَ فِي الْحَقِّ الْوَاجِبِ لِي عَلَيْكِ، وَيُبَيِّنُ لَهَا أَنَّ النُّشُوزَ يُسْقِطُ الْقَسْمَ، فَلَعَلَّهَا تُبْدِي عُذْرًا أَوْ تَتُوبُ عَمَّا وَقَعَ مِنْهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَيُنْدَبُ أَنْ يَذْكُرَ لَهَا قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِذَا بَاتَتِ الْمَرْأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا

لَعَنَتْهَا الْمَلاَئِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ (١)، وَقَوْلُهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ: لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لأَِحَدٍ لأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا (٢)، وَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: أَيُّمَا امْرَأَةٍ عَبَسَتْ فِي وَجْهِ زَوْجِهَا إِلاَّ قَامَتْ مِنْ قَبْرِهَا مُسْوَدَّةَ الْوَجْهِ وَلاَ تَنْظُرُ إِلَى الْجَنَّةِ.

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبَرَّهَا وَيَسْتَمِيل قَلْبَهَا بِشَيْءٍ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: الْمَرْأَةُ كَالضِّلَعِ، إِنْ أَقَمْتَهَا كَسَرْتَهَا، وَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَفِيهَا عِوَجٌ (٣) .

وَقَالُوا: إِنْ رَجَعَتْ بِالْوَعْظِ إِلَى الطَّاعَةِ وَالأَْدَبِ حَرُمَ مَا بَعْدَ الْوَعْظِ مِنَ الْهَجْرِ وَالضَّرْبِ (٤) .

_________

(١) حَدِيثٌ: " إِذَا بَاتَتِ الْمَرْأَةُ هَاجِرَةً. . . " تَقَدَّمَ تَخْرِيجه ف (٥) .

(٢) حَدِيث: " لَوْ كُنْت آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ. . . " تَقَدَّمَ تَخْرِيجه ف (٥) .

(٣) حَدِيث: " الْمَرْأَة كَالضِّلْعِ. . . " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِّي ٩ / ٢٥٢ ط السَّلَفِيَّة) وَمُسْلِم (٢ / ١٠٩٠ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ)، وَاللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ.

(٤) بَدَائِع الصَّنَائِع ٢ / ٣٣٤، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ عَلَى شَرْح الدردير ٢ / ٣٤٣، وَتَفْسِير الْقُرْطُبِيّ ٥ / ١٧١، وَالأُْمّ ٥ / ١١٢، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٢٥٩، وَحَاشِيَة الْقَلْيُوبِيّ ٣ / ٣٠٥، وَحَاشِيَة الشَّرْقَاوَيَّ عَلَى شَرْح التَّحْرِير ٢ / ٢٨٥، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٥ / ٢٠٩.

ب - الْهَجْرُ:

١٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مِمَّا يُؤَدِّبُ الرَّجُل بِهِ امْرَأَتَهُ إِذَا نَشَزَتِ الْهَجْرَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ (١) .

وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَكُونُ بِهِ الْهَجْرُ الْمَشْرُوعُ، وَفِي غَايَتِهِ.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا وَعَظَ الرَّجُل امْرَأَتَهُ، فَإِنْ نَجَعَتْ فِيهَا الْمَوْعِظَةُ وَتَرَكَتِ النُّشُوزَ وَإِلاَّ هَجَرَهَا، وَقِيل: يُخَوِّفُهَا بِالْهَجْرِ أَوَّلًا وَالاِعْتِزَال عَنْهَا وَتَرْكِ الْجِمَاعِ وَالْمُضَاجَعَةِ، فَإِنْ تَرَكَتْ وَإِلاَّ هَجَرَهَا، لَعَل نَفْسَهَا لاَ تَحْتَمِل الْهَجْرَ.

ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْهَجْرِ، قِيل: يَهْجُرُهَا بِأَنْ لاَ يُجَامِعَهَا وَلاَ يُضَاجِعَهَا عَلَى فِرَاشِهِ، وَقِيل: يَهْجُرُهَا بِأَنْ لاَ يُكَلِّمَهَا فِي حَال مُضَاجَعَتِهِ إِيَّاهَا، لاَ أَنْ يَتْرُكَ جِمَاعَهَا وَمُضَاجَعَتَهَا، لأَِنَّ ذَلِكَ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ مِنَ الضَّرَرِ مَا عَلَيْهَا، فَلاَ يُؤَدِّبُهَا بِمَا يَضُرُّ بِنَفْسِهِ وَيُبْطِل حَقَّهُ، وَقِيل: يَهْجُرُهَا بِأَنْ يُفَارِقَهَا فِي الْمَضْجَعِ وَيُضَاجِعَ أُخْرَى فِي حَقِّهَا وَقَسْمِهَا، لأَِنَّ حَقَّهَا عَلَيْهِ فِي الْقَسْمِ فِي حَال الْمُوَافَقَةِ وَحِفْظِ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى لاَ فِي حَال التَّضْيِيعِ، وَقِيل: يَهْجُرُهَا بِتَرْكِ مُضَاجَعَتِهَا وَجِمَاعِهَا لِوَقْتِ غَلَبَةِ شَهْوَتِهَا وَحَاجَتِهَا لاَ فِي وَقْتِ حَاجَتِهِ إِلَيْهَا، لأَِنَّ

_________

(١) سُورَةُ النِّسَاءِ / ٣٤

هَذَا لِلتَّأْدِيبِ وَالزَّجْرِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَدِّبَهَا لاَ أَنْ يُؤَدِّبَ نَفْسَهُ بِامْتِنَاعِهِ عَنِ الْمُضَاجَعَةِ فِي حَال حَاجَتِهِ إِلَيْهَا (١) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْهَجْرُ أَنْ يَتْرُكَ مَضْجَعَهَا، أَيْ يَتَجَنَّبَهَا فِي الْمَضْجَعِ فَلاَ يَنَامُ مَعَهَا فِي فِرَاشٍ، لَعَلَّهَا أَنْ تَرْجِعَ عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْمُخَالَفَةِ، وَهَذَا مَا رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَحَسَّنَهُ الْقُرْطُبِيُّ.

وَغَايَةُ الْهَجْرِ الْمُسْتَحْسَنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ شَهْرٌ، وَلاَ يَبْلُغُ بِهِ الأَْرْبَعَةَ الأَْشْهُرِ الَّتِي ضَرَبَ اللَّهُ أَجَلًا عُذْرًا لِلْمُولِي (٢) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ نَشَزَتِ الزَّوْجَةُ وَعَظَهَا زَوْجُهَا، ثُمَّ هَجَرَهَا فِي الْمَضْجَعِ لأَِنَّ لَهُ أَثَرًا ظَاهِرًا فِي تَأْدِيبِ النِّسَاءِ، أَمَّا الْهُجْرَانُ فِي الْكَلاَمِ فَلاَ يَجُوزُ فَوْقَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ لِحَدِيثِ: لاَ يَحِل لِلْمُؤْمِنٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ (٣) إِلاَّ إِنْ قَصَدَ رَدَّهَا أَوْ إِصْلاَحَ دِينِهَا، إِذِ الْهَجْرُ - وَلَوْ دَائِمًا وَلِغَيْرِ الزَّوْجَيْنِ - جَائِزٌ لِغَرَضٍ شَرْعِيٍّ كَفِسْقٍ

_________

(١) بَدَائِع الصَّنَائِع ٢ / ٣٣٤.

(٢) مَوَاهِب الْجَلِيل ٤ / ١٥، وَالشَّرْح الْكَبِير وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٢ / ٣٤٣، وَتَفْسِير الْقُرْطُبِيّ ٥ / ١٧١ - ١٧٢، وَالشَّرْح الصَّغِير ٢ / ٥١١

(٣) حَدِيث: " لاَ يَحِل لِلْمُؤْمِنِ. . . " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِّي ١٠ / ٤٩٢) وَمُسْلِم (٤ / ١٩٨٤ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوب ﵁، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم.

وَابْتِدَاعٍ وَإِيذَاءٍ وَزَجْرٍ وَإِصْلاَحٍ.

وَالْمُرَادُ بِالْهَجْرِ أَنْ يَهْجُرَ فِرَاشَهَا فَلاَ يُضَاجِعَهَا فِيهِ، وَقِيل: هُوَ تَرْكُ الْوَطْءِ، وَقِيل: هُوَ أَنْ يَقُول لَهَا هُجْرًا أَيْ إِغْلاَظًا فِي الْقَوْل.

وَقَال ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ: لاَ غَايَةَ لَهُ عِنْدَ عُلَمَائِنَا، لأَِنَّهُ لِحَاجَةِ صَلاَحِهَا، فَمَتَى لَمْ تَصْلُحْ تُهْجَرْ وَإِنْ بَلَغَ سِنِينَ وَمَتَى صَلَحَتْ فَلاَ هَجْرَ (١) كَمَا قَال اللَّهُ تَعَالَى: فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا (٢) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ أَظْهَرَتِ الْمَرْأَةُ النُّشُوزَ هَجَرَهَا زَوْجُهَا فِي الْمَضْجَعِ مَا شَاءَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ، وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: لاَ تُضَاجِعُهَا فِي فِرَاشِكَ، وَقَدْ هَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ نِسَاءَهُ فَلَمْ يَدْخُل عَلَيْهِنَّ شَهْرًا (٣)، وَهَجْرُهَا فِي الْكَلاَمِ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ لاَ فَوْقَهَا (٤) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ السَّابِقِ وَلِلتَّفْصِيل (ر: هَجْر.

_________

(١) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٢٥٩، والقليوبي ٣ / ٣٠٦، وَالزَّوَاجِر ٢ / ٤٣.

(٢) سُورَة النِّسَاءِ / ٣٤

(٣) حَدِيث: " هَجَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ. . . " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِّي ٩ / ٢٧٩)، وَمُسْلِم (٢ / ١١١٣ مِنْ حَدِيثِ عُمَر بْن الْخَطَّابِ ﵁.

(٤) كَشَّاف الْقِنَاع ٥ / ٢٠٩.

ج - الضَّرْبُ:

١٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مِمَّا يُؤَدِّبُ بِهِ الرَّجُل زَوْجَتَهُ عِنْدَ نُشُوزِهَا الضَّرْبَ (١) لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ (٢) .

وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ فِي كَيْفِيَّةِ الضَّرْبِ وَمَا يَلْزَمُ تَوَافُرُهُ لِمُبَاشَرَتِهِ.

فَاشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ فِي ضَرْبِ التَّأْدِيبِ الْمَشْرُوعِ إِنْ نَشَزَتِ الزَّوْجَةُ: أَنْ يَكُونَ الضَّرْبُ غَيْرَ مُدْمٍ وَلاَ مُبَرِّحٍ وَلاَ شَائِنٍ وَلاَ مُخَوِّفٍ، وَهُوَ الَّذِي لاَ يَكْسِرُ عَظْمًا وَلاَ يَشِينُ جَارِحَةً كَاللَّكْزَةِ وَنَحْوِهَا، لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الصَّلاَحُ لاَ غَيْرَ.

وَقَالُوا: الضَّرْبُ الْمُبَرِّحُ هُوَ مَا يَعْظُمُ أَلَمُهُ عُرْفًا، أَوْ مَا يُخْشَى مِنْهُ تَلَفُ نَفْسٍ أَوْ عُضْوٍ، أَوْ مَا يُورِثُ شَيْئًا فَاحِشًا، أَوِ الشَّدِيدُ، أَوِ الْمُؤَثِّرُ الشَّاقُّ، قَال بَعْضُهُمْ: لَعَلَّهُ مِنْ بَرِحَ الْخَفَاءُ إِذَا ظَهَرَ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: اتَّقَوُا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لاَ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ (٣) .

_________

(١) بَدَائِع الصَّنَائِع ٢ / ٣٣٤، وَالشَّرْح الْكَبِير ٢ / ٣٤٣، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٦ / ٣٨٣، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٥ / ٢٠٩.

(٢) سُورَةُ النِّسَاءِ / ٣٤

(٣) حَدِيث: " اتَّقَوُا اللَّهَ فِي النِّسَاء. . . " أَخْرَجَهُ مُسْلِم (٢ / ٨٨٩ - ٨٩٠ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ جَابِر بْن عَبْد اللَّه ﵄.

وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ النَّاشِزَةَ إِنْ لَمْ تَنْزَجِرْ وَتَدَعِ النُّشُوزَ إِلاَّ بِالضَّرْبِ الْمُبَرِّحِ أَوِ الْخَوْفِ لَمْ يَجُزْ لِزَوْجِهَا تَعْزِيرُهَا لاَ بِالضَّرْبِ الْمُبَرِّحِ وَلاَ بِغَيْرِهِ، قَال الدَّرْدِيرُ: لاَ يَجُوزُ الضَّرْبُ الْمُبَرِّحُ وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهَا لاَ تَتْرُكُ النُّشُوزَ إِلاَّ بِهِ، فَإِنْ وَقَعَ فَلَهَا التَّطْلِيقُ عَلَيْهِ وَالْقِصَاصُ (١) .

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى تَفْصِيلٍ فِي هَيْئَةِ الضَّرْبِ:

فَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَضْرِبُ الزَّوْجُ امْرَأَتَهُ الَّتِي تَحَقَّقَ نُشُوزَهَا عَلَى الْوَجْهِ وَالْمَهَالِكِ، قَال ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ: فِي الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ ضَرْبِ الْوَجْهِ، فَعَنْ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ ﵁ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَال: أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ أَوِ اكْتَسَبْتَ وَلاَ تَضْرِبَ الْوَجْهَ وَلاَ تُقَبِّحَ، وَلاَ تَهْجُرَ إِلاَّ فِي الْبَيْتِ (٢)،

_________

(١) بَدَائِع الصَّنَائِع ٢ / ٣٣٤، وَتَفْسِير الْقُرْطُبِيّ ٥ / ١٧٢، وَالشَّرْح الْكَبِير وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٢ / ٣٤٣، وَمَوَاهِب الْجَلِيل ٤ / ١٥ - ١٦، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٦ / ٣٨٣، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٢٦٠، وَحَاشِيَة الشَّرْقَاوَيَّ عَلَى شَرْح التَّحْرِير ٢ / ٢٨٦، وَالزَّوَاجِر عَنِ اقْتِرَافِ الْكَبَائِرِ ٢ / ٤٣، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٥ / ٢٠٩.

(٢) حَدِيث مُعَاوِيَة الْقُشَيْرِيّ: " مَا حَقَّ زَوْجَة أَحَدِنَا. . . . " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (٢ / ٦٠٦ ط حِمْص) وَأَحْمَد (٥ / ٣ ط الميمنية)، وَالْحَاكِم (٢ / ١٨٨) وَاللَّفْظ لأَِبِي دَاوُد، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيّ.

وَقَال الْهَيْتَمِيُّ: لاَ تَضْرِبْ إِلاَّ فِي الْبَيْتِ، وَيُفَرِّقُهُ عَلَى بَدَنِهَا، وَلاَ يُوَالِيِهِ فِي مَوْضِعٍ لِئَلاَّ يَعْظُمَ ضَرَرُهُ، وَقَالُوا: لاَ يَبْلُغُ ضَرْبُ حُرَّةٍ أَرْبَعِينَ وَغَيْرِهَا عِشْرِينَ (١) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَجْتَنِبُ الْوَجْهَ تَكْرِمَةً لَهُ، وَالْبَطْنَ وَالْمَوَاضِعَ الْمَخُوفَةَ خَشْيَةَ الْقَتْل، وَالْمَوَاضِعَ الْمُسْتَحْسَنَةَ لِئَلاَّ يُشَوِّهَهَا، وَيَكُونُ الضَّرْبُ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ فَأَقَل (٢) .

لِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إِلاَّ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ (٣) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْوْجُهِ الْمُعْتَمَدَةِ عِنْدَهُمْ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ: إِنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يُؤَدِّبَ زَوْجَتَهُ إِنْ نَشَزَتْ بِضَرْبِهَا بِسَوْطٍ أَوْ عَصًا ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَلاَ مُدْمٍ وَلاَ شَائِنٍ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةُ: يُؤَدِّبُهَا بِضَرْبِهَا بِالسِّوَاكِ وَنَحْوِهِ أَوْ بِمِنْدِيلٍ مَلْفُوفٍ أَوْ بِيَدِهِ، لاَ بِسَوْطٍ وَلاَ بِعَصًا وَلاَ بِخَشَبٍ، لأَِنَّ

_________

(١) رَوْضَة الطَّالِبِينَ ٧ / ٣٦٨، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٦ / ٣٨٣، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٣٦٠، وَالزَّوَاجِر عَنِ اقْتِرَافِ الْكَبَائِرِ ٢ / ٤٣.

(٢) كَشَّاف الْقِنَاع ٥ / ٢٠٩ - ٢١٠.

(٣) حَدِيث: " لاَ يَجْلِدُ أَحَد فَوْقَ عَشْرَة أَسْوَاط. . . " أَخْرَجَهُ مُسْلِم (٢ / ١٣٣٣ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ أَبِي بُرْدَة الأَْنْصَارِيّ ﵁.

الْمَقْصُودَ التَّأْدِيبُ (١) .

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ - إِنْ جَازَ لَهُ الضَّرْبُ لِتَأْدِيبِ امْرَأَتِهِ لِنُشُوزِهَا - فَالأَْوْلَى لَهُ الْعَفْوُ لأَِنَّ الْحَقَّ لِنَفْسِهِ وَلِمَصْلَحَتِهِ، قَال الشَّافِعِيَّةُ: تَرْكُ الضَّرْبِ بِالْكُلِّيَّةِ أَفْضَل، وَقَال الْحَنَابِلَةُ: الأَْوْلَى تَرْكُ ضَرْبِهَا إِبْقَاءً لِلْمَوَدَّةِ (٢) .

وَفِي ضَرْبِ الْمَرْأَةِ لِلنُّشُوزِ قَال الْمَالِكِيَّةُ: لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ ﷿ فِي شَيْءٍ مِنْ كِتَابِهِ بِالضَّرْبِ صَرَاحَةً إِلاَّ هُنَا - أَيِ الضَّرْبِ لِلتَّعْزِيرِ عَلَى النُّشُوزِ - وَفِي الْحُدُودِ الْعِظَامِ، فَسَاوَى مَعْصِيَتَهُنَّ بِأَزْوَاجِهِنَّ بِمَعْصِيَةِ الْكَبَائِرِ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَيْسَ لَنَا مَوْضِعٌ يَضْرِبُ الْمُسْتَحِقُّ فِيهِ مَنْ مَنَعَهُ حَقَّهُ غَيْرَ هَذَا، وَالرَّقِيقُ يَمْتَنِعُ مِنْ حَقِّ سَيِّدِهِ (٣) .

هَل يُشْتَرَطُ تَكْرَارُ النُّشُوزِ حَتَّى يُشْرَعَ الضَّرْبُ:

١٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ تَكْرَارِ نُشُوزِ الْمَرْأَةِ لِضَرْبِهَا:

_________

(١) تَفْسِير الْقُرْطُبِيّ ٥ / ١٧٣، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٦ / ٣٨٣، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٥ / ٢٠٩ - ٢١٠

(٢) رَوْضَة الطَّالِبِينَ ٧ / ٣٦٨، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٦ / ٣٨٣، وَحَاشِيَة الشَّرْقَاوَيَّ عَلَى شَرْح التَّحْرِير ٢ / ٢٨٦، وَالزَّوَاجِر عَنِ اقْتِرَافِ الْكَبَائِرِ ٢ / ٤٣، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٥ / ٢١٠.

(٣) تَفْسِير الْقُرْطُبِيّ ٥ / ١٧٣، وَحَاشِيَة الشَّرْقَاوَيَّ عَلَى شَرْح التَّحْرِير ٢ / ٢٨٦، ومغني المحتاج ٣ / ٢٦٠.