الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠ الصفحة 58

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠

مَنَعَتْهُ التَّمْكِينَ كَانَ لَهُ مَنْعُهَا مِنَ النَّفَقَةِ كَمَا قَبْل الدُّخُول.

وَقَال بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّ النَّفَقَةَ لاَ تَسْقُطُ بِالنُّشُوزِ، وَاحْتُجَّ لَهُمْ بِأَنَّ نُشُوزَهَا لاَ يُسْقِطُ مَهْرَهَا فَكَذَلِكَ نَفَقَتُهَا (١)

وَلِلْفُقَهَاءِ الْقَائِلِينَ بِسُقُوطِ النَّفَقَةِ بِالنُّشُوزِ تَفْصِيلٌ: قَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ نَفَقَةَ لِلْنَاشِزَةِ لِفَوَاتِ التَّسْلِيمِ بِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهَا وَهُوَ النُّشُوزُ. وَالنُّشُوزُ عِنْدَهُمْ نَوْعَانِ: نُشُوزٌ فِي النِّكَاحِ وَنُشُوزٌ فِي الْعِدَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.

وَتَسْقُطُ بِالنُّشُوزِ النَّفَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ لاَ الْمُسْتَدَانَةُ فِي الأَْصَحِّ، أَيْ إِذَا كَانَ لَهَا عَلَيْهِ نَفَقَةُ أَشْهُرٍ مَفْرُوضَةٌ ثُمَّ نَشَزَتْ سَقَطَتْ تِلْكَ الأَْشْهُرُ الْمَاضِيَةُ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا أَمَرَهَا بِالاِسْتِدَانَةِ فَاسْتَدَانَتْ عَلَيْهِ فَإِنَّهَا لاَ تَسْقُطُ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَسُقُوطُ الْمَفْرُوضَةِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْجَامِعِ، أَمَّا الْمُسْتَدَانَةُ فَذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي سُقُوطِهَا بِالْمَوْتِ،

_________

(١) الْبَدَائِع ٤ / ٢٢، وَالاِخْتِيَار ٤ / ٥، وَالدَّرّ الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ٢ / ٦٤٧، والزرقاني ٤ / ٢٥٠ - ٢٥١، وَالْحَطَّاب ٤ / ١٨٧ - ١٨٨، وَمُغنِّي الْمُحْتَاج ٣ / ٤٣٦، وَالمغني ٧ / ٦١١ - ٦١٢، وَالْقُرْطُبِيّ ٥ / ١٧٤، وَالإِْجْمَاع لاِبْن الْمُنْذِر ص ٩٧.

وَالأَْصَحُّ مِنْهُمَا عَدَمُ السُّقُوطِ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهَا لَوْ عَادَتْ إِلَى بَيْتِهِ لاَ يَعُودُ مَا سَقَطَ، وَهَل يَبْطُل الْفَرْضُ فَيَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِهِ بَعْدَ الْعَوْدِ إِلَى بَيْتِهِ أَمْ لاَ؟ الظَّاهِرُ عَدَمُ بُطْلاَنِهِ، لأَِنَّ كَلاَمَهُمْ فِي سُقُوطِ الْمَفْرُوضِ لاَ الْفَرْضِ (١) .

وَاتَّفَقَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ نَفَقَةَ النَّاشِزِ لاَ تَسْقُطُ إِذَا كَانَتْ حَامِلًا؛ لأَِنَّ النَّفَقَةَ حِينَئِذٍ لِلْحَمْل، وَكَذَا إِذَا كَانَتْ مُطَلَّقَةً رَجْعِيًّا وَخَرَجَتْ بِلاَ إِذْنٍ، لأَِنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنَ الْخُرُوجِ.

وَاخْتَلَفُوا فِي سُقُوطِ نَفَقَةِ النَّاشِزِ فِي غَيْرِ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ:

فَقَال بَعْضُهُمْ وَهُوَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ: إِنْ مَنَعَتِ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا الْوَطْءَ أَوْ الاِسْتِمْتَاعَ بِغَيْرِ عُذْرٍ تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا عَنْهُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَنَعَتْهُ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ.

وَقَالُوا: تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا أَيْضًا إِنْ خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهِ أَوْ مِنْ مَحَل طَاعَتِهِ ظَالِمَةً بِلاَ إِذْنٍ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَدِّهَا بِنَفْسِهِ أَوْ رَسُولِهِ أَوْ حَاكِمٍ يُنْصِفُ، وَكَانَ خُرُوجُهَا إِلَى مَكَانٍ مَعْلُومٍ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَنْعِهَا ابْتِدَاءً، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى مَنْعِهَا وَلَمْ يَفْعَل لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا.

وَقَال بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ النَّفَقَةَ لاَ تَسْقُطُ

_________

(١) الدَّرّ الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ٢ / ٦٤٧

بِالنُّشُوزِ بَعْدَ التَّمْكِينِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ قَوْلِهِمْ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: تَسْقُطُ النَّفَقَةُ بِنُشُوزٍ - أَيْ خُرُوجٍ - عَنْ طَاعَةِ الزَّوْجِ وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ أَوْ قَدَرَ عَلَى تَسَلُّمِهَا، وَلَوْ بِمَنْعِ لَمْسٍ أَوْ نَظَرٍ بِنَحْوِ تَغْطِيَةِ وَجْهٍ لِغَيْرِ دَلاَلٍ بِلاَ عُذْرٍ، وَتَسْقُطُ نَفَقَةُ كُل يَوْمٍ بِالنُّشُوزِ بِلاَ عُذْرٍ فِي كُلِّهِ، وَكَذَا فِي بَعْضِهِ فِي الأَْصَحِّ، قَال الْقَلْيُوبِيُّ: هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَكِسْوَةُ الْفَصْل كَنَفَقَةِ الْيَوْمِ، وَلاَ تَعُودُ بِعَوْدِهَا لِلطَّاعَةِ فِي بَقِيَّةِ الْيَوْمِ أَوِ اللَّيْلَةِ أَوِ الْفَصْل مَا لَمْ يَسْتَمْتِعْ بِهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ.

وَنُشُوزُ الْمَجْنُونَةِ وَالْمُرَاهِقَةِ كَالْعَاقِلَةِ الْبَالِغَةِ، وَإِنْ كَانَ لاَ إِثْمَ عَلَيْهِمَا.

وَلَوْ صَرَفَ الزَّوْجُ لاِمْرَأَتِهِ الْمُؤَنَ غَيْرَ عَالِمٍ بِالنُّشُوزِ ثُمَّ عَلِمَ بِهِ فَلَهُ الاِسْتِرْدَادُ، وَلَوْ تَصَرَّفَتْ فِيهَا لَمْ يَصِحَّ، لأَِنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ.

وَقَال الأَْنْصَارِيُّ فِي سُقُوطِ نَفَقَةِ الْيَوْمِ كُلِّهِ بِالنُّشُوزِ فِي بَعْضِهِ: وَإِنَّمَا سَقَطَتِ النَّفَقَةُ لَهَا لأَِنَّهَا لاَ تَتَجَزَّأُ، بِدَلِيل أَنَّهَا تُسَلَّمُ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَلاَ تُفَرَّقُ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً (٢) .

_________

(١) عَقْد الْجَوَاهِر الثَّمِينَة ٢ / ٣٠٩، وَشَرْح الزُّرْقَانِيّ ٤ / ٢٥٠ - ٢٥١، وَالدُّسُوقِيّ ٢ / ٥١٤، وَالشَّرْح الصَّغِير ٢ / ٥١١، ٧٤٠، وَالْحَطَّاب مَعَ التَّاجِ وَالإِْكْلِيل ٤ / ١٨٧ - ١٨٨.

(٢) شَرْح الْمِنْهَاجِ وَحَاشِيَتَا الْقَلْيُوبِيّ وَعَمِيرَة ٤ / ٥٤، ٧٨، ٧٩، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٤٠٢، وَأَسْنَى الْمَطَالِب ٣ / ٤٣٣.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: النَّاشِزُ لاَ نَفَقَةَ لَهَا وَلاَ سُكْنَى؛ لأَِنَّ النَّفَقَةَ إِنَّمَا تَجِبُ فِي مُقَابَلَةِ تَمْكِينِهَا، بِدَلِيل أَنَّهَا لاَ تَجِبُ قَبْل تَسْلِيمِهَا إِلَى الزَّوْجِ، فَإِذَا مَنَعَهَا النَّفَقَةَ كَانَ لَهَا مَنْعُهُ مِنَ التَّمْكِينِ، فَإِذَا مَنَعَتْهُ التَّمْكِينَ كَانَ لَهُ مَنْعُهَا مِنَ النَّفَقَةِ كَمَا قَبْل الدُّخُول، وَإِذَا كَانَ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ وَلَدِهِ لأَِنَّهَا وَاجِبَةٌ لَهُ فَلاَ يَسْقُطُ حَقُّهُ بِمَعْصِيَتِهَا، وَعَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُعْطِيَهَا إِيَّاهَا إِذَا كَانَتْ هِيَ الْحَاضِنَةَ لَهُ أَوِ الْمُرْضِعَةَ لَهُ، وَكَذَلِكَ أَجْرُ إِرْضَاعِهَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ إِلَيْهَا، لأَِنَّهُ أَجْرٌ مَلَكَتْهُ عَلَيْهِ بِالإِْرْضَاعِ، لاَ فِي مُقَابَلَةِ الاِسْتِمْتَاعِ، وَلاَ يَزُول بِزَوَالِهِ (١) .

عَوْدَةُ النَّفَقَةِ بِتَرْكِ النُّشُوزِ:

٨ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ الْقَائِلُونَ بِسُقُوطِ النَّفَقَةِ بِالنُّشُوزِ إِلَى أَنَّ النَّاشِزَ إِذَا رَجَعَتْ عَنْ نُشُوزِهَا وَعَادَتْ إِلَى زَوْجِهَا، عَادَتْ نَفَقَتُهَا لِزَوَال الْمُسْقِطِ لَهَا. وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ.

فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: النَّاشِزُ تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا حَتَّى تَعُودَ إِلَى بَيْتِ الزَّوْجِ وَلَوْ بَعْدَ سَفَرِ الزَّوْجِ، فَلَوْ عَادَتْ إِلَى بَيْتِهِ بَعْدَمَا سَافَرَ خَرَجَتْ عَنْ كَوْنِهَا نَاشِزَةً، فَتَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ، فَتَكْتُبُ إِلَيْهِ لِيُنْفِقَ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ أَمْرَهَا لِلْقَاضِي لِيَفْرِضَ لَهَا عَلَيْهِ نَفَقَةً، أَمَّا لَوْ أَنْفَقَتْ عَلَى نَفْسِهَا بِدُونِ ذَلِكَ فَلاَ رُجُوعَ لَهَا،

_________

(١) المغني ٧ / ٦١١ - ٦١٢.

لأَِنَّ النَّفَقَةَ لاَ تَصِيرُ دَيْنًا إِلاَّ بِالْقَضَاءِ أَوِ الرِّضَا، فَتَسْقُطُ بِالْمُضِيِّ بِدُونِ قَضَاءٍ وَلاَ تَرَاضٍ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ سُكْنَى لِلْمُعْتَدَّةِ النَّاشِزَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ قَبْل طَلاَقِهَا - كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ - أَمْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الْعِدَّةِ - كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي - فَإِنْ عَادَتْ إِلَى الطَّاعَةِ عَادَ حَقُّ السُّكْنَى - كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي - وَقِيل: إِنْ نَشَزَتْ عَلَى الزَّوْجِ وَهِيَ فِي بَيْتِهِ فَلَهَا السُّكْنَى فِي الْعِدَّةِ، وَإِنْ خَرَجَتْ وَاسْتَعْصَتْ عَلَيْهِ مِنْ كُل وَجْهٍ فَلاَ سُكْنَى لَهَا، وَيَرْجِعُ بِأُجْرَةِ الْمَسْكَنِ فِي مُدَّةِ النُّشُوزِ وَإِنْ كَانَ لِزَوْجِهَا، وَلَهُ إِخْرَاجُهَا إِذَا نَشَزَتْ، وَيَجِبُ عَوْدُهَا إِذَا عَادَتْ.

وَلَوْ نَشَزَتْ فَخَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَغَابَ، ثُمَّ عَادَتْ بَعْدَ غَيْبَتِهِ فَأَطَاعَتْهُ لَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهَا زَمَنَ الطَّاعَةِ فِي الأَْصَحِّ لاِنْتِفَاءِ التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ: تَجِبُ لِعَوْدِهَا إِلَى الطَّاعَةِ، فَإِنْ رَفَعَتِ الأَْمْرَ إِلَى الْحَاكِمِ كَتَبَ إِلَى حَاكِمِ بَلَدِهِ يُعْلِمُهُ بِالْحَال، فَإِنْ عَادَ الزَّوْجُ أَوْ وَكِيلُهُ وَاسْتَأْنَفَ تَسَلُّمَ الزَّوْجَةِ عَادَتِ النَّفَقَةُ، وَإِنْ مَضَى زَمَنُ إِمْكَانِ الْعَوْدِ وَلَمْ يُوجَدْ عَادَتْ أَيْضًا.

وَالْحُكْمُ كَذَلِكَ لَوْ حَصَلَتْ غَيْبَةُ الزَّوْجِ قَبْل النُّشُوزِ.

_________

(١) رَدّ الْمُحْتَارِ عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ ٢ / ٦٤٧.

وَلَوْ نَشَزَتْ فِي الْبَيْتِ مِنْ غَيْرِ خُرُوجٍ فَغَابَ، ثُمَّ أَطَاعَتْ، وَجَبَتِ النَّفَقَةُ بِمُجَرَّدِ إِطَاعَتِهَا - كَمُرْتَدَّةٍ أَسْلَمَتْ - لأَِنَّهُ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ يَدِهِ (١) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا سَقَطَتْ نَفَقَةُ الْمَرْأَةِ لِنُشُوزِهَا فَعَادَتْ عَنِ النُّشُوزِ وَالزَّوْجُ حَاضِرٌ عَادَتْ نَفَقَتُهَا، لِزَوَال الْمُسْقِطِ لَهَا وَوُجُودِ التَّمْكِينِ الْمُقْتَضِي لَهَا، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا لَمْ تَعُدْ نَفَقَتُهَا حَتَّى يَعُودَ التَّسْلِيمُ بِحُضُورِهِ، أَوْ حُضُورِ وَكِيلِهِ، أَوْ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِالْوُجُوبِ إِذَا مَضَى زَمَنُ الإِْمْكَانِ.

وَقَالُوا: إِنَّ النَّفَقَةَ سَقَطَتْ فِي النُّشُوزِ بِخُرُوجِهَا عَنْ يَدِهِ، أَوْ مَنْعِهَا لَهُ مِنَ التَّمْكِينِ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهَا، وَلاَ يَزُول ذَلِكَ إِلاَّ بِعَوْدِهَا إِلَى بَيْتِهِ وَتَمْكِينِهِ مِنْهَا، وَلاَ يَحْصُل ذَلِكَ فِي غَيْبَتِهِ، وَلِذَلِكَ لَوْ بَذَلَتْ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا قَبْل دُخُولِهِ بِهَا فِي حَال غَيْبَتِهِ لَمْ تَسْتَحِقَّ النَّفَقَةَ بِمُجَرَّدِ الْبَذْل، كَذَا هُنَا (٢)

أَثَرُ النُّشُوزِ فِي مُدَّةِ الإِْيلاَءِ:

٩ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ وُجِدَ مَانَعُ الْوَطْءِ فِي الزَّوْجَةِ الْمُوْلَى مِنْهَا وَهُوَ حِسِّيٌّ، كَصِغَرٍ وَمَرَضٍ يَمْنَعُ كُلٌّ مِنْهُمَا الْوَطْءَ، مَنْعَ ابْتِدَاءِ الْمُدَّةِ،

_________

(١) شَرْح الْمِنْهَاجِ وَحَاشِيَتَا الْقَلْيُوبِيّ وَعَمِيرَة ٤ / ٥٤، ٧٨، ٧٩، ومغني المحتاج٣ / ٤٠٢، وَأَسْنَى الْمَطَالِب ٣ / ٤٣٣

(٢) المغني ٧ / ٦١١ - ٦١٢.

فَإِذَا زَال اسْتُؤْنِفَتْ، وَإِنْ حَدَثَ مَانِعٌ لِوَطْءٍ فِي أَثْنَاءِ مُدَّةِ الإِْيلاَءِ - كَنُشُوزِهَا فِيهَا - قَطَعَهَا لاِمْتِنَاعِ الْوَطْءِ مَعَهُ، فَإِذَا زَال الْحَادِثُ اسْتُؤْنِفَتِ الْمُدَّةُ، إِذِ الْمُطَالَبَةُ مَشْرُوطَةٌ بِالإِْضْرَارِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ مُتَوَالِيَةٍ وَلَمْ تُوجَدْ، وَقِيل: تُبْنَى عَلَى مَا مَضَى وَرَجَّحَهُ الإِْمَامُ وَالْغَزَالِيُّ (١) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ الْعُذْرُ الْمَانِعُ مِنْ وَطْئِهَا مِنْ جِهَتِهَا، كَصِغَرِهَا وَمَرَضِهَا وَحَبْسِهَا، وَصِيَامِهَا وَاعْتِكَافِهَا الْفَرْضَيْنِ، وَإِحْرَامِهَا وَنِفَاسِهَا وَغَيْبَتِهَا وَنُشُوزِهَا وَجُنُونِهَا وَنَحْوِهِ كَالإِْغْمَاءِ عَلَيْهَا، وَكَانَ ذَلِكَ الْعُذْرُ مَوْجُودًا حَال الإِْيلاَءِ، فَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ حِينِ زَوَالِهِ، لأَِنَّ الْمُدَّةَ تُضْرَبُ لاِمْتِنَاعِهِ مِنْ وَطْئِهَا، وَالْمَنْعُ هُنَا مَنْ قِبَلِهَا، وَإِنْ كَانَ الْعُذْرُ طَارِئًا فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ اسْتُؤْنِفَتِ الأَْرْبَعَةُ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ زَوَالِهِ، وَلَمْ تُبْنَ عَلَى مَاضٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ (٢)، وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّهَا مُتَوَالِيَةٌ، فَإِذَا انْقَطَعَتْ وَجَبَ اسْتِئْنَافُهَا كَمُدَّةِ الشَّهْرَيْنِ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ إِنْ كَانَ قَدْ بَقِيَ مِنَ الْمُدَّةِ الَّتِي حَلَفَ لاَ يَطَؤُهَا فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْهَا أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، بَل أَرْبَعَةٌ فَأَقَل، سَقَطَ حُكْمُ الإِْيلاَءِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ

_________

(١) مُغْنِي الْمُحْتَاجِ ٣ / ٣٤٩، والقليوبي وَعَمِيرَة ٤ / ١٢.

(٢) سُورَةُ الْبَقَرَةِ / ٢٢٦

ابْتِدَاءً، وَلاَ تُبْنَى عَلَى مَا مَضَى إِذَا حَدَثَ عُذْرٌ مِمَّا سَبَقَ، كَمُدَّةِ الشَّهْرَيْنِ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ إِذَا انْقَطَعَ التَّتَابُعُ يَسْتَأْنِفُهُمَا (١) .

أَثَرُ النُّشُوزِ فِي الْقَسْمِ لِلزَّوْجَةِ:

١٠ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ نُشُوزَ الزَّوْجَةِ يُسْقِطُ حَقَّهَا فِي الْقَسْمِ لَهَا مَعَ سَائِرِ الزَّوْجَاتِ، لأَِنَّهَا بِنُشُوزِهَا رَضِيَتْ بِإِسْقَاطِ حَقِّهَا فِي الْقَسْمِ، فَإِنْ عَادَتْ إِلَى الْمُطَاوَعَةِ اسْتَأْنَفَ الزَّوْجُ الْقَسْمَ لَهَا مَعَ بَاقِي زَوْجَاتِهِ، وَلَمْ يَقْضِ لَهَا مَبِيتَهُ عِنْدَ ضَرَّتِهَا لِسُقُوطِ حَقِّهَا إِذْ ذَاكَ (٢) .

إِعْطَاءُ النَّاشِزَةِ مِنَ الزَّكَاةِ:

١١ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ النَّاشِزَةَ عَلَى زَوْجِهَا لاَ تُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ، لأَِنَّهَا لَيْسَتْ فَقِيرَةً لِقُدْرَتِهَا عَلَى الطَّاعَةِ حَالًا وَالرُّجُوعِ عَنِ النُّشُوزِ، فَتَكُونُ عِنْدَئِذٍ مَكْفِيَّةً بِنَفَقَةِ الزَّوْجِ فَلاَ يَصْدُقُ عَلَيْهَا أَنَّهَا فَقِيرَةٌ، لأَِنَّهَا بِاكْتِفَائِهَا بِالنَّفَقَةِ مِنَ الزَّوْجِ غَيْرُ مُحْتَاجَةٍ، كَالْمُكْتَسِبِ كُل يَوْمٍ قَدْرَ كِفَايَتِهِ.

وَالثَّانِي مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ: يَجُوزُ إِعْطَاؤُهَا مِنَ الزَّكَاةِ نَظَرًا إِلَى أَنَّهَا لاَ مَال لَهَا وَلاَ

_________

(١) كَشَّاف الْقِنَاع ٥ / ٣٦٣.

(٢) رَدّ الْمُحْتَارِ ٢ / ٤٠٠، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٢ / ٣٤٢، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٦ / ٣٧٣، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٥ / ٢٠٤.

كَسْبَ، وَيُمْنَعُ تَشْبِيهُهَا بِالْمُكْتَسِبِ (١) .

مَشْرُوعِيَّةُ تَأْدِيبِ النَّاشِزَةِ وَوِلاَيَةُ تَأْدِيبِهَا:

١٢ - تَأْدِيبُ الزَّوْجَةِ النَّاشِزَةِ مَشْرُوعٌ (٢) بِقَوْلِهِ ﷿: الرِّجَال قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّل اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣)، نَزَلَتْ هَذِهِ الآْيَةُ فِي سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، نَشَزَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ فَلَطَمَهَا، فَجَاءَ بِهَا أَبُوهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: " أَفْرَشْتُهُ كَرِيمَتِي فَلَطَمَهَا، فَقَال لَهَا النَّبِيُّ ﷺ: اقْتَصِّي مِنْهُ، وَانْصَرَفَتْ مَعَ أَبِيهَا لِتَقْتَصَّ مِنْهُ، فَقَال ﷺ: ارْجِعُوا، هَذَا جِبْرِيل أَتَانِي، وَأَنْزَل اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الآْيَةَ، فَقَال ﷺ: أَرَدْنَا أَمْرًا وَأَرَادَ اللَّهُ أَمْرًا، وَالَّذِي أَرَادَ اللَّهُ خَيْرٌ، وَرَفَعَ الْقِصَاصَ (٤) .

_________

(١) شَرْح الْمَحَلِّيّ وَحَاشِيَتَا الْقَلْيُوبِيّ وَعَمِيرَة ٣ / ١٩٦، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ١٠٨.

(٢) تَفْسِيرُ الْقُرْطُبِيِّ ٥ / ١٦٨ - ١٦٩، وَالزَّوَاجِر عَنِ اقْتِرَافِ الْكَبَائِرِ ٢ / ٤٢.

(٣) سُورَةُ النِّسَاءِ / ٣٤

(٤) حَدِيثُ نُزُول آيَة: الرِّجَال قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء فِي سَعْد بْن الرَّبِيع. أَوْرَدَهُ الْوَاحِدِي فِي أَسْبَابِ النُّزُول (ص ١٥١ ط مُؤَسَّسَة الرَّيَّان) عَنْ مُقَاتِلٍ بِدُونِ إِسْنَاد، وَأَخْرَجَهُ ابْن جَرِير فِي تَفْسِيرِهِ (٨ / ٢٩١ ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ) مِنْ حَدِيثِ الْحَسَن الْبَصْرِيّ مُرْسَلًا كَذَلِكَ بِقَوْلِهِ: " إِنَّ رَجُلًا لَطَمَ امْرَأَة ".

فَالْحَقُّ فِي تَأْدِيبِ الزَّوْجَةِ إِنْ نَشَزَتْ لِلأَْزْوَاجِ فِي الْجُمْلَةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ بَيَانٌ:

قَال الْحَنَفِيَّةُ: وِلاَيَةُ التَّأْدِيبِ لِلزَّوْجِ إِذَا لَمْ تُطِعْهُ - أَيِ الزَّوْجَةُ - فِيمَا يَلْزَمُ طَاعَتُهُ بِأَنْ كَانَتْ نَاشِزَةً، فَلَهُ أَنْ يُؤَدِّبَهَا (١) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا عُلِمَ أَنَّ النُّشُوزَ مِنَ الزَّوْجَةِ فَإِنَّ الْمُتَوَلِّي لِزَجْرِهَا هُوَ الزَّوْجُ إِنْ لَمْ يَبْلُغْ نُشُوزُهَا الإِْمَامَ، أَوْ بَلَغَهُ وَرَجَا إِصْلاَحَهَا عَلَى يَدِ زَوْجِهَا، وَإِلاَّ فَإِنَّ الإِْمَامَ يَتَوَلَّى زَجْرَهَا (٢) .

وَقَال الْقُرْطُبِيُّ: وَلَّى اللَّهُ تَعَالَى الأَْزْوَاجَ ذَلِكَ دُونَ الأَْئِمَّةِ، وَجَعَلَهُ لَهُمْ دُونَ الْقُضَاةِ بِغَيْرِ شُهُودٍ وَلاَ بَيِّنَاتٍ ائْتِمَانًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلأَْزْوَاجِ عَلَى النِّسَاءِ (٣) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: جَازَ لِلزَّوْجِ ضَرْبُ النَّاشِزَةِ، وَلَمْ يَجِبِ الرَّفْعُ لِلْحَاكِمِ لِمَشَقَّتِهِ، وَلأَِنَّ الْقَصْدَ رَدُّهَا إِلَى الطَّاعَةِ كَمَا أَفَادَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا (٤)، وَخَصَّصَ الزَّرْكَشِيُّ ذَلِكَ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ، فَإِنْ

_________

(١) بَدَائِع الصَّنَائِع ٢ / ٣٣٤.

(٢) مَوَاهِب الْجَلِيل ٤ / ١٥، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٢ / ٣٤٣.

(٣) تَفْسِير الْقُرْطُبِيّ ٥ / ١٧٣.

(٤) سُورَةُ النِّسَاءِ / ٣٤