الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (١) وَالصِّلَةُ بَيْنَ النُّشُوزِ وَالإِْعْرَاضِ أَنَّ الإِْعْرَاضَ يَكُونُ أَمَارَةً مِنْ أَمَارَاتِ النُّشُوزِ.
ج - الْبُغْضُ: ٤ - الْبُغْضُ هُوَ: الْكُرْهُ وَالْمَقْتُ، يُقَال: بَغَضَ الشَّيْءَ بُغْضًا: كَرِهَهُ وَمَقَتَهُ، وَأَبْغَضَهُ: كَذَلِكَ، وَبَغُضَ الشَّيْءُ بُغْضًا، وَبَغِضَ الشَّيْءُ بَغَاضَةً وَبِغْضَةً: صَارَ مَمْقُوتًا كَرِيهًا، وَبَاغَضَهُ: جَزَاهُ بُغْضًا بِبُغْضٍ. وَالْبَغْضَاءُ: شِدَّةُ الْبُغْضِ، قَال الْبَرَكَتِيُّ: وَهِيَ فِي الْقَلْبِ. وَقَال الرَّاغِبُ: الْبُغْضُ نِفَارُ النَّفْسِ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي تَرْغَبُ عَنْهُ، وَهُوَ ضِدُّ الْحُبِّ (٢) وَالصِّلَةُ بَيْنَ النُّشُوزِ وَالْبُغْضِ هِيَ أَنَّ الْبُغْضَ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ النُّشُوزِ، وَأَمَارَةٌ عَلَيْهِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلنُّشُوزِ: ٥ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ نُشُوزَ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا حَرَامٌ، لِمَا وَرَدَ فِي تَعْظِيمِ حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ
_________
(١) المعجم الوسيط، والمصباح المنير، والمفردات في غريب القرآن، وانظر تفسير القرطبي ٥ / ٤٠٣.
(٢) المعجم الوسيط، والمصباح المنير، وقواعد الفقه، والمفردات في غريب القرآن.
وَوُجُوبِ طَاعَتِهَا لَهُ (١)، وَمِنْهُ قَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ لاِمْرَأَةٍ: أَذَاتُ زَوْجٍ أَنْتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَال: انْظُرِي أَيْنَ أَنْتِ مِنْهُ فَإِنَّهُ جَنَّتُكِ وَنَارُكِ (٢)، وَلِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا، قِيل لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ (٣)، وَلِقَوْلِهِ ﷺ: لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لأَِحَدٍ لأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا (٤) .
وَاسْتَدَل الْفُقَهَاءُ كَذَلِكَ عَلَى حُرْمَةِ نُشُوزِ
_________
(١) بدائع الصنائع ٢ / ٣٣٤، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢ / ٣٤٣، والشرح الصغير ٢ / ٥١١، وشرح التحرير وحاشية الشرقاوي ٢ / ٢٨٥، والمغني ٧ / ١٨، ٤٦، وكشاف القناع ٥ / ٢٠٩، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ١ / ٤٩١ - ٤٩٢، والجامع لأحكام القرآن ٥ / ١٧١.
(٢) حديث: " أذات زوج أنت. . . " أخرجه أحمد (٦ / ٤١٩ ط الميمنية) من حديث حصين بن محصن، وجود إسناده المنذري في الترغيب والترهيب (٢ / ٦٧٢ ط دار ابن كثير) .
(٣) حديث: " إذا صلت المرأة خمسها. . . " أخرجه أحمد (١ / ١٩١ ط الميمنية) وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٢ / ٦٧١): رواه الطبراني ورواة أحمد رواة الصحيح خلا ابن لهيعة، وحديثه حسن في المتابعات.
(٤) حديث: " لو كنت آمرا أحدا أن يسجد. . . " أخرجه الترمذي (٣ / ٤٦٥ ط الحلبي) من حديث أبي هريرة ﵁، وقال الترمذي: حسن غريب.
الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا بِمَا وَرَدَ مِنَ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ لِمَنْ تَنْشُزُ عَلَى زَوْجِهَا، وَمِنْهُ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِذَا بَاتَتِ الْمَرْأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا لَعَنَتْهَا الْمَلاَئِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ (١)، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِذَا دَعَا الرَّجُل امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ لَعَنَتْهَا الْمَلاَئِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ (٢)
وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الصَّالِحَاتِ مِنَ النِّسَاءِ قَانِتَاتٌ أَيْ: مُطِيعَاتٌ لأَِزْوَاجِهِنَّ، وَذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ (٣) .، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، كَمَا أَخْبَرَ أَنَّهُنَّ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ أَيْ: يَحْفَظْنَ أَزْوَاجَهُنَّ فِي غَيْبَتِهِمْ فِي أَنْفُسِهِنَّ وَأَمْوَالِهِمْ بِحِفْظِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَعُونَتِهِ وَتَسْدِيدِهِ (٤)
وَقَال الْقُرْطُبِيُّ: قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ هَذَا
_________
(١) حديث: " إذا باتت المرأة هاجرة. . " أخرجه البخاري (٩ / ٢٩٤ ط السلفية) ومسلم (٢ / ١٠٥٩ ط عيسى الحلبي) من حديث أبي هريرة ﵁ واللفظ لمسلم.
(٢) حديث: " إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه. . . . " أخرجه البخاري (٩ / ٢٩٤ ط السلفية) ومسلم (٢ / ١٠٦٠ ط عيسى الحلبي) واللفظ للبخاري، وزاد في مسلم: " فبات غضبان عليها ".
(٣) سورة النساء / ٣٤
(٤) تفسير القرآن العظيم ١ / ٤٩١، والجامع لأحكام القرآن ٥ / ١٧٠.
خَبَرٌ، وَمَقْصُودُ الأَْمْرِ بِطَاعَةِ الزَّوْجِ وَالْقِيَامِ بِحَقِّهِ فِي مَالِهِ وَفِي نَفْسِهَا فِي حَال غَيْبَةِ الزَّوْجِ (١)، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: خَيْرُ النِّسَاءِ امْرَأَةٌ إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهَا سَرَّتْكَ، وَإِذَا أَمَرْتَهَا أَطَاعَتْكَ، وَإِذَا غِبْتَ عَنْهَا حَفِظَتْكَ فِي نَفْسِهَا وَمَالِكَ "، قَال: ثُمَّ قَرَأَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: الرِّجَال قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ. الآْيَةَ (٢) .
وَقَال ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ: عَدُّ النُّشُوزِ كَبِيرَةً هُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ، أَيْ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَلَمْ يُرِدِ الشَّيْخَانِ بِقَوْلِهِمَا: امْتِنَاعُ الْمَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا بِلاَ سَبَبٍ كَبِيرَةٌ خُصُوصَهُ، بَل نَبَّهَا بِهِ عَلَى سَائِرِ صُوَرِ النُّشُوزِ (٣)
مَا يَكُونُ بِهِ نُشُوزُ الزَّوْجَةِ: ٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَكُونُ بِهِ عَلَى نُشُوزِ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ. فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ نَفَقَةَ لِلنَّاشِزَةِ لِفَوَاتِ التَّسْلِيمِ مِنْ جِهَتِهَا وَهُوَ النُّشُوزُ، وَالنُّشُوزُ قَدْ يَكُونُ فِي
_________
(١) الجامع لأحكام القرآن ٥ / ١٧٠.
(٢) حديث: " خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك. . . " أخرجه الطبري في تفسيره (٥ / ٣٩ ط المعرفة - بيروت) والحاكم (٢ / ١٦١ - ١٦٢ ط دائرة المعارف) واللفظ للطبري، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
(٣) الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢ / ٤٧.
النِّكَاحِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي الْعِدَّةِ.
فَأَمَّا النُّشُوزُ فِي النِّكَاحِ فَهُوَ أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا مِنَ الزَّوْجِ بِغَيْرِ حَقٍّ خَارِجَةً مِنْ مَنْزِلِهِ، بِأَنْ خَرَجَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَغَابَتْ أَوْ سَافَرَتْ، فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ فِي مَنْزِلِهِ وَمَنَعَتْ نَفْسَهَا فَلَهَا النَّفَقَةُ؛ لأَِنَّهَا مَحْبُوسَةٌ لِحَقِّهِ مُنْتَفَعٌ بِهَا ظَاهِرًا وَغَالِبًا، فَكَانَ مَعْنَى التَّسْلِيمِ حَاصِلًا.
وَجَاءَ فِي رَدِّ الْمُحْتَارِ: وَشَمَل النُّشُوزُ بِخُرُوجِهَا مِنْ مَنْزِلِهِ الْخُرُوجَ الْحُكْمِيَّ، كَأَنْ كَانَ الْمُنْزِل لَهَا فَمَنَعَتْهُ مِنَ الدُّخُول عَلَيْهَا، فَهِيَ كَالْخَارِجَةِ مَا لَمْ تَكُنْ سَأَلَتْهُ النَّقْلَةَ - بِأَنْ قَالَتْ لَهُ: حَوِّلْنِي إِلَى مَنْزِلِكَ، أَوِ اكْتَرِ لِي مَنْزِلًا فَإِنِّي مُحْتَاجَةٌ إِلَى مَنْزِلِي هَذَا آخُذُ كِرَاءَهُ - فَلَهَا النَّفَقَةُ حِينَئِذٍ.
وَلَوْ كَانَ فِي الْمَنْزِل شُبْهَةٌ - كَبَيْتِ السُّلْطَانِ - فَامْتَنَعَتْ مِنْهُ فَهِيَ نَاشِزَةٌ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ الشُّبْهَةِ فِي زَمَانِنَا، بِخِلاَفِ مَا إِذَا خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِ الْغَصْبِ لأَِنَّ السُّكْنَى فِي الْمَغْصُوبِ حَرَامٌ، وَالاِمْتِنَاعَ عَنِ الْحَرَامِ وَاجِبٌ، بِخِلاَفِ الاِمْتِنَاعِ عَنِ الشُّبْهَةِ فَإِنَّهُ مَنْدُوبٌ، فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ حَقُّ الزَّوْجِ الْوَاجِبُ.
وَلَوْ سَلَّمَتْ نَفْسَهَا بِاللَّيْل دُونَ النَّهَارِ، أَوْ عَكْسَهُ، فَلاَ نَفَقَةَ لَهَا لِنَقْصِ التَّسْلِيمِ، قَال فِي الْمُجْتَبَى: وَبِهِ عُرِفَ جَوَابُ وَاقِعَةٍ فِي زَمَانِنَا أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ مِنَ الْمُحْتَرِفَاتِ الَّتِي تَكُونُ بِالنَّهَارِ فِي مَصَالِحِهَا وَبِاللَّيْل عِنْدَهُ فَلاَ نَفَقَةَ لَهَا، قَال فِي
النَّهْرِ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَجْهُهُ - كَمَا ذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ - أَنَّهَا مَعْذُورَةٌ لاِشْتِغَالِهَا بِمَصَالِحِهَا، بِخِلاَفِ الْمَسْأَلَةِ الْمَقِيسِ عَلَيْهَا، فَإِنَّهَا لاَ عُذْرَ لَهَا فَنَقْصُ التَّسْلِيمِ مَنْسُوبٌ إِلَيْهَا، وَإِذَا كَانَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ عَصَتْهُ وَخَرَجَتْ بِلاَ إِذْنٍ كَانَتْ نَاشِزَةً مَا دَامَتْ خَارِجَةً، وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْهَا لَمْ تَكُنْ نَاشِزَةً (١)
وَالنُّشُوزُ فِي الْعِدَّةِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِ الْعِدَّةِ مُرَاغَمَةً لِزَوْجِهَا، أَوْ تَخْرُجَ لِمَعْنًى مِنْ قِبَلِهَا. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ كَانَتْ تَبْذُو عَلَى أَحْمَائِهَا، فَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ أَبِي عَمْرٍو بْنِ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلاَثِ تَطْلِيقَاتٍ، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُول اللَّهِ ﷺ تَسْتَفْتِيهِ فِي خُرُوجِهَا مِنْ بَيْتِهَا، فَأَمَرَهَا أَنْ تَنْتَقِل إِلَى بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الأَْعْمَى، فَأَبَى مَرْوَانُ أَنْ يُصَدِّقَهُ فِي خُرُوجِ الْمُطَلَّقَةِ مِنْ بَيْتِهَا، وَقَال عُرْوَةُ: إِنَّ عَائِشَةَ أَنْكَرَتْ ذَلِكَ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ (٢)، وَلأَِنَّ الإِْخْرَاجَ كَانَ لِمَعْنًى مِنْ
_________
(١) بدائع الصنائع ٤ / ٢٢، والاختيار ٤ / ٥، والدر المختار ٢ / ٦٤٧.
(٢) حديث: " أن فاطمة بنت قيس. . . " أخرجه مسلم (٢ / ١١١٦ ط عيسى الحلبي) .
قِبَلِهَا، فَصَارَتْ كَأَنَّهَا خَرَجَتْ بِنَفْسِهَا مُرَاغَمَةً لِزَوْجِهَا.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: مِمَّا يَكُونُ بِهِ نُشُوزُ الزَّوْجَةِ مَنْعُهَا زَوْجَهَا مِنَ الْوَطْءِ أَوِ الاِسْتِمْتَاعِ - فِي الْمَشْهُورِ - وَخُرُوجُهَا بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا لِمَحَلٍّ تَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يَأْذَنُ فِيهِ أَوْ لاَ يُحِبُّ خُرُوجَهَا إِلَيْهِ، وَعَجَزَ الزَّوْجُ عَنْ مَنْعِهَا ابْتِدَاءً ثُمَّ عَنْ رَدِّهَا لِمَحَل طَاعَتِهِ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى مَنْعِهَا ابْتِدَاءً أَوْ عَلَى رَدِّهَا بِصُلْحِهَا أَوْ بِحَاكِمٍ فَلاَ تَكُونُ نَاشِزًا، وَيَكُونُ النُّشُوزُ كَذَلِكَ بِتَرْكِهَا حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى كَالْغُسْل أَوِ الصَّلاَةِ أَوْ صِيَامِ رَمَضَانَ، وَبِإِغْلاَقِهَا الْبَابَ دُونَهُ، وَبِأَنْ تَخُونَهُ فِي نَفْسِهَا أَوْ مَالِهِ (١)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: مِمَّا يَكُونُ بِهِ نُشُوزُ الزَّوْجَةِ خُرُوجُهَا بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا مِنَ الْمَنْزِل لاَ إِلَى الْقَاضِي لِطَلَبِ الْحَقِّ مِنْهُ، وَلاَ إِلَى اكْتِسَابِ النَّفَقَةِ إِذَا أَعْسَرَ بِهَا الزَّوْجُ، وَلاَ إِلَى اسْتِفْتَاءٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ زَوْجُهَا فَقِيهًا وَلَمْ يَسْتَفْتِ لَهَا، وَلاَ إِلَى الطَّحْنِ أَوِ الْخُبْزِ أَوْ شِرَاءِ مَا لاَ بُدَّ مِنْهُ، أَوِ الْخَوْفِ مِنَ انْهِدَامِ الْمَنْزِل، أَوْ جَلاَءِ مَنْ حَوْلَهَا مِنَ الْجِيرَانِ فِي غَيْبَةِ الزَّوْجِ، أَوِ انْقِضَاءِ إِجَارَةِ الْمَنْزِل أَوْ رُجُوعِ مُعِيرِهِ،
_________
(١) الشرح الصغير ٢ / ٥١١، وشرح الزرقاني ٤ / ٦٠، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٢ / ٣٤٣.
وَكَذَا لَوْ خَرَجَتْ لِحَاجَتِهَا فِي الْبَلَدِ بِإِذْنِهِ كَأَنْ تَكُونَ بَلاَّنَةً أَوْ مَاشِطَةً أَوْ دَايَةً تُوَلِّدُ النِّسَاءَ، فَلاَ تُعْتَبَرُ نَاشِزَةً بِذَلِكَ.
وَتَكُونُ الزَّوْجَةُ نَاشِزَةً كَذَلِكَ بِإِغْلاَقِهَا الْبَابَ فِي وَجْهِ زَوْجِهَا، وَعَدَمِ فَتْحِهَا الْبَابَ لِيَدْخُل وَكَانَ قَفْلُهُ مِنْهَا، وَبِمَنْعِهِ مِنْ فَتْحِ الْبَابِ، وَحَبْسِهَا زَوْجَهَا، وَدَعْوَاهَا طَلاَقًا، وَكَوْنِهَا مُعْتَدَّةً عَنْ غَيْرِهِ كَوَطْءِ شُبْهَةٍ.
وَتَكُونُ نَاشِزَةً بِمَنْعِهَا الزَّوْجَ مِنَ الاِسْتِمْتَاعِ بِهَا حَيْثُ لاَ عُذْرَ، لاَ مَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ تَدَلُّلًا، وَيَدْخُل فِي الْمَنْعِ مِنَ الاِسْتِمْتَاعِ الَّذِي تَنْشُزُ بِهِ الْمَنْعُ مِنْ نَحْوِ قُبْلَةٍ - وَإِنْ مَكَّنَتْهُ مِنَ الْجِمَاعِ - حَيْثُ لاَ عُذْرَ فِي امْتِنَاعِهَا مِنْهُ، فَإِنْ عُذِرَتْ كَأَنْ كَانَ بِهِ صُنَانٌ مُسْتَحْكِمٌ - مَثَلًا - وَتَأَذَّتْ بِهِ تَأَذِّيًا لاَ يُحْتَمَل لَمْ تَعُدْ نَاشِزَةً، وَتُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ إِنْ لَمْ تَدُل قَرِينَةٌ قَوِيَّةٌ عَلَى كَذِبِهَا.
وَقَالُوا: إِنَّ شَتْمَ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا وَإِيذَاءَهَا لَهُ بِنَحْوِ لِسَانِهَا لاَ يَكُونُ نُشُوزًا، بَل تَأْثَمُ بِهِ وَتَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ عَلَيْهِ.
وَيَكُونُ النُّشُوزُ كَذَلِكَ إِذَا دَعَا الزَّوْجُ نِسَاءَهُ إِلَى مَنْزِلِهِ الَّذِي أَعَدَّهُ لإِتْيَانِهِنَّ فِيهِ، فَتَمْتَنِعُ
إِحْدَاهُنَّ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ دَعَا إِحْدَاهُنَّ لِمَنْزِل ضَرَّتِهَا فَلاَ يُعَدُّ امْتِنَاعُهَا نُشُوزًا، وَمَحَل كَوْنِ امْتِنَاعِهَا نُشُوزًا عِنْدَ دُعَائِهَا لِمَنْزِلِهِ إِنْ لَمْ تَكُنْ شَرِيفَةً، وَإِلاَّ فَلاَ يُعَدُّ نُشُوزًا حَيْثُ كَانَ مَنْزِلُهُ فِي بَيْتٍ آخَرَ، فَإِنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ الَّذِي هُوَ فِيهِ عُدَّ ذَلِكَ نُشُوزًا.
وَتُعَدُّ الزَّوْجَةُ نَاشِزَةً إِذَا سَافَرَتْ بِدُونِ زَوْجِهَا بِلاَ إِذْنِهِ، أَوْ بِإِذْنٍ لِغَيْرِ حَاجَتِهِ بِأَنْ كَانَ لِحَاجَتِهَا، أَوْ لِحَاجَةِ أَجْنَبِيٍّ، أَوْ لِحَاجَتِهِمَا، أَوْ لاَ لِحَاجَةٍ كَنُزْهَةٍ.
وَلَوْ سَافَرَتِ الزَّوْجَةُ مَعَ الزَّوْجِ - وَلَوْ بِلاَ إِذْنٍ - فَلاَ تَكُونُ نَاشِزَةً إِنْ لَمْ يَنْهَهَا، فَإِنْ نَهَاهَا كَانَتْ نَاشِزَةً، سَوَاءٌ أَقْدَرَ عَلَى رَدِّهَا أَمْ لاَ. نَعَمْ، إِنِ اسْتَمْتَعَ بِهَا لاَ تَكُونُ بَعْدَ الاِسْتِمْتَاعِ بِهَا نَاشِزَةً؛ لأَِنَّ اسْتِمْتَاعَهُ بِهَا رِضًا بِمُصَاحَبَتِهَا لَهُ.
وَلَوِ ارْتَحَلَتْ لِخَرَابِ الْبَلَدِ وَارْتَحَل أَهْلُهَا، وَاقْتَصَرَتْ عَلَى قَدْرِ الضَّرُورَةِ لاَ تُعَدُّ نَاشِزَةً. وَقَالُوا: مِنْ أَمَارَاتِ نُشُوزِ الزَّوْجَةِ قَوْلًا أَنْ تُجِيبَ زَوْجَهَا بِكَلاَمٍ خَشِنٍ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ تُجِيبُهُ بِكَلاَمٍ لَيِّنٍ، فَلَوْ كَانَ الْكَلاَمُ الْخَشِنُ عَادَتَهَا لَمْ يَكُنْ نُشُوزًا إِلاَّ إِنْ زَادَ.
وَمِنْ أَمَارَاتِ نُشُوزِهَا فِعْلًا أَنْ يَجِدَ مِنْهَا إِعْرَاضًا وَعُبُوسًا؛ لأَِنَّهُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ عَنْ كَرَاهَةٍ، وَبِذَلِكَ فَارَقَ السَّبَّ وَالشَّتْمَ لأَِنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِسُوءِ الْخُلُقِ، لَكِنْ لِلزَّوْجِ تَأْدِيبُهَا عَلَيْهِ وَلَوْ بِلاَ حَاكِمٍ (١)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: أَمَارَاتُ النُّشُوزِ مِثْل أَنْ تَتَثَاقَل أَوْ تَتَدَافَعَ إِذَا دَعَاهَا لِلاِسْتِمْتَاعِ، وَلاَ تَصِيرُ إِلَيْهِ إِلاَّ بِتَكَرُّهٍ وَدَمْدَمَةٍ، أَوْ تُجِيبُهُ مُتَبَرِّمَةً مُتَكَرِّهَةً، وَيَخْتَل أَدَبُهَا فِي حَقِّهِ.
وَيَكُونُ نُشُوزُ الزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا بِأَنْ تَعْصِيَهُ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهَا مِنْ طَاعَةٍ، وَتَمْتَنِعَ مِنْ فِرَاشِهِ، أَوْ تَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ (٢)
أَثَرُ النُّشُوزِ عَلَى النَّفَقَةِ: ٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي سُقُوطِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ بِنُشُوزِهَا. فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّعْبِيُّ وَحَمَّادٌ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ إِلَى أَنَّ النَّاشِزَ لاَ نَفَقَةَ لَهَا وَلاَ سُكْنَى؛ لأَِنَّ النَّفَقَةَ إِنَّمَا تَجِبُ فِي مُقَابَلَةِ تَمْكِينِهَا لَهُ، بِدَلِيل أَنَّهَا لاَ تَجِبُ قَبْل تَسْلِيمِهَا إِلَيْهِ، وَإِذَا مَنَعَهَا النَّفَقَةَ كَانَ لَهَا مَنْعُهُ التَّمْكِينَ، فَإِذَا
_________
(١) شَرْحُ الْمِنْهَاجِ وَحَاشِيَةُ الْقَلْيُوبِيِّ ٣ / ٣٠٥، ٤ / ٧٨، وشَرْح التَّحْرِيرِ وَحَاشِيَةُ الشَّرْقَاوَيِّ ٢ / ٢٨٣ - ٢٨٥.
(٢) المغني ٧ / ٤٦، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٥ / ٢٠٩.