الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠ الصفحة 60

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الضَّرْبَ لِتَأْدِيبِ الزَّوْجَةِ النَّاشِزَةِ مَشْرُوعٌ بِتَحَقُّقِ نُشُوزِهَا وَلَوْ لأَِوَّل مَرَّةٍ دُونَ أَنْ يَتَكَرَّرَ النُّشُوزُ، لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ (١) فَتَقْدِيرُهُ: وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ، فَإِنْ نَشَزْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ، وَالْخَوْفُ هُنَا بِمَعْنَى الْعِلْمِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا (٢) وَالأَْوْلَى بَقَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَلأَِنَّ الْمَرْأَةَ صَرَّحَتْ بِنُشُوزِهَا فَكَانَ لِزَوْجِهَا ضَرْبُهَا كَمَا لَوْ أَصَرَّتْ، وَلأَِنَّ عُقُوبَاتِ الْمَعَاصِي لاَ تَخْتَلِفُ بِالتَّكْرَارِ وَعَدَمِهِ كَالْحُدُودِ.

وَرَجَّحَ الرَّافِعِيُّ وَأَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ الْخِرَقِيِّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ إِنْ تَحَقَّقَ نُشُوزُ الزَّوْجَةِ وَلَمْ يَتَكَرَّرْ وَلَمْ يَظْهَرْ إِصْرَارُهَا عَلَيْهِ لاَ يَجُوزُ ضَرْبُهَا، لأَِنَّ الْجِنَايَةَ لَمْ تَتَأَكَّدْ بِالتَّكْرَارِ، وَلأَِنَّ الْمَقْصُودَ زَجْرُهَا عَنِ الْمَعْصِيَةِ فِي الْمُسْتَقْبَل، وَمَا هَذَا سَبِيلُهُ يُبْدَأُ فِيهِ بِالأَْسْهَل (٣) .

وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ لِمَشْرُوعِيَّةِ ضَرْبِ

_________

(١) سُورَةُ النِّسَاءِ / ٣٤

(٢) سُورَة الْبَقَرَةِ / ١٨٢

(٣) بَدَائِع الصَّنَائِع ٢ / ٣٣٤، وَالشَّرْح الْكَبِير مَعَ حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيّ ٢ / ٣٤٣، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٧ / ٣٦٩، ومغني المحتاج ٢ / ٢٥٩ - ٢٦٠، وَشَرْح الْمِنْهَاجِ مَعَ الْقَلْيُوبِيّ ٣ / ٣٠٥، وَشَرْح الْمَنْهَجِ مَعَ الْجُمَل ٤ / ٢٨٩، وَشَرْح الْتَّحَرِير مَعَ الشَّرْقَاوَيَّ ٢ / ٢٨٥، وَالمغني ٧ / ٤٦.

النَّاشِزَةِ أَنْ يَعْلَمَ الزَّوْجُ أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَوْ يَظُنَّ أَنَّ الضَّرْبَ يُفِيدُ فِي تَأْدِيبِهَا وَرَدْعِهَا عَنِ النُّشُوزِ، فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لاَ يُفِيدُ لَمْ يَجُزْ لَهُ ضَرْبُهَا وَيَحْرُمُ لأَِنَّهُ عُقُوبَةٌ مُسْتَغْنًى عَنْهَا (١) .

وَقَيَّدَ الزَّرْكَشِيُّ ضَرْبَ الزَّوْجِ امْرَأَتَهُ النَّاشِزَةَ بِنَفْسِهِ لِكَفِّهَا عَنِ النُّشُوزِ وَتَأْدِيبِهَا بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ، وَإِلاَّ فَيَتَعَيَّنُ الرَّفْعُ إِلَى الْقَاضِي لِتَأْدِيبِهَا (٢) .

الضَّمَانُ بِضَرْبِ التَّأْدِيبِ:

١٨ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ ضَرْبَ الرَّجُل امْرَأَتَهُ لِنُشُوزِهَا - بِالْقُيُودِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا عِنْدَهُمْ - هُوَ ضَرْبُ تَأْدِيبٍ يُقْصَدُ مِنْهُ الصَّلاَحُ لاَ غَيْرَ، فَإِنْ أَفْضَى إِلَى تَلَفٍ أَوْ هَلاَكٍ وَجَبَ الْغُرْمُ وَالضَّمَانُ، لأَِنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ ضَرْبُ إِتْلاَفٍ لاَ إِصْلاَحٍ، وَيَضْمَنُ الزَّوْجُ مَا تَلِفَ بِالضَّرْبِ مِنْ نَفْسٍ أَوْ عُضْوٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ، لأَِنَّ ضَرْبَ التَّأْدِيبِ مَشْرُوطٌ بِسَلاَمَةِ الْعَاقِبَةِ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ النَّاشِزَةَ إِنْ تَلِفَتْ

_________

(١) مَوَاهِب الْجَلِيل ٤ / ١٥، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٦ / ٣٨٣، ومغني المحتاج ٣ / ٢٦٠.

(٢) نِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٦ / ٣٨٤، ومغني المحتاج ٣ / ٢٦٠.

مِنْ ضَرْبِ زَوْجِهَا الْمَشْرُوعِ لِلتَّأْدِيبِ عَلَى نُشُوزِهَا فَلاَ ضَمَانَ عَلَى الزَّوْجِ لأَِنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا (١) .

التَّرْتِيبُ فِي التَّأْدِيبِ:

١٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْتِزَامِ الزَّوْجِ التَّرْتِيبَ فِي تَأْدِيبِ الزَّوْجَةِ حَسَبَ وُرُودِهِ فِي الآْيَةِ الْكَرِيمَةِ.

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ أَيْضًا رَأْيٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ تَأْدِيبَ الزَّوْجِ امْرَأَتَهُ لِنُشُوزِهَا يَكُونُ عَلَى التَّرْتِيبِ الْوَارِدِ فِي الآْيَةِ، فَيَبْدَأُ بِالْوَعْظِ ثُمَّ الْهَجْرِ ثُمَّ الضَّرْبِ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ:

قَال الْحَنَفِيَّةُ: لِلزَّوْجِ وِلاَيَةُ تَأْدِيبِ امْرَأَتِهِ لِنُشُوزِهَا لَكِنْ عَلَى التَّرْتِيبِ، فَيَعِظُهَا أَوَّلًا عَلَى الرِّفْقِ وَاللِّينِ، فَإِنْ نَجَعَتْ فِيهَا الْمَوْعِظَةُ وَإِلاَّ هَجَرَهَا، وَقِيل: يُخَوِّفُهَا بِالْهَجْرِ أَوَّلًا وَالاِعْتِزَال عَنْهَا وَتَرْكِ الْجِمَاعِ وَالْمُضَاجَعَةِ، فَإِنْ تَرَكَتْ وَإِلاَّ هَجَرَهَا لَعَل نَفْسَهَا لاَ تَحْتَمِل الْهَجْرَ، فَإِنْ تَرَكَتِ النُّشُوزَ وَإِلاَّ ضَرَبَهَا، فَإِنْ نَفَعَ الضَّرْبُ وَإِلاَّ رَفَعَ

_________

(١) تَبْيِينُ الْحَقَائِقِ ٣ / ٢١١، وَفَتْح الْقَدِير ٤ / ٢١٨، وَالْبَحْر الرَّائِق ٥ / ٥٣، وَتَفْسِير الْقُرْطُبِيّ ٥ / ١٧٢، وَمَوَاهِب الْجَلِيل ٤ / ١٥، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٧ / ٣٦٨، وَحَاشِيَة الشَّرْقَاوَيَّ عَلَى شَرْح التَّحْرِير ٢ / ٢٨٦، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٥ / ٢١٠.

إِلَى الْقَاضِي.

وَالأَْصْل فِيهِ قَوْل اللَّهِ ﷿: وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ (١) فَظَاهِرُ الآْيَةِ وَإِنْ كَانَ بِحَرْفِ الْوَاوِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْجَمْعِ لَكِنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْجَمْعُ عَلَى سَبِيل التَّرْتِيبِ، وَالْوَاوُ تَحْتَمِل ذَلِكَ.

وَقَالُوا: وَسَبِيل هَذَا سَبِيل الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ فِي حَقِّ سَائِرِ النَّاسِ: أَنَّ الآْمِرَ يَبْدَأُ بِالْمَوْعِظَةِ عَلَى الرِّفْقِ وَاللِّينِ دُونَ التَّغْلِيظِ فِي الْقَوْل، فَإِنْ قَبِلَتْ وَإِلاَّ غَلَّظَ الْقَوْل بِهِ، فَإِنْ قَبِلَتْ وَإِلاَّ بَسَطَ يَدَهُ فِيهِ (٢) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَعِظُ الزَّوْجُ مَنْ نَشَزَتْ، ثُمَّ إِذَا لَمْ يُفِدِ الْوَعْظُ هَجَرَهَا فِي الْمَضْجَعِ، ثُمَّ إِذَا لَمْ يُفِدِ الْهَجْرُ جَازَ لَهُ ضَرْبُهَا، وَلاَ يَنْتَقِل لِحَالَةٍ حَتَّى يَظُنَّ أَنَّ الَّتِي قَبْلَهَا لاَ تُفِيدُ، وَيَفْعَل مَا عَدَا الضَّرْبَ وَلَوْ لَمْ يَظُنَّ إِفَادَتَهُ - بِأَنْ شَكَّ فِيهِ لَعَلَّهُ يُفِيدُ - لاَ إِنْ عَلِمَ عَدَمَ الإِْفَادَةِ، وَأَمَّا الضَّرْبُ فَلاَ يَجُوزُ إِلاَّ إِذَا ظَنَّ إِفَادَتَهُ لِشِدَّتِهِ، قَال الدُّسُوقِيُّ: وَالْحَاصِل أَنَّ الزَّوْجَ يَعِظُ زَوْجَتَهُ إِنْ جَزَمَ بِالإِْفَادَةِ أَوْ ظَنَّهَا أَوْ شَكَّ فِيهَا، فَإِنْ جَزَمَ أَوْ ظَنَّ عَدَمَهَا هَجَرَهَا إِنْ جَزَمَ بِالإِْفَادَةِ أَوْ ظَنَّهَا أَوْ شَكَّ فِيهَا، فَإِنْ جَزَمَ أَوْ ظَنَّ عَدَمَهَا ضَرَبَهَا إِنْ جَزَمَ بِالإِْفَادَةِ أَوْ ظَنَّهَا،

_________

(١) سُورَة النِّسَاء / ٣٤

(٢) بَدَائِع الصَّنَائِع ٢ / ٣٣٤.

لاَ إِنْ شَكَّ فِيهَا (١) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ: إِذَا ظَهَرَ مِنَ الزَّوْجَةِ أَمَارَاتُ النُّشُوزِ وَعَظَهَا، فَإِنْ رَجَعَتْ إِلَى الطَّاعَةِ وَالأَْدَبِ حَرُمَ الْهَجْرُ وَالضَّرْبُ لِزَوَال مُبِيحِهِمَا، وَإِنْ أَصَرَّتْ هَجَرَهَا فِي الْمَضْجَعِ مَا شَاءَ، وَهَجَرَهَا فِي الْكَلاَمِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لاَ فَوْقَهَا، فَإِنْ أَصَرَّتْ وَلَمْ تَرْتَدِعْ بِالْهَجْرِ فَلَهُ أَنْ يَضْرِبَهَا بَعْدَ الْهَجْرِ فِي الْفِرَاشِ وَتَرْكِهَا مِنَ الْكَلاَمِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ (٢) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يُؤَدِّبَ زَوْجَتَهُ بِمَا يَرَاهُ مِنْ طُرُقِ التَّأْدِيبِ الْوَارِدَةِ فِي الآْيَةِ دُونَ مُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ. قَال النَّوَوِيُّ: مَرَاتِبُ تَأْدِيبِ الزَّوْجَةِ ثَلاَثٌ:

إِحْدَاهَا: أَنْ يُوجَدَ مِنْهَا أَمَارَاتُ النُّشُوزِ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا، بِأَنْ تُجِيبَهُ بِكَلاَمٍ خَشِنٍ بَعْدَ أَنْ كَانَ لَيِّنًا، أَوْ يَجِدَ مِنْهَا إِعْرَاضًا وَعُبُوسًا بَعْدَ طَلاَقَةٍ وَلُطْفٍ، فَفِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ، يَعِظُهَا وَلاَ يَضْرِبُهَا وَلاَ يَهْجُرُهَا.

الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَحَقَّقَ نُشُوزُهَا، لَكِنْ لاَ يَتَكَرَّرُ، وَلاَ يَظْهَرُ إِصْرَارُهَا عَلَيْهِ، فَيَعِظُهَا وَيَهْجُرُهَا، وَفِي جَوَازِ الضَّرْبِ قَوْلاَنِ، رَجَّحَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ الْمَنْعَ، وَرَجَّحَ صَاحِبَا الْمُهَذَّبِ وَالشَّامِل الْجَوَازَ.

_________

(١) الشَّرْح الْكَبِير وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٢ / ٣٤٣.

(٢) كَشَّاف الْقِنَاع ٥ / ٢٠٩.

قَال النَّوَوِيُّ: رَجَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي " الْمُحَرَّرِ " الْمَنْعَ، وَالْمُوَافِقُ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ الْجَوَازُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ.

الثَّالِثَةُ: أَنْ يَتَكَرَّرَ وَتُصِرَّ عَلَيْهِ، فَلَهُ الْهِجْرَانُ وَالضَّرْبُ بِلاَ خِلاَفٍ، هَذِهِ هِيَ الطَّرِيقَةُ الْمُعْتَمَدَةُ فِي الْمَرَاتِبِ الثَّلاَثِ. وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ ابْنُ كَجٍّ قَوْلًا فِي جَوَازِ الْهِجْرَانِ وَالضَّرْبِ عِنْدَ خَوْفِ النُّشُوزِ، لِظَاهِرِ الآْيَةِ، وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ فِي حَالَةِ ظُهُورِ النُّشُوزِ، ثَلاَثَةَ أَقْوَالٍ.

أَحَدُهَا: لَهُ الْوَعْظُ وَالْهِجْرَانُ وَالضَّرْبُ، وَالثَّانِي: يَتَخَيَّرُ بَيْنَهَا وَلاَ يَجْمَعُ. وَالثَّالِثُ: يَعِظُهَا، فَإِنْ لَمْ تَتَّعِظْ هَجَرَهَا، فَإِنْ لَمْ تَنْزَجِرْ ضَرَبَهَا (١) .

اخْتِلاَفُ الزَّوْجَيْنِ فِي النُّشُوزِ:

٢٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ يُؤْخَذُ بِقَوْلِهِ مِنْهُمَا عِنْدَ اخْتِلاَفِهِمَا فِي وُقُوعِ النُّشُوزِ.

فَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَ الرَّجُل وَامْرَأَتُهُ فِي وُقُوعِ النُّشُوزِ أَوْ عَدَمِ وُقُوعِهِ، فَادَّعَاهُ الرَّجُل وَأَنْكَرَتْهُ الْمَرْأَةُ، فَالْقَوْل لَهَا فِي عَدَمِ النُّشُوزِ بِيَمِينِهَا حَيْثُ لاَ بَيِّنَةَ لَهُ وَكَانَتْ فِي بَيْتِهِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَهَذَا ظَاهِرٌ لَوْ كَانَ الاِخْتِلاَفُ فِي نُشُوزٍ فِي الْحَال، أَمَّا لَوِ ادَّعَى عَلَيْهَا سُقُوطَ النَّفَقَةِ الْمَفْرُوضَةِ فِي شَهْرٍ مَاضٍ - مَثَلًا - لِنُشُوزِهَا فِيهِ

_________

(١) رَوْضَة الطَّالِبِينَ ٧ / ٣٦٨ - ٣٦٩، وَالمغني ٧ / ٤٦، وَالإِْنْصَاف ٨ / ٣٧٧.

فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَوْل لَهَا أَيْضًا لإِنْكَارِهَا مُوجِبَ الرُّجُوعِ عَلَيْهَا، وَلَوِ ادَّعَتْ أَنَّ خُرُوجَهَا إِلَى بَيْتِ أَهْلِهَا كَانَ بِإِذْنِهِ وَأَنْكَرَ، أَوْ ثَبَتَ نُشُوزُهَا ثُمَّ ادَّعَتْ أَنَّهُ بَعْدَهُ بِشَهْرٍ - مَثَلًا - أَذِنَ لَهَا بِالْمُكْثِ هُنَاكَ هَل يَكُونُ الْقَوْل لَهَا أَمْ لاَ؟ لَمْ أَرَهُ، وَالظَّاهِرُ الثَّانِي لِتَحَقُّقِ الْمُسْقِطِ (١) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنِ ادَّعَتِ الزَّوْجَةُ مَنْعَ الْوَطْءِ أَوْ الاِسْتِمْتَاعِ لِعُذْرٍ وَأَكْذَبَهَا الزَّوْجُ أَثْبَتَتْهُ بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ، وَهَذَا فِيمَا لاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَال، وَأَمَّا مَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَال فَلاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بِشَاهِدَيْنِ كَخُرُوجِهَا بِلاَ إِذْنٍ، وَلاَ يُقْبَل قَوْل الزَّوْجِ: هِيَ تَمْنَعُنِي مِنْ وَطْئِهَا حَيْثُ قَالَتْ: لَمْ أَمْنَعْهُ وَإِنَّمَا الْمَانِعُ مِنْهُ، لأَِنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى إِسْقَاطِ حَقِّهَا فِي النَّفَقَةِ.

وَقَالُوا: إِنْ ضَرَبَهَا، فَادَّعَتِ الْعَدَاءَ وَادَّعَى الأَْدَبَ فَإِنَّهَا تُصَدَّقُ، وَحِينَئِذٍ يُعَزِّرُهُ الْحَاكِمُ عَلَى ذَلِكَ الْعَدَاءِ مَا لَمْ يَكُنِ الزَّوْجُ مَعْرُوفًا بِالصَّلاَحِ، وَإِلاَّ قُبِل قَوْلُهُ (٢) .

وَقَال صَاحِبُ مُغْنِي الْمُحْتَاجِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: لَوْ ضَرَبَهَا وَادَّعَى أَنَّهُ بِسَبَبِ نُشُوزٍ وَادَّعَتْ عَدَمَهُ، فَفِيهِ احْتِمَالاَنِ فِي الْمَطْلَبِ قَال: وَالَّذِي يَقْوَى فِي

_________

(١) الدَّرّ الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ٢ / ٦٤٦ - ٦٤٧.

(٢) شَرْح الزُّرْقَانِيّ ٤ / ٢٥١، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٢ / ٣٤٣، وَمَوَاهِب الْجَلِيل ٤ / ١٥.

ظَنِّي أَنَّ الْقَوْل قَوْلُهُ، لأَِنَّ الشَّرْعَ جَعَلَهُ وَلِيًّا فِي ذَلِكَ، وَالْوَلِيُّ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مِثْل ذَلِكَ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِسُقُوطِ شَيْءٍ مِنْ حَقِّهَا فَلاَ، وَهَذَا إِذَا لَمْ تَعْلَمْ جَرَاءَتَهُ وَتَعَدِّيَهُ، وَإِلاَّ لَمْ يُصَدَّقْ وَصُدِّقَتْ هِيَ، وَقَيَّدَ الشَّرْقَاوِيُّ تَصْدِيقَهُ بِيَمِينِهِ (١) .

وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ: إِنِ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي نُشُوزِهَا بَعْدَ الاِعْتِرَافِ بِالتَّسْلِيمِ فَالْقَوْل قَوْلُهَا، لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ ذَلِكَ (٢) .

نُشُوزُ الزَّوْجِ أَوْ إِعْرَاضُهُ:

٢١ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِنْ خَافَتْ مِنْ زَوْجِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا لِرَغْبَتِهِ عَنْهَا، إِمَّا لِمَرَضٍ بِهَا أَوْ كِبَرٍ أَوْ دَمَامَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَلاَ بَأْسَ أَنْ تَضَعَ عَنْهُ بَعْضَ حُقُوقِهَا تَسْتَرْضِيَهُ بِذَلِكَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا (٣) وَلِمَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا فِي هَذِهِ الآْيَةِ قَالَتِ: " الرَّجُل تَكُونُ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْهَا يُرِيدُ أَنْ يُفَارِقَهَا، فَتَقُول: أَجْعَلُكَ مِنْ شَأْنِي فِي حِلٍّ،

_________

(١) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٢٦٠، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٦ / ٣٨٤، وَالشَّرْقَاوَيَّ ٢ / ٢٨٦، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج ٧ / ٤٥٥.

(٢) كَشَّاف الْقِنَاع ٥ / ٤٧٥.

(٣) سورة النساء / ١٢٨

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآْيَةُ فِي ذَلِكَ ".

قَال الْحَنَفِيَّةُ: هَذِهِ الآْيَةُ دَالَّةٌ عَلَى وُجُوبِ الْقَسْمِ بَيْنَ النِّسَاءِ إِذَا كَانَتْ تَحْتَهُ جَمَاعَةٌ، وَعَلَى وُجُوبِ الْكَوْنِ عِنْدَهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ إِلاَّ وَاحِدَةٌ وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ كَعْبَ بْنَ سُورٍ قَضَى بِأَنَّ لَهَا يَوْمًا مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ بِحَضْرَةِ عُمَرَ ﵁ فَاسْتَحْسَنَهُ وَوَلاَّهُ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ، وَأَبَاحَ اللَّهُ أَنْ تَتْرُكَ حَقَّهَا مِنَ الْقَسْمِ وَأَنْ تَجْعَلَهُ لِغَيْرِهَا مِنْ نِسَائِهِ، وَعُمُومُ الآْيَةِ يَقْتَضِي جَوَازَ اصْطِلاَحِهِمَا عَلَى تَرْكِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ وَالْقَسْمِ وَسَائِرِ مَا يَجِبُ لَهَا بِحَقِّ الزَّوْجِيَّةِ، إِلاَّ أَنَّهُ إِنَّمَا يَجُوزُ لَهَا إِسْقَاطُ مَا وَجَبَ مِنَ النَّفَقَةِ لِلْمَاضِي، فَأَمَّا الْمُسْتَقْبَل فَلاَ تَصِحُّ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَبْرَأَتْ مِنَ الْوَطْءِ لَمْ يَصِحَّ إِبْرَاؤُهَا وَكَانَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِحَقِّهَا مِنْهُ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ بِطِيبِ نَفْسِهَا بِتَرْكِ الْمُطَالَبَةِ بِالنَّفَقَةِ وَبِالْكَوْنِ عِنْدَهَا، فَأَمَّا أَنْ تُسْقِطَ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَل بِالْبَرَاءَةِ مِنْهُ فَلاَ، وَلاَ يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يُعْطِيَهَا عِوَضًا عَلَى تَرْكِ حَقِّهَا مِنَ الْقَسْمِ أَوِ الْوَطْءِ، لأَِنَّ ذَلِكَ أَكْل مَالٍ بِالْبَاطِل، أَوْ ذَلِكَ حَقٌّ لاَ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ، لأَِنَّهُ لاَ يَسْقُطُ مَعَ وُجُودِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لَهُ وَهُوَ عَقْدُ النِّكَاحِ (١) .

_________

(١) أحكام القرآن للجصاص ٢ / ٢٨٣.

وَقَال الْقُرْطُبِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: قَال عُلَمَاؤُنَا: أَنْوَاعُ الصُّلْحِ كُلُّهَا مُبَاحَةٌ فِي هَذِهِ النَّازِلَةِ، بِأَنْ يُعْطِيَ الزَّوْجُ عَلَى أَنْ تَصْبِرَ هِيَ، أَوْ تُعْطِيَ هِيَ عَلَى أَنْ يُؤْثِرَ الزَّوْجُ، أَوْ عَلَى أَنْ يُؤْثِرَ وَيَتَمَسَّكَ بِالْعِصْمَةِ، أَوْ يَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى الصَّبْرِ وَالأَْثَرَةِ مِنْ غَيْرِ عَطَاءٍ، فَهَذَا كُلُّهُ مُبَاحٌ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ كَانَ الرَّجُل لاَ يَتَعَدَّى عَلَى امْرَأَتِهِ، وَإِنَّمَا يَكْرَهُ صُحْبَتَهَا لَكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَيُعْرِضُ عَنْهَا فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَيُسَنُّ لَهَا اسْتِعْطَافُهُ بِمَا يُحِبُّ، كَأَنْ تَسْتَرْضِيَهُ بِتَرْكِ بَعْضِ حَقِّهَا، كَمَا تَرَكَتْ سَوْدَةُ نَوْبَتَهَا لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا لَمَّا خَافَتْ أَنْ يُطَلِّقَهَا ﷺ، كَمَا أَنَّهُ يُسَنُّ لَهُ إِذَا كَرِهَتْ صُحْبَتَهُ لِمَا ذُكِرَ أَنْ يَسْتَعْطِفَهَا بِمَا تُحِبُّ مِنْ زِيَادَةِ النَّفَقَةِ وَنَحْوِهَا (٢) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ خَافَتِ امْرَأَةٌ نُشُوزَ زَوْجِهَا وَإِعْرَاضَهُ عَنْهَا لِكِبَرٍ أَوْ غَيْرِهِ كَمَرَضٍ أَوْ دَمَامَةٍ، فَوَضَعَتْ عَنْهُ بَعْضَ حُقُوقِهَا أَوْ كُل حُقُوقِهَا، تَسْتَرْضِيهِ بِذَلِكَ جَازَ، لأَِنَّهُ حَقُّهَا وَقَدْ رَضِيَتْ

_________

(١) الْقُرْطُبِيُّ ٥ / ٤٠٣ - ٤٠٥.

(٢) حَاشِيَة الشَّرْقَاوَيَّ عَلَى شَرْح التَّحْرِير ٢ / ٢٨٦، وَمُغْنِي المحتاج٣ / ٢٦١.