الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠ الصفحة 55

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: تَرْكُ النِّيَّةِ نِسْيَانًا فِي الصَّوْمِ الْوَاجِبِ تَتَابُعُهُ: ١٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ نِسْيَانَ النِّيَّةِ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي فِي الصَّوْمِ الْوَاجِبِ تَتَابُعُهُ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ كَتَرْكِهَا عَمْدًا، وَلاَ يُجْعَل النِّسْيَانُ عُذْرًا فِي تَرْكِ الْمَأْمُورَاتِ. (١)

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ تَكْفِي نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ لِكُل صَوْمٍ يَجِبُ تَتَابُعُهُ كَرَمَضَانَ وَالْكَفَّارَاتِ الَّتِي يَجِبُ تَتَابُعُ الصَّوْمِ فِيهَا (٢)، وَقَالُوا: لَوْ بَيَّتَ الْفِطْرَ نَاسِيًا لِلصَّوْمِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ خِلاَفًا لاِبْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ حَيْثُ عَذَرَهُ فِي تَفْرِيقِ الصَّوْمِ بِالنِّسْيَانِ. (٣)

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَطْءُ الْمُظَاهِرِ نِسْيَانًا: ١٩ - ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ الْمُظَاهِرَ إِنْ جَامَعَ الْمُظَاهَرَ مِنْهَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا وَلَوْ نَاسِيًا انْقَطَعَ التَّتَابُعُ وَيَسْتَقْبِل الصَّوْمَ. (٤)

_________

(١) الفتاوى الهندية ١ / ١٩٦، وروضة الطالبين ٨ / ٣٠٢، ومغني المحتاج ٣ / ٣٦٥ - ٣٦٦، والإنصاف ٣ / ٢٩٣، والمغني ٣ / ٩٤ - ٩٥.

(٢) الشرح الصغير ١ / ٦١٧.

(٣) حاشية الدسوقي ٢ / ٤٥٢.

(٤) فتح القدير ٣ / ٢٣٩ - ٢٤٠، وحاشية الدسوقي ٢ / ٤٥٢، والإنصاف ٩ / ٢٢٧، وكشاف القناع ٥ / ٣٨٤.

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ إِنْ جَامَعَ الْمُظَاهِرُ امْرَأَتَهُ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا بِاللَّيْل قَبْل التَّكْفِيرِ أَوْ أَثْنَاءَ شَهْرَيْ صَوْمِ الْكَفَّارَةِ أَثِمَ؛ لأَِنَّهُ جَامَعَ قَبْل التَّكْفِيرِ، وَلاَ يَبْطُل التَّتَابُعُ لأَِنَّ جِمَاعَهُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي الصَّوْمِ فَلَمْ يَقْطَعِ التَّتَابُعَ كَالأَْكْل بِاللَّيْل (١)، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو يُوسُفَ حَيْثُ قَال: إِذَا جَامَعَ الْمُظَاهِرُ الْمُظَاهَرَ مِنْهَا بِالنَّهَارِ نَاسِيًا أَوْ بِاللَّيْل عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا لاَ يَسْتَأْنِفُ الصَّوْمَ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَمْنَعُ التَّتَابُعَ، إِذْ لاَ يَفْسُدُ بِهِ الصَّوْمُ. (٢)

م - نِسْيَانُ نَذْرِ صَوْمِ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ: ٢٠ - قَال الْمَالِكِيَّةُ: مَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ نَسِيَهُ صَامَ الْجُمْعَةَ كُلَّهَا عَلَى الْمُخْتَارِ، فَإِنْ صَامَ الْيَوْمَ الْمُعَيَّنَ الَّذِي نَذَرَهُ، ثُمَّ أَفْطَرَ فِيهِ نَاسِيًا ثُمَّ نَسِيَ أَيَّ يَوْمٍ كَانَ مِنَ الْجُمْعَةِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ يَوْمٌ وَاحِدٌ يَنْوِي بِهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَلَوْ ظَنَّ أَنَّهُ يَوْمٌ بِعَيْنِهِ فَنَوَاهُ لِقَضَائِهِ ثُمَّ انْكَشَفَ لَهُ أَنَّهُ غَيْرُ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لاَ يُجْزِئُ. (٣)

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ نَذَرَ يَوْمًا عَيَّنَهُ مِنْ أُسْبُوعٍ ثُمَّ نَسِيَهُ صَامَ آخِرَ الأُْسْبُوعِ وَهُوَ الْجُمْعَةُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْيَوْمَ الَّذِي عَيَّنَهُ وَقَعَ صَوْمُ يَوْمِ الْجُمْعَةِ

_________

(١) المهذب للشيرازي ٢ / ١١٨، ومغني المحتاج ٣ / ٣٦٦.

(٢) العناية بهامش فتح القدير ٣ / ٢٣٩.

(٣) مواهب الجليل ٢ / ٤٥٣.

قَضَاءً عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ هُوَ فَقَدْ وَفَى بِمَا الْتَزَمَهُ. (١)

ن - نِسْيَانُ مَا أَحْرَمَ الشَّخْصُ بِهِ مِنَ النُّسُكِ: ٢١ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنْ عَيَّنَ بِإِحْرَامِهِ شَيْئًا مِنَ النُّسُكِ وَنَسِيَهُ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ احْتِيَاطًا لِيَخْرُجَ عَنِ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ، وَلاَ يَكُونُ قَارِنًا، فَإِنْ أُحْصِرَ تَحَلَّل بِدَمٍ وَاحِدٍ وَيَقْضِي حَجَّةً وَعُمْرَةً، وَإِنْ جَامَعَ مَضَى فِيهِمَا وَيَقْضِيهِمَا، إِنْ شَاءَ جَمَعَ، وَإِنْ شَاءَ فَرَّقَ. وَإِنْ أَحْرَمَ بِشَيْئَيْنِ وَنَسِيَهُمَا لَزِمَهُ فِي الْقِيَاسِ حَجَّتَانِ وَعُمْرَتَانِ وَفِي الاِسْتِحْسَانِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ؛ حَمْلًا لأَِمْرِهِ عَلَى الْمَسْنُونِ وَالْمَعْرُوفِ وَهُوَ الْقِرَانُ، بِخِلاَفِ مَا قَبْلَهُ إِذْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ إِحْرَامَهُ كَانَ بِشَيْئَيْنِ. (٢)

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنْ عَيَّنَ إِحْرَامًا وَنَسِيَ مَا أَحْرَمَ بِهِ أَهُوَ إِفْرَادٌ أَوْ عُمْرَةٌ أَوْ قِرَانٌ؟ فَقِرَانٌ، بِأَنْ يَعْمَل عَمَلَهُ وَيَهْدِيَ لَهُ؛ لأَِنَّهُ إِنْ كَانَ أَحْرَمَ أَوَّلًا بِحَجٍّ أَوْ قِرَانٍ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فَقَدْ أَرْدَفَ الْحَجَّ عَلَيْهَا، وَبَرِئَ مِنَ الْحَجِّ فَقَطْ لاَ مِنَ الْعُمْرَةِ، فَيَأْتِي بِهَا لاِحْتِمَال أَنْ يَكُونَ إِحْرَامُهُ الأَْوَّل بِإِفْرَادٍ. (٣)

_________

(١) مغني المحتاج ٤ / ٣٦٠.

(٢) فتح القدير ٢ / ٣٤٤.

(٣) حاشية الدسوقي ٢ / ٢٧.

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا نَسِيَ الْمُحْرِمُ مَا أَحْرَمَ بِهِ جَعَل نَفْسَهُ قَارِنًا وَعَمِل أَعْمَال النُّسُكَيْنِ؛ لأَِنَّهُ قَدْ تَلَبَّسَ بِالإِْحْرَامِ يَقِينًا فَلاَ يَتَحَلَّل إِلاَّ بِيَقِينِ الإِْتْيَانِ بِالْمَشْرُوعِ فِيهِ (١) وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِنُسُكِ تَمَتُّعٍ أَوْ إِفْرَادٍ أَوْ قِرَانٍ، أَوْ أَحْرَمَ بِنَذْرٍ وَنَسِيَ مَا أَحْرَمَ بِهِ، أَوْ نَسِيَ مَا نَذَرَهُ قَبْل طَوَافٍ، صَرَفَهُ لِلْعُمْرَةِ نَدْبًا؛ لأَِنَّهَا الْيَقِينُ، وَيَجُوزُ صَرْفُ إِحْرَامِهِ لِغَيْرِ الْعُمْرَةِ، لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْمَانِعِ، وَيَلْزَمُهُ دَمُ مُتْعَةٍ بِشُرُوطِهِ. وَإِنْ نَسِيَ مَا أَحْرَمَ بِهِ، أَوْ نَذَرَهُ بَعْدَ طَوَافٍ وَلاَ هَدْيَ مَعَ النَّاسِي، يَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ إِلَى الْعُمْرَةِ؛ لاِمْتِنَاعِ إِدْخَال الْحَجِّ عَلَيْهَا بَعْدَ طَوَافِهَا لِمَنْ لاَ هَدْيَ مَعَهُ. وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ وَطَافَ ثُمَّ نَسِيَ مَا أَحْرَمَ بِهِ صَرَفَ إِحْرَامَهُ لِلْحَجِّ وُجُوبًا، وَأَجْزَأَ حَجُّهُ عَنْ حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ فَقَطْ لِصِحَّتِهِ بِكُل حَالٍ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّل قَبْل تَمَامِ نُسُكِهِ. (٢)

س - نِسْيَانُ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الأَْكْل وَالشُّرْبِ: ٢٢ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ مَنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ فِي أَوَّل الأَْكْل أَوِ الشُّرْبِ أَتَى بِهَا؛ حَيْثُ ذَكَرَهَا لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال:

_________

(١) مغني المحتاج ١ / ٤٧٨.

(٢) مطالب أولي النهى ٢ / ٣١٨، ٣٢٠.

" إِذَا أَكَل أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُل: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ (١) . وَالتَّفْصِيل فِي (أَكْل ف ١١، بَسْمَلَة ف ١٠) .

ع - نِسْيَانُ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الذَّبْحِ: ٢٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا نَسِيَ الذَّابِحُ الَّذِي تَحِل ذَبِيحَتُهُ التَّسْمِيَةَ عِنْدَ الذَّبْحِ فَإِنَّ ذَبِيحَتَهُ تَحِل. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا تَحْرُمُ. وَالتَّفْصِيل فِي (بَسْمَلَة ف ٨، وَذَبَائِح ف ٣١) .

ف - تَأْثِيرُ النِّسْيَانِ فِي الشَّهَادَةِ: ٢٤ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ مَنْ شَهِدَ وَلَمْ يَبْرَحْ مَجْلِسَ الْقَضَاءِ ثُمَّ قَال: أَخْطَأْتُ بِنِسْيَانِ مَا يَحِقُّ عَلَيَّ ذِكْرُهُ، أَوْ أَتَيْتُ بِمَا لاَ يَجُوزُ لِي: فَإِمَّا أَنْ يَقُول ذَلِكَ وَهُوَ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي أَوْ بَعْدَمَا قَامَ عَنْهُ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ، وَعَلَى كُلٍّ مِنَ التَّقْدِيرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَدْلًا أَوْ غَيْرَهُ، وَالْمُتَدَارِكُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَوْضِعَ شُبْهَةِ التَّلْبِيسِ وَالتَّغْرِيرِ مِنْ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ أَوْ لاَ.

_________

(١) حديث: " إذا أكل أحدكم. . . " تقدم تخريجه ف ٦

فَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ قَالَهُ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ بَعْدَهُ، فِي مَوْضِعِ الشُّبْهَةِ أَوْ غَيْرِهِ. وَإِنْ كَانَ عَدْلًا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الشُّبْهَةِ، مِثْل أَنْ يَدَعَ لَفْظَةَ الشَّهَادَةِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ، مِثْل أَنْ يَتْرُكَ ذِكْرَ اسْمِ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوِ الإِْشَارَةَ إِلَى أَحَدِهِمَا، سَوَاءٌ كَانَ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ أَوْ فِي غَيْرِهِ. وَتَدَارُكُ تَرْكِ لَفْظِ الشَّهَادَةِ، إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ قَبْل الْقَضَاءِ إِذْ مِنْ شَرْطِ الْقَضَاءِ أَنْ يَتَكَلَّمَ الشَّاهِدُ بِلَفْظِ: أَشْهَدُ، وَالْمَشْرُوطُ لاَ يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الشَّرْطِ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ فِي مَوْضِعِ شُبْهَةِ التَّلْبِيسِ كَمَا إِذَا شَهِدَ بِأَلْفٍ ثُمَّ قَال: غَلِطْتُ بَل هِيَ خَمْسُمِائَةٍ أَوْ بِالْعَكْسِ، فَإِنَّهَا تُقْبَل إِذَا قَال فِي الْمَجْلِسِ بِجَمِيعِ مَا شَهِدَ أَوَّلًا عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ؛ لأَِنَّ الْمَشْهُودَ لَهُ اسْتَحَقَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِ، وَوَجَبَ قَضَاؤُهُ فَلاَ يَسْقُطُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: أَوْهَمْتُ، وَبِمَا بَقِيَ أَوْ زَادَ عِنْدَ آخَرِينَ؛ لأَِنَّ الْحَادِثَ بَعْدَ الشَّهَادَةِ مِنَ الْعَدْل فِي الْمَجْلِسِ كَالْمَقْرُونِ بِأَصْلِهَا، وَإِلَيْهِ مَال السَّرَخْسِيُّ. وَهَذَا التَّدَارُكُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَبْل الْقَضَاءِ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ وَبَعْدَهَا. وَوَجْهُ قَبُولِهِ مِنَ الْعَدْل فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ أَنَّ

الشَّاهِدَ قَدْ يُبْتَلَى بِمِثْلِهِ، لِمَهَابَةِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، فَكَانَ الْعُذْرُ وَاضِحًا، إِذْ طَبْعُ الْبَشَرِ النِّسْيَانُ، وَعَدَالَتُهُ مَعَ عَدَمِ التُّهْمَةِ تُوجِبُ قَبُول قَوْلِهِ ذَلِكَ. وَأَمَّا إِنْ كَانَ بَعْدَمَا قَامَ عَنِ الْمَجْلِسِ فَلاَ يُقْبَل؛ لأَِنَّهُ يُوهِمُ الزِّيَادَةَ مِنَ الْمُدَّعِي بِإِطْمَاعِهِ الشَّاهِدَ بِحُطَامِ الدُّنْيَا وَالنُّقْصَانِ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمِثْل ذَلِكَ، فَوَجَبَ الاِحْتِيَاطُ. (١)

الْقِسْمُ الثَّانِي: النِّسْيَانُ فِي فِعْلٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ لَيْسَ فِيهِ إِتْلاَفٌ: النِّسْيَانُ فِي فِعْلٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ الإِْتْلاَفِ لَهُ صُوَرٌ مِنْهَا: أ - وَطْءُ الرَّجُل امْرَأَتَهُ الْحَائِضَ نِسْيَانًا: ٢٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ وَطْءَ الْحَائِضِ كَبِيرَةٌ إِنْ كَانَ عَامِدًا مُخْتَارًا عَالِمًا بِالْحُرْمَةِ، لاَ جَاهِلًا أَوْ مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا، فَتَلْزَمُهُ التَّوْبَةُ، وَيُنْدَبُ تَصَدُّقُهُ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِهِ، وَمَصْرِفُهُ كَزَكَاةٍ، وَهَل عَلَى الْمَرْأَةِ تَصَدُّقٌ؟ قَال فِي الضِّيَاءِ: الظَّاهِرُ لاَ (٢) وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: وَطْءُ الْحَائِضِ فِي الْفَرْجِ كَبِيرَةٌ مِنَ الْعَامِدِ الْعَالِمِ بِالتَّحْرِيمِ الْمُخْتَارِ، وَيُكَفَّرُ مُسْتَحِلُّهُ، بِخِلاَفِ الْجَاهِل وَالنَّاسِي وَالْمُكْرَهِ (٣)

_________

(١) العناية شرح الهداية بهامش فتح القدير ٦ / ٥٠.

(٢) الدر المختار ١ / ١٩٨ ط بولاق.

(٣) مغني المحتاج ١ / ١١٠.

لِخَبَرِ إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (١) .

ب - الْكَلاَمُ فِي الصَّلاَةِ نِسْيَانًا: ٢٦ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْكَلاَمَ فِي الصَّلاَةِ نَاسِيًا لاَ يُبْطِل الصَّلاَةَ إِنْ كَانَ الْكَلاَمُ يَسِيرًا وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا يُبْطِل الصَّلاَةَ (٢) وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُفْسِدُ الصَّلاَةَ - وَمِثْلُهَا سُجُودُ السَّهْوِ وَالتِّلاَوَةِ وَالشُّكْرِ عَلَى الْقَوْل بِهِ - التَّكَلُّمُ وَهُوَ النُّطْقُ بِحَرْفَيْنِ، أَوْ حَرْفٍ مُفْهِمٍ كَ - (عِ، قِ، أَمْرًا) عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا قَبْل قُعُودِهِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ (٣) لِحَدِيثِ: إِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ (٤) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ: إِذَا تَكَلَّمَ الْمُصَلِّي سَهْوًا فِي صَلاَتِهِ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ إِمَامًا كَانَ الْمُصَلِّي

_________

(١) حديث: " إن الله وضع عن أمتي الخطأ. . . . " تقدم تخرجه ف ٣

(٢) الفواكه الدواني ١ / ٢٦١، والشرح الصغير ١ / ٣٤٤، ومغني المحتاج ١ / ١٩٥.

(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ٤١٢، وتبيين الحقائق ١ / ١٥٤.

(٤) حديث: " إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس " أخرجه مسلم (١ / ٣٨١ - ٣٨٢ ط الحلبي) من حديث معاوية بن الحكم ﵁.

أَوْ غَيْرَهُ، فَرْضًا كَانْتِ الصَّلاَةُ أَوْ نَفْلًا (١) وَفِي رِوَايَةٍ: لاَ تَبْطُل الصَّلاَةُ بِالتَّكَلُّمِ نَاسِيًا (٢) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (صَلاَة ف ١٠٧) .

ج - الأَْكْل وَالشُّرْبُ فِي الصَّلاَةِ نِسْيَانًا: ٢٧ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مَنْ أَكَل أَوْ شَرِبَ يَسِيرًا نَاسِيًا أَنَّهُ فِي الصَّلاَةِ لَمْ تَبْطُل صَلاَتُهُ (٣) وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنْ أَكَل أَوْ شَرِبَ فِي الصَّلاَةِ وَلَوْ سِمْسِمَةً، أَوْ وَقَعَ فِي فِيهِ قَطْرَةُ مَطَرٍ فَابْتَلَعَهَا وَلَوْ نَاسِيًا بَطَلَتْ صَلاَتُهُ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ أَسْنَانِهِ مَأْكُولٌ دُونَ الْحِمْصَةِ فَابْتَلَعَهَا فَإِنَّهُ لاَ تَفْسُدُ بِهِ الصَّلاَةُ (٤) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (صَلاَة ف ١١٣) .

د - الأَْكْل وَالشُّرْبُ أَوِ الْجِمَاعُ نَاسِيًا فِي رَمَضَانَ: ٢٨ - لِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ فِي أَثَرِ النِّسْيَانِ عَلَى مَنْ أَكَل أَوْ شَرِبَ أَوْ جَامَعَ نَاسِيًا.

_________

(١) مطالب أولي النهى ١ / ٥٢٠.

(٢) المغني لابن قدامة ٢ / ٤٦

(٣) حاشية الدسوقي ١ / ٢٨٩، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٨، وكشاف القناع ١ / ٣٩٨، ومطالب أولي النهى ١ / ٥٣٨.

(٤) رد المحتار على الدر المختار ١ / ٤١٨.

فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ: أَنَّهُ إِذَا أَكَل الصَّائِمُ أَوْ شَرِبَ أَوْ جَامَعَ نَاسِيًا لَمْ يُفْطِرْ، لِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا نَسِيَ فَأَكَل وَشَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ (١)، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الأَْكْل وَالشُّرْبِ ثَبَتَ فِي الْوِقَاعِ بِدَلاَلَةِ النَّصِّ؛ لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا نَظِيرٌ لِلآْخَرِ فِي كَوْن الْكَفِّ عَنْ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا رُكْنًا فِي الصَّوْمِ. (٢)

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنْ أَكَل أَوْ شَرِبَ أَوْ جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَسَدَ صَوْمُهُ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فِي الْفَرْضِ مُطْلَقًا أَفْطَرَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا أَوْ غَلَبَةً أَوْ إِكْرَاهًا، كَانَ الْفَرْضُ أَصْلِيًّا أَوْ نَذْرًا، وَوَجَبَ الإِْمْسَاكُ مُطْلَقًا أَفْطَرَ عَمْدًا أَوْ لاَ، وَكَذَا الْجِمَاعُ نَاسِيًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلاَ كَفَّارَةَ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَفِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ إِنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا يَجِبُ عَلَيْهِ الإِْمْسَاكُ وَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ. (٣)

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ الْمَنْصُوصِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ جُمْهُورُهُمْ: إِنْ أَكَل الصَّائِمُ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا لَمْ يُفْطِرْ وَإِنْ كَثُرَ الأَْكْل لِلْحَدِيثِ.

_________

(١) حديث: " إذا نسي فأكل وشرب فليتم صومه. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ١٥٥ ط السلفية) .

(٢) فتح القدير ٢ / ٢٥٤، والعناية بهامش فتح القدير ٢ / ٢٥٥.

(٣) الدسوقي ١ / ٥٢٥، ٥٢٦، وكفاية الطالب الرباني ١ / ٣٤٧، والقوانين الفقهية ص ١٢١.