الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠ الصفحة 53

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠

وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلاَ تَنْسَوُا الْفَضْل بَيْنَكُمْ) (١) . أَيْ لاَ تَقْصِدُوا التَّرْكَ وَالإِْهْمَال. وَيَأْتِي النِّسْيَانُ بِمَعْنَى التَّأْخِيرِ: قَال ابْنُ الأَْعْرَابِيِّ: إِنَّ عَلَيَّ عُقْبَةً أَقْضِيهَا لَسْتُ بِنَاسِيهَا وَلاَ مُنْسِيهَا أَيْ وَلاَ مُؤَخِّرِهَا (٢) وَالنِّسْيَانُ اصْطِلاَحًا: قَال الرَّاغِبُ: هُوَ تَرْكُ الإِْنْسَانِ ضَبْطَ مَا اسْتَوْدَعَ إِمَّا لِضَعْفِ قَلْبِهِ، وَإِمَّا عَنْ غَفْلَةٍ، وَإِمَّا عَنْ قَصْدٍ حَتَّى يَنْحَذِفَ عَنِ الْقَلْبِ ذِكْرُهُ (٣) وَعَرَّفَهُ ابْنُ نُجَيْمٍ بِأَنَّهُ: عَدَمُ تَذَكُّرِ الشَّيْءِ وَقْتَ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ. (٤)

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: الْخَطَأُ: ٢ - الْخَطَأُ لُغَةً: ضِدُّ الصَّوَابِ وَضِدُّ الْعَمْدِ أَيْضًا، وَأَخْطَأَ الطَّرِيقَ: عَدَل عَنْهُ، وَأَخْطَأَ الرَّامِي الْغَرَضَ: لَمْ يُصِبْهُ. وَاصْطِلاَحًا: هُوَ مَا لَيْسَ لِلإِْنْسَانِ فِيهِ قَصْدٌ (٥)

_________

(١) سورة البقرة / ٢٣٧

(٢) لسان العرب، والمصباح المنير.

(٣) المفردات في غريب القرآن.

(٤) الأشباه لابن نجيم ص ٣٠٢.

(٥) لسان العرب، والمصباح المنير، والتعريفات للجرجاني.

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ عَدَمُ إِصَابَةِ الْمَقْصُودِ فِي كُلٍّ.

أَثَرُ النِّسْيَانِ عَلَى الأَْهْلِيَّةِ: ٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَثَرِ النِّسْيَانِ عَلَى الأَْهْلِيَّةِ: فَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ أَنَّ النَّاسِيَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ حَال النِّسْيَانِ؛ لأَِنَّ الإِْتْيَانَ بِالْفِعْل الْمُعَيَّنِ عَلَى وَجْهِ الاِمْتِثَال يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِالْفِعْل الْمَأْمُورِ بِهِ؛ لأَِنَّ الاِمْتِثَال عِبَارَةٌ عَنْ إِيقَاعِ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وَجْهِ الطَّاعَةِ. وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ عِلْمُ الْمَأْمُورِ بِهِ بِتَوَجُّهِ الأَْمْرِ نَحْوَهُ وَبِالْفِعْل، فَهُوَ مُسْتَحِيلٌ عَقْلًا لِعَدَمِ الْفَهْمِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْخَبَرِ: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (١) .

وَأَمَّا وُجُوبُ الزَّكَاةِ وَالنَّفَقَةِ وَضَمَانُ الْمَتْلَفَاتِ وَنُفُوذُ الطَّلاَقِ وَغَيْرُهَا مِنْ أَحْكَامِ النَّاسِي، فَهِيَ لَيْسَتْ مِنْ بَابِ التَّكْلِيفِ، بَل مِنْ بَابِ رَبْطِ الأَْحْكَامِ بِالأَْسْبَابِ؛ لِتَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِمَالِهِ أَوْ ذِمَّتِهِ الإِْنْسَانِيَّةِ الَّتِي بِهَا يَسْتَعِدُّ لِقُوَّةِ الْفَهْمِ بَعْدَ الْحَالَةِ

_________

(١) حديث: " إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان. . . " أخرجه ابن ماجه (١ / ٦٥٩ ط عيسى الحلبي) والحاكم في المستدرك (٢ / ١٩٨ ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث ابن عباس ﵄، واللفظ لابن ماجه، وصحح الحاكم إسناده ووافقه الذهبي.

الَّتِي امْتَنَعَ تَكْلِيفُهُ مِنْ أَجْلِهَا بِخِلاَفِ الْبَهِيمَةِ (١) وَقَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: نِسْيَانُ الأَْحْكَامِ بِسَبَبِ قُوَّةِ الشَّهَوَاتِ لاَ يُسْقِطُ التَّكْلِيفَ، كَمَنْ رَأَى امْرَأَةً جَمِيلَةً وَهُوَ يَعْلَمُ تَحْرِيمَ النَّظَرِ إِلَيْهَا، فَنَظَرَ إِلَيْهَا نَاسِيًا عَنْ تَحْرِيمِ النَّظَرِ (٢)

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ النِّسْيَانَ لاَ يُنَافِي الْوُجُوبَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى؛ لأَِنَّهُ لاَ يُنَافِي الْعَقْل، وَلاَ حُكْمَ الْفِعْل، وَلاَ الْقَوْل، وَلَكِنَّهُ يُحْتَمَل أَنْ يُجْعَل عُذْرًا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى؛ لأَِنَّهُ يَعْدَمُ الْقَصْدَ، إِذِ الْقَصْدُ إِلَى فِعْلٍ بِعَيْنِهِ لاَ يُقْصَدُ قَبْل الْعِلْمِ بِهِ.

قَال أَبُو الْيُسْرِ: النِّسْيَانُ سَبَبٌ لِلْعَجْزِ؛ لأَِنَّ النَّاسِيَ يَعْجِزُ عَنْ أَدَاءِ الْحُقُوقِ بِسَبَبِ النِّسْيَانِ، فَيَمْنَعُ وُجُودَ أَدَاءِ الْحُقُوقِ كَسَائِرِ الأَْعْذَارِ عِنْدَ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا، لَكِنَّهُ لاَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الْحُقُوقِ، فَإِنَّهُ لاَ يُخِل بِالأَْهْلِيَّةِ، وَإِيجَابُ الْحُقُوقِ عَلَى النَّاسِي لاَ يُؤَدِّي إِلَى إِيقَاعِهِ فِي الْحَرَجِ لِيَمْتَنِعَ الْوُجُوبُ بِهِ، إِذِ الإِْنْسَانُ لاَ يَنْسَى عِبَادَاتٍ مُتَوَالِيَةً

_________

(١) شرح الكوكب المنير ١ / ٥١١ - ٥١٢، وانظر شرح مختصر الروضة للطوفي ١ / ١٨٨، ونزهة الخاطر العاطر شرح روضة الناظر لابن بدران ١ / ١٣٩ - ١٤١، والقواعد والفوائد الأصولية ص ٣٠ وما بعدها، والبحر المحيط ١ / ٣٥١ - ٣٥٢، والمستصفى ١ / ٨٤، وقواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ٢ / ٣.

(٢) البحر المحيط ١ / ٣٥١ - ٣٥٢، والمستصفى ١ / ٨٤، والقواعد للعز بن عبد السلام ٢ / ٣.

تَدْخُل فِي حَدِّ التَّكْرَارِ غَالِبًا، فَصَارَ فِي حُكْمِ النَّوْمِ، وَلِهَذَا قَرَنَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ نِسْيَانِ الصَّلاَةِ وَالنَّوْمِ عَنْهَا فِي قَوْلِهِ: إِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ صَلاَةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا (١) . وَفِي حُقُوقِ الْعِبَادِ لاَ يُجْعَل النِّسْيَانُ عُذْرًا؛ لأَِنَّ حُقُوقَ الْعِبَادِ مُحْتَرَمَةٌ لِحَقِّهِمْ، جَبْرًا لِلْفَائِتِ، لاَ ابْتِلاَءً، وَحُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى شُرِعَتِ ابْتِلاَءً لاِسْتِغْنَائِهِ عَنِ الْخَلْقِ، وَلَكِنَّهُ ابْتَلاَهُمْ، لأَِنَّهُ إِلَهُنَا وَنَحْنُ عَبِيدُهُ، وَلِلْمَالِكِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَمْلُوكِهِ كَيْفَ يَشَاءُ. (٢)

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ النِّسْيَانُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضَرْبٌ أَصْلِيٌّ، وَيُرَادُ بِهِ مَا يَقَعُ فِيهِ الإِْنْسَانُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ أَسْبَابِ التَّذَكُّرِ، وَهَذَا الْقِسْمُ يَصْلُحُ عُذْرًا لِغَلَبَةِ وَجُودِهِ. وَضَرْبٌ غَيْرُ أَصْلِيٍّ أَوْ طَارِئٌ يَقَعُ الْمَرْءُ فِيهِ بِالتَّقْصِيرِ: بِأَنْ لَمْ يُبَاشِرْ سَبَبَ التَّذَكُّرِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، وَهَذَا الضَّرْبُ يَصْلُحُ لِلْعِتَابِ، أَيْ لاَ يَصْلُحُ عُذْرًا لِلتَّقْصِيرِ لِعَدَمِ غَلَبَةِ وَجُودِهِ.

_________

(١) حديث: " إذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها " أخرجه النسائي (١٩ / ٢٩٤ ط التجارية) الكبرى والترمذي (١ / ٣٣٤ ط التجارية الكبرى) من حديث أبي قتادة، وقال الترمذي: حسن صحيح.

(٢) فتح الغفار شرح المنار لابن نجيم ٢ / ٨٨، وكشف الأسرار ٤ / ١٣٩٧.

قَال الْبَزْدَوِيُّ: إِنَّمَا يَصِيرُ النِّسْيَانُ عُذْرًا فِي حَقِّ الشَّرْعِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ غَفْلَةٍ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ عَنْ غَفْلَةٍ فَلاَ يَكُونُ عُذْرًا، كَنِسْيَانِ الْمَرْءِ مَا حَفِظَهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى تِذْكَارِهِ بِالتَّكْرَارِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَقَعُ فِيهِ بِتَقْصِيرِهِ فَيَصْلُحُ سَبَبًا لِلْعِتَابِ، وَلِهَذَا يَسْتَحِقُّ الْوَعِيدَ مَنْ نَسِيَ الْقُرْآنَ بَعْدَمَا حَفِظَهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى التَّذَكُّرِ بِالتَّذْكَارِ. (١)

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ النِّسْيَانَ فِي الْعِبَادَاتِ لاَ يُقْدَحُ وَالْجَهْل يُقْدَحُ؛ لأَِنَّهُ إِذَا كَانَ الْعِلْمُ بِمَا يُقْدِمُ الإِْنْسَانُ عَلَيْهِ وَاجِبًا كَانَ الْجَاهِل فِي الصَّلاَةِ عَاصِيًا بِتَرْكِ الْعِلْمِ، فَهُوَ كَالْمُتَعَمِّدِ التَّرْكَ بَعْدَ الْعِلْمِ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ وَجْهُ قَوْل مَالِكٍ: إِنِ الْجَهْل فِي الصَّلاَةِ كَالْعَمْدِ وَالْجَاهِل كَالْمُتَعَمِّدِ لاَ كَالنَّاسِي، وَأَمَّا النَّاسِي فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ، وَأَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى أَنَّ النِّسْيَانَ لاَ إِثْمَ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ، وَكَذَلِكَ فَإِنَّ النِّسْيَانَ يَهْجُمُ عَلَى الْعَبْدِ قَهْرًا لاَ حِيلَةَ لَهُ فِي دَفْعِهِ عَنْهُ، وَالْجَهْل لَهُ حِيلَةٌ فِي دَفْعِهِ بِالتَّعَلُّمِ. (٢)

_________

(١) كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي ٤ / ١٣٩٧.

(٢) الفروق ٢ / ١٤٦ - ١٤٩.

الأَْحْكَامُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى النِّسْيَانِ: يَتَرَتَّبُ عَلَى النِّسْيَانِ أَحْكَامٌ فِي الدُّنْيَا وَفِي الآْخِرَةِ. أَوَّلًا: الْحُكْمُ الأُْخْرَوِيُّ: ٤ - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ النِّسْيَانَ مُسْقِطٌ لِلإِْثْمِ مُطْلَقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا (١) . وَقَوْل الرَّسُول ﷺ: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (٢) . وَلأَِنَّ النِّسْيَانَ مِنْ بَابِ تَرْكِ الْحَقِيقَةِ بِدَلاَلَةِ مَحَل الْكَلاَمِ؛ لأَِنَّ عَيْنَ الْخَطَأِ وَأَخَوَيْهِ غَيْرُ مَرْفُوعٍ، فَالْمُرَادُ حُكْمُهَا وَهُوَ نَوْعَانِ: أُخْرَوِيٌّ، وَهُوَ الْمَأْثَمُ، وَدُنْيَوِيٌّ وَهُوَ الْفَسَادُ، وَالْحُكْمَانِ مُخْتَلِفَانِ، فَصَارَ بَعْدَ كَوْنِهِ مَجَازًا مُشْتَرَكًا لاَ يَعُمُّ، فَإِذَا ثَبَتَ الأُْخْرَوِيُّ إِجْمَاعًا لَمْ يَثْبُتِ الآْخَرُ. (٣)

_________

(١) سورة البقرة / ٢٨٦

(٢) حديث: " إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان. . " تقدم تخريجه ف (٣) .

(٣) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٣٠٢ - ٣٠٣، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٨٧، والمنثور في القواعد للزركشي ٣ / ٢٧٢ - ٢٧٣، وشرح مسلم الثبوت ١ / ٢٩٥، وشرح الكوكب المنير ١ / ٥١١ وما بعدها، وشرح مختصر الروضة ١ / ١٨٨ وما بعدها.

ثَانِيًا: الْحُكْمُ الدُّنْيَوِيُّ: ٥ - إِنْ وَقَعَ النِّسْيَانُ فِي تَرْكِ مَأْمُورٍ لَمْ يَسْقُطْ، بَل يَجِبُ تَدَارُكُهُ وَلاَ يَحْصُل الثَّوَابُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الاِئْتِمَارِ. وَإِنْ وَقَعَ النِّسْيَانُ فِي فِعْلٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ الإِْتْلاَفِ فَلاَ شَيْءَ فِيهِ. أَمَّا إِنْ وَقَعَ فِي فِعْلٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ فِيهِ إِتْلاَفٌ لَمْ يَسْقُطِ الضَّمَانُ، فَإِنْ وَقَعَ فِي فِعْلٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ يُوجِبُ عُقُوبَةً كَانَ النِّسْيَانُ شُبْهَةً فِي إِسْقَاطِهَا. (١)

أَقْسَامُ النِّسْيَانِ:

الْقِسْمُ الأَْوَّل: النِّسْيَانُ فِي تَرْكِ مَأْمُورٍ بِهِ: قَدْ يَقَعُ النِّسْيَانُ فِي تَرْكِ مَأْمُورٍ بِهِ فِي الْعِبَادَاتِ، وَقَدْ يَقَعُ فِي الْمُعَامَلاَتِ. فَأَمَّا النِّسْيَانُ فِي تَرْكِ مَأْمُورٍ بِهِ فِي الْعِبَادَاتِ فَمِنْهُ:

أ - نِسْيَانُ التَّسْمِيَةِ فِي أَوَّل الْوُضُوءِ:

٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ فِي أَوَّل الْوُضُوءِ فَذَكَرَهَا خِلاَل الْوُضُوءِ فَسَمَّى لاَ تَحْصُل السُّنَّةُ، بِخِلاَفِ نَحْوِهِ فِي الأَْكْل، تَحْصُل السُّنَّةُ فِي الْبَاقِي لاِسْتِدْرَاكِ مَا فَاتَ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِذَا أَكَل أَحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرِ

_________

(١) المراجع السابقة.

اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُل: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ (١) . وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَابْنِ رُشْدٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ التَّسْمِيَةَ مِنْ مُسْتَحَبَّاتِ الْوُضُوءِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لاَ وُضُوءَ لَهُ وَلاَ وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ (٢) . وَالْمُرَادُ بِهِ نَفْيُ الْفَضِيلَةِ. (٣)

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ مِنْ فَضَائِل الْوُضُوءِ، وَاسْتَحْسَنَهَا مَالِكٌ مَرَّةً، وَأَنْكَرَهَا مَرَّةً، وَالْفَضِيلَةُ لاَ يُؤْمَرُ بِفِعْلِهَا إِذَا تَرَكَهَا وَلاَ بِالإِْعَادَةِ، أَمَّا السُّنَّةُ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِفِعْلِهَا إِذَا تَرَكَهَا. (٤)

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ: إِلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ، فَلَوْ نَسِيَهَا فِي الاِبْتِدَاءِ أَتَى بِهَا مَتَى ذَكَرَهَا قَبْل الْفَرَاغِ كَمَا فِي

_________

(١) حديث: " إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى. . . " أخرجه أبو داود (٤ / ١٣٩ ط حمص) والترمذي (٤ / ٢٨٨ ط الحلبي) وقال الترمذي: حسن صحيح.

(٢) حديث: " لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه " أخرجه أبو داود (١ / ٧٥ ط حمص) من حديث أبي هريرة، وذكر له ابن حجر في التلخيص (١ / ٢٥١ - ط العلمية) عدة علل في إسناده، ثم خرج له شواهد أخرى، وقال: الظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلا.

(٣) فتح القدير ١ / ١٩ - ٢٠، وحاشية ابن عابدين ١ / ٧٤، والذخيرة للقرافي ١ / ٢٨٢، والمقدمات لابن رشد ١ / ٥٦.

(٤) الذخيرة للقرافي ١ / ٢٧٠، والفواكه الدواني ١ / ١٥٨، ومقدمات ابن رشد ١ / ٥٦.

الطَّعَامِ، فَإِنْ تَرَكَهَا سَهْوًا صَحَّتْ طَهَارَتُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، فَإِنَّهُ قَال: سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ: إِذَا نَسِيَ التَّسْمِيَةَ فِي الْوُضُوءِ؟ قَال: أَرْجُو أَلاَّ يَكُونَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَهَذَا قَوْل إِسْحَاقَ، فَعَلَى هَذَا إِذَا ذَكَرَهَا فِي أَثْنَاءِ طَهَارَتِهِ أَتَى بِهَا حَيْثُ ذَكَرَهَا؛ لأَِنَّهُ لَمَّا عَفَى عَنْهَا مَعَ السَّهْوِ فِي جُمْلَةِ الْوُضُوءِ فَفِي بَعْضِهَا أَوْلَى، لِقَوْل الرَّسُول ﷺ: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (١)، وَلأَِنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ تَتَغَايَرُ أَفْعَالُهَا، فَكَانَ فِي وَاجِبَاتِهَا مَا يَسْقُطُ بِالسَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ كَالصَّلاَةِ، وَلاَ يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى سَائِرِ الْوَاجِبَاتِ وَالطَّهَارَةِ، لأَِنَّ تِلْكَ تَأَكَّدَ وُجُوبُهَا بِخِلاَفِ التَّسْمِيَةِ. وَعَنْ أَحْمَدَ - وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - وَابْنِ عَبْدِ السَّلاَمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ التَّسْمِيَةَ وَاجِبَةٌ فِي طَهَارَةِ الأَْحْدَاثِ كُلِّهَا، قَال بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ وَهُمْ أَبُو الْخَطَّابِ وَالْمَجْدُ وَابْنُ عَبْدُوسٍ وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَهُوَ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوَّرِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ: إِنَّ التَّسْمِيَةَ فَرْضٌ لاَ تَسْقُطُ بِالسَّهْوِ، لِظَاهِرِ قَوْل الرَّسُول ﷺ: لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لاَ وُضُوءَ لَهُ، وَلاَ وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقِيَاسًا لَهَا عَلَى سَائِرِ الْوَاجِبَاتِ. (٢)

ب - نِسْيَانُ غَسْل عُضْوٍ فِي الْوُضُوءِ:

٧ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى مَنْ نَسِيَ غَسْل عُضْوٍ هُوَ فَرْضٌ فِي الْوُضُوءِ أَوْ لُمْعَةٍ فِي ذَلِكَ الْعُضْوِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ تَدَارُكُهُ؛ لأَِنَّهُ تَرَكَ فَرْضًا مِنْ فُرُوضِ الْوُضُوءِ. وَالتَّفْصِيل فِي (وُضُوء.

ج - نِسْيَانُ سُنَّةٍ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ:

٨ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا نَسِيَ الْمُتَوَضِّي سُنَّةً مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ، فَإِنَّ وُضُوءَهُ صَحِيحٌ. وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (وُضُوء.

د - تَيَمُّمُ الْجُنُبِ لِلْحَدَثِ الأَْصْغَرِ نَاسِيًا الْجَنَابَةَ:

٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ تَيَمَّمَ لِلْحَدَثِ الأَْصْغَرِ وَنَسِيَ جَنَابَةً عَلَيْهِ وَلَمْ يَذْكُرْهَا فِي النِّيَّةِ. فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ صَلاَتَهُ بِهَذَا التَّيَمُّمِ لاَ تُجْزِئُهُ.

_________

(١) حديث: " إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان. . . " تقدم تخريجه ف (٣) .

(٢) روضة الطالبين ١ / ٥٧، ومغني المحتاج ١ / ٥٧، والمغني لابن قدامة ١ / ١٠٣، ١٠٤، والإنصاف ١ / ١٢٨ - ١٢٩، وكشاف القاع ١ / ٩١، وكفاية الطالب الرباني ١ / ١٤٦، والفواكه الدواني ١ / ١٥٨.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ صَلاَتَهُ صَحِيحَةٌ مُجْزِئَةٌ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ فِي النِّيَّةِ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْحَدَثِ وَالْجَنَابَةِ، حَتَّى لَوْ تَيَمَّمَ الْجُنُبُ يُرِيدُ بِهِ الْوُضُوءَ جَازَ. وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (تَيَمم ف ٩) .

هـ - التَّيَمُّمُ عِنْدَ نِسْيَانِ الْمَاءِ:

١٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ صَلاَةِ مَنْ تَيَمَّمَ عِنْدَ نِسْيَانِ الْمَاءِ. فَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَمُطَرِّفٌ وَعَبْدُ الْمَلِكِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّ مَنْ نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ وَتَيَمَّمَ لَمْ يُجْزِئْهُ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِلصَّلاَةِ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَاءُ يُبَاعُ وَنَسِيَ ثَمَنَهُ وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى لَمْ يُجْزِئْهُ وَعَلَيْهِ الإِْعَادَةُ لِلصَّلاَةِ؛ لأَِنَّ النِّسْيَانَ لاَ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ وَاجِدًا لِلْمَاءِ، وَشَرْطُ إِبَاحَةِ التَّيَمُّمِ عَدَمُ الْوِجْدَانِ، وَلأَِنَّ التَّطَهُّرَ بِالْمَاءِ يَجِبُ مَعَ الذِّكْرِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِالنِّسْيَانِ كَالْحَدَثِ، وَلِوُجُودِ الْمَاءِ مَعَهُ. (١)

وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْظْهَرِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مِنَ

_________

(١) كشاف القناع ١ / ١٦٩، والذخيرة للقرافي ١ / ٣٦٢، والقليوبي وعميرة ١ / ٨٢ - ٨٣، والاختيار ١ / ٢٢، وبدائع الصنائع ١ / ٤٩.