الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠ الصفحة 13

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠

فَوْقَهُ (١)، أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَإِنَّ كَيْفِيَّةَ النَّتْرِ عِنْدَهُمْ تَكُونُ بِعَصْرِ الذَّكَرِ (٢) .

أَمَّا شَرْطُ النَّتْرِ فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (٣) إِلَى أَنَّهُ يَكُونُ بِرِفْقٍ وَلِينٍ، وَعَلَّل الْمَالِكِيَّةُ ذَلِكَ بِأَنَّ قُوَّةَ السَّلْتِ وَالنَّتْرِ تُوجِبُ اسْتِرْخَاءَ الْعُرُوقِ بِمَا فِيهَا فَلاَ تَنْقَطِعُ الْمَادَّةُ وَيَضُرُّ بِالْمَثَانَةِ، وَرُبَّمَا أَبْطَل الإِْنْعَاظَ أَوْ أَضْعَفَهُ، وَهُوَ مِنْ حَقِّ الزَّوْجَةِ (٤) .

عَدَدُ مَرَّاتِ النَّتْرِ:

٨ - اتَّفَقَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٥) عَلَى أَنَّ عَدَدَ مَرَّاتِ نَتْرِ الذَّكَرِ ثَلاَثٌ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ: " إِذَا بَال أَحَدُكُمْ فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثَلاَثًا " (٦) .

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى عَصْرِ الذَّكَرِ دُونَ تَحْدِيدِ مَرَّاتٍ لاِسْتِبْرَائِهِ مِنَ الْبَوْل (٧)، وَهُوَ مَا اخْتَارَهُ

_________

(١) مواهب الجليل ١ / ٢٨٢، وأسنى المطالب ١ / ٤٩، وكشاف القناع ١ / ٦٥.

(٢) حاشية الطحطاوي ص ٢٤.

(٣) حاشية الطحطاوي ص ٢٤، وحاشية الدسوقي / ١٠٩، ١، ١١٠، وأسنى المطالب ١ / ٤٩، ونهاية المحتاج / ١٤١، ١، ١٤٢، والمغني لابن قدامة ١ / ١٥٥ ط الرياض.

(٤) حاشية العدوي ١ / ١٥٢، ١٥٣، وحاشية الرهوني على الزرقاني ١ / ١٦٤ ط دار الفكر، والإنعاظ: انتشار الذكر (المصباح) .

(٥) مواهب الجليل ١ / ٢٨٢، وأسنى المطالب ١ / ٤٩، والإنصاف ١ / ١٠٢، وكشاف القناع ١ / ٦٥.

(٦) مواهب الجليل ١ / ٢٨٢، وحديث: " إذا بال أحدكم. . . . " سبق تخرجه ف ٥.

(٧) حاشية الطحطاوي ص ٢٤.

النَّوَوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالدُّسُوقِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ.

قَال النَّوَوِيُّ: وَالْمَقْصُودُ أَنْ يَظُنَّ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي مَجْرَى الْبَوْل شَيْءٌ يَخَافُ خُرُوجَهُ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَحْصُل لَهُ هَذَا الْمَقْصُودُ بِأَدْنَى عَصْرٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى تَنَحْنُحٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى مَشْيِ خُطُوَاتٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى صَبْرِ لَحْظَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا (١) .

وَقَال الدُّسُوقِيُّ: يُنْدَبُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ السَّلْتِ وَالنَّتْرِ خَفِيفًا لاَ بِقُوَّةٍ إِلَى أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ انْقِطَاعُ الْمَادَّةِ ثَلاَثًا أَوْ أَقَل أَوْ أَكْثَرَ (٢) .

_________

(١) المجموع ٢ / ٩٤، وانظر: أسنى المطالب ١ / ٤٩.

(٢) حاشية الدسوقي ١ / ١٠٩، ١١٠.

نَتَفَ

التَّعْرِيفُ:

١ - النَّتْفُ فِي اللُّغَةِ: نَزْعُ الشَّعْرِ وَالشَّيْبِ وَالرِّيشِ، يُقَال: نَتَفْتُ الشَّعْرَ وَالرِّيشَ أَنْتِفُهُ نَتْفًا - وَبَابُهُ ضَرَبَ - نَزَعْتُهُ بِالْمِنْتَافِ أَوْ بِالأَْصَابِعِ، وَالنُّتَافُ وَالنُّتَافَةُ: مَا انْتَتَفَ وَسَقَطَ مِنَ الشَّيْءِ الْمَنْتُوفِ، وَنُتَافَةُ الإِْبِطِ: مَا نُتِفَ مِنْهُ، وَالآْلَةُ: مِنْتَافٌ، وَالنُّتْفَةُ: مَا تَنْزِعُهُ بِأَصَابِعِكَ مِنْ نَبْتٍ وَغَيْرِهِ، وَالْجَمْعُ نُتَفٌ (١) .

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْحَلْقُ:

٢ - مِنْ مَعَانِي الْحَلْقِ: إِزَالَةُ شَعْرِ الإِْنْسَانِ بِالْمُوسَى وَنَحْوِهِ مِنَ الْحَدِيدِ، يُقَال: حَلَقَ شَعْرَهُ حَلْقًا وَحِلاَقًا: أَزَالَهُ بِالْمُوسَى وَنَحْوِهِ.

_________

(١) لسان العرب، والمصباح المنير.

(٢) قواعد الفقه للبركتي، والمغرب.

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (١) .

وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ النَّتْفِ وَالْحَلْقِ إِزَالَةُ الشَّعْرِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا.

ب - الاِسْتِحْدَادُ:

٣ - الاِسْتِحْدَادُ: هُوَ حَلْقُ الْعَانَةِ خَاصَّةً بِاسْتِعْمَال الْحَدِيدِ وَهُوَ الْمُوسَى.

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢) .

وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ النَّتْفِ وَالاِسْتِحْدَادِ إِزَالَةُ الشَّعْرِ فِي كُلٍّ.

ج - الْحَفُّ:

٤ - الْحَفُّ: هُوَ أَخْذُ شَعْرِ الْوَجْهِ، يُقَال: حَفَّتِ الْمَرْأَةُ وَجْهَهَا حَفًّا: زَيَّنَتْهُ بِأَخْذِ شَعْرِهِ (٣) .

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ النَّتْفِ وَالْحَفِّ أَنَّ فِي كِلَيْهِمَا إِزَالَةَ الشَّعْرِ.

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالنَّتْفِ:

يَتَعَلَّقُ بِالنَّتْفِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:

_________

(١) المصباح المنير، ولسان العرب.

(٢) لسان العرب، ونيل الأوطار ١ / ١٢٢.

(٣) المصباح المنير، ولسان العرب.

نَتْفُ شَعْرِ الْمُحْرِمِ:

٥ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ إِزَالَةُ شَعْرِ الْمُحْرِمِ قَبْل التَّحَلُّل بِنَتْفٍ أَوْ غَيْرِهِ، سَوَاءٌ فِيهِ شَعْرُ الرَّأْسِ وَالشَّارِبِ وَاللِّحْيَةِ وَالإِْبِطِ وَالْعَانَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ شُعُورِ الْبَدَنِ، حَتَّى يَحْرُمَ نَتْفُ شَعْرَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ مِنَ الْبَدَنِ، وَإِنْ فَعَل شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَصَى وَتَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ، وَلَوْ مَشَطَ شَعْرَ رَأْسِهِ أَوْ لِحْيَتِهِ فَأَدَّى إِلَى نَتْفِ شَيْءٍ مِنَ الشَّعْرِ، حَرُمَ وَوَجَبَتِ الْفِدْيَةُ، فَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ فَلاَ يَحْرُمُ وَلَكِنْ يُكْرَهُ، وَإِنْ مَشَطَ فَانْتَتَفَ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ، فَإِنْ سَقَطَ شَعْرٌ فَشَكَّ هَل انْتَتَفَ بِالْمُشْطِ أَمْ كَانَ مُنْسَلًّا فَلاَ فِدْيَةَ عَلَيْهِ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (١) .

وَدَلِيل تَحْرِيمِ النَّتْفِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ (٢)، وَقِيسَ النَّتْفُ عَلَيْهِ لأَِنَّهُ بِمَعْنَاهُ، وَعَبَّرَ النَّصُّ بِالْحَلْقِ لأَِنَّهُ الْغَالِبُ فِي إِزَالَةِ الشَّعْرِ (٣) .

نَتْفُ رِيشِ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ:

٦ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ نَتَفَ رِيشَ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ حَتَّى عَجَزَ عَنِ الاِمْتِنَاعِ عَمَّنْ يُرِيدُ أَخْذَهُ فَعَلَيْهِ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٢٠٤، والدسوقي ٢ / ٦٠، وحاشية الجمل ٢ / ٥١١ - ٥١٢، وتحفة المحتاج ٢ / ١٧٠، والروضة ٣ / ١٣٥، وكشاف القناع ٢ / ٤٢١ - ٤٢٢.

(٢) سورة البقرة / ١٩٦.

(٣) تحفة المحتاج ٤ / ١٧٠، كشاف القناع ٢ / ٤٢٢.

فِدْيَةٌ، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ نَتْفُ كُل الرِّيشِ، بَل يُشْتَرَطُ نَتْفُ مَا يُخْرِجُهُ مِنْ حَيِّزِ الاِمْتِنَاعِ (١) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ نَتَفَ الْمُحْرِمُ رِيشَ الصَّيْدِ بِحَيْثُ لاَ يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى الطَّيَرَانِ وَلَمْ تُعْلَمْ سَلاَمَتُهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ، وَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الطَّيَرَانِ فَلاَ جَزَاءَ عَلَيْهِ، وَلَوْ نَتَفَ رِيشَهُ الَّذِي لاَ يَقْدِرُ عَلَى الطَّيَرَانِ إِلاَّ بِهِ وَأَمْسَكَهُ عِنْدَهُ حَتَّى نَبَتَ بَدَلُهُ وَأَطْلَقَهُ فَلاَ جَزَاءَ عَلَيْهِ (٢) .

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَال الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا نَتَفَ رِيشَ طَائِرٍ مِنَ الصَّيْدِ الْمَضْمُونِ فِي الْحَرَمِ أَوْ فِي الإِْحْرَامِ لَمْ يَخْل حَالُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى امْتِنَاعِهِ بَعْدَ النَّتْفِ أَوْ يَصِيرَ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ بَعْدَ النَّتْفِ، فَإِنْ كَانَ مُمْتَنِعًا بَعْدَ النَّتْفِ، فَالْكَلاَمُ فِيهِ يَتَعَلَّقُ بِفَصْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: ضَمَانُ نَقْصِهِ بِالنَّتْفِ.

وَالثَّانِي: ضَمَانُ نَقْصِهِ بِالتَّلَفِ.

فَأَمَّا ضَمَانُ نَقْصِهِ بِالنَّتْفِ فَلاَ يَخْلُو حَالُهُ مِنْ ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:

أَحَدُهَا: أَنْ لاَ يَسْتَخْلِفَ مَا نَتَفَ مِنْ رِيشِهِ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا نَقَصَ مِنْهُ، وَهُوَ: أَنْ يُقَوَّمَ قَبْل نَتْفِ رِيشِهِ، فَإِذَا قِيل: عَشَرَةُ دَرَاهِمَ قَوَّمَهُ بَعْدَ نَتْفِ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٢١٦.

(٢) الدسوقي ٢ / ٧٦.

رِيشِهِ فَإِذَا قِيل: تِسْعَةٌ، عُلِمَ أَنَّ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ عُشْرُ الْقِيمَةِ، وَيُنْظَرُ فِي الطَّائِرِ الْمَنْتُوفِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ شَاةٌ فَعَلَيْهِ عُشْرُ ثَمَنِ شَاةٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَعُشْرُ شَاةٍ عِنْدَ الْمُزَنِيِّ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَجِبُ قِيمَتُهُ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ وَهُوَ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ (١) .

وَإِنِ اسْتُخْلِفَ مَا نُتِفَ مِنْ رِيشِهِ وَعَادَ كَمَا كَانَ قَبْل نَتْفِ رِيشِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ لِعَوْدِهِ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ.

وَالثَّانِي: عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا نَقَصَ بِالنَّتْفِ قَبْل حُدُوثِ مَا اسْتُخْلِفَ، لأَِنَّ الرِّيشَ الْمَضْمُونَ بِالنَّتْفِ غَيْرُ الَّذِي اسْتُخْلِفَ، وَهَذَانَ الْوَجْهَانِ مُخْرَجَانِ مِنِ اخْتِلاَفِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ فِيمَنْ جَنَى عَلَى سِنٍّ فَانْقَلَعَتْ فَأَخَذَ دِيَتَهَا، ثُمَّ نَبَتَتْ مِنْ جَدِيدٍ، هَل يُسْتَرْجَعُ مِنْهُ مَا أَخَذَ مِنَ الدِّيَةِ أَمْ لاَ؟ وَإِذَا امْتَنَعَ الطَّائِرُ فَلَمْ يُعْلَمْ هَل اسْتُخْلِفَ رِيشُهُ أَمْ لَمْ يُسْتَخْلَفْ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ نَقْصِهِ وَجْهًا وَاحِدًا، لأَِنَّ الأَْصْل أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى حَالِهِ (٢) .

٧ - أَمَّا ضَمَانُ نَفْسِهِ إِنْ تَلِفَ فَلاَ يَخْلُو حَالُهُ مِنْ ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:

_________

(١) الحاوي الكبير ٤ / ٣٣٧ ط دار الكتب العلمية.

(٢) المصدر السابق.

أَحَدُهَا: أَنْ يَتْلَفَ مِنْ ذَلِكَ النَّتْفِ، وَهُوَ أَنْ يَمْتَنِعَ بَعْدَ النَّتْفِ فَيَطِيرَ مُتَحَامِلًا لِنَفْسِهِ وَيَسْقُطَ مِنْ شِدَّةِ الأَْلَمِ فَيَمُوتَ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ نَفْسِهِ، وَيَسْقُطُ ضَمَانُ نَقْصِهِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ شَاةٌ فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ قِيمَتُهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ قَبْل النَّتْفِ.

وَالثَّانِي: أَنْ يَمُوتَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ النَّتْفِ: إِمَّا حَتْفَ أَنْفِهِ أَوْ مِنْ حَادِثٍ غَيْرِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانُ نَفْسِهِ، لَكِنْ عَلَيْهِ ضَمَانُ نَقْصِهِ.

وَالثَّالِثُ: أَنْ لاَ يُعْلَمَ هَل مَاتَ مِنْ ذَلِكَ النَّتْفِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ فَالاِحْتِيَاطُ أَنْ يَفْدِيَهُ كُلَّهُ وَيَضْمَنَ نَفْسَهُ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَوْتُهُ مِنْ نَتْفِهِ، وَلاَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَضْمَنَ إِلاَّ قَدْرَ نَقْصِهِ، لأَِنَّ ظَاهِرَ مَوْتِهِ بَعْدَ امْتِنَاعِهِ أَنَّهُ فِي حَادِثٍ غَيْرِهِ.

وَإِنْ صَارَ الطَّائِرُ بِالنَّتْفِ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُمْسِكَهُ وَيُطْعِمَهُ وَيَسْقِيَهُ لِيَنْظُرَ مَا يَؤُول إِلَيْهِ حَالُهُ، فَإِنْ فَعَل ذَلِكَ، فَإِنْ عَاشَ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ وَصَارَ مَطْرُوحًا كَالْكَسِيرِ الزَّمِنِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ نَفْسِهِ وَفِدَاءُ جَمِيعِهِ، لأَِنَّ الصَّيْدَ بِامْتِنَاعِهِ، فَإِذَا صَارَ بِجِنَايَتِهِ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ فَقَدْ أَتْلَفَهُ (١) .

وَإِنْ عَاشَ مُمْتَنِعًا وَعَادَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْل النَّتْفِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:

_________

(١) الحاوي الكبير ٤ / ٣٣٨.

أَحَدُهُمَا: لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، لِعَدَمِ نَقْصِهِ.

وَالثَّانِي: عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ عَافِيًا (أَيْ طَوِيل الرِّيشِ) مُمْتَنِعًا وَمَنْتُوفًا غَيْرَ مُمْتَنِعٍ، وَإِنْ غَابَ الصَّيْدُ بَعْدَ النَّتْفِ فَلاَ يُعْلَمُ هَل امْتَنَعَ أَوْ لَمْ يَمْتَنِعْ إِلاَّ أَنَّ جِنَايَتَهُ مَعْلُومَةٌ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ نَفْسِهِ، لأَِنَّ الأَْصْل أَنَّهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ حَتَّى يُعْلَمَ امْتِنَاعُهُ، وَفِي غَيْرِ الْمُمْتَنِعِ قِيمَتُهُ، وَإِنْ مَاتَ الصَّيْدُ فَإِنْ مَاتَ بِالنَّتْفِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ قِيمَتِهِ أَوْ فِدَاءُ مِثْلِهِ، لأَِنَّ مَوْتَهُ مِنْ جِنَايَتِهِ، وَإِنْ مَاتَ بِسَبَبٍ حَادِثٍ غَيْرِ النَّتْفِ، فَإِنْ كَانَ السَّبَبُ الْحَادِثُ مِمَّا لاَ يَتَعَلَّقُ بِهِ ضَمَانُ الصَّيْدِ لَوِ انْفَرَدَ: كَأَنْ يَفْتَرِسَهُ سَبُعٌ أَوْ يَقْتُلَهُ مُحِلٌّ فَيَكُونُ عَلَى الْجَانِي الأَْوَّل أَنْ يَفْدِيَهُ كَامِلًا لأَِنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُ ضَامِنًا.

وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ الْحَادِثُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ ضَمَانُ الصَّيْدِ لَوِ انْفَرَدَ مِثْل أَنْ يَقْتُلَهُ مُحْرِمٌ أَوْ يَقْتُلَهُ مُحِلٌّ، وَالصَّيْدُ فِي الْحَرَمِ: فَإِنْ كَانَتْ جِنَايَةُ الأَْوَّل بِالنَّتْفِ قَدِ اسْتَقَرَّتْ فِيهِ وَبَرَأَ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الأَْوَّل أَنْ يَفْدِيَهُ كَامِلًا، لأَِنَّهُ قَدْ كَفَّهُ عَنِ الاِمْتِنَاعِ، وَوَجَبَ عَلَى الثَّانِي أَنْ يَفْدِيَهُ كَامِلًا، لأَِنَّهُ قَتَل صَيْدًا حَيًّا، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُضْمَنُ بِشَاةٍ كَانَ عَلَى الأَْوَّل شَاةٌ كَامِلَةٌ، وَعَلَى الثَّانِي شَاةٌ كَامِلَةٌ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ فَعَلَى الأَْوَّل قِيمَتُهُ وَهُوَ صَيْدٌ مُمْتَنِعٌ، وَعَلَى الثَّانِي قِيمَتُهُ وَهُوَ صَيْدٌ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، أَمَّا إِنْ كَانَتْ جِنَايَةُ

الأَْوَّل بِالنَّتْفِ غَيْرَ مُسْتَقِرَّةٍ وَلاَ بَرَأَ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَ الثَّانِي قَاتِلًا لِلصَّيْدِ بِالتَّوْجِيهِ، وَهُوَ أَنْ يَذْبَحَهُ أَوْ يَشُقَّ بَطْنَهُ وَيُخْرِجَ حَشْوَتَهُ وَجَبَ عَلَى الأَْوَّل مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ عَافِيًا وَمَنْتُوفًا، لأَِنَّهُ بِالنَّتْفِ جَارِحٌ، وَعَلَى الثَّانِي أَنْ يَفْدِيَهُ كَامِلًا، لأَِنَّهُ بِالتَّوْجِيهِ قَاتِلٌ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي جَارِحًا مِنْ غَيْرِ تَوْجِيهٍ فَقَدِ اسْتَوَيَا فَيَكُونَانِ قَاتِلَيْنِ وَتَكُونُ الْفِدْيَةُ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ.

وَإِنْ مَاتَ الصَّيْدُ بَعْدَ أَنْ يَغِيبَ عَنِ الْعَيْنِ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ، وَلاَ يُعْلَمُ هَل مَاتَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْجِنَايَةِ أَوْ بِسَبَبٍ حَادِثٍ غَيْرِ الْجِنَايَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَفْدِيَهُ كَامِلًا، لأَِنَّ حُدُوثَ سَبَبِهِ بَعْدَ الأَْوَّل مَظْنُونٌ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْقُطَ بِهِ حُكْمُ الْيَقِينِ، وَلأَِنَّ الأَْوَّل قَدْ ضَمِنَ جَمِيعَ قِيمَتِهِ فَلَمْ يَسْقُطْ مِمَّا ضَمِنَهُ شَيْءٌ بِالشَّكِّ، وَقَال الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁: وَمَنْ رَمَى طَيْرًا فَجَرَحَهُ جُرْحًا لاَ يَمْتَنِعُ مَعَهُ فَالْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِي نَتْفِ الرِّيشِ (١) .

٨ - وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ نَتَفَ الْمُحْرِمُ رِيشَ الصَّيْدِ أَوْ شَعْرَهُ أَوْ وَبَرَهُ فَعَادَ مَا نَتَفَهُ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ لأَِنَّ النَّقْصَ زَال، أَشْبَهَ مَا لَوِ انْدَمَل الْجُرْحُ، فَإِنْ صَارَ الصَّيْدُ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ بِنَتْفِ رِيشِهِ وَنَحْوِهِ فَكَمَا لَوْ جَرَحَهُ جُرْحًا صَارَ بِهِ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ فَعَلَيْهِ جَزَاءُ

_________

(١) الحاوي الكبير ٤ / ٣٣٨ - ٣٣٩.