الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠
قَال ابْنُ رَجَبٍ: وَالتَّبَرُّكُ بِالآْثَارِ إِنَّمَا كَانَ يَفْعَلُهُ الصَّحَابَةُ ﵃ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَهُ مَعَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَلاَ يَفْعَلُهُ التَّابِعُونَ مَعَ الصَّحَابَةِ مَعَ عُلُوِّ قَدْرِهِمْ فَدَل عَلَى أَنَّ هَذَا لاَ يُفْعَل إِلاَّ مَعَ الرَّسُول ﷺ مِثْل التَّبَرُّكِ بِالْوُضُوءِ وَغَيْرِهِ.
وَقَال ابْنُ حَجَرٍ وَالنَّوَوِيُّ: يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ (١) .
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (تَبَرُّك ف ٦ وَمَا بَعْدَهَا) .
م - التَّسَمِّي بِاسْمِ النَّبِيِّ ﷺ وَالتَّكَنِّي بِكُنْيَتِهِ:
٤٠ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي التَّسْمِيَةِ بِاسْمِهِ وَالتَّكَنِّي بِكُنْيَتِهِ عَلَى أَقْوَالٍ:
مِنْهَا: أَنَّهُ يَجُوزُ التَّسَمِّي بِاسْمِهِ، وَلاَ يَجُوزُ التَّكَنِّي بِكُنْيَتِهِ.
وَمِنْهَا: الْجَوَازُ مُطْلَقًا فِي الأَْمْرَيْنِ.
وَمِنْهَا: تَحْرِيمُ الْجَمْعِ بَيْنَ اسْمِهِ " مُحَمَّدٍ " وَكُنْيَتِهِ " أَبِي الْقَاسِمِ ".
وَمِنْهَا: تَحْرِيمُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْكُنْيَةِ وَالاِسْمِ فِي حَال حَيَاتِهِ ﷺ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَيْ
_________
(١) الحكم الجديرة بالإذاعة من قول النبي ﷺ: بعثت بالسيف بين يدي الساعة، لابن رجب الحنبلي ص ٤٦، وفتح الباري ٣ / ١٣٠ - ١٣١ - ١٤٤، وشرح صحيح مسلم للنووي (٥ / ١٦١، ٧ / ١٤٣ / ٤٤) .
(تَسْمِيَة ف ١١، وَكُنْيَة ف ٤ وَمَا بَعْدَهَا) .
ن - وُجُوبُ طَاعَتِهِ ﷺ:
٤١ - أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْمُؤْمِنِينَ طَاعَةَ النَّبِيِّ ﷺ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (١) وَقَال: مَنْ يُطِعِ الرَّسُول فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٢) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (طَاعَة ف ٦) .
س - اتِّبَاعُ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَفْعَالِهِ الْجِبِلِّيَّةِ:
٤٢ - يَجِبُ اتِّبَاعُ النَّبِيِّ ﷺ فِي أُمُورِ الدِّينِ، وَلاَ خِلاَفَ فِي وُجُوبِ ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ الأُْمَّةِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مُجْتَهِدُهُمْ وَمُقَلِّدُهُمْ.
أَمَّا أَفْعَال النَّبِيِّ ﷺ الْجِبِلِّيَّةُ فَفِيهَا تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (اتِّبَاع ف ٣ - ٤) وَفِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
ع - اجْتِهَادُ الرَّسُول ﷺ:
٤٣ - الأَْحْكَامُ الَّتِي صَدَرَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ اخْتَلَفَ فِيهَا الأُْصُولِيُّونَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الأَْوَّل: أَنَّهَا كُلُّهَا مُوحَى بِهَا إِلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، بِدَلاَلَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٣)
_________
(١) سورة الأنفال / ٢٠.
(٢) سورة النساء / ٨٠.
(٣) سورة النجم / ٣ - ٥.
الثَّانِي: أَنَّ مِنْهَا - وَهُوَ الأَْكْثَرُ - مَا هُوَ وَحْيٌ، سَوَاءٌ كَانَ قُرْآنًا أَوْ غَيْرَهُ، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ بِاجْتِهَادٍ مِنْهُ ﷺ (١)
وَالتَّفْصِيل فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
ف - حُكْمُ مَنْ تَنَقَّصَ النَّبِيَّ ﷺ أَوِ اسْتَخَفَّ بِهِ أَوْ آذَاهُ:
٤٤ - وَرَدَ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ تَعْظِيمُ جُرْمِ تَنَقُّصِ النَّبِيِّ أَوِ الاِسْتِخْفَافِ بِهِ، وَلَعْنُ فَاعِلِهِ، وَذَلِكَ فِي قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٢)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُل أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٣)، وَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى
_________
(١) تيسير التحرير ١ / ١٨٩، ٤ / ١٨٣، ٢٣٦، القاهرة، مصطفى الحلبي، وإحكام الأحكام للآمدي ٣ / ٤٣، ٤٤، ٤ / ٢٢٢، ٢٨٢ - القاهرة مكتبة المعارف، والرسالة للإمام الشافعي بتحقيق الشيخ أحمد شاكر ص ٩٢، وأصول البزدوي وشرح البخاري ٣ / ٩٢٦ - ٩٣٣. .
(٢) سورة الأحزاب / ٥٧.
(٣) سورة التوبة / ٦٥ - ٦٦.
تَكْفِيرِ مَنْ فَعَل شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (رِدَّة ف ١٥ وَمَا بَعْدَهَا، سَب ف ١١ - ١٨، اسْتِخْفَاف ٥ - ٧) .
ص - حُكْمُ مَنْ تَرَكَ التَّأَدُّبَ فِي الْكَلاَمِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ:
٤٥ - قَال الْقَاضِي عِيَاضٌ: مَنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَمًّا وَلاَ عَيْبًا وَلاَ سَبًّا وَلاَ تَكْذِيبًا، وَلَكِنْ أَتَى مِنَ الْكَلاَمِ بِمُجْمَلٍ أَوْ أَتَى بِلَفْظٍ مُشْكِلٍ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ يَتَرَدَّدُ فِي الْمُرَادِ بِهِ أَهُوَ السَّلاَمَةُ أَمِ الشَّرُّ، فَقَدِ اخُتِلَفَ فِيهِ فَقِيل: يُقْتَل تَعْظِيمًا لِحُرْمَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقِيل: يُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ، لِكَوْنِ قَوْلِهِ مُحْتَمَلًا، وَيُؤَدَّبُ فَاعِلُهُ إِنْ لَمْ يَتُبْ.
وَكَذَا لَوْ أَتَى بِلَفْظٍ عَامٍّ يَدْخُل فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا لَوْ سَبَّ بَنِي هَاشِمٍ (٢) .
ق - حُكْمُ مَنْ كَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ:
٤٦ - مَنْ كَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مُتَعَمِّدًا فَقَدِ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً مِنَ الْكَبَائِرِ، وَقَدْ جَاءَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ
_________
(١) الصارم المسلول على شاتم الرسول لابن تيمية ص ٥٢٧ - ٥٢٩، والشفا في حقوق المصطفى وشرحه ٤ / ٧٦ - ١٩٢، وجواهر الإكليل ١ / ٢٦٩، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٢٩٠ - ٢٩١، والذخيرة للقرافي ١٢ / ١٨.
(٢) شرح الشفا ٥ / ١٩٢ - ٢٤٢.
قَال: " إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ " (١)، وَسَوَاءٌ قَصَدَ بِذَلِكَ السُّوءَ أَوْ قَصَدَ خَيْرًا كَمَنْ يَضَعُ الأَْحَادِيثَ لِلتَّرْغِيبِ فِي الطَّاعَاتِ.
وَقَدْ قَال بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِكُفْرِ مَنْ فَعَل ذَلِكَ، مِنْهُمْ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ، وَوَجَّهَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ بِأَنَّ الْكَذِبَ عَلَيْهِ ﷺ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ كَذِبٌ عَلَى اللَّهِ، وَإِفْسَادٌ لِلدِّينِ مِنَ الدَّاخِل.
وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْكَذِبَ عَلَيْهِ فِي دَعْوَى السَّمَاعِ مِنْهُ فِي الْمَنَامِ يَشْمَلُهُ التَّحْرِيمُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ (٢)، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ: " مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَمَثَّل بِي، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ " (٣) .
_________
(١) حديث: " إن كذبا علي ليس ككذب على أحد. . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ١٦٠ ط السلفية) ومسلم في مقدمة صحيحه (١ / ١٠ ط عيسى الحلبي) من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.
(٢) الصارم المسلول على شاتم الرسول ص ١٧٩، وشرح المنهاج مع حاشية القليوبي وعميرة ٤ / ٧٥، وفتح الباري ١ / ٢٠٢ و٣ / ١٦٢.
(٣) حديث: " من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٢٠٢ ط السلفية) من حديث أبي هريرة ﵁.
نَتْرٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - النَّتْرُ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ بَعْدَ النُّونِ - كَمَا ضَبَطَهُ الْفُقَهَاءُ - فِي اللُّغَةِ: جَذْبُ الشَّيْءِ بِشِدَّةٍ أَوْ بِجَفَاءٍ، وَبَابُهُ قَتَل، وَاسْتَنْتَرَ مِنْ بَوْلِهِ: اجْتَذَبَهُ وَاسْتَخْرَجَ بَقِيَّتَهُ مِنَ الذَّكَرِ عِنْدَ الاِسْتِنْجَاءِ.
وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَى النَّتْرِ فِي الاِصْطِلاَحِ عَنْ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الاِسْتِنْجَاءُ:
٢ - الاِسْتِنْجَاءُ لُغَةً: الْقَطْعُ، مِنْ نَجَا (٢)، وَقِيل: مِنَ النَّجْوَةِ وَهِيَ: مَا ارْتَفَعَ مِنَ الأَْرْضِ، لأَِنَّهُ يَسْتَتِرُ عَنِ النَّاسِ بِهَا (٣) .
_________
(١) القليوبي ١ / ٤١، والدسوقي ١ / ١١٠، والقاموس المحيط، وانظر: معجم مقاييس اللغة لابن فارس ٥ / ٣٨٦ ط الحلبي، والمصباح المنير، ولسان العرب مادة (نتر) .
(٢) المصباح المنير.
(٣) انظر: لسان العرب ماد (نجا)، وأسنى المطالب ١ / ٤٤ ط المكتبة الإسلامية.
وَاصْطِلاَحًا: إِزَالَةُ الْخَارِجِ مِنَ السَّبِيلَيْنِ عَنْ مَخْرَجِهِ (١) .
وَسَمَّاهُ بَعْضُهُمُ اسْتِطَابَةً، وَهِيَ: طَلَبُ الطِّيبِ، وَهُوَ الطَّهَارَةُ وَيَكُونُ بِالْمَاءِ وَالْحَجَرِ.
كَمَا سَمَّاهُ بَعْضُهُمْ - أَيْضًا - اسْتِنْقَاءً وَهُوَ: طَلَبُ النَّقَاوَةِ بِالْحَجَرِ وَالْمَدَرِ أَوْ نَحْوِهِمَا، أَمَّا الاِسْتِجْمَارُ فَإِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالاِسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْجِمَارِ وَهُوَ الْحَجَرُ الصَّغِيرُ (٢) .
وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ النَّتْرِ وَالاِسْتِنْجَاءِ هِيَ أَنَّ النَّتْرَ مُقَدِّمَةٌ لِلاِسْتِنْجَاءِ.
ب - الاِسْتِبْرَاءُ:
٣ - الاِسْتِبْرَاءُ لُغَةً: طَلَبُ الْبَرَاءَةِ (٣) .
وَاصْطِلاَحًا: طَلَبُ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْحَدَثِ، وَذَلِكَ بِاسْتِفْرَاغِ مَا فِي الْمَخْرَجَيْنِ مِنَ الأَْخْبَثَيْنِ (٤) .
وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ النَّتْرِ وَالاِسْتِبْرَاءِ هِيَ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْمُطْلَقُ فَكُل نَتْرٍ اسْتِبْرَاءٌ، وَلَيْسَ كُل اسْتِبْرَاءٍ نَتْرًا.
_________
(١) بدائع الصنائع ١ / ١٨ ط دار الكتاب العربي، وحاشية الدسوقي ١ / ١١٠ ط دار الفكر، وأسنى المطالب ١ / ٤٤، وكشاف القناع ١ / ٥٨ ط عالم الكتب.
(٢) بدائع الصنائع ١ / ١٨، وحاشية ابن عابدين ١ / ٢٣٠ ط بولاق، وحاشية الدسوقي ١ / ١١٠ - ١١١، وأسنى المطالب ١ / ٤٤، وكشاف القناع ١ / ٥٨.
(٣) لسان العرب.
(٤) مواهب الجليل ١ / ٢٨٢ ط دار الفكر.
مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّتْرِ مِنْ أَحْكَامٍ:
مَحَل النَّتْرِ وَمَوْضِعُهُ:
٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ مَحَل النَّتْرِ هُوَ الذَّكَرُ وَمَوْضِعَهُ بَعْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ (١) مَعَ اخْتِلاَفِهِمْ فِي كَيْفِيَّةِ اسْتِبْرَاءِ الْمَرْأَةِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا لاَ تَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ، بَل تَصْبِرُ قَلِيلًا، ثُمَّ تَسْتَنْجِي (٢) .
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الاِسْتِبْرَاءَ فِي حَقِّهَا أَنْ تَضَعَ يَدَهَا عَلَى عَانَتِهَا، وَيَقُومُ ذَلِكَ مَقَامَ السَّلْتِ وَالنَّتْرِ، وَأَمَّا الْخُنْثَى فَيَفْعَل مَا يَفْعَلُهُ الرَّجُل وَالْمَرْأَةُ احْتِيَاطًا (٣) .
حُكْمُ النَّتْرِ:
٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ النَّتْرِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أ - الْقَوْل الأَْوَّل: وُجُوبُ النَّتْرِ، وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ (٤)، وَالْمَالِكِيَّةِ (٥)، وَاخْتَارَهُ
_________
(١) حاشية الطحطاوي ص ٢٤، وحاشية الدسوقي ١ / ١٠٩، ١١٠، وأسنى المطالب ١ / ٤٩، ونهاية المحتاج ١ / ١٤١، ١٤٢، والإنصاف ١ / ١٠٢ ط دار إحياء التراث العربي، وكشاف القناع ١ / ٦٥، والأم ١ / ٢٢ ط دار المعرفة.
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٣٠.
(٣) حاشية الدسوقي ١ / ١٠٩، ١١٠، وأسنى المطالب ١ / ٤٩، ونهاية المحتاج ١ / ١٤١، ١٤٢.
(٤) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٣٠.
(٥) حاشية العدوي على شرح أبي الحسن ١ / ١٥٢، ١٥٣ ط دار الباز، ومواهب الجليل ١ / ٢٨٢، وحاشية الدسوقي ١ / ١٠٩، ١١٠.
الْقَاضِي حُسَيْنٌ (١) وَالْبَغَوِيُّ (٢) وَالنَّوَوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَقَصَرَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ الْوُجُوبَ عَلَى مَا إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ خُرُوجُ شَيْءٍ مِنْهُ بَعْدَ الاِسْتِنْجَاءِ إِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ (٣) .
وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ: " اسْتَنْزِهُوا مِنَ الْبَوْل فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ " (٤) .
وَبِحَدِيثِ: " إِذَا بَال أَحَدُكُمْ فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثَلاَثًا وَهَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي الأَْمْرِ بِنَتْرِ الذَّكَرِ (٥) .
ب - الْقَوْل الثَّانِي: اسْتِحْبَابُ النَّتْرِ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ (٦) وَالْحَنَابِلَةِ (٧) .
_________
(١) نهاية المحتاج ١ / ١٤٢.
(٢) شرح السنة ١ / ٣٧٥ ط المكتب الإسلامي.
(٣) نهاية المحتاج ١ / ١٤٢.
(٤) حديث: " استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه. . . . " الحديث. أخرجه الدارقطني في السنن (١ / ١٢٨ ط الفنية المتحدة) من حديث أبي هريرة ﵁ وقال: الصواب مرسل، ثم ذكر له شاهدا عن ابن عباس ﵄ رفعه إلى النبي ﷺ ولفظ
(٥) حديث: " إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاثا. . ". الحديث. أخرجه ابن ماجه (١ / ١١٨ ط عيسى الحلبي) من حديث يزداد بن فساءة ﵁ وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (١ / ٩٧ دار الجنان): يقال يزداد لا تصح له صحبة وزمعة ضعيف.
(٦) أسنى المطالب ١ / ٤٩، ونهاية المحتاج ١ / ١٤١، ١٤٢، وشرح المحلي مع القليوبي وعميرة ١ / ٤١ ط عيسى الحلبي.
(٧) الإنصاف ١ / ١٠٢، وكشاف القناع ١ / ٦٥.
وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنَ انْقِطَاعِ الْبَوْل عَدَمُ عَوْدِهِ (١) .
أَثَرُ الاِخْتِلاَفِ فِي حُكْمِ النَّتْرِ:
٦ - يَنْبَنِي عَلَى الاِخْتِلاَفِ السَّابِقِ فِي حُكْمِ النَّتْرِ عَلَى الْقَوْل الثَّانِي وَهُوَ نَدْبُ النَّتْرِ وَاسْتِحْبَابُهُ أَنَّ مَنْ تَرَكَ نَتْرَ ذَكَرِهِ وَاسْتَنْجَى عَقِيبَ انْقِطَاعِ الْبَوْل ثُمَّ تَوَضَّأَ فَاسْتِنْجَاؤُهُ صَحِيحٌ وَوُضُوؤُهُ كَامِلٌ، لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ خُرُوجِ شَيْءٍ آخَرَ، قَالُوا: وَالاِسْتِنْجَاءُ يَقْطَعُ الْبَوْل فَلاَ يَبْطُل اسْتِنْجَاؤُهُ وَوُضُوؤُهُ إِلاَّ أَنْ يَتَيَقَّنَ خُرُوجَ شَيْءٍ (٢) .
وَأَمَّا عَلَى الْقَوْل الأَْوَّل - وَهُوَ وُجُوبُ النَّتْرِ - فَإِنَّ اسْتِنْجَاءَهُ يَكُونُ فَاسِدًا وَوُضُوءَهُ بَاطِلًا وَكَذَلِكَ صَلاَتُهُ (٣) .
كَيْفِيَّةُ النَّتْرِ وَشَرْطُهُ:
٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ نَتْرَ الذَّكَرِ يَكُونُ بِإِصْبَعَيْنِ يُمِرُّهُمَا مِنْ أَصْلِهِ إِلَى رَأْسِ الذَّكَرِ، وَحَدَّدَ الشَّافِعِيَّةُ إِبْهَامَ يُسْرَاهُ وَمُسَبِّحَتَهَا لِذَلِكَ، وَذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ يَضَعُ إِصْبَعَهُ الْوُسْطَى تَحْتَ الذَّكَرِ وَالإِْبْهَامَ
_________
(١) أسنى المطالب ١ / ٤٩، وشرح المحلي مع القليوبي وعميرة ١ / ٤١.
(٢) المجموع ٢ / ٩٤ ط المكتبة العالمية.
(٣) شرح صحيح مسلم ٣ / ٢٠٥.