الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠ الصفحة 11

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠

وَاللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: " الآْنَ يَا عُمَرُ " (١) .

وَمِنْ حُبِّهِ ﷺ حُبُّ سُنَّتِهِ وَاتِّبَاعُهَا وَالْحِرْصُ عَلَيْهَا وَالْوُقُوفُ عِنْدَ حُدُودِهَا، وَمِنْهُ حُبُّ آلِهِ الأَْتْقِيَاءِ الأَْبْرَارِ، وَحُبُّ أَصْحَابِهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَْنْصَارِ (٢)، كَمَا فِي حَدِيثِهِ فِي الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ﵄: " اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُمَا " (٣)، وَقَال: " اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لاَ تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ " (٤) .

_________

(١) حديث عمر ﵁: " يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء. . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١١ / ٥٢٣ ط السلفية) من حديث عبد الله بن هشام ﵁.

(٢) الشفا وشرحه ٣ / ٥٦١ - ٥٨٣، وانظر: دليل الفالحين شرح رياض الصالحين لابن علان ١ / ٤٥٩ الكويت - دار البيان، وجامع العلوم والحكم لابن رجب ص ١٥٠، بيروت - دار الخير، والصارم المسلول على شاتم الرسول لابن تيمية ص ٤٢٦.

(٣) حديث: " اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما ". أخرجه الترمذي (٥ / ٦٥٧ ط الحلبي) من حديث أسامة بن زيد ﵄، وأخرجه البخاري (فتح الباري ٧ / ٨٨ ط السلفية) من غير قوله: " وأحب من يحبهما ".

(٤) حديث: " الله الله في أصحابي. . . " أخرجه الترمذي (٥ / ٦٩٦ ط الحلبي) من حديث عبد الله بن مغفل وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

وَمِمَّا يُنْشِئُ مَحَبَّتَهُ ﷺ كَمَا قَال الْقَاضِي عِيَاضٌ إِحْسَانُهُ وَإِنْعَامُهُ عَلَى أُمَّتِهِ بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ، وَهِدَايَتُهُمْ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَشَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ وَاسْتِنْقَاذُ اللَّهِ لَهُمْ بِهِ مِنَ النَّارِ (١) .

هـ - النَّصِيحَةُ لَهُ ﷺ:

٢٩ - يَجِبُ النُّصْحُ لِلنَّبِيِّ ﷺ لِقَوْلِهِ ﷺ: " الدِّينُ النَّصِيحَةُ. قَالُوا: لِمَنْ؟ قَال: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَِئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ " (٢)، قَال الْخَطَّابِيُّ: النَّصِيحَةُ كَلِمَةٌ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ جُمْلَةِ إِرَادَةِ الْخَيْرِ لِلْمَنْصُوحِ لَهُ، وَالنَّصِيحَةُ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ التَّصْدِيقُ بِنُبُوَّتِهِ، وَبَذْل الطَّاعَةِ لَهُ فِيمَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ، وَمُؤَازَرَتُهُ وَنُصْرَتُهُ، وَقَال أَبُو بَكْرٍ الْخَفَّافُ: النَّصِيحَةُ لَهُ حِمَايَتُهُ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَإِحْيَاءُ سُنَّتِهِ بِالطَّلَبِ، وَالذَّبُّ عَنْهَا وَنَشْرُهَا. أهـ، وَقَال مِثْلُهُ أَبُو بَكْرٍ الآْجُرِّيُّ، وَأَضَافَ: النَّصِيحَةُ لَهُ الْتِزَامُ التَّوْقِيرِ وَالإِْجْلاَل، وَشِدَّةُ الْمَحَبَّةِ، وَالْمُثَابَرَةُ عَلَى تَعَلُّمِ سُنَّتِهِ وَمَحَبَّةِ آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَمُجَانَبَةُ مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِهِ وَانْحَرَفَ عَنْهَا وَبُغْضُهُ

_________

(١) الشفا ٣ / ٥٩١ - ٥٩٦.

(٢) حديث: " الدين النصيحة. . " أخرجه مسلم (١ / ٧٤ ط الحلبي) من حديث تميم الداري ﵁.

وَالتَّحْذِيرُ مِنْهُ (١) .

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (نَصِيحَة) .

وَ- تَعْظِيمُ حُرْمَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَوْقِيرُهُ:

٣٠ - تَعْظِيمُ حُرْمَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَاجِبٌ، لِعُلُوِّ مَقَامِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، الَّذِي هُوَ أَعْلَى مَقَامٍ يُمْكِنُ أَنْ يَبْلُغَهُ بَشَرٌ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢)، قَال الْقُرْطُبِيُّ: تُعَزِّرُوهُ: أَيْ تُعَظِّمُوهُ وَتُفَخِّمُوهُ، وَالتَّعْزِيرُ: التَّفْخِيمُ وَالتَّوْقِيرُ، وَقِيل: تُعَزِّرُوهُ: تَنْصُرُوهُ وَتَمْنَعُوا مِنْهُ. ثُمَّ قَال: وَتُوَقِّرُوهُ: أَيْ تُسَوِّدُوهُ. وَالْهَاءُ فِيهِمَا لِلنَّبِيِّ ﷺ (٣) .

وَقَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: التَّعْزِيرُ اسْمٌ جَامِعٌ لِنَصْرِهِ وَتَأْيِيدِهِ وَمَنْعِهِ مِنْ كُل مَا يُؤْذِيهِ، وَالتَّوْقِيرُ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُل مَا فِيهِ طُمَأْنِينَةٌ وَسَكِينَةٌ مِنَ الإِْجْلاَل وَالإِْكْرَامِ، وَأَنْ يُعَامَل مِنَ التَّشْرِيفِ وَالتَّكْرِيمِ بِمَا يَصُونُهُ عَنْ كُل مَا يُخْرِجُهُ عَنْ حَدِّ الْوَقَارِ (٤) .

وَفِيمَا يَلِي نَذْكُرُ أَهَمَّ الْمَسَائِل الْمُتَعَلِّقَةِ بِتَوْقِيرِ النَّبِيِّ ﷺ.

_________

(١) شرح الشفا ٣ / ٦٠٢ - ٦٠٥.

(٢) سورة الفتح / ٨ - ٩.

(٣) تفسير القرطبي ١٦ / ٢٦٦.

(٤) الصارم المسلول ص ٤٢٧.

تَوْقِيرُهُ فِي نِدَائِهِ وَتَسْمِيَتِهِ ﷺ:

٣١ - أُمِرَ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِتَوْقِيرِ النَّبِيِّ ﷺ حَال نِدَائِهِمْ لَهُ فَقَال تَعَالَى: لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُول بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا (١) أَيْ لاَ تَقُولُوا: يَا مُحَمَّدُ، كَمَا يَدْعُو بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِاسْمِهِ، وَلَكِنْ قُولُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، يَا رَسُول اللَّهِ (٢) .

وَقَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: نَهَاهُمُ اللَّهُ أَنْ يَقُولُوا: يَا مُحَمَّدُ، أَوْ يَا أَحْمَدُ، أَوْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، وَلَكِنْ يَقُولُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، يَا رَسُول اللَّهِ. قَال: وَكَيْفَ لاَ يُخَاطِبُونَهُ بِذَلِكَ وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَكْرَمَهُ فِي مُخَاطَبَتِهِ إِيَّاهُ بِمَا لَمْ يُكْرِمْ بِهِ أَحَدًا مِنَ الأَْنْبِيَاءِ، فَلَمْ يَدْعُهُ بِاسْمِهِ فِي الْقُرْآنِ قَطُّ (٣)، بَل يَقُول: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَِزْوَاجِكَ (٤)، يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ (٥)، يَا أَيُّهَا الرَّسُول بَلِّغْ مَا أُنْزِل إِلَيْكَ (٦) مَعَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَال: يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ (٧)، يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ (٨)

_________

(١) سورة النور / ٦٣.

(٢) النبوات لابن تيمية ص ٢٧٠، وتفسير القرطبي ١٦ / ٢٦٧، ٣٠٦، ١٢ / ٣٢٢، والشفا للقاضي عياض ٣ / ٦١٦.

(٣) الصارم المسلول ص ٤٢٧ - ٤٢٨.

(٤) سورة الأحزاب / ٢٨.

(٥) سورة الأحزاب / ١.

(٦) سورة المائدة / ٦٧.

(٧) سورة البقرة / ٣٣.

(٨) سورة هود / ٤٦.

يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا (١) يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ (٢) يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ (٣) .

وَتَوْقِيرُهُ مَشْرُوعٌ فِي حَقِّنَا عِنْدَ ذِكْرِهِ ﷺ، فَلاَ يَنْبَغِي ذِكْرُهُ بِاسْمِهِ مُجَرَّدًا، بَل لاَ بُدَّ مِنْ قَرْنِهِ بِالصَّلاَةِ وَالتَّسْلِيمِ عَلَيْهِ.

(انْظُرِ الصَّلاَة عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ف ٣ وَمَا بَعْدَهَا) .

غَضُّ الصَّوْتِ عِنْدَهُ وَتَوْقِيرُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ:

٣٢ - ذَهَبَ مَالِكٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَابْنُ سِيرِينَ وَغَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ إِذَا قُرِئَ كَلاَمُ النَّبِيِّ ﷺ وَجَبَ عَلَى كُل حَاضِرٍ أَلاَّ يَرْفَعَ صَوْتَهُ عَلَيْهِ وَلاَ يُعْرِضَ عَنْهُ، كَمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِي مَجْلِسِهِ عِنْدَ تَلَفُّظِهِ بِهِ، قَال أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: حُرْمَةُ النَّبِيِّ ﷺ مَيِّتًا كَحُرْمَتِهِ حَيَّا، وَكَلاَمُهُ الْمَأْثُورُ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي الرِّفْعَةِ مِثَال كَلاَمِهِ الْمَسْمُوعِ مِنْ لَفْظِهِ، فَإِذَا قُرِئَ كَلاَمُهُ وَجَبَ عَلَى كُل حَاضِرٍ أَنْ لاَ يَرْفَعَ صَوْتَهُ عَلَيْهِ وَلاَ يُعْرِضَ عَنْهُ كَمَا كَانَ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ

_________

(١) سورة هود / ٧٦.

(٢) سورة الأعراف / ١٤٤.

(٣) سورة المائدة / ١١٠.

فِي مَجْلِسِهِ عِنْدَ تَلَفُّظِهِ بِهِ، وَقَال الْقَاضِي عِيَاضٌ: تَوْقِيرُهُ وَتَعْظِيمُهُ لاَزِمٌ بَعْدَ مَوْتِهِ كَمَا كَانَ فِي حَيَاتِهِ، وَذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِهِ ﷺ وَذِكْرِ حَدِيثِهِ وَسُنَّتِهِ وَسَمَاعِ اسْمِهِ وَسِيرَتِهِ، وَمُعَامَلَةِ آلِهِ وَعِتْرَتِهِ، وَتَعْظِيمِ أَهْل بَيْتِهِ وَصَحَابَتِهِ ﵃. قَال: وَيَنْبَغِي مُرَاعَاةُ ذَلِكَ بَعْدَ وَفَاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عِنْدَ قَبْرِهِ (١) .

تَوْقِيرُ آل النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ ﵃ وَبِرُّهُمْ وَحُبُّهُمْ:

٣٣ - قَال أَبُو بَكْرٍ ﵁: " ارْقُبُوا مُحَمَّدًا فِي أَهْل بَيْتِهِ " وَقَال أَيْضًا: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ النَّبِيِّ ﷺ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِل مِنْ قَرَابَتِي ".

وَأَمَّا أَصْحَابُهُ ﷺ فَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِإِيمَانِهِمْ وَإِحْسَانِهِمْ وَجِهَادِهِمْ فَقَال تَعَالَى: مُحَمَّدٌ رَسُول اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ (٢)، وَقَال: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ (٣)،

_________

(١) تفسير القرطبي ١٦ / ٣٠٧، والشفا للقاضي عياض ٣ / ٦٤٣، ٦٤٤، ٦٦٠. أحكام القرآن لابن العربي ٤ / ١٤٦.

(٢) سورة الفتح / ٢٩.

(٣) سورة الفتح / ١٨.

وَقَال: وَالسَّابِقُونَ الأَْوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَْنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ (١) وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ فِي الأَْنْصَارِ: " إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَنِي وَاخْتَارَ لِي أَصْحَابًا، فَجَعَل لِي مِنْهُمْ وُزَرَاءَ وَأَنْصَارًا وَأَصْهَارًا، فَمَنْ سَبَّهُمْ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ " (٢) .

قَال الْقَاضِي عِيَاضٌ: مِنْ تَوْقِيرِهِ وَبِرِّهِ ﷺ تَوْقِيرُ أَصْحَابِهِ وَبِرُّهُمْ وَمَعْرِفَةُ حَقِّهِمْ وَحُسْنُ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ وَالاِسْتِغْفَارُ لَهُمْ، وَالإِْمْسَاكُ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، وَمُعَادَاةُ مَنْ عَادَاهُمْ، وَالإِْضْرَابُ عَنْ أَخْبَارِ الْمُؤَرِّخِينَ الْقَادِحَةِ فِي أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَلاَ يُذْكَرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِسُوءٍ (٣) .

ز - الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَيْهِ:

٣٤ - الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَشْرُوعَةٌ مَأْمُورٌ بِهَا بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٤) .

_________

(١) سورة التوبة / ١٠٠.

(٢) حديث: " إن الله اختار لي. . . " أخرجه الطبراني في الأوسط (١ / ٢٨٢ ط مكتبة المعارف) من حديث عويم بن ساعدة، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠ / ١٧): وفيه من لم أعرفه.

(٣) الشفا للقاضي عياض ٣ / ٦٧٠، ٦٨٢ - ٦٨٥، وشرح العقيدة الطحاوية ص ٤٦٧.

(٤) سورة الأحزاب / ٥٦.

وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى وُجُوبِ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي مُوَاطِنَ وَاسْتِحْبَابِهَا فِي مَوَاطِنَ أُخْرَى.

وَفِي صِيغَةِ الصَّلاَةِ وَالتَّسْلِيمِ وَأَوْقَاتِهَا وَأَحْكَامِهَا تَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (الصَّلاَة عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ف ٣ وَمَا بَعْدَهَا) .

ح - سُؤَال الْوَسِيلَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ:

٣٥ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ لِلْمُسْلِمِ الدُّعَاءُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِرِفْعَةِ مَقَامِهِ فِي الآْخِرَةِ، وَذَلِكَ بِسُؤَال الْوَسِيلَةِ لَهُ، وَمَوْضِعُ ذَلِكَ بَعْدَ تَمَامِ الأَْذَانِ وَإِجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ، لِمَا وَرَدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ مَرْفُوعًا: " إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْل مَا يَقُول، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لاَ تَنْبَغِي إِلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَل اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ " (١) .

وَالصِّيغَةُ الْمَنْدُوبَةُ لِذَلِكَ وَرَدَتْ فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: " مَنْ قَال حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ

_________

(١) حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٢٨٨ ط عيسى الحلبي) .

الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلاَةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ " (١) .

وَقَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: وَيُسَنُّ الدُّعَاءُ الْمَذْكُورُ عِنْدَ الإِْقَامَةِ أَيْضًا (٢) .

ط - التَّوَسُّل بِالنَّبِيِّ ﷺ:

٣٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ فِي التَّوَسُّل بِالنَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَعْنَى الإِْيمَانِ بِهِ وَمَحَبَّتِهِ، وَذَلِكَ كَأَنْ يَقُول: أَسْأَلُكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ، وَيُرِيدُ: أَنِّي أَسْأَلُكَ بِإِيمَانِي بِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَأَتَوَسَّل إِلَيْكَ بِإِيمَانِي بِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (تَوَسُّل ف ٨ - ١٤) .

ي - طَلَبُ شَفَاعَتِهِ ﷺ:

٣٧ - طَلَبُ الشَّفَاعَةِ مِنْهُ ﷺ فِي حَيَاتِهِ جَائِزٌ، كَمَا شَفَعَ ﷺ لِمُغِيثٍ زَوْجِ بَرِيرَةَ عِنْدَمَا خُيِّرَتْ لَمَّا عَتَقَتْ بَيْنَ الْبَقَاءِ مَعَهُ وَبَيْنَ مُفَارَقَتِهِ، فَشَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُ لِتَرْضَى بِالْبَقَاءِ مَعَهُ، فَقَالَتْ: " لاَ حَاجَةَ

_________

(١) حديث جابر بن عبد الله: " من قال حين يسمع النداء ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٩٤ ط السلفية) .

(٢) المغني لابن قدامة ١ / ٤٢٨ ط ثالثة، وتفسير ابن كثير ٢ / ٥٣، وفتح القدير على الهداية ١ / ٢٥٠ ط مكة، المكتبة التجارية، ونهاية المحتاج للرملي ١ / ٤٢٢، والمهذب للشيرازي تحقيق محمد الزحيلي ١ / ٢٠٤ - بيروت، دار القلم.

لِي فِيهِ " (١) .

وَكَذَلِكَ يَتَشَفَّعُ بِهِ بَنُو آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَشْفَعُ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى لِتَعْجِيل الْحِسَابِ، كَمَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ.

وَأَمَّا بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ فَإِنَّ طَلَبَ الشَّفَاعَةِ مِنْهُ لاَ بَأْسَ بِهِ، بِأَنْ يَتَوَجَّهَ الْعَبْدُ بِالدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَيَقُول: اللَّهُمَّ شَفِّعْ فِينَا نَبِيَّكَ مُحَمَّدًا ﷺ.

وَانْظُرْ (شَفَاعَة ف ٦ - ٨)

ك - الْحَلِفُ بِالنَّبِيِّ ﷺ أَوْ بِغَيْرِهِ مِنَ الأَْنْبِيَاءِ:

٣٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْحَلِفِ بِالأَْنْبِيَاءِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُهُمْ إِلَى كَرَاهَةِ الْحَلِفِ بِالأَْنْبِيَاءِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ.

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (أَيْمَان ف ٤٧ - ٥١) .

ل - التَّبَرُّكُ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَبِآثَارِهِ:

٣٩ - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّبَرُّكِ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَبِآثَارِهِ، وَأَوْرَدَ عُلَمَاءُ السِّيرَةِ وَالشَّمَائِل وَالْحَدِيثِ أَخْبَارًا كَثِيرَةً تُمَثِّل تَبَرُّكَ الصَّحَابَةِ ﵃ بِصُوَرٍ مُتَعَدِّدَةٍ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَآثَارِهِ.

_________

(١) حديث: " لا حاجة لي فيه " أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٤٠٨ ط السلفية) من حديث ابن عباس ﵄.