الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠ الصفحة 10

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠

وَقَال ﷺ: " لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى " (١) . فَقِيل: هَذَا كَانَ قَبْل أَنْ تَنْزِل عَلَيْهِ آيَاتُ التَّفْضِيل، وَقَبْل أَنْ يَعْلَمَ بِأَنَّهُ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ. فَعَلَى هَذَا: التَّفْضِيل الآْنَ جَائِزٌ.

وَقِيل: إِنَّمَا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى سَبِيل التَّوَاضُعِ.

وَقِيل: إِنَّمَا نَهَى عَنِ الْخَوْضِ فِي ذَلِكَ لِئَلاَّ يُؤَدِّيَ إِلَى أَنْ يُذْكَرَ بَعْضُهُمْ بِمَا لاَ يَنْبَغِي، وَيَقِل احْتِرَامُهُ عِنْدَ الْمُمَارَاةِ.

وَقَال ابْنُ عَطِيَّةَ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ: إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ تَعْيِينِ الْمَفْضُول، بِخِلاَفِ مَا لَوْ فُضِّل مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ.

وَقَال شَارِحُ الطَّحَاوِيَّةِ: الْمَنْهِيُّ عَنْهُ التَّفْضِيل إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْعَصَبِيَّةِ وَالْفَخْرِ وَالْحَمِيَّةِ وَهَوَى النَّفْسِ، أَوْ عَلَى وَجْهِ الاِنْتِقَاصِ لِلْمَفْضُول.

وَاخْتَارَ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّ الْمَنْعَ مِنَ التَّفْضِيل إِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ النُّبُوَّةِ الَّتِي هِيَ خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ لاَ تَفَاضُل فِيهَا، وَالتَّفْضِيل فِي زِيَادَةِ الأَْحْوَال وَالْخُصُوصِ وَالْكَرَامَاتِ وَالأَْلْطَافِ (٢) .

_________

(١) حديث: " لا يقولن أحدكم إني خير من يونس بن متى ". سبق تخريجه ف ١٦.

(٢) تفسير القرطبي ٣ / ٢٦١، ٢٦٣، وتفسير ابن كثير ٣ / ٤٧ و١ / ٣٠٤، وفتح الباري ٦ / ٤٥٢، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني ١ / ٤٩، ٥٥، والصارم المسلول ص ٥٦٦.

الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ الأَْنْبِيَاءِ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْخَلْقِ:

٢٠ - لاَ خِلاَفَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الأَْنْبِيَاءَ أَفْضَل عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ سَائِرِ الْبَشَرِ غَيْرِ الأَْنْبِيَاءِ، وَمِنْ جَمِيعِ الأَْوْلِيَاءِ؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ إِلَى أَنْ قَال: وَإِسْمَاعِيل وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (١) فَقَوْلُهُ: وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ وَرَدَ بَعْدَ ذِكْرِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ نَبِيًّا، مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ كُلًّا مِنَ الأَْنْبِيَاءِ أَفْضَل مِنْ سَائِرِ النَّاسِ. وَقَال تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالاَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (٢) . قَال الطَّحَاوِيُّ: وَلاَ نُفَضِّل أَحَدًا مِنَ الأَْوْلِيَاءِ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الأَْنْبِيَاءِ، وَنَقُول: نَبِيٌّ وَاحِدٌ أَفْضَل مِنْ جَمِيعِ الأَْوْلِيَاءِ.

وَاخْتُلِفَ هَل الأَْنْبِيَاءُ أَفْضَل أَمِ الْمَلاَئِكَةُ؟ فَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ خَوَاصَّ بَنِي آدَمَ، وَهُمُ الأَْنْبِيَاءُ أَفْضَل مِنْ كُل الْمَلاَئِكَةِ، وَعَوَّامَ بَنِي آدَمَ وَهُمُ الأَْتْقِيَاءُ أَفْضَل مِنْ عَوَامِّ الْمَلاَئِكَةِ. وَالْمَسْأَلَةُ عِنْدَهُمْ خِلاَفِيَّةٌ ظَنِّيَّةٌ، وَرُوِيَ التَّوَقُّفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ لِعَدَمِ الْقَاطِعِ، وَتَفْوِيضِ عِلْمِ مَا لَمْ يَحْصُل لَنَا الْجَزْمُ بِعِلْمِهِ

_________

(١) سورة الأنعام / ٨٣ - ٨٦.

(٢) سورة النمل / ١٥.

إِلَى عَالِمِهِ.

وَأَطْلَقَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ الْقَوْل بِأَنَّ أَهْل السُّنَّةِ يَقُولُونَ بِتَفْضِيل الأَْنْبِيَاءِ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ، قَال: عَلَى خِلاَفِ قَوْل الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْل مَعَ أَكْثَرِ الْقَدَرِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِتَفْضِيل الْمَلاَئِكَةِ عَلَى الأَْنْبِيَاءِ (١) .

التَّسَمِّي بِأَسْمَاءِ الأَْنْبِيَاءِ:

٢١ - لاَ بَأْسَ بِالتَّسَمِّي بِأَسْمَاءِ الأَْنْبِيَاءِ، وَاسْتَحَبَّهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي وَهْبٍ الْجُشَمِيِّ، قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: " تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الأَْنْبِيَاءِ " (٢)، قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: وَقَدْ قَال سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: أَحَبُّ الأَْسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ أَسْمَاءُ الأَْنْبِيَاءِ. قَال: وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ يَدُل عَلَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ أَحَبُّ الأَْسْمَاءِ (٣) .

_________

(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ١ / ٣٥٤، والفرق بين الفرق ص ٣٤٣، وتفسير القرطبي ٦ / ٢٦، وتفسير فتح القدير للشوكاني ١ / ٥٤٢ والكشاف وبذيله الإنصاف لابن المنير ١ / ٤٦٠، وشرح العقيدة الطحاوية ٢ / ٧٤١.

(٢) حديث: " تسموا بأسماء الأنبياء ". أخرجه أبو داود (٥ / ٢٣٧ ط حمص)، وأحمد (٤ / ٣٤٥ ط الميمنية)، وذكر الذهبي في ميزان الاعتدال (٣ / ٨٨ ط الحلبي) أن راويه عن الصحابي فيه جهالة

(٣) تحفة المودود بأحكام المولود لابن القيم ص ٦٦ بتصحيح وتعليق عبد الحكيم شرف الدين. والحديث الذي عناه ابن القيم هو حديث ابن عمر مرفوعا: " إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن " أخرجه مسلم (٣ / ١٦٨٢ ط الحلبي) .

وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: " وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ غُلاَمٌ فَسَمَّيْتُهُ بَاسِمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ " (١) .

وَقِيل: يُكْرَهُ التَّسَمِّي بِأَسْمَائِهِمْ، قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: وَلَعَل مَنْ قَال ذَلِكَ قَصَدَ صِيَانَةَ أَسْمَائِهِمْ عَنِ الاِبْتِذَال (٢)، وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (تَسْمِيَة ف ١١) .

حُكْمُ مَنْ آذَى نَبِيًّا أَوِ انْتَقَصَهُ:

٢٢ - مَنْ آذَى نَبِيًّا مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَى نُبُوَّتِهِمْ، أَوْ سَبَّهُ، أَوِ اسْتَخَفَّ بِهِ، أَوْ كَذَّبَهُ أَوْ جَوَّزَ عَلَيْهِ الْكَذِبَ، فَقَدْ كَفَرَ، وَحُكْمُهُ كَحُكْمِ مَنْ فَعَل ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، لأَِنَّ الأَْنْبِيَاءَ فَضَّلَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْبَشَرِ جَمِيعًا، كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٣) فَفِي انْتِقَاصِ أَحَدٍ مِنْهُمْ تَكْذِيبٌ لِلْقُرْآنِ.

وَهَذَا بِخِلاَفِ مَنِ اخْتُلِفَ فِي نُبُوَّتِهِ مِنْهُمْ. قَال الْقَاضِي عِيَاضٌ: لَيْسَ الْحُكْمُ فِي سَابِّ أَحَدٍ مِنَ الْمُخْتَلَفِ فِي نُبُوَّتِهِ مِنْهُمْ وَالْكَافِرِ بِهِ كَالْحُكْمِ

_________

(١) حديث: " ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم ". أخرجه مسلم (٤ / ١٨٠٧ ط عيسى الحلبي) .

(٢) تحفة المودود ص ٦١، وكشاف القناع ٣ / ٢٦.

(٣) سورة الأنعام / ٨٦.

فِيمَنِ اتُّفِقَ عَلَى نُبُوَّتِهِ، إِذْ لَمْ تَثْبُتْ لَهُمْ تِلْكَ الْحُرْمَةُ، وَلَكِنْ يُزْجَرُ مَنْ تَنَقَّصَهُمْ وَآذَاهُمْ، وَيُؤَدَّبُ بِقَدْرِ حَال الْمَقُول فِيهِ، لاَ سِيَّمَا مَنْ عُرِفَتْ صِدِّيقِيَّتُهُ وَفَضْلُهُ مِنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ نُبُوَّتُهُمْ. قَال: وَأَمَّا إِنْكَارُ نُبُوَّتِهِمْ فَإِنْ كَانَ الْمُتَكَلِّمُ فِي ذَلِكَ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ فَلاَ حَرَجَ عَلَيْهِ، لاِخْتِلاَفِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ عَوَامِّ النَّاسِ زُجِرَ عَنِ الْخَوْضِ فِي مِثْل هَذَا، فَإِنْ عَادَ أُدِّبَ (١) .

حُكْمُ تَصْوِيرِ الأَْنْبِيَاءِ:

٢٣ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى تَحْرِيمِ تَصْوِيرِ كُل ذِي رُوحٍ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ.

وَتَصْوِيرُ الأَْنْبِيَاءِ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ بِهِمْ وَتَطَوُّرَ الأَْمْرِ إِلَى عِبَادَةِ صُوَرِهِمْ وَتَمَاثِيلِهِمْ كَمَا يَفْعَلُهُ جَهَلَةُ النَّصَارَى.

وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ ﷺ قَال فِيهِمْ: " إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُل الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " (٢) .

_________

(١) الشفا وشرحه ٥ / ٤٩٢ - ٥٠٣، وانظر الصارم المسلول على شاتم الرسول لابن تيمية ص ٥٦٧، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٨٠ - ٢٨٢، ٣٦٠، والذخيرة للقرافي ١٢ / ٢٠، ٢٧، والزواجر عن اقتراف الكبائر للهيتمي ١ / ٥٥، ومغني المحتاج ٤ / ١٣٣ - ١٣٥.

(٢) حديث: " إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٥٢٤ ط السلفية) ومسلم (١ / ٣٧٦) من حديث عائشة ﵂، واللفظ للبخاري.

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا رَأَى الصُّوَرَ فِي الْبَيْتِ لَمْ يَدْخُل حَتَّى أَمَرَ بِهَا فَمُحِيَتْ، وَرَأَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيل عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ بِأَيْدِيهِمَا الأَْزْلاَمُ، فَقَال: " قَاتَلَهُمُ اللَّهُ، وَاللَّهِ إِنِ اسْتَقْسَمَا بِالأَْزْلاَمِ قَطُّ " (١) .

وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (تَصْوِير ف ٢٦) .

نَبِيُّ اللَّهِ مُحَمَّدٌ ﷺ:

٢٤ - النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ ﷺ، اصْطَفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى وَشَرَّفَهُ بِالنُّبُوَّةِ، وَجَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ وَرَسُولًا إِلَى الثَّقَلَيْنِ، وَخَتَمَ اللَّهُ تَعَالَى النُّبُوَّاتِ بِهِ، فَلاَ نَبِيَّ بَعْدَهُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ.

وَتَتَعَلَّقُ بِهِ وَلأَِفْعَالِهِ ﷺ وَبِأَفْعَال الْمُكَلَّفِينَ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:

أ - التَّأَسِّي بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ:

٢٥ - مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مُكَلَّفًا بِهِ بِمُقْتَضَى عُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ تَعَالَى، فَالأُْمَّةُ مُكَلَّفَةٌ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ إِلاَّ مَا اسْتُثْنِيَ مِمَّا اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِهِ، وَالدَّلِيل عَلَى اقْتِدَاءِ الأُْمَّةِ بِهِ ﷺ وَالتَّأَسِّي بِأَفْعَالِهِ، مَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: " صَلُّوا كَمَا

_________

(١) حديث: " أن النبي ﷺ لما رأى الصور في البيت. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٦ / ٣٨٧ ط السلفية) من حديث ابن عباس ﵄.

رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي " (١)، وَقَوْلِهِ: " خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ " (٢)، وَقَوْلِهِ: " لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغَبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي " (٣) .

وَالدَّلِيل كَذَلِكَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُول اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآْخِرَ (٤) .

وَكَانَ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَحْتَجُّونَ بِهَذِهِ الآْيَةِ عَلَى الْمُمَاثَلَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل أَبِي بَكْرٍ ﵁: إِنِّي وَاللَّهِ لاَ أَدَعُ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُهُ فِي هَذَا الْمَال إِلاَّ صَنَعْتُهُ، إِنِّي أَخْشَى إِنْ تَرَكْتُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ أَنْ أَزِيغَ.

وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَكَبَّ عَلَى الرُّكْنِ فَقَال: إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ، وَلَوْلاَ أَنِّي رَأَيْتُ حَبِيبِي ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا

_________

(١) حديث: " صلوا كما رأيتموني أصلي ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ١١١ ط السلفية) من حديث مالك بن الحويرث ﵁.

(٢) حديث: " خذوا عني مناسككم ". أخرجه مسلم (٢ / ٩٤٣ ط الحلبي) والبيهقي (٥ / ١٢٥ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث جابر بن عبد الله، واللفظ للبيهقي.

(٣) حديث: " لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد. . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ١٠٤ ط السلفية) ومسلم (٢ / ١٠٢٠ ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك، واللفظ للبخاري.

(٤) سورة الأحزاب / ٢١.

قَبَّلْتُكَ، لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُول اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ أَحَدَ أَصْحَابِهِ نَزَل عَنْ رَاحِلَتِهِ فَأَوْتَرَ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ، فَقَال: أَيْنَ كُنْتَ؟ قَال: خَشِيتُ الْفَجْرَ فَنَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ. فَقَال ابْنُ عُمَرَ: أَلَيْسَ لَكَ فِي رَسُول اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ؟ قَال: بَلَى وَاللَّهِ. قَال: إِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ. (١) .

ب - خَصَائِصُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ:

٢٦ - اخْتَصَّ النَّبِيُّ ﷺ بِخَصَائِصَ وَمَقَامَاتٍ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ لَيْسَتْ لِسَائِرِ النَّاسِ، وَهَذِهِ الْخَصَائِصُ أَنْوَاعٌ:

أَوَّلًا: الأَْحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ الَّتِي لاَ تَتَعَدَّاهُ إِلَى أُمَّتِهِ كَكَوْنِهِ لاَ يُورَثُ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

ثَانِيًا: الْمَزَايَا الأُْخْرَوِيَّةُ كَإِعْطَائِهِ الشَّفَاعَةَ وَكَوْنِهِ أَوَّل مَنْ يَدْخُل الْجَنَّةَ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

ثَالِثًا: الْفَضَائِل الدُّنْيَوِيَّةُ كَكَوْنِهِ أَصْدَقَ النَّاسِ حَدِيثًا.

رَابِعًا: الْمُعْجِزَاتُ كَانْشِقَاقِ الْقَمَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

وَالأَْحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ الَّتِي اخْتَصَّ بِهَا ﷺ

_________

(١) انظر: المعتمد لأبي الحسين البصري ١ / ٣٧٧، والمغني لعبد الجبار ١٧ / ٢٥٧، وقد نقلا الإجماع على هذه القاعدة، والإحكام للآمدي ١ / ٢٦٥ ونقل فيها خلافا، وتيسير التحرير ٣ / ١٢٠، وفتح الباري ١١ / ٩٤.

لاَ تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا وَاجِبَةً أَوْ مُحَرَّمَةً أَوْ مُبَاحَةً.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (اخْتِصَاص ف ٧ وَمَا بَعْدَهَا) .

ج - الإِْيمَانُ بِهِ ﷺ:

٢٧ - يَجِبُ عَلَى كُل مُكَلَّفٍ تَصْدِيقُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ فِيمَا جَاءَ بِهِ، وَذَلِكَ مِمَّا لاَ يَتِمُّ الإِْيمَانُ إِلاَّ بِهِ.

كَمَا يَجِبُ عَلَى كُل مُكَلَّفٍ الشَّهَادَةُ لِلَّهِ تَعَالَى بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَلَهُ ﷺ بِالرِّسَالَةِ، لأَِنَّ الشَّهَادَةَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الإِْسْلاَمِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا (١)، وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِل النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ " (٢) .

وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (إِسْلاَم ف ١٦ - ٢٠) .

د ـ مَحَبَّتُهُ ﷺ:

٢٨ - يَجِبُ عَلَى كُل مُسْلِمٍ أَنْ يُحِبَّ اللَّهَ

_________

(١) سورة التغابن / ٨.

(٢) حديث: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٥٢ ط الحلبي) من حديث أبي هريرة ﵁.

وَرَسُولَهُ أَكْثَرَ مِمَّا يُحِبُّ أَحَدًا أَوْ شَيْئًا سِوَاهُمَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: قُل إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١) قَال الْقَاضِي عِيَاضٌ: فِي هَذَا حَضٌّ وَتَنْبِيهٌ وَدَلاَلَةٌ وَحُجَّةٌ عَلَى إِلْزَامِ مَحَبَّتِهِ، وَوُجُوبِ فَرْضِهَا، وَعِظَمِ خَطَرِهَا، وَاسْتِحْقَاقِهِ لَهَا ﷺ، إِذْ قَرَعَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ كَانَ مَالُهُ وَوَلَدُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَوْعَدَهُمْ بِقَوْلِهِ: حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ فَسَّقَهُمْ بِتَمَامِ الآْيَةِ (٢) .

وَقَال النَّبِيُّ ﷺ: " لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ " (٣)، وَقَال عُمَرُ ﵁ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ: يَا رَسُول اللَّهِ، لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُل شَيْءٍ إِلاَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَال ﷺ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ ". فَقَال عُمَرُ: فَإِنَّهُ الآْنَ

_________

(١) سورة التوبة / ٢٤.

(٢) الشفا ٣ / ٥٣٥ - ٥٣٨.

(٣) حديث: " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٥٨ ط السلفية) ومسلم (١ / ٦٧ ط الحلبي) من حديث أنس ﵁.