الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤ الصفحة 57

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤

وَقَدْ تُطْلَقُ الإِْشَاعَةُ عَلَى الأَْخْبَارِ الَّتِي لاَ يُعْلَمُ مَنْ أَذَاعَهَا (١) .

وَكَثِيرًا مَا يُعَبِّرُ الْفُقَهَاءُ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى بِأَلْفَاظٍ أُخْرَى غَيْرِ الإِْشَاعَةِ كَالاِشْتِهَارِ، وَالإِْفْشَاءِ، وَالاِسْتِفَاضَةِ (٢) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٢ - قَدْ تَكُونُ الإِْشَاعَةُ حَرَامًا، إِذَا كَانَتْ إِظْهَارًا لِمَا يَمَسُّ أَعْرَاضَ النَّاسِ كَإِشَاعَةِ الْفَاحِشَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ﴾ (٣) .

هَذَا هُوَ الْحُكْمُ الأُْخْرَوِيُّ، وَبِالنِّسْبَةِ لِلْحُكْمِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الإِْشَاعَةِ الْكَاذِبَةِ فَهُوَ حَدُّ الْقَذْفِ إِنْ تَوَفَّرَتْ شُرُوطُهُ، وَإِلاَّ فَالتَّعْزِيرُ. ر: (قَذْف، تَعْزِير) .

أَمَّا الْمُشَاعُ عَنْهُ فَلاَ عُقُوبَةَ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الإِْشَاعَةِ، قَال الْقَلْيُوبِيُّ: لاَ يُكْتَفَى بِالإِْشَاعَةِ - أَيْ شُيُوعِ الزِّنَى - فِي جَوَازِ الْقَذْفِ، لأَِنَّ السَّتْرَ مَطْلُوبٌ (٤) . وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَجْلِسُ الشَّيْطَانُ بَيْنَ الْجَمَاعَةِ، فَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ فَيَتَحَدَّثُونَ بِهَا، وَيَقُولُونَ: لاَ نَدْرِي مَنْ قَالَهَا (٥) .

_________

(١) ابن عابدين ١ / ٩٧، ٤١٥، ٥ / ٤٢٠ ط بولاق ثالثة، والجواهر ١ / ٢٧٥ ط دار المعرفة، والنظم المستعذب بهامش المهذب ٢ / ٣١٠ ط دار المعرفة.

(٢) الجواهر ٢ / ٢٤١، ٢٤٢، وابن عابدين ١ / ٩٧، وقليوبي ٤ / ٣٢ ط الحلبي، والقرطبي ١٢ / ٢٠٦ ط دار الكتب، وهامش المهذب ٢ / ٣٢٦.

(٣) سورة النور / ١٩.

(٤) القرطبي ١٢ / ٢٠٦، وقليوبي ٤ / ٣٢.

(٥) ورد في آخر الزمان " يجلس الشيطان. . . . " أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه (١ / ١٢ - ط الحلبي) عن عبد الله بن مسعود موقوفا عليه أنه قال: " إن الشيطان ليتمثل في صورة الرجل فيأتي القوم فيحدثهم بالحديث من الكذب فيتفرقون، فيقول الرجل منهم: سمعت رجلا أعرف وجهه

فَمِثْل هَذَا لاَ يَنْبَغِي أَنْ يُسْمَعَ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَثْبُتَ بِهِ حُكْمٌ.

عَلَى أَنَّ مِنْ وَاجِبِ أُولِي الأَْمْرِ قَطْعَ دَابِرِ الْفَسَادِ بِالطُّرُقِ الْمُنَاسِبَةِ.

٣ - وَقَدْ تَكُونُ الإِْشَاعَةُ طَرِيقًا لِثُبُوتِ بَعْضِ الأَْحْكَامِ، وَمِنْ ذَلِكَ: أَيْمَانُ الْقَسَامَةِ، فَإِنَّهَا يُكْتَفَى لِطَلَبِهَا بِالإِْشَاعَةِ، فَالإِْشَاعَةُ هُنَا تُعْتَبَرُ لَوْثًا (١) .

وَمِنْ ذَلِكَ: سُقُوطُ الْحَدِّ عَنِ الزَّوْجَيْنِ إِنْ دَخَلاَ بِلاَ شُهُودٍ وَثَبَتَ الْوَطْءُ. إِنْ فَشَا النِّكَاحُ، أَيْ شَاعَ وَاشْتُهِرَ (٢) .

٤ - وَإِذَا كَانَ إِظْهَارُ الشَّيْءِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَنْعُ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ، فَإِنَّ إِشَاعَتَهُ تَكُونُ مَطْلُوبَةً، وَذَلِكَ كَإِشَاعَةِ الرَّضَاعَةِ مِمَّنْ تُرْضِعُ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ:

الْوَاجِبُ عَلَى النِّسَاءِ أَلاَّ يَرْضِعْنَ كُل صَبِيٍّ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَإِذَا أَرْضَعْنَ فَلِيَحْفَظْنَ ذَلِكَ، وَلْيَشْهَرْنَهُ وَيَكْتُبْنَهُ احْتِيَاطًا (٣) . مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٥ - تُنْظَرُ مَوَاطِنُ الإِْشَاعَةِ فِي أَبْوَابِ الرَّضَاعِ، وَالنِّكَاحِ، وَالشَّهَادَةِ وَالْقَسَامَةِ، وَالصِّيَامِ (فِي رُؤْيَةِ الْهِلاَل) وَالْقَذْفِ، وَأَصْل الْوَقْفِ، وَثُبُوتِ النَّسَبِ.

_________

(١) قليوبي ٤ / ٣٢، ١٦٥.

(٢) الجواهر ١ / ٢٧٥.

(٣) ابن عابدين ٢ / ٤١٥.

أَشْبَاه

التَّعْرِيفُ اللُّغَوِيُّ:

١ - الأَْشْبَاهُ جَمْعٌ مُفْرَدُهُ شَبَهٌ، وَالشَّبَهُ وَالشِّبْهُ: الْمِثْل، وَالْجَمْعُ أَشْبَاهٌ، وَأَشْبَهَ الشَّيْءَ مَاثَلَهُ، وَبَيْنَهُمْ أَشْبَاهٌ أَيْ أَشْيَاءُ يَتَشَابَهُونَ بِهَا (١) .

التَّعْرِيفُ الاِصْطِلاَحِيُّ:

أ - عِنْدَ الْفُقَهَاءِ:

٢ - لاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِلَفْظِ الأَْشْبَاهِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

ب - عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ:

٣ - اخْتَلَفَ الأُْصُولِيُّونَ فِي تَعْرِيفِ الشَّبَهِ، حَتَّى قَال إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيُّ: لاَ يُمْكِنُ تَحْدِيدُهُ، وَقَال غَيْرُهُ: يُمْكِنُ تَحْدِيدُهُ.

فَقِيل: هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الأَْصْل وَالْفَرْعِ بِوَصْفٍ يُوهِمُ اشْتِمَالَهُ عَلَى الْحِكْمَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِحُكْمٍ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، كَقَوْل الشَّافِعِيِّ فِي النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ: طَهَارَتَانِ فَأَنَّى تَفْتَرِقَانِ.

وَقَال الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: هُوَ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ لاَ يُنَاسِبُ الْحُكْمَ بِذَاتِهِ، لَكِنَّهُ يَكُونُ مُسْتَلْزِمًا لِمَا يُنَاسِبُهُ بِذَاتِهِ.

_________

(١) لسان العرب مادة (شبه) .

وَحَكَى الأَْبْيَارِيُّ فِي " شَرْحِ الْبُرْهَانِ " عَنِ الْقَاضِي أَنَّهُ: مَا يُوهِمُ الاِشْتِمَال عَلَى وَصْفٍ مُخَيَّلٍ.

وَقِيل: الشَّبَهُ هُوَ الَّذِي لاَ يَكُونُ مُنَاسِبًا لِلْحُكْمِ وَلَكِنْ عُرِفَ اعْتِبَارُ جِنْسِهِ الْقَرِيبِ فِي الْجِنْسِ الْقَرِيبِ (١) .

وَأَوْضَحُ تَعْرِيفٍ لَهُ هُوَ مَا قَالَهُ شَارِحُ مُسْلِمٍ الثُّبُوتُ: الشَّبَهُ هُوَ مَا لَيْسَ بِمُنَاسِبٍ لِتُرَاثِهِ، بَل يُوهِمُ الْمُنَاسَبَةَ، وَذَلِكَ التَّوَهُّمُ إِنَّمَا هُوَ بِالْتِفَاتِ الشَّارِعِ إِلَيْهِ فِي بَعْضِ الأَْحْكَامِ، فَيُتَوَهَّمُ فِيهِ الْمُنَاسَبَةُ، كَقَوْلِكَ: إِزَالَةُ الْخَبَثِ طَهَارَةٌ تُرَادُ لِلصَّلاَةِ فَتَعَيَّنَ فِيهَا الْمَاءُ، وَلاَ يَجُوزُ مَائِعٌ آخَرُ، كَإِزَالَةِ الْحَدَثِ يَتَعَيَّنُ فِيهَا الْمَاءُ (٢) .

وَفِي الْمُسْتَصْفَى: قِيَاسُ الشَّبَهِ هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْفَرْعِ وَالأَْصْل بِوَصْفٍ، مَعَ الاِعْتِرَافِ بِأَنَّ ذَلِكَ الْوَصْفَ لَيْسَ عِلَّةً لِلْحُكْمِ، وَذَلِكَ كَقَوْل أَبِي حَنِيفَةَ مَسْحُ الرَّأْسِ لاَ يَتَكَرَّرُ تَشْبِيهًا لَهُ بِمَسْحِ الْخُفِّ وَالتَّيَمُّمِ، وَالْجَامِعُ أَنَّهُ مَسْحٌ، فَلاَ يُسْتَحَبُّ فِيهِ التَّكْرَارُ قِيَاسًا عَلَى التَّيَمُّمِ وَمَسْحِ الْخُفِّ (&# x٦٦٣ ;) .

وَفِي الرِّسَالَةِ يَقُول الشَّافِعِيُّ فِي قِيَاسِ الشَّبَهِ: يَكُونُ الشَّيْءُ لَهُ فِي الأُْصُول أَشْبَاهٌ، فَذَلِكَ يَلْحَقُ بِأَوْلاَهَا بِهِ وَأَكْثَرِهَا شَبَهًا فِيهِ، فَقَدْ يَخْتَلِفُ الْقَايِسُونَ فِي هَذَا (٤) .

_________

(١) إرشاد الفحول للشوكاني ص ٢١٩ ط مصطفى الحلبي.

(٢) فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت بهامش المستصفى ٢ / ٣٠١ ط بولاق (الأميرية) .

(٣) المستصفى ٢ / ٣١١، ٣١٢ ط السابقة.

(٤) الرسالة ص ٤٧٩ ط مصطفى الحلبي تحقيق الشيخ أحمد شاكر.

صِفَتُهُ (الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ):

أَوَّلًا: عِنْدَ الْفُقَهَاءِ:

٤ - إِذَا نِيطَ الْحُكْمُ بِأَصْلٍ فَتَعَذَّرَ انْتَقَل إِلَى أَقْرَبِ شَبَهٍ لَهُ (١) . وَلِذَلِكَ اعْتَبَرَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الشَّبَهَ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْحُكْمِ فِي أَبْوَابٍ مُعَيَّنَةٍ، مِنْ ذَلِكَ جَزَاءُ صَيْدِ الْمُحْرِمِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْل مَا قَتَل مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) أَيْ يَحْكُمَانِ فِيهِ بِأَشْبَهِ الأَْشْيَاءِ (٣)، وَمِنْ ذَلِكَ فِي النَّسَبِ مَا رُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: دَخَل عَلَيَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مَسْرُورٌ تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ فَقَال: أَيْ عَائِشَةُ.، أَلَمْ تَرَيْ إِلَى مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ دَخَل فَرَأَى أُسَامَةَ وَزَيْدًا وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا، فَقَال: إِنَّ هَذِهِ الأَْقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ (٤) .

وَذَلِكَ يَدُل عَلَى أَنَّ إِلْحَاقَ الْقَافَةِ يُفِيدُ النَّسَبَ لِسُرُورِ النَّبِيِّ ﷺ بِهِ، وَهُوَ لاَ يُسَرُّ بِبَاطِلٍ. وَقَدْ أَخَذَ بِهَذَا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ.

٥ - وَيُشْتَرَطُ فِي الْقَضَاءِ بِالشَّبَهِ قَوْل أَهْل الْخِبْرَةِ وَالْمَعْرِفَةِ فِي الأَْمْرِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ التَّخَاصُمُ، كَاعْتِبَارِ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ مِنْ أَهْل الْخِبْرَةِ فِي الْقِيَافَةِ (٥) .

_________

(١) المنثور في القواعد للزركشي ٢ / ٢٢٣.

(٢) سورة المائدة / ٩٥.

(٣) المغني ٣ / ٥١١ ط الرياض، ومنحة الجليل ١ / ٥٣٨.

(٤) حديث " أي عائشة ألم تري. . . " أخرجه البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ (فتح الباري ١٢ / ٥٦ ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ٢ / ١٠٨٢ ط عيسى الحلبي) .

(٥) الطرق الحكمية ص ١٩٥، ١٩٦، ١٩٨، والتبصرة ٢ / ١٠٨.

٦ - لَكِنَّ الاِعْتِمَادَ عَلَى الشَّبَهِ بِقَوْل أَهْل الْخِبْرَةِ يَكُونُ فِيمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ أَوْ حُكْمٌ، وَلِذَلِكَ يُعْتَبَرُ اللِّعَانُ مَانِعًا مِنْ إِعْمَال الشَّبَهِ، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ فِي قِصَّةِ الْمُتَلاَعِنَيْنِ: إِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَل الْعَيْنَيْنِ، سَابِغَ الأَْلْيَتَيْنِ، مُدْلِجَ السَّاقَيْنِ، فَهُوَ لِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ، فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: لَوْلاَ مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ (١) .

وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلنَّصِّ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْحُكْمِ فَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وَقَدْ قَضَى الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي بَعْضِ الْحَيَوَانَاتِ، كَقَوْل عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ: " فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ (٢) . وَمَا لَمْ يَقْضِ فِيهِ الصَّحَابَةُ فَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَى قَوْل عَدْلَيْنِ مِنْ أَهْل الْخِبْرَةِ (٣) .

٧ - وَيُلاَحَظُ أَنَّ الإِْمَامَ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ يُخَالِفُونَ الْجُمْهُورَ فِي الاِعْتِمَادِ عَلَى الشَّبَهِ فِي النَّسَبِ. كَمَا أَنَّ الشَّبَهَ فِي حَزَّاءِ الصَّيْدِ هُوَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْ حَيْثُ الْخِلْقَةِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الْمِثْل هُوَ الْقِيمَةُ (٤) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مَوَاضِعِهِ.

_________

(١) حديث " لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن " أخرجه البخاري (الفتح ٨ / ٤٤٩ ط السلفية) .

(٢) " في النعامة بدنة " من قول عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وابن عباس ومعاوية. أخرجه الشافعي في الأم (٢ / ١٩٠ ط دار المعرفة وعنه البيهقي ٥ / ١٨٢ ط دائرة المعارف العثمانية) وقال الشافعي: هذا لا يثبت عند أهل العلم بالحديث. ونقله عنه البيهقي وأقره، ونقل عنهما ابن حجر في التلخيص (٣ / ٢٨٤ ط دار المحاسن) .

(٣) الطرق الحكمية ص ٢٠٠، ٢٠١.

(٤) المغني ٣ / ٥١١، والاختيار ١ / ١٦٦، ومنح الجليل ١ / ٥٣٩، والمهذب ١ / ٢٢٣.

٨ - كَذَلِكَ يُعْتَمَدُ عَلَى الشَّبَهِ فِي الاِخْتِلاَفِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.

جَاءَ فِي تَبْصِرَةِ الْحُكَّامِ: إِنْ اخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ، فَإِنِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا ثَمَنًا يُشْبِهُ ثَمَنَ السِّلْعَةِ، وَادَّعَى الآْخَرُ مَالًا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا لَهَا، فَإِنْ كَانَتِ السِّلْعَةُ فَائِتَةً (أَيْ قَدْ خَرَجَتْ مِنْ يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِهَلاَكٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ نَحْوِهِمَا) فَالْقَوْل قَوْل مُدَّعِي الأَْشْبَهِ مِنْهُمَا اتِّفَاقًا (أَيْ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ)، لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ التَّغَابُنِ، وَالشِّرَاءُ بِالْقِيمَةِ وَمَا يُقَارِبُهَا. وَإِنْ كَانَتِ السِّلْعَةُ قَائِمَةً فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لاَ يُرَاعَى الأَْشْبَهُ، لأَِنَّهُمَا قَادِرَانِ عَلَى رَدِّ السِّلْعَةِ (١) . وَفِي الْمَنْثُورِ فِي الْقَوَاعِدِ لِلزَّرْكَشِيِّ فِي بَابِ الرِّبَا: إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ لاَ يُكَال وَلاَ يُوزَنُ فَيُعْتَبَرُ بِأَقْرَبِ الأَْشْيَاءِ شَبَهًا بِهِ عَلَى أَحَدِ الأَْوْجُهِ (٢) .

وَالصُّلْحُ مَعَ الإِْقْرَارِ يُحْمَل عَلَى الْبَيْعِ أَوِ الإِْجَارَةِ أَوِ الْهِبَةِ. وَالأَْصْل فِيهِ أَنَّ الصُّلْحَ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى أَقْرَبِ الْعُقُودِ إِلَيْهِ وَأَشْبَهِهَا بِهِ، لِتَصْحِيحِ تَصَرُّفِ الْعَاقِدِ مَا أَمْكَنَ (٣) . ر: (صُلْحٌ) .

ثَانِيًا: عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ

٩ - اخْتَلَفَ الأُْصُولِيُّونَ هَل الشَّبَهُ حُجَّةٌ أَمْ لاَ؟ فَقِيل: إِنَّهُ حُجَّةٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الأَْكْثَرُونَ، وَقِيل: إِنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَبِهِ قَال أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ. وَقِيل غَيْرُ ذَلِكَ (٤) .

_________

(١) التبصرة بهامش فتح العلي المالك ٢ / ٥٠.

(٢) المنثور في القواعد ٢ / ٢٢٤.

(٣) الهداية ٣ / ١٩٤.

(٤) إرشاد الفحول ص ٢١٩، ٢٢٠ ط مصطفى الحلبي.

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ (الْقِيَاسُ) .

الْمُرَادُ بِفَنِّ الأَْشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ فِي عِلْمِ الْفِقْهِ:

١٠ - الْمُرَادُ بِفَنِّ الأَْشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ - كَمَا ذَكَرَ الْحَمَوِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى أَشْبَاهِ ابْنِ نُجَيْمٍ -: الْمَسَائِل الَّتِي يُشْبِهُ بَعْضُهَا بَعْضًا مَعَ اخْتِلاَفِهَا فِي الْحُكْمِ لأُِمُورٍ خَفِيَّةٍ أَدْرَكَهَا الْفُقَهَاءُ بِدِقَّةِ أَنْظَارِهِمْ (١) .

وَفَائِدَتُهُ كَمَا ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ (٢) أَنَّهُ فَنٌّ بِهِ يُطَّلَعُ عَلَى حَقَائِقِ الْفِقْهِ وَمَدَارِكِهِ وَمَأْخَذِهِ وَأَسْرَارِهِ، وَيُتَمَهَّرُ فِي فَهْمِهِ وَاسْتِحْضَارِهِ، وَيُقْتَدَرُ عَلَى الإِْلْحَاقِ وَالتَّخْرِيجِ، وَمَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الْمَسَائِل الَّتِي لَيْسَتْ بِمَسْطُورَةٍ، وَالْحَوَادِثِ وَالْوَقَائِعِ الَّتِي لاَ تَنْقَضِي عَلَى مَرِّ الزَّمَانِ.

وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ: اعْرِفِ الأَْمْثَال وَالأَْشْبَاهَ، ثُمَّ قِسِ الأُْمُورَ عِنْدَكَ، فَاعْمَدْ إِلَى أَحَبِّهَا إِلَى اللَّهِ وَأَشْبَهِهَا بِالْحَقِّ فِيمَا تَرَى (٣) .

_________

(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم والحموي عليه ١ / ١٨ ط دار الطباعة العامرة.

(٢) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٦، ٧ ط مصطفى الحلبي.

(٣) والأثر عن عمر بن الخطاب ﵁ " اعرف الأمثال والأشباه. . . " أخرجه الدارقطني (٤ / ٢٠٦، ٢٠٧ ط دار المحاسن بالقاهرة) . وقواه ابن حجر في التلخيص (٤ / ١٩٦ ط دار المحاسن بالقاهرة) .

اشْتِبَاه

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِشْتِبَاهُ مَصْدَرُ: اشْتَبَهَ، يُقَال اشْتَبَهَ الشَّيْئَانِ وَتَشَابَهَا: أَشْبَهَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا الآْخَرَ. وَالْمُشْتَبِهَاتُ مِنَ الأُْمُورِ: الْمُشْكِلاَتُ. وَالشُّبْهَةُ اسْمٌ مِنْ الاِشْتِبَاهِ وَهُوَ الاِلْتِبَاسُ (١) .

وَالاِشْتِبَاهُ فِي الاِسْتِعْمَال الْفِقْهِيِّ أَخَصُّ مِنْهُ فِي اللُّغَةِ، فَقَدْ عَرَّفَ الْجُرْجَانِيُّ الشُّبْهَةَ بِأَنَّهَا: مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ كَوْنُهُ حَرَامًا أَوْ حَلاَلًا (٢) . وَقَال السُّيُوطِيُّ: الشُّبْهَةُ مَا جُهِل تَحْلِيلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَتَحْرِيمُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ (٣) . وَيَقُول الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ: الشُّبْهَةُ مَا يُشْبِهُ الثَّابِتَ وَلَيْسَ بِثَابِتٍ، وَلاَ بُدَّ مِنَ الظَّنِّ لِتَحَقُّقِ الاِشْتِبَاهِ (٤) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الاِلْتِبَاسُ:

٢ - الاِلْتِبَاسُ هُوَ: الإِْشْكَال، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الاِشْتِبَاهِ عَلَى مَا قَال الدُّسُوقِيُّ: أَنَّ الاِشْتِبَاهَ مَعَهُ دَلِيلٌ (يُرَجِّحُ أَحَدَ الاِحْتِمَالَيْنِ) وَالاِلْتِبَاسُ لاَ دَلِيل مَعَهُ (٥)

_________

(١) لسان العرب والمصباح. مادة: (شبه) .

(٢) التعريفات الجرجانية ص ١١٠.

(٣) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٠٩.

(٤) الهداية والفتح ٤ / ١٤٨ ط أولى أميرية، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٥٠.

(٥) حاشية الدسوقي ١ / ٨٢.

ب - الشُّبْهَةُ:

٣ - يُقَال: اشْتَبَهَتِ الأُْمُورُ وَتَشَابَهَتِ: الْتَبَسَتْ فَلَمْ تَتَمَيَّزْ وَلَمْ تَظْهَرْ، وَمِنْهُ اشْتَبَهَتِ الْقِبْلَةُ وَنَحْوُهَا، وَالْجَمْعُ فِيهَا شُبَهٌ وَشُبُهَاتٌ (١) . وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهَا مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ كَوْنُهُ حَرَامًا أَوْ حَلاَلًا نَتِيجَةَ الاِشْتِبَاهِ.

وَلِلْفُقَهَاءِ فِي تَقْسِيمِهَا وَتَسْمِيَتِهَا اصْطِلاَحَاتٌ، فَجَعَلَهَا الْحَنَفِيَّةُ نَوْعَيْنِ:

الأَْوَّل: شُبْهَةٌ فِي الْفِعْل، وَتُسَمَّى شُبْهَةُ اشْتِبَاهٍ أَوْ شُبْهَةُ مُشَابَهَةٍ، أَيْ شُبْهَةٌ فِي حَقِّ مَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ فَقَطْ، بِأَنْ يَظُنَّ غَيْرَ الدَّلِيل دَلِيلًا، كَمَا إِذَا ظَنَّ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ تَحِل لَهُ، فَمَعَ الظَّنِّ لاَ يُحَدُّ، حَتَّى لَوْ قَال: عَلِمْتُ أَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيَّ حُدَّ.

النَّوْعُ الثَّانِي: شُبْهَةٌ فِي الْمَحَل، وَتُسَمَّى شُبْهَةٌ حُكْمِيَّةٌ أَوْ شُبْهَةُ مِلْكٍ، أَيْ شُبْهَةٌ فِي حُكْمِ الشَّرْعِ بِحِل الْمَحَل. وَهِيَ تَمْنَعُ وُجُوبَ الْحَدِّ، وَلَوْ قَال عَلِمْتُ أَنَّهَا حَرَامٌ عَلَيَّ. وَتَتَحَقَّقُ بِقِيَامِ الدَّلِيل النَّافِي لِلْحُرْمَةِ فِي ذَاتِهِ، لَكِنْ لاَ يَكُونُ الدَّلِيل عَامِلًا لِقِيَامِ الْمَانِعِ كَوَطْءِ أَمَةِ الاِبْنِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: أَنْتَ وَمَالُكَ لأَِبِيكَ (٢)، وَلاَ يَتَوَقَّفُ هَذَا النَّوْعُ عَلَى ظَنِّ الْجَانِي وَاعْتِقَادِهِ، إِذِ الشُّبْهَةُ بِثُبُوتِ الدَّلِيل قَائِمَةٌ (٣) . وَجَعَلَهَا الشَّافِعِيَّةُ ثَلاَثَةَ أَقْسَامٍ:

(١) شُبْهَةٌ فِي الْمَحَل، كَوَطْءِ الزَّوْجَةِ الْحَائِضِ أَوِ الصَّائِمَةِ، لأَِنَّ التَّحْرِيمَ لَيْسَ لِعَيْنِهِ بَل لأَِمْرٍ عَارِضٍ كَالإِْيذَاءِ وَإِفْسَادِ الْعِبَادَةِ.

_________

(١) المصباح مادة: (شبه) .

(٢) حديث: " أنت ومالك لأبيك " أخرجه ابن ماجه (٢ / ٧٦٠ ط الحلبي) وقواه السخاوي في المقاصد (ص ١٠٢ ط الخانجي بمصر) .

(٣) الهداية والفتح والعناية ٤ / ١٤٠ - ١٤١، وتبيين الحقائق وحاشية الشلبي ٣ / ١٧٥ - ١٧٦، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٥٠.