الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤
الأَْوَّل: أَنَّهَا لَغْوٌ فِي الْجُمْلَةِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، إِلاَّ فِي مَسَائِل مَعْدُودَةٍ نَصَّ عَلَيْهَا الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَقَامُوا فِيهَا الإِْشَارَةَ مَقَامَ النُّطْقِ. وَإِنَّمَا قَالُوا بِإِلْغَائِهَا، لأَِنَّهَا مَهْمَا قَوِيَتْ دَلاَلَتُهَا فَإِنَّهَا لاَ تُفِيدُ الْيَقِينَ الَّذِي تُفِيدُهُ الْعِبَارَةُ، وَمِنَ الْمَسَائِل الَّتِي اسْتَثْنَوْهَا:
أ - إِشَارَةُ الْمُفْتِي بِالْجَوَابِ.
ب - أَمَانُ الْكُفَّارِ، يَنْعَقِدُ بِالإِْشَارَةِ تَغْلِيبًا لِحَقْنِ الدَّمِ، فَلَوْ أَشَارَ الْمُسْلِمُ إِلَى الْكَافِرِ بِالأَْمَانِ، فَانْحَازَ إِلَى صَفِّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَحِل قَتْلُهُ.
ج - إِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ فِي الصَّلاَةِ فَرَدَّ بِالإِْشَارَةِ لَمْ تَفْسُدْ صَلاَتُهُ.
د - الإِْشَارَةُ بِالْعَدَدِ فِي الطَّلاَقِ.
هـ - لَوْ أَشَارَ الْمُحْرِمُ إِلَى الصَّيْدِ فَصِيدَ، حَرُمَ عَلَيْهِ الأَْكْل مِنْهُ. وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ الإِْشَارَةُ بِالإِْقْرَارِ بِالنَّسَبِ لِتَشَوُّفِ الشَّرْعِ إِلَى إِثْبَاتِهِ، وَبِالإِْسْلاَمِ وَالْكُفْرِ.
الثَّانِي: أَنَّ إِشَارَةَ النَّاطِقِ مُعْتَبَرَةٌ كَنُطْقِهِ، مَا دَامَتْ مَفْهُومَةً بَيْنَ النَّاسِ وَمُتَعَارَفًا بَيْنَهُمْ عَلَى مَدْلُولِهَا. وَقَالُوا: إِنَّ التَّعَاقُدَ بِالإِْشَارَةِ أَوْلَى مِنَ التَّعَاقُدِ بِالأَْفْعَال (التَّعَاطِي)، لأَِنَّ الإِْشَارَةَ يُطْلَقُ عَلَيْهَا أَنَّهَا كَلاَمٌ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَال آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا﴾ (١) وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ إِلاَّ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ خَاصَّةً، دُونَ تَعْيِينِ الْمَنْكُوحَةِ أَوِ النَّاكِحِ (٢) .
_________
(١) سورة آل عمران / ٤١.
(٢) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٤٨، ومواهب الجليل ٤ / ٢٢٩، والبدائع ٤ / ١٦، وابن عابدين ٤ / ٤٥٢، والمغني ٣ / ٥٦٢، والروضة ٨ / ٣٩، وإعانة الطالبين ٤ / ١٦، وكشاف القناع ٦ / ٤٥٣ ط الرياض.
تَعَارُضُ عِبَارَةِ النَّصِّ مَعَ إِشَارَتِهِ:
١٣ - سَبَقَ بَيَانُ الْمُرَادِ بِعِبَارَةِ النَّصِّ وَبِإِشَارَتِهِ (ر: ف ١)، فَإِذَا تَعَارَضَتْ عِبَارَةُ نَصٍّ وَإِشَارَةِ آخَرَ يُرَجَّحُ مَفْهُومُ الْعِبَارَةِ فِي الْجُمْلَةِ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
رَدُّ السَّلاَمِ فِي الصَّلاَةِ:
١٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ رَدِّ السَّلاَمِ فِي الصَّلاَةِ، فَرَخَّصَتْ طَائِفَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي الرَّدِّ بِالْقَوْل كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَقَتَادَةَ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سُلِّمَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ رَدَّهُ حَتَّى يَسْمَعَ (١) . وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَرُدُّ بَعْدَ الاِنْصِرَافِ مِنَ الصَّلاَةِ (٢) . وَاتَّفَقَ الأَْئِمَّةُ الأَْرْبَعَةُ عَلَى أَنَّ رَدَّ السَّلاَمِ بِالْقَوْل. فِي الصَّلاَةِ مُبْطِلٌ لَهَا (٣) . عَلَى اخْتِلاَفٍ بَيْنَهُمْ فِي بَعْضِ التَّفْصِيل.
فَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ الرَّدَّ بِالإِْشَارَةِ وَاجِبٌ (٤) .
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الرَّدُّ بِالإِْشَارَةِ (٥) . وَذَهَبَ الأَْحْنَافُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ رَدُّهُ بِالإِْشَارَةِ بِالْيَدِ، وَلاَ تَفْسُدُ بِهِ الصَّلاَةُ، جَاءَ فِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ: رَدُّ السَّلاَمِ بِيَدِهِ لاَ يُفْسِدُهَا، خِلاَفًا لِمَنْ
_________
(١) الأثر عن أبي هريرة أورده صاحب عون المعبود ١ / ٣٤٧ ط الهند، ولم ينسبه إلى كتاب من كتب الحديث.
(٢) حاشية عون المعبود ١ / ٣٤٧، وسبل السلام ١ / ١٤١، والمغني لابن قدامة ١ / ٨١٥.
(٣) شرح منح الجليل ١ / ١٨٣، والمغني لابن قدامة مع الشرح الكبير ١ / ٨١٥، وحاشية ابن عابدين ١ / ٤١٥، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٤.
(٤) منح الجليل ١ / ١٨٣.
(٥) إعانة الطالبين ٤ / ١٩٠، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٤.
عَزَا إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مُفْسِدٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ نَقْلُهُ مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْل الْمَذْهَبِ (١) . وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يُرَدُّ بِالإِْشَارَةِ (٢) . وَقَدِ اسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِالرَّدِّ بَعْدَ الاِنْصِرَافِ مِنَ الصَّلاَةِ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَال: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ، فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا وَقَال: إِنَّ فِي الصَّلاَةِ شُغْلًا. (٣)
وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِالرَّدِّ بِالإِْشَارَةِ بِحَدِيثِ جَابِرٍ قَال: إِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ بَعَثَنِي لِحَاجَةٍ، ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ وَهُوَ يَسِيرُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَلَمَّا فَرَغَ دَعَانِي فَقَال: إِنَّكَ سَلَّمْتَ عَلَيَّ آنِفًا وَأَنَا أُصَلِّي وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: فَلَمَّا انْصَرَفَ قَال: إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلاَّ أَنِّي كُنْتُ أُصَلِّي. (٤)
وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عَنْ صُهَيْبٍ أَنَّهُ قَال: مَرَرْتُ بِرَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ إِلَيَّ إِشَارَةً (٥) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٤١٤، ٤١٥.
(٢) المغني لابن قدامة مع الشرح الكبير ١ / ٧١٥، ٤ / ٧١٦.
(٣) حديث: " كنا نسلم على رسول الله ﷺ. . . ". أخرجه البخاري ومسلم، من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. (فتح الباري ٣ / ٧٢ ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ١ / ٣٨٢ ط عيسى الحلبي ١٣٧٤ هـ، وجامع الأصول في أحاديث الرسول ٥ / ٤٨٥، ٤٨٦ نشر مكتبة الحلواني ١٣٩٠ هـ) .
(٤) حديث: " أن رسول الله ﷺ بعثني لحاجة. . . . " أخرجه مسلم من حديث جابر ﵁ مرفوعا (صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ١ / ٣٨٣، ٣٨٤ ط عيسى الحلبي) .
(٥) حديث: " مررت برسول الله ﷺ وهو يصلي ". أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي من حديث صهيب ﵁، وقال الترمذي: حديث صهيب حسن. (تحفة الأحوذي ٢ / ٣٦٣ نشر المكتبة السلفية، وسنن أبي داود ١ / ٥٦٨ ط استانبول، وسنن النسائي ٣ / ٥ ط المطبعة المصرية بالأزهر، وجامع الأصول ٥ / ٤٩٧ نشر مكتبة الحلواني) .
الإِْشَارَةُ فِي التَّشَهُّدِ:
١٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُصَلِّي فِي التَّشَهُّدِ الإِْشَارَةُ بِسَبَّابَتِهِ، وَتُسَمَّى فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ " الْمُسَبِّحَةَ " وَهِيَ الَّتِي تَلِي الإِْبْهَامَ، وَيَرْفَعُهَا عِنْدَ التَّوْحِيدِ وَلاَ يُحَرِّكُهَا (١)، لِحَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ إِذَا دَعَا، وَلاَ يُحَرِّكُهَا (٢) وَقِيل يُحَرِّكُهَا، لِحَدِيثِ وَائِل بْنِ حُجْرٍ أَنَّهُ ﷺ: رَفَعَ أُصْبُعَهُ فَرَأَيْتُهُ يُحَرِّكُهَا (٣) وَتَفْصِيل كَيْفِيَّةِ الإِْشَارَةِ مِنْ حَيْثُ عَقْدُ الأَْصَابِعِ أَوْ بَسْطُهَا، وَالتَّحْرِيكُ وَعَدَمُهُ يَأْتِي فِي (الصَّلاَةِ) .
إِشَارَةُ الْمُحْرِمِ إِلَى الصَّيْدِ:
١٦ - إِذَا أَشَارَ الْمُحْرِمُ إِلَى صَيْدٍ، أَوْ دَل حَلاَلًا عَلَيْهِ فَصَادَهُ حَرُمَ عَلَى الْمُحْرِمِ أَكْلُهُ (٤) . وَهَذَا الْقَدْرُ لاَ
_________
(١) الروضة ١ / ٢٦٢، والمغني لابن قدامة ١ / ٣٨٣.
(٢) حديث: " أنه ﷺ كان يشير بأصبعه إذا دعا. . . " أخرجه أبو داود والنسائي من حديث عبد الله بن الزبير ﵁، وقال النووي: إسناده صحيح (سنن النسائي ٣ / ٣٢ ط مصطفى الحلبي ١٣٨٣ هـ، وعون المعبود ١ / ٣٧٤ - ٣٧٥ ط الهند، وجامع الأصول ٥ / ٤٠٤ نشر مكتبة الحلواني، والمجموع للنووي ٣ / ٤٥٤ ط المنيرية) .
(٣) حديث: " أنه ﷺ رفع أصبعه " أخرجه النسائي وابن ماجه وابن خزيمة والبيهقي من حديث وائل بن حجر ﵁، قال الحافظ البوصيري تعليقا على إسناد ابن ماجه: إسناده صحيح ورجاله ثقات، وقال محقق صحيح ابن خزيمة: إسناده صحيح. (سنن النسائي ٣ / ٣٧ ط المطبعة المصرية بالأزهر، وسنن ابن ماجه ١ / ٢٩٥ ط عيسى الحلبي ١٣٧٢ هـ، وصحيح ابن خزيمة ١ / ٣٥٤ نشر المكتب الإسلامي، وسنن البيهقي ٢ / ١٣٢ ط الهند) .
(٤) فتح القدير ١ / ٢٥٦، وروضة الطالبين ٣ / ١٤٩، ومغني المحتاج ١ / ٥٢٤.
يُعْلَمُ فِيهِ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ فِي قِصَّةِ اصْطِيَادِهِ وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ، قَال: فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِل عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ قَالُوا: لاَ قَال: فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا (١) . وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْهُ إِعَانَةٌ عَلَى قَتْلِهِ بِشَيْءٍ حَل لَهُ الأَْكْل مِنْهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ (٢) .
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ عَلَى الْمُشِيرِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ، لأَِنَّ الإِْشَارَةَ إِلَى الصَّيْدِ مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ بِدَلِيل تَحْرِيمِ الأَْكْل مِنْهُ، فَتَكُونُ جِنَايَةً عَلَى الصَّيْدِ بِتَفْوِيتِ الأَْمْنِ عَلَى وَجْهٍ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ قَتْلُهُ، فَصَارَتْ كَالْقَتْل (٣) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ لاَ جَزَاءَ عَلَى الْمُشِيرِ، لأَِنَّ النَّصَّ عَلَّقَ الْجَزَاءَ بِالْقَتْل. وَلَيْسَتِ الإِْشَارَةُ قَتْلًا (٤) .
الإِْشَارَةُ إِلَى الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ:
١٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِ اسْتِلاَمِ الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ بِالْيَدِ أَوْ غَيْرِهَا عِنْدَ الطَّوَافِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: مَا تَرَكْتُ اسْتِلاَمَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ فِي شِدَّةٍ وَلاَ رَخَاءٍ مُنْذُ رَأَيْتُ
_________
(١) حديث: أبي قتادة في قصة اصطياده. أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي قتادة واللفظ للبخاري (فتح الباري ٤ / ٢٨، ٢٩ ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ٢ / ٨٥٣، ٨٥٤ ط عيسى الحلبي ١٣٧٤ هـ) .
(٢) سبل السلام ٢ / ١٩٣.
(٣) فتح القدير ٢ / ٢٥٧، والمغني لابن قدامة ٣ / ٤١٨.
(٤) مغني المحتاج ١ / ٥٢٤، وروضة الطالبين ٣ / ١٤٩، والقوانين الفقهية ٩٢ ط دار القلم - بيروت، والحطاب ٣ / ١٧٦.
النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَلِمُهُمَا (١) . كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى اسْتِحْبَابِ الإِْشَارَةِ إِلَى الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الاِسْتِلاَمِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ (٢) .
وَاخْتَلَفُوا فِي الإِْشَارَةِ إِلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ عِنْدَ تَعَذُّرِ الاِسْتِلاَمِ. فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشِيرُ إِلَيْهِ إِنْ عَجَزَ عَنِ اسْتِلاَمِهِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إِلَى أَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ قِيَاسًا عَلَى الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ (٣) .
التَّسْلِيمُ بِالإِْشَارَةِ:
١٨ - لاَ تَحْصُل سُنَّةُ ابْتِدَاءِ السَّلاَمِ بِالإِْشَارَةِ بِالْيَدِ أَوِ الرَّأْسِ لِلنَّاطِقِ، وَلاَ يَسْقُطُ فَرْضُ الرَّدِّ عَنْهُ بِهَا. لأَِنَّ السَّلاَمَ مِنَ الأُْمُورِ الَّتِي جَعَل لَهَا الشَّارِعُ صِيَغًا مَخْصُوصَةً، لاَ يَقُومُ مَقَامَهَا غَيْرُهَا، إِلاَّ عِنْدَ تَعَذُّرِ صِيغَتِهَا الشَّرْعِيَّةِ. وَتَكَادُ تَتَّفِقُ عِبَارَاتُ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْقَوْل: بِأَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنَ الإِْسْمَاعِ، وَلاَ يَكُونُ الإِْسْمَاعُ إِلاَّ بِقَوْلٍ (٤) .
_________
(١) حديث: " ما تركت استلام هذين الركنين. . . " أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمر ﵄ (فتح الباري ٣ / ٤٧١ ط السلفية) .
(٢) حديث: " طاف النبي ﷺ بالبيت على بعير. . . " أخرجه البخاري من حديث ابن عباس ﵄ (فتح الباري ٣ / ٤٧٦ ط السلفية) .
(٣) مغني المحتاج ١ / ٤٨٨، والبحر الرائق ٢ / ٣٥٥، وابن عابدين ٢ / ١٦٦، والدسوقي ٢ / ٤١، والخرشي ٢ / ٣٢٥ - ٣٢٦، وكشاف القناع ٢ / ٤٧٨ - ٤٧٩، والمغني ٣ / ٣٩٣ - ٣٩٦ ط أولى.
(٤) نهاية المحتاج ٨ / ٤٨، وكفاية الطالب ٢ / ٣٧٨، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٢٦٥.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: لاَ تُسَلِّمُوا تَسْلِيمَ الْيَهُودِ، فَإِنَّ تَسْلِيمَهُمْ بِالأَْكُفِّ وَالرُّءُوسِ وَالإِْشَارَةِ (١) . وَرَوَى عَلْقَمَةُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَال: " كَانُوا يَكْرَهُونَ التَّسْلِيمَ بِالْيَدِ (٢) ". يَعْنِي الصَّحَابَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.
أَمَّا الأَْصَمُّ وَمَنْ فِي حُكْمِهِ، وَغَيْرُ الْمَقْدُورِ عَلَى إِسْمَاعِهِ كَالْبَعِيدِ، فَالإِْشَارَةُ مَشْرُوعَةٌ فِي حَقِّهِ، وَقَال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: إِذَا سَلَّمَ عَلَى أَصَمَّ لاَ يَسْمَعُ يَنْبَغِي أَنْ يَتَلَفَّظَ بِالسَّلاَمِ، لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، وَيُشِيرُ بِالْيَدِ (٣) . وَيَسْقُطُ فَرْضُ الرَّدِّ مِنَ الأَْخْرَسِ بِالإِْشَارَةِ، لأَِنَّهُ مَقْدُورُهُ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ بِالإِْشَارَةِ وَالتَّلَفُّظِ مَعًا (٤) . وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (سَلاَم) .
الإِْشَارَةُ فِي أَصْل الْيَمِينِ:
١٩ - لاَ تَنْعَقِدُ يَمِينُ النَّاطِقِ بِالإِْشَارَةِ، لأَِنَّهَا لاَ تَنْعَقِدُ إِلاَّ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ. أَمَّا الأَْخْرَسُ فَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ يَمِينَهُ لاَ تَنْعَقِدُ (٥) . وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ لَهُ إِشَارَةٌ مُفْهِمَةٌ حَلَفَ، وَتَصِحُّ يَمِينُهُ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُفْهِمَةٍ، وَوَجَبَتْ
_________
(١) حديث: " لا تسلموا تسليم اليهود. . . " أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة من حديث جابر ﵁ مرفوعا، وقال عنه صاحب فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد: سنده جيد (تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف ٢ / ٢٩٠ نشر الدار القيمة بالهند ١٣٨٦ هـ، وفضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد ٢ / ٤٦٣ ط السلفية ١٣٧٨ هـ) .
(٢) الأثر عن عطاء بن أبي رباح أخرجه البخاري في الأدب المفرد (فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد ٢ / ٤٦٤ ط السلفية ١٣٧٨ هـ) .
(٣) الأذكار للنووي ص ٢٢٠ - ٢٢١، ونهاية المحتاج ٨ / ٤٨.
(٤) المراجع السابقة.
(٥) المنثور في القواعد ١ / ١٦٥.
عَلَيْهِ يَمِينُهُ، وَقَفَ حَتَّى تُفْهَمَ إِشَارَتُهُ (١) . وَنَسَبَ الزَّرْكَشِيُّ هَذَا لِلإِْمَامِ الشَّافِعِيِّ. وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (أَيْمَانٌ) .
إِشَارَةُ الْقَاضِي إِلَى أَحَدِ الْخُصُومِ:
٢٠ - لاَ يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَعْمَل أَعْمَالًا تُسَبِّبُ التُّهْمَةَ وَسُوءَ الظَّنِّ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ، مِمَّا يُوهِمُ أَنَّهُ يُفَضِّلُهُ عَلَى خَصْمِهِ، كَالإِْشَارَةِ لأَِحَدِ الْخَصْمَيْنِ بِالْيَدِ، أَوْ بِالْعَيْنِ أَوْ بِالرَّأْسِ، لأَِنَّ ذَلِكَ يُسَبِّبُ انْكِسَارًا لِقَلْبِ الْخَصْمِ الآْخَرِ، وَقَدْ يَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلَى تَرْكِ الدَّعْوَى وَالْيَأْسِ مِنَ الْعَدَالَةِ، مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ضَيَاعُ حَقِّهِ.
وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ (٢) .
وَقَدْ رَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ قُضَاةِ الْبَصْرَةِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ اُبْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلْيَعْدِل بَيْنَهُمْ فِي لَحْظِهِ وَإِشَارَتِهِ وَمَقْعَدِهِ، وَلاَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ عَلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ مَا لاَ يَرْفَعُ عَلَى الآْخَرِ وَفِي رِوَايَةٍ: فَلْيُسَوِّ بَيْنَهُمْ فِي النَّظَرِ وَالإِْشَارَةِ وَالْمَجْلِسِ (٣) .
_________
(١) المغني لابن قدامة ٩ / ١٩٠ ط بولاق، والمنثور في القواعد ١ / ١١٥، وكشاف القناع ٦ / ٤١٧.
(٢) المغني لابن قدامة ١٠ / ٧١، والبحر الرائق ٦ / ٣٠٦ - ٣٠٧، ودرر الحكام شرح جملة الأحكام تأليف علي حيدر ٤ / ٥٣٨ مادة ١٧٩٨.
(٣) حديث: " من ابتلي بالقضاء. . . . " أخرجه أبو يعلى والدارقطني والطبراني من حديث أم سلمة ﵂، قال الهيثمي والشوكاني: وفي إسناده عبادة بن كثير الثقفي وهو ضعيف (نيل الأوطار ٨ / ٢٧٥ ط المطبعة العثمانية، ومجمع الزوائد ٤ / ١٩٧ نشر مكتبة القدسي، وسنن الدارقطني ٤ / ٢٠٥ نشر السيد عبد الله هاشم يماني بالمدينة المنورة ١٣٨٦ هـ) .
إِشَارَةُ الْمُحْتَضَرِ إِلَى الْجَانِي عَلَيْهِ:
٢١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُعْتَبَرُ قَوْل الْمُحْتَضَرِ: قَتَلَنِي فُلاَنٌ، وَلاَ يَكُونُ ذَلِكَ لَوْثًا، لأَِنَّهُ لاَ يُقْبَل دَعْوَاهُ عَلَى الْغَيْرِ بِالْمَال، فَلاَ يُقْبَل ادِّعَاؤُهُ عَلَيْهِ بِالدَّمِ، وَلأَِنَّهُ مُدَّعٍ فَلاَ يَكُونُ قَوْلُهُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ (١) . لِحَدِيثِ: لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لاَدَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ (٢) فَإِذَا لَمْ تُعْتَبَرْ أَقْوَالُهُ فَلاَ تُقْبَل إِشَارَتُهُ مِنْ بَابِ أَوْلَى. وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّهُ إِذَا قَال الْمُحْتَضَرُ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ الْبَالِغُ الْعَاقِل: قَتَلَنِي فُلاَنٌ عَمْدًا، ثُمَّ مَاتَ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَوْثًا، فَيَثْبُتُ الْقِصَاصُ بَعْدَ حَلِفِ أَوْلِيَاءِ الدَّمِ يَمِينَ الْقَسَامَةِ.
أَمَّا إِذَا قَال: قَتَلَنِي خَطَأً، فَفِي ذَلِكَ عَنِ الإِْمَامِ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: لاَ يُقْبَل قَوْلُهُ، لأَِنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ إِغْنَاءَ وَرَثَتِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ قَوْلَهُ يُقْبَل، وَتَكُونُ مَعَهُ الْقَسَامَةُ، وَلاَ يُتَّهَمُ، لأَِنَّهُ فِي حَالٍ يُصَدَّقُ فِيهِ الْكَاذِبُ، وَيَتُوبُ فِيهِ الْفَاجِرُ، فَمَنْ تَحَقَّقَ مَصِيرُهُ إِلَى الآْخِرَةِ وَأَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ فَلاَ يُتَّهَمُ فِي إِرَاقَةِ دَمِ مُسْلِمٍ ظُلْمًا، وَغَلَبَةُ الظَّنِّ فِي هَذَا يَنْزِل مَنْزِلَةَ غَلَبَةِ الظَّنِّ فِي صِدْقِ الشَّاهِدِ، وَالْغَالِبُ مِنْ أَحْوَال النَّاسِ عِنْدَ الْمَوْتِ التَّوْبَةُ وَالاِسْتِغْفَارُ وَالنَّدَمُ عَلَى التَّفْرِيطِ. وَتَزَوُّدُهُ مِنْ
_________
(١) المجموع للنووي ١٩ / ٣٨٠، والمغني لابن قدامة ٨ / ٥٠١، والجمل على شرح المنهج ٥ / ١٠٦، وروضة الطالبين ١٠ / ١١.
(٢) حديث: " لو يعطى الناس. . . " أخرجه البخاري ضمن قصة من حديث ابن عباس ﵄، ومسلم - واللفظ له - مرفوعا، ولم يذكر القصة (فتح الباري ٨ / ٢١٣ ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ٣ / ١٣٣٦ ط عيسى الحلبي ١٣٧٥ هـ) .
دُنْيَاهُ قَتْل نَفْسٍ خِلاَفُ الظَّاهِرِ وَغَيْرُ الْمُعْتَادِ (١) .
إِشَارَةُ الْمُحْتَضَرِ إِلَى تَصَرُّفَاتٍ مَالِيَّةٍ:
٢٢ - إِذَا كَانَ الْمُحْتَضَرُ قَادِرًا عَلَى النُّطْقِ فَلاَ تُقْبَل إِشَارَتُهُ، أَمَّا إِذَا كَانَ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى النُّطْقِ فَإِشَارَتُهُ تَقُومُ مَقَامَ عِبَارَتِهِ. وَفِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَقَل اللِّسَانِ لَمْ تُعْتَبَرُ إِشَارَتُهُ إِلاَّ فِي أَرْبَعٍ: الْكُفْرِ، وَالإِْسْلاَمِ، وَالنَّسَبِ، وَالإِْفْتَاءِ (٢) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ الإِْشَارَةَ الْمُفْهِمَةَ كَالنُّطْقِ مُطْلَقًا (٣) . وَعَلَى هَذَا فَإِنَّ إِشَارَةَ الْمُحْتَضَرِ إِلَى تَصَرُّفٍ مَالِيٍّ كَعِبَارَتِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ قَادِرًا عَلَى النُّطْقِ أَمْ لاَ.
إِشَاعَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْشَاعَةُ مَصْدَرُ أَشَاعَ، وَأَشَاعَ ذَكَرَ الشَّيْءَ: أَطَارَهُ وَأَظْهَرَهُ، وَشَاعَ الْخَبَرُ فِي النَّاسِ شُيُوعًا أَيِ انْتَشَرَ وَذَاعَ وَظَهَرَ (٤) .
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
_________
(١) شرح الزرقاني ٨ / ٥٠، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٨٨.
(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ٩، والأشباه والنظائر ص ٢٤٨، ومغني المحتاج ٣ / ٥٣، وتحفة المحتاج ٦ / ٩٣.
(٣) مواهب الجليل ٤ / ٢٢٩
(٤) لسان العرب والمصباح المنير مادة: (شيع) .