الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤
أَوْ مُدَلَّسٌ، أَوْ غَرِيبٌ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ (١) . وَيُعْرَفُ ذَلِكَ كُلُّهُ بِالرُّجُوعِ إِلَى مَوَاطِنِهِ مِنْ كُتُبِ عُلُومِ الْحَدِيثِ أَوْ أَبْوَابِ السُّنَّةِ مِنَ الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
مَا يَحْتَاجُ إِلَى الإِْسْنَادِ. وَالإِْسْنَادُ فِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ:
٨ - يَحْتَاجُ إِلَى الإِْسْنَادِ كُل مَا يُحْتَجُّ بِهِ مِمَّا لَيْسَ بِمُتَوَاتِرٍ، وَمِنْ ذَلِكَ ثُبُوتُ الْقِرَاءَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ بِالإِْسْنَادِ (٢) . وَمِنْهُ أَيْضًا ثُبُوتُ الأَْحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ الْمَرْوِيَّةِ بِالإِْسْنَادِ. وَقَدْ دَخَل الإِْسْنَادُ فِي رِوَايَةِ الْكُتُبِ الْمُؤَلَّفَةِ فِي عُلُومِ الدِّينِ، حَتَّى إِنَّهُ دَخَل فِي رِوَايَةِ كُتُبِ اللُّغَةِ وَالأَْدَبِ وَالتَّارِيخِ وَغَيْرِهَا.
إِلاَّ أَنَّ الإِْسْنَادَ تُرِكَ غَالِبًا فِي هَذِهِ الأَْعْصُرِ الأَْخِيرَةِ، حَتَّى فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ. وَلَعَل ذَلِكَ اكْتِفَاءً مِنَ الْعُلَمَاءِ بِتَوَاتُرِ تِلْكَ الْكُتُبِ عَنْ مُؤَلِّفِيهَا، كَالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ، أَوْ لِشُهْرَتِهَا عَنْهُمْ، مِمَّا يُغْنِي عَنْ إِيرَادِ الأَْسَانِيدِ، وَنَظَرًا لِطُول الأَْسَانِيدِ وَنُزُولِهَا بِدَرَجَةٍ تُضْعِفُ الثِّقَةَ بِهَا، فَلاَ تَكَادُ تُكَافِئُ مَا قَدْ يُبْذَل فِيهَا مِنَ الْجُهُودِ. وَمَعَ ذَلِكَ فَفِي إِحْيَائِهَا بَرَكَةُ الْمُحَافَظَةِ عَلَى هَذِهِ الْخِصِّيصَةِ مِنْ خَصَائِصِ، الأُْمَّةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ.
_________
(١) شرح مسلم الثبوت ٢ / ٢٠٧، وشرح العضد على مختصر المنتهى ٢ / ٣١١.
(٢) الإتقان للسيوطي ١ / ٧٤ - ٧٦ ط الثانية مصطفى الحلبي.
إِسْهَامٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْسْهَامُ فِي اللُّغَةِ يَأْتِي بِمَعْنَيَيْنِ:
الأَْوَّل: جَعْل الشَّخْصِ صَاحِبَ حِصَّةٍ أَوْ نَصِيبٍ، يُقَال: أَسْهَمْتُ لَهُ بِأَلْفٍ، يَعْنِي أَعْطَيْتُهُ أَلْفًا.
وَيُصْبِحُ الشَّخْصُ ذَا سَهْمٍ فِي أُمُورٍ مِنْهَا: الْمِيرَاثُ، وَالْقِسْمَةُ، وَالْغَنِيمَةُ، وَالْفَيْءُ، وَالنَّفَقَةُ، وَالشُّرْبُ إِنْ كَانَ لَهُ اسْتِحْقَاقٌ فِي ذَلِكَ.
وَالثَّانِي: الإِْقْرَاعُ. يُقَال: أَسْهَمَ بَيْنَهُمْ، أَيْ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ (١) . وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ.
الإِْسْهَامُ بِالْمَعْنَى الأَْوَّل (جَعْل الشَّخْصِ صَاحِبَ حِصَّةٍ) .
٢ - الإِْسْهَامُ فِي جَمِيعِ حَالاَتِ الاِشْتِرَاكِ، كَالاِشْتِرَاكِ فِي الْهَدْيِ، يَجْعَل لِكُلٍّ مِنَ الْمُشْتَرِكِينَ سَهْمًا فِيهِ.
وَالاِشْتِرَاكُ فِي الْعَمَل يَجْعَل لِكُلٍّ مِنَ الْمُشْتَرِكِينَ سَهْمًا مِنَ الرِّبْحِ أَوْ تَحَمُّل الْخَسَارَةِ. كَمَا يُثْبِتُ الإِْسْهَامُ لِكُلٍّ مِنَ الشُّرَكَاءِ نَصِيبًا فِي الشُّفْعَةِ.
وَالاِشْتِرَاكُ فِي الرَّهْنِ - إِذَا رَهَنَ عَيْنًا عِنْدَ اثْنَيْنِ - يَجْعَل لِكُلٍّ مِنَ الْمُرْتَهِنَيْنِ حَظًّا فِي حِفْظِهَا.
_________
(١) المصباح المنير، ولسان العرب، مادة: (سهم) .
وَالاِشْتِرَاكُ فِي الْجِنَايَةِ الْخَطَأِ يُوجِبُ عَلَى كُلٍّ مِنَ الْجُنَاةِ حَظًّا مِنَ الدِّيَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ إِسْهَامُ الْعَاقِلَةِ فِي تَحَمُّل الدِّيَةِ فِي جِنَايَةِ الْخَطَأِ.
وَقَدْ فَصَّل الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي أَبْوَابِهِ الْخَاصَّةِ بِهِ.
الإِْسْهَامُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي (الْقُرْعَةُ):
٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ الْقُرْعَةِ إِذَا كَانَتْ لِتَطْيِيبِ الْقُلُوبِ، بَل هِيَ مَنْدُوبَةٌ فِي ذَلِكَ، كَإِقْرَاعِ الْمُسَافِرِ بَيْنَ نِسَائِهِ لإِخْرَاجِ مَنْ يُسَافِرُ بِهَا مِنْهُنَّ، وَالإِْقْرَاعُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْيِينِ مَنْ يَبْدَأُ بِهَا فِي الْقِسْمَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْقُرْعَةِ لِتَعْيِينِ الْحَقِّ فِي الْقِسْمَةِ بَعْدَ الإِْفْرَازِ، قَطْعًا لِلْخِلاَفِ وَتَطْيِيبًا لِلْقُلُوبِ.
وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْقُرْعَةِ لإِثْبَاتِ حَقِّ الْبَعْضِ وَإِبْطَال حَقِّ الْبَعْضِ الآْخَرِ، كَمَنْ طَلَّقَ إِحْدَى زَوْجَتَيْهِ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يُعَيِّنْ. فَأَنْكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنْ يَتِمَّ التَّعْيِينُ بِالْقُرْعَةِ، وَأَقَرَّ ذَلِكَ غَيْرُهُمْ (١) . وَقَدْ فَصَّل الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي أَبْوَابِ الْعِتْقِ وَالنِّكَاحِ وَالْقِسْمَةِ وَالطَّلاَقِ.
أَسِيرٌ
اُنْظُرْ: أَسْرَى
_________
(١) فتح القدير ٨ / ١٥، وفتاوى قاضي خان ٣ / ١٥٥، والمغني ٩ / ٣٥٩.
إِشَارَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْشَارَةُ لُغَةً: التَّلْوِيحُ بِشَيْءٍ يُفْهَمُ مِنْهُ مَا يُفْهَمُ مِنَ النُّطْقِ، فَهِيَ الإِْيمَاءُ إِلَى الشَّيْءِ بِالْكَفِّ وَالْعَيْنِ وَالْحَاجِبِ وَغَيْرِهَا. وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِكَذَا: أَبْدَى لَهُ رَأْيَهُ، وَالاِسْمُ الشُّورَى.
وَهِيَ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ حَقِيقَةٌ فِي الْحِسِّيَّةِ، وَتُسْتَعْمَل مَجَازًا فِي الذِّهْنِيَّةِ، كَالإِْشَارَةِ بِضَمِيرِ الْغَائِبِ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ عُدِّيَ " إِلَى " تَكُونُ بِمَعْنَى الإِْيمَاءِ بِالْيَدِ، وَنَحْوِهَا، وَإِنْ عُدِّيَ بِ " عَلَى " تَكُونُ بِمَعْنَى الرَّأْيِ (١) .
وَالإِْشَارَةُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ مِثْلُهَا فِي اللُّغَةِ، وَيَسْتَعْمِلُهَا الأُْصُولِيُّونَ فِي مَبْحَثِ الدَّلاَلاَتِ، وَيُعَرِّفُونَ دَلاَلَةَ الإِْشَارَةِ بِأَنَّهَا: دَلاَلَةُ اللَّفْظِ عَلَى مَا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ، وَلَكِنَّهُ لاَزِمٌ لَهُ. كَدَلاَلَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (٢) عَلَى صِحَّةِ النِّكَاحِ بِدُونِ ذِكْرِ الْمَهْرِ، لأَِنَّ صِحَّةَ الطَّلاَقِ فَرْعُ صِحَّةِ النِّكَاحِ.
أَمَّا عِبَارَةُ النَّصِّ فَهِيَ الْمَعْنَى الَّذِي يَتَبَادَرُ فَهْمُهُ مِنْ صِيغَتِهِ، وَيَكُونُ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ سِيَاقِهِ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيل مَا يَتَّصِل بِذَلِكَ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
_________
(١) الكليات ١ / ١٨٤ - ١٨٥، واللسان، والمصباح مادة: (شور) .
(٢) سورة البقرة / ٢٣٦.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الدَّلاَلَةُ:
٢ - الدَّلاَلَةُ: كَوْنُ الشَّيْءِ بِحَيْثُ يُفْهَمُ مِنْهُ شَيْءٌ آخَرُ، كَدَلاَلَةِ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى، وَهِيَ أَعَمُّ مِنَ الإِْشَارَةِ (١) .
ب - الإِْيمَاءُ:
٣ - الإِْيمَاءُ: مُرَادِفٌ لِلإِْشَارَةِ لُغَةً، وَعِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ عَرَّفَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ: إِلْقَاءُ الْمَعْنَى فِي النَّفْسِ بِخَفَاءٍ (٢) .
صِفَتُهَا (الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ):
٤ - الإِْشَارَةُ تَقُومُ مَقَامَ اللَّفْظِ فِي أَغْلَبِ الأُْمُورِ، لأَِنَّهَا تُبَيِّنُ الْمُرَادَ كَالنُّطْقِ، وَلَكِنَّ الشَّارِعَ يُقَيِّدُ النَّاطِقِينَ بِالْعِبَارَةِ فِي بَعْضِ التَّصَرُّفَاتِ كَالنِّكَاحِ، فَإِذَا عَجَزَ إِنْسَانٌ عَنْهَا، أَقَامَ الشَّارِعُ إِشَارَتَهُ مَقَامَ نُطْقِهِ فِي الْجُمْلَةِ (٣) .
إِشَارَةُ الأَْخْرَسِ:
٥ - إِشَارَةُ الأَْخْرَسِ مُعْتَبَرَةٌ شَرْعًا، وَتَقُومُ مَقَامَ عِبَارَةِ النَّاطِقِ فِيمَا لاَ بُدَّ فِيهِ مِنَ الْعِبَارَةِ، إِذَا كَانَتْ مَعْهُودَةً فِي جَمِيعِ الْعُقُودِ كَالْبَيْعِ، وَالإِْجَارَةِ، وَالرَّهْنِ، وَالنِّكَاحِ، وَالْحُلُول: كَالطَّلاَقِ، وَالْعَتَاقِ، وَالإِْبْرَاءِ. وَغَيْرِ ذَلِكَ كَالأَْقَارِيرِ - مَا عَدَا الإِْقْرَارِ بِالْحُدُودِ، فَفِيهِ خِلاَفٌ كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا - وَالدَّعَاوَى " وَالإِْسْلاَمُ. وَهَذَا الْقَدْرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِيمَا نَعْلَمُ،
_________
(١) الكليات ١ / ٣٣٦.
(٢) الكليات ٢ / ٣٢٠.
(٣) المنثور في القواعد ١ / ١٦٤ - ١٦٥.
وَفِي اللِّعَانِ وَالْقَذْفِ خِلاَفٌ. فَقَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّ الإِْشَارَةَ لاَ تَقُومُ مَقَامَ النُّطْقِ فِيهِمَا، لأَِنَّ فِي الإِْشَارَةِ شُبْهَةً يُدْرَأُ بِهَا الْحَدُّ، وَقَال مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: إِشَارَةُ الأَْخْرَسِ كَنُطْقِهِ فِيهِمَا (١) .
وَلاَ فَرْقَ فِي اعْتِبَارِ إِشَارَةِ الأَْخْرَسِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى الْكِتَابَةِ، أَوْ عَاجِزًا عَنْهَا، وَلاَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْخَرَسُ أَصَالَةً أَوْ طَارِئًا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (٢) .
وَنُقِل عَنْ الْمُتَوَلِّي مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّمَا تُعْتَبَرُ إِشَارَةُ الأَْخْرَسِ إِذَا كَانَ عَاجِزًا عَنِ الْكِتَابَةِ، لأَِنَّهَا أَضْبَطُ (٣) . وَلَمْ يُفَرِّقِ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ إِشَارَةِ الأَْخْرَسِ وَكِتَابَتِهِ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ لِقَبُول إِشَارَتِهِ الْعَجْزُ عَنِ الْكِتَابَةِ (٤) .
وَيَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ لِقَبُول إِشَارَتِهِ مَا يَلِي:
أ - أَنْ يَكُونَ قَدْ وُلِدَ أَخْرَسَ، أَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ الْخَرَسُ وَدَامَ حَتَّى الْمَوْتِ. وَهَذِهِ رِوَايَةُ الْحَاكِمِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي هَذَا مِنَ الْحَرَجِ مَا فِيهِ، وَقَدَّرَ التُّمُرْتَاشِيُّ الاِمْتِدَادَ لِسَنَةٍ. وَفِي التَّتَارَخَانِيَّةِ: أَنَّهُ إِذَا طَرَأَ عَلَيْهِ الْخَرَسُ وَدَامَ حَتَّى صَارَتْ إِشَارَتُهُ مَفْهُومَةً اُعْتُبِرَتْ إِشَارَتُهُ كَعِبَارَتِهِ وَإِلاَّ لَمْ تُعْتَبَرْ (٥) .
_________
(١) روضة الطالبين ٨ / ٣٩، والمغني لابن قدامة ٣ / ٥٦٦، ٧ / ٣٩٦ ط الرياض، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٤٢٥، والقوانين الفقهية ص ١٦١.
(٢) إعانة الطالبين ٤ / ١١، وروضة الطالبين ٣ / ٣٤١، ومواهب الجليل ٤ / ٢٢٩.
(٣) روضة الطالين ٨ / ٣٩.
(٤) الدسوقي ٢ / ٤١٢ ط التجارية.
(٥) حاشية ابن عابدين ٢ / ٤٢٥. واللجنة ترى أن هذا القول الأخير هو الذي ينبغي أن يعتمد درءا للحرج.
ب - أَلاَّ يَقْدِرَ عَلَى الْكِتَابَةِ. جَاءَ فِي تَكْمِلَةِ حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ: قَال الْكَمَال: قَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: إِنْ كَانَ يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ لاَ يَقَعُ طَلاَقُهُ بِالإِْشَارَةِ، لاِنْدِفَاعِ الضَّرُورَةِ بِمَا هُوَ أَدَل عَلَى الْمُرَادِ مِنَ الإِْشَارَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ، وَبِهِ قَال بَعْضُ مَشَايِخِنَا.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: بَل هَذَا الْقَوْل تَصْرِيحٌ بِمَا هُوَ مَفْهُومٌ مِنْ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، فَفِي كَافِي الْحَاكِمِ الشَّهِيدِ مَا نَصُّهُ: فَإِنْ كَانَ الأَْخْرَسُ لاَ يَكْتُبُ، وَكَانَ لَهُ إِشَارَةٌ تُعْرَفُ فِي طَلاَقِهِ، وَنِكَاحِهِ، وَشِرَائِهِ، وَبَيْعِهِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُعْرَفْ ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ شُكَّ فِيهِ فَهُوَ بَاطِلٌ. ثُمَّ قَال: فَيُفِيدُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ لاَ تَجُوزُ إِشَارَتُهُ (١)
وَفِي الأَْشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ: أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ عَدَمَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْكِتَابَةِ لَيْسَ شَرْطًا لِلْعَمَل بِالإِْشَارَةِ (٢) .
وَقَال السُّيُوطِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: يُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي إِقَامَةِ إِشَارَةِ الأَْخْرَسِ مَقَامَ نُطْقِهِ مَسَائِل لاَ تَقُومُ فِيهَا إِشَارَةُ الأَْخْرَسِ مَقَامَ النُّطْقِ، مِنْهَا:
(١) إِذَا خَاطَبَ بِالإِْشَارَةِ فِي الصَّلاَةِ لاَ تَبْطُل صَلاَتُهُ فِي الأَْصَحِّ.
(٢) إِذَا نَذَرَ بِالإِْشَارَةِ لاَ يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ.
(٣) إِذَا شَهِدَ بِالإِْشَارَةِ لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ فِي الأَْصَحِّ، لأَِنَّ إِقَامَتَهَا مَقَامَ النُّطْقِ لِلضَّرُورَةِ، وَلاَ ضَرُورَةَ فِي شَهَادَتِهِ لإِمْكَانِ شَهَادَةِ النَّاطِقِ.
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٤٢٥، وتكملة ابن عابدين ٢ / ٨٢ ط الميمنية.
(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ١٣٨.
(٤) إِذَا حَلَفَ لاَ يُكَلِّمُ زَيْدًا فَكَلَّمَهُ بِالإِْشَارَةِ لاَ يَحْنَثُ.
(٥) إِذَا حَلَفَ بِالإِْشَارَةِ لاَ تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ إِلاَّ فِي اللِّعَانِ (١) .
إِقْرَارُ الأَْخْرَسِ بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ:
٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ إِقْرَارِ الأَْخْرَسِ بِالزِّنَى وَغَيْرِهِ مِنَ الْحُدُودِ. فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ، وَابْنُ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يُحَدُّ إِنْ أَقَرَّ بِالزِّنَى بِإِشَارَتِهِ، قَالُوا: لأَِنَّ مَنْ صَحَّ إِقْرَارُهُ بِغَيْرِ الزِّنَى صَحَّ إِقْرَارُهُ بِهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُحَدُّ بِإِقْرَارِهِ بِالزِّنَى، لأَِنَّ الإِْشَارَةَ تَحْتَمِل مَا فُهِمَ مِنْهَا وَغَيْرُهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ (٢) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَيْ: (حُدُود، وَإِقْرَار) .
إِشَارَةُ الأَْخْرَسِ بِالإِْقْرَارِ بِمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ:
٧ - إِشَارَتُهُ فِي ذَلِكَ مَقْبُولَةٌ فِي قَوْل الْفُقَهَاءِ فِي الْقِصَاصِ، لأَِنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ (٣) .
تَقْسِيمُ إِشَارَةِ الأَْخْرَسِ:
٨ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ إِذَا كَانَتْ إِشَارَةُ الأَْخْرَسِ
_________
(١) الأشباه والنظائر ص ٢٤٧، والمنثور ١ / ١٦٤، وإعانة الطالبين ٤ / ١٦، وروضة الطالبين ٨ / ٣٩ - ٤٠.
(٢) المغني ٨ / ١٩٦ ط الرياض.
(٣) بدائع الصنائع ١٠ / ٤٥٩٣، ٩ / ٤١٨٧، وروضة الطالبين ٨ / ٣٩، والمغني ٣ / ٥٦٦، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٤٢٥.
بِحَيْثُ يَفْهَمُهَا كُل مَنْ وَقَفَ عَلَيْهَا فَهِيَ صَرِيحَةٌ (١) . وَإِنْ كَانَ يَخْتَصُّ بِفَهْمِهَا ذَوُو الْفَطِنَةِ وَالذَّكَاءِ، فَهِيَ كِنَايَةٌ وَإِنِ انْضَمَّ إِلَيْهَا قَرَائِنُ.
وَتُعْرَفُ نِيَّةُ الأَْخْرَسِ فِيمَا إِذَا كَانَتْ إِشَارَتُهُ كِنَايَةً بِإِشَارَةٍ أُخْرَى أَوْ كِتَابَةٍ. أَمَّا إِذَا لَمْ يَفْهَمْ إِشَارَتَهُ أَحَدٌ فَهِيَ لَغْوٌ (٢) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لاَ تَكُونُ إِشَارَةُ الأَْخْرَسِ كِنَايَةً، فَإِنْ كَانَتْ مُفْهِمَةً فَهِيَ صَرِيحَةٌ وَإِلاَّ فَلَغْوٌ (٣) .
وَلَمْ نَعْثُرْ لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى قِسْمَةِ الإِْشَارَةِ مِنَ الأَْخْرَسِ إِلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ، وَتَفْصِيل مَا يَخُصُّ الإِْشَارَةَ فِي الطَّلاَقِ يَأْتِي فِي بَابِهِ.
إِشَارَةُ الأَْخْرَسِ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ:
٩ - لِلْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَةِ اتِّجَاهَانِ:
الأَْوَّل: يَجِبُ تَحْرِيكُ الأَْخْرَسِ لِسَانَهُ فِي تَكْبِيرِ الصَّلاَةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، لأَِنَّ الصَّحِيحَ يَلْزَمُهُ النُّطْقُ بِتَحْرِيكِ لِسَانِهِ، فَإِذَا عَجَزَ عَنْ أَحَدِهِمَا لَزِمَهُ الآْخَرُ. وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَقَوْل الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ.
وَالثَّانِي: لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
وَخَرَجَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ عَلَى قَوْلِهِمْ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٤٢٥، وشرح الزرقاني ٤ / ١٠٤.
(٢) إعانة الطالبين ٤ / ١٦.
(٣) شرح الزرقاني ٤ / ١٠٤.
بِوُجُوبِ التَّحْرِيكِ، تَحْرِيمُ تَحْرِيكِ الأَْخْرَسِ لِسَانَهُ بِالْقِرَاءَةِ وَهُوَ جُنُبٌ (١) .
الشَّهَادَةُ بِالإِْشَارَةِ:
١٠ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ الأَْخْرَسِ بِحَالٍ، وَإِنْ فَهِمَ إِشَارَتَهُ كُل أَحَدٍ. لأَِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الشَّهَادَةِ الْيَقِينُ، وَالإِْشَارَةُ لاَ تَخْلُو عَنِ احْتِمَالٍ (٢) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا تُقْبَل إِذَا كَانَتْ مُفْهِمَةً (٣) .
مُعْتَقَل اللِّسَانِ:
١١ - مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ صَوَّبَهُ صَاحِبُ الإِْنْصَافِ أَنَّ مُعْتَقَل اللِّسَانِ - وَهُوَ وَاسِطَةٌ بَيْنَ النَّاطِقِ وَالأَْخْرَسِ - إِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنِ النُّطْقِ فَهُوَ كَالأَْخْرَسِ، وَتَقُومُ إِشَارَتُهُ الْمُفْهِمَةُ مَقَامَ الْعِبَارَةِ، فَإِنْ أَوْصَى بِالإِْشَارَةِ، أَوْ قُرِئَتْ عَلَيْهِ الْوَصِيَّةُ، وَأَشَارَ أَنْ " نَعَمْ " صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ.
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْمُعْتَقَل اللِّسَانِ لاَ تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ (٤) .
إِشَارَةُ النَّاطِقِ:
١٢ - مَنْ كَانَ مُسْتَطِيعًا لِلنُّطْقِ فَفِي إِقَامَةِ إِشَارَتِهِ مَقَامَ النُّطْقِ اتَّجَهَانِ:
_________
(١) تكملة ابن عابدين ٢ / ٨٢، والمغني لابن قدامة ١ / ٤٦٣ ط الرياض، والقوانين الفقهية ص ٤٤، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٤٨ ط التجارية.
(٢) تحفة المحتاج ٨ / ٤٢١، والبحر الرائق ٧ / ٧٧، ونهاية المحتاج ٨ / ٢٧٧.
(٣) الكافي في فقه أهل المدينة ص ٨٩٩، والدسوقي ٤ / ١٦٨.
(٤) الأشباه والنظائر ص ٢٤٨ - ٢٤٩، والإنصاف ٧ / ١٨٨، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٩.