الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤
حُكْمِهِمْ، وَلَوْ كَانَ الأَْبُ حَيًّا كَافِرًا، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (١) .
وَقَال الثَّوْرِيُّ: إِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ يُخَيَّرُ بَيْنَ دِينِ أَبَوَيْهِ، فَأَيُّهُمَا اخْتَارَ كَانَ عَلَى دِينِهِ (٢) .
الإِْسْلاَمُ بِالتَّبَعِيَّةِ لِدَارِ الإِْسْلاَمِ:
٢٦ - يَدْخُل فِي ذَلِكَ الصَّغِيرُ إِذَا سُبِيَ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ مِنْ أَبَوَيْهِ، إِذَا أَدْخَلَهُ السَّابِي إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ. وَكَذَلِكَ لَقِيطُ دَارِ الإِْسْلاَمِ، حَتَّى لَوْ كَانَ مُلْتَقِطُهُ ذِمِّيًّا. وَكَذَلِكَ الْيَتِيمُ الَّذِي مَاتَ أَبَوَاهُ وَكَفَلَهُ أَحَدُ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ يَتَّبِعُ كَافِلَهُ وَحَاضِنَهُ فِي الدِّينِ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ الْقَيِّمِ. (٣)
وَانْفَرَدَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْوَلَدَ يُحْكَمُ بِإِسْلاَمِهِ إِذَا مَاتَ وَاحِدٌ مِنْ أَبَوَيْهِ الذِّمِّيِّينَ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: كُل مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ (٤) .
ثَالِثًا: الإِْسْلاَمُ بِالدَّلاَلَةِ:
٢٧ - قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: الأَْصْل أَنَّ الْكَافِرَ مَتَى فَعَل
_________
(١) سورة الطور / ٢١.
(٢) البدائع ٤ / ١٠٤، وابن عابدين ٤ / ٣٤٨، والشربيني ٤ / ٢٠٦ - ٢٠٧، والدسوقي على الشرح الكبير ٤ / ٣٠٨، والزرقاني على خليل ٢ / ٦٩، والمغني ٨ / ١٣٩ - ١٤٠، وكشاف القناع ٦ / ١٨٣.
(٣) شفاء العليل ص ٢٩٨، والمغني ٨ / ١٤٠.
(٤) حديث " كل مولود. . . " أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا بلفظ " ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه. . . " (فتح الباري ١١ / ٤٩٣ ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ٤ / ٢٠٤٧ ط عيسى الحلبي ١٣٧٥ هـ) .
عِبَادَةً فَإِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي سَائِرِ الأَْدْيَانِ لاَ يَكُونُ بِهَا مُسْلِمًا، كَالصَّلاَةِ مُنْفَرِدًا، وَالصَّوْمِ، وَالْحَجِّ الَّذِي لَيْسَ بِكَامِلٍ، وَالصَّدَقَةِ، وَمَتَى فَعَل مَا اخْتَصَّ بِشَرْعِنَا، وَلَوْ مِنَ الْوَسَائِل كَالتَّيَمُّمِ. وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنَ الْمَقَاصِدِ أَوْ مِنَ الشَّعَائِرِ، كَالصَّلاَةِ بِجَمَاعَةٍ وَالْحَجِّ الْكَامِل وَالأَْذَانِ فِي الْمَسْجِدِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، يَكُونُ بِهِ مُسْلِمًا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ (١) . وَقَدِ اعْتَبَرَ الْفُقَهَاءُ جُمْلَةً مِنَ الأَْفْعَال تَقُومُ دَلاَلَةً عَلَى كَوْنِ الشَّخْصِ مُسْلِمًا، وَلَوْ لَمْ يُعْرَفْ عَنْهُ النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ.
أ - الصَّلاَةُ
٢٨ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلاَمِ الْكَافِرِ بِفِعْل الصَّلاَةِ. لَكِنْ قَال الْحَنَابِلَةُ: يُحْكَمُ بِإِسْلاَمِهِ بِالصَّلاَةِ سَوَاءٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَسَوَاءٌ صَلَّى جَمَاعَةً أَوْ فَرْدًا، فَإِنْ أَقَامَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الإِْسْلاَمِ، وَإِلاَّ فَهُوَ مُرْتَدٌّ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّينَ.
وَإِنْ مَاتَ قَبْل ظُهُورِ مَا يُنَافِي الإِْسْلاَمَ فَهُوَ مُسْلِمٌ، يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ الْمُسْلِمُونَ دُونَ الْكَافِرِينَ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِنِّي نُهِيتُ عَنْ قَتْل الْمُصَلِّينَ (٢) وَقَوْلِهِ: الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ
_________
(١) الدر المختار ١ / ٧٣٦٤، ٣ / ٣٩٠، والمغني ٢ / ٢٠١.
(٢) حديث: " إني نهيت عن قتل المصلين " أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا، قال المنذري: وفي إسناده أبو يسار القرشي، سئل عنه أبو حاتم الرازي، فقال: مجهول، وأبو هاشم قيل هو ابن عم أبي هريرة، وهو كما قال الحافظ ابن حجر: مجهول الحال أيضا (عون المعبود ٤ / ٤٣٨ ط الهند، وجامع الأصول ٤ / ٧٤٤ نشر مكتبة الحلواني ١٣٩٠ هـ، وتقريب التهذيب ٢ / ٤٨٢ نشر دار المعرفة ١٣٩٥ هـ) .
الصَّلاَةُ (١) وَقَوْلُهُ: مَنْ صَلَّى صَلاَتَنَا، وَاسْتَقْبَل قِبْلَتَنَا، وَأَكَل ذَبِيحَتَنَا فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَلاَ تَخْفِرُوا اللَّهَ فِي ذِمَّتِهِ (٢) . فَجَعَلَهَا حَدًّا بَيْنَ الإِْيمَانِ وَالْكُفْرِ، فَمَنْ صَلَّى فَقَدْ دَخَل فِي حَدِّ الإِْسْلاَمِ، وَلأَِنَّهَا عِبَادَةٌ تَخْتَصُّ بِالْمُسْلِمِينَ فَالإِْتْيَانُ بِهَا إِسْلاَمٌ، كَالشَّهَادَتَيْنِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يُحْكَمُ بِإِسْلاَمِهِ بِالصَّلاَةِ إِلاَّ إِنْ صَلاَّهَا كَامِلَةً فِي الْوَقْتِ مَأْمُومًا فِي جَمَاعَةٍ، إِلاَّ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ يَرَى أَنَّهُ حَتَّى لَوْ صَلَّى وَحْدَهُ مُسْتَقْبِل الْقِبْلَةِ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلاَمِهِ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ يُحْكَمُ بِإِسْلاَمِ الْكَافِرِ بِمُجَرَّدِ صَلاَتِهِ، لأَِنَّ الصَّلاَةَ مِنْ فُرُوعِ الإِْسْلاَمِ، فَلَمْ يَصِرْ مُسْلِمًا بِفِعْلِهَا، كَالْحَجِّ وَالصِّيَامِ، وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِل النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُول اللَّهِ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا (٣) . وَقَال بَعْضُهُمْ: إِنْ
_________
(١) حديث: " العهد. . . " أخرجه الترمذي والنسائي من حديث بريدة ﵁ مرفوعا، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قال المباركفوري: وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وقال: صحيح، ولا نعرف له علة (تحفة الأحوذي ٧ / ٣٦٩ ط السلفية، وسنن النسائي ١ / ٢٣١ نشر المكتبة التجارية، وجامع الأصول ٥ / ٢٠٣ نشر مكتبة الحلواني، وشرح السنة للبغوي ٢ / ١٨٠ نشر المكتب الإسلامي) .
(٢) حديث: " من صلى صلاتنا. . . " أخرجه البخاري من حديث أنس بن مالك ﵁ مرفوعا (فتح الباري ١ / ٤٩٦ ط السلفية) .
(٣) حديث: " أمرت أن أقاتل. . . " أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعا بلفظ " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام " وفي رواية مسلم " إلا بحقها وحسابهم على الله ". (فتح الباري ١ / ٧٥ ط السلفية، وصحيح مسلم ١ / ٥٣ ط استانبول، وجامع الأصول ١ / ٢٤٥ نشر مكتبة الحلواني) .
صَلَّى فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ، لأَِنَّهُ قَدْ يَقْصِدُ الاِسْتِتَارَ بِالصَّلاَةِ وَإِخْفَاءَ دِينِهِ، وَإِنْ صَلَّى فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ مُسْلِمٌ، لأَِنَّهُ لاَ تُهْمَةَ فِي حَقِّهِ (١) . وَالدَّلِيل لِذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: مَنْ صَلَّى صَلاَتَنَا، وَاسْتَقْبَل قِبْلَتَنَا، وَأَكَل ذَبِيحَتَنَا فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ فَلاَ تَخْفِرُوا اللَّهَ فِي ذِمَّتِهِ (٢) . وَقَوْلُهُ ﷺ: إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُل يَتَعَاهَدُ الْمَسَاجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالإِْيمَانِ (٣) فَإِنَّ اللَّهَ يَقُول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (٤) .
قَال ابْنُ قُدَامَةَ (٥): مَنْ صَلَّى حَكَمْنَا بِإِسْلاَمِهِ ظَاهِرًا، أَمَّا صَلاَتُهُ فِي نَفْسِهِ فَأَمْرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى.
_________
(١) بدائع الصنائع ٤ / ١٠٣، والمغني ٢ / ٢٠١ والدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٣٢٥.
(٢) حديث: " من صلى صلاتنا. . . " سبق تخريجه (ف / ٢٧) .
(٣) حديث: " إذا رأيتم الرجل يتعاهد المساجد. . . . " أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد والحاكم وابن حبان والدارمي من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، قال الحاكم: هذه ترجمة للمصريين، لم يختلفوا في صحتها وصدق رواتها، غير أن شيخي الصحيح البخاري ومسلم لم يخرجاه، وتعقبه الذهبي بقوله: في إسناده دراج وهو كثير المناكير (تحفة الأحوذي ١ / ٣٦٥ - ٣٦٦ ط السلفية، وسنن ابن ماجه بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ١ / ٢٦٣ ط عيسى الحلبي ١٣٧٢ هـ، ومسند أحمد بن حنبل ٣ / ٦٨ ط الميمنية، والمستدرك ١ / ٢١٢، ٢١٣ نشر دار الكتاب العربي، وسنن الدارمي ١ / ٢٧٨ ط مطبعة الاعتدال ١٣٤٩ هـ) .
(٤) سورة التوبة / ١٨.
(٥) المغني ٢ / ٢٠١.
فَالرَّجُل يَتَعَهَّدُ الْمَسَاجِدَ وَيَرْتَادُهَا لإِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ فِي أَوْقَاتِهَا وَالإِْنْصَاتِ فِيهَا لِمَا يُتْلَى مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَمَا يُلْقَى فِيهَا مِنَ الْعِبَرِ وَالْعِظَاتِ، وَالأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْمَسَاجِدَ لاَ يَرْتَادُهَا إِلاَّ الْمُؤْمِنُونَ الطَّائِعُونَ وَالْمُخْلِصُونَ فِي إِيمَانِهِمْ لِلَّهِ، فَلاَ جَرَمَ إِنْ كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ النَّبَوِيُّ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ هَذَا الاِرْتِيَادَ هُوَ أَمَارَةٌ عَلَى الإِْيمَانِ، يَشْهَدُ لَهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ﴾ . الآْيَةَ.
ب - الأَْذَانُ:
٢٩ - وَيُحْكَمُ بِإِسْلاَمِ الْكَافِرِ بِالأَْذَانِ فِي الْمَسْجِدِ وَفِي الْوَقْتِ، لأَِنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ دِينِنَا وَشِعَارِ شَرْعِنَا، وَلَيْسَ لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ يَشْتَمِل عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ، بَل لأَِنَّهُ مِنْ قَبِيل الإِْسْلاَمِ بِالْفِعْل.
ج - سُجُودُ التِّلاَوَةِ:
٣٠ - وَيُحْكَمُ بِإِسْلاَمِ الْكَافِرِ بِسُجُودِ التِّلاَوَةِ، لأَِنَّهُ مِنْ خَصَائِصِنَا، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ أَخْبَرَ عَنِ الْكُفَّارِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾ (١) .
د - الْحَجُّ:
٣١ - وَكَذَلِكَ لَوْ حَجَّ، وَتَهَيَّأَ لِلإِْحْرَامِ. وَلَبَّى وَشَهِدَ الْمَنَاسِكَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلاَمِهِ. وَإِنْ لَبَّى وَلَمْ يَشْهَدِ الْمَنَاسِكَ، أَوْ شَهِدَهَا وَلَمْ يُلَبِّ، فَلاَ يُحْكَمُ بِإِسْلاَمِهِ (٢) .
_________
(١) سورة الانشقاق / ٢١.
(٢) بدائع الصنائع ٧ / ١٠٣.
إِسْلاَمٌ
اُنْظُرْ: سَلَم
إِسْلاَفٌ
اُنْظُرْ: سَلَف
إِسْنَادٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْسْنَادُ لُغَةً يَكُونُ:
أ - بِمَعْنَى إِمَالَةِ الشَّيْءِ إِلَى الشَّيْءِ حَتَّى يَعْتَمِدَ عَلَيْهِ.
ب - وَيَأْتِي أَيْضًا بِمَعْنَى رَفْعِ الْقَوْل إِلَى قَائِلِهِ وَنِسْبَتِهِ إِلَيْهِ (١) . وَيَأْتِي اصْطِلاَحًا لِمَعَانٍ:
أ - إِعَانَةُ الْغَيْرِ، كَالْمَرِيضِ مَثَلًا، بِتَمْكِينِهِ مِنَ التَّوَكُّؤِ عَلَى الْمُسْنَدِ، وَنَحْوُهُ إِسْنَادُ الظَّهْرِ إِلَى الشَّيْءِ.
وَتَفْصِيل الْكَلاَمِ فِي الإِْسْنَادِ بِهَذَا الْمَعْنَى يَأْتِي تَحْتَ عِنْوَانَيِ: (اسْتِنَاد) (وَإِعَانَة) .
_________
(١) لسان العرب، ومعجم متن اللغة، وتاج العروس مادة: (سند) .
ب - مَا يُذْكَرُ لِتَقْوِيَةِ الْقَضِيَّةِ الْمُدَّعَاةِ. وَالْكَلاَمُ فِيهِ تَحْتَ عِنْوَانَيْ (إِثْبَاتٌ) (وَسَنَدٌ) .
ج - الإِْضَافَةُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: إِسْنَادُ الطَّلاَقِ إِلَى وَقْتٍ سَابِقٍ (١) وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (إِضَافَةٌ) .
د - الطَّرِيقُ الْمُوَصِّل إِلَى مَتْنِ الْحَدِيثِ. وَبَيَانُهُ فِيمَا يَلِي:
الإِْسْنَادُ بِمَعْنَى الطَّرِيقِ الْمُوَصِّل إِلَى مَتْنِ الْحَدِيثِ:
٢ - هَذَا الاِصْطِلاَحُ هُوَ لِلأُْصُولِيِّينَ وَالْمُحَدِّثِينَ، وَلَهُ عِنْدَهُمْ إِطْلاَقَانِ:
الأَْوَّل: أَنَّ إِسْنَادَ الْحَدِيثِ هُوَ ذِكْرُ سَنَدِهِ، وَهُوَ ضِدُّ الإِْرْسَال (٢) . وَالسَّنَدُ: سِلْسِلَةُ رُوَاتِهِ بَيْنَ الْقَائِل وَالرَّاوِي الأَْخِيرِ. وَهَذَا الاِصْطِلاَحُ فِي الإِْسْنَادِ هُوَ الأَْشْهَرُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ.
الثَّانِي: وَنَقَلَهُ ابْنُ الصَّلاَحِ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، أَنَّ الإِْسْنَادَ هُوَ رَفْعُ الْحَدِيثِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ. فَمُقَابِل الْحَدِيثِ الْمُسْنَدِ - عَلَى هَذَا الْقَوْل - الْحَدِيثُ الْمَوْقُوفُ، وَهُوَ مَا لَمْ يُرْفَعْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ. بَل هُوَ مِنْ قَوْل الصَّحَابِيِّ، وَالْمَقْطُوعُ: وَهُوَ مَا انْتَهَى إِلَى التَّابِعِيِّ (٣) .
الْعَلاَقَةُ بَيْنَ (الإِْسْنَادِ) (وَالسَّنَدِ):
٣ - السَّنَدُ:
السَّنَدُ هُوَ الطَّرِيقُ الْمُوَصِّل إِلَى مَتْنِ الْحَدِيثِ.
_________
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢ / ٤٧٧ ط عيسى الحلبي، ورد المحتار ٢ / ٦٢٢ ط الميمنية.
(٢) شرح مسلم الثبوت ٢ / ١٧٣، وكشاف اصطلاحات الفنون ٣ / ٦٣١. وينبغي أن نعلم أن في (الإرسال) اصطلاحات أخرى (ر: إرسال) .
(٣) مقدمة في علوم الحديث لابن الصلاح ص ٣٩، ٤٠، وتدريب الراوي ص ١١٧، ١١٨.
وَالْمُرَادُ بِالطَّرِيقِ: سِلْسِلَةُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ، وَالْمُرَادُ بِمَتْنِ الْحَدِيثِ: أَلْفَاظُ الْحَدِيثِ الْمَرْوِيَّةِ.
وَأَمَّا الإِْسْنَادُ فَهُوَ ذِكْرُ ذَلِكَ الطَّرِيقِ وَحِكَايَتُهُ وَالإِْخْبَارُ بِهِ.
فَبَيْنَ (الإِْسْنَادِ) (وَالسَّنَدِ) تَبَايُنٌ. وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الاِصْطِلاَحَيْنِ. قَال السَّخَاوِيُّ: هُوَ الْحَقُّ.
وَنَقَل السُّيُوطِيُّ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الاِصْطِلاَحَيْنِ خِلاَفَ هَذَا. قَال: قَال ابْنُ جَمَاعَةَ وَالطِّيبِيُّ: السَّنَدُ هُوَ الإِْخْبَارُ عَنْ طَرِيقِ الْمَتْنِ، وَأَمَّا الإِْسْنَادُ فَهُوَ رَفْعُ الْحَدِيثِ إِلَى قَائِلِهِ.
هَذَا مَا نَصُّوا عَلَيْهِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الاِصْطِلاَحَيْنِ، وَلَكِنْ بِاسْتِقْرَاءِ مَوَاضِعَ مِنْ كَلاَمِ الْمُحَدِّثِينَ نَجِدُهُمْ يَسْتَعْمِلُونَ الإِْسْنَادَ بِمَعْنَى السَّنَدِ كَثِيرًا بِنَوْعٍ مِنَ التَّسَاهُل أَوِ الْمَجَازِ، حَتَّى لَقَدْ قَال ابْنُ جَمَاعَةَ: الْمُحَدِّثُونَ يَسْتَعْمِلُونَ السَّنَدَ وَالإِْسْنَادَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ (١) .
مَنْزِلَةُ الإِْسْنَادِ:
٤ - يَقُول الأُْصُولِيُّونَ: إِنَّ الاِحْتِجَاجَ بِالسُّنَّةِ مَوْقُوفٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا عَلَى السَّنَدِ، بِأَنْ يَقُول الْمُحْتَجُّ بِهَا: حَدَّثَنِي فُلاَنٌ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ، أَوْ بِوَاسِطَةٍ أَنَّهُ ﷺ قَال: أَوْ فَعَل، أَوْ أَقَرَّ كَذَا. . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الاِحْتِجَاجُ مَوْقُوفًا عَلَى السَّنَدِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّحَابَةِ، أَيْ لِسَمَاعِهِمُ الأَْحَادِيثَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مُبَاشَرَةً. وَمُبَاشَرَتِهِمْ لِرُؤْيَةِ أَفْعَالِهِ (٢) . وَهَذَا فِي غَيْرِ
_________
(١) تدريب الراوي للسيوطي شرح تقريب النواوي ص ٥، وكشاف اصطلاحات الفنون ٣ / ٦٣١.
(٢) شرح مسلم الثبوت ٢ / ١٠٠.
الْمُتَوَاتِرِ، أَمَّا الْمُتَوَاتِرُ فَيُغْنِي تَوَاتُرُهُ عَنْ بَيَانِ إِسْنَادِهِ. وَقَدْ نَقَل مُسْلِمٌ فِي مُقَدِّمَةِ صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ﵁ أَنَّهُ قَال: الإِْسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، وَلَوْلاَ الإِْسْنَادُ لَقَال مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ (١) . وَقَال الشَّافِعِيُّ ﵁: الَّذِي يَطْلُبُ الْحَدِيثَ بِلاَ سَنَدٍ كَحَاطِبِ لَيْلٍ يَحْمِل حُزْمَةَ حَطَبٍ وَفِيهِ أَفْعَى وَهُوَ لاَ يَدْرِي (٢) .
٥ - وَإِنَّمَا اُحْتِيجَ إِلَى الإِْسْنَادِ لِلْحَاجَةِ إِلَى ضَبْطِ الْمَرْوِيَّاتِ وَالتَّوَثُّقِ مِنْهَا، وَظَهَرَتْ تِلْكَ الْحَاجَةُ بَعْدَمَا شَرَعَ أَهْل الأَْهْوَاءِ فِي افْتِرَاءِ أَحَادِيثَ يُقَوُّونَ بِهَا مَا يَذْهَبُونَ إِلَيْهِ. قَال ابْنُ سِيرِينَ: لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنَ الإِْسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ، فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْل السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَإِلَى أَهْل الْبِدَعِ فَلاَ يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ (٣) .
الإِْسْنَادُ وَثُبُوتُ الْحَدِيثِ:
٦ - إِنْ كَانَ إِسْنَادُ الْحَدِيثِ صَحِيحًا لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ صِحَّةُ الْمَتْنِ وَثُبُوتُهُ، لاِحْتِمَال كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا، أَوْ لاِحْتِمَال وُجُودِ عِلَّةٍ قَادِحَةٍ. فَإِنَّ الْحَدِيثَ إِنَّمَا يَكُونُ صَحِيحًا إِذَا جَمَعَ إِلَى صِحَّةِ الإِْسْنَادِ السَّلاَمَةَ مِنَ الشُّذُوذِ وَالْعِلَّةِ. إِلاَّ أَنَّ بَعْضَهُمْ ذَكَرَ أَنَّ أَئِمَّةَ نَقْدِ الْحَدِيثِ إِذَا قَال الْوَاحِدُ مِنْهُمْ فِي حَدِيثٍ: إِنَّهُ صَحِيحُ الإِْسْنَادِ، وَلَمْ يَقْدَحْ فِيهِ فَالظَّاهِرُ مِنْهُ الْحُكْمُ عَلَى الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ، لأَِنَّ عَدَمَ الْعِلَّةِ
_________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي ١ / ٨٦.
(٢) فيض القدير ١ / ٤٣٣ ط مصطفى محمد، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ١ / ١٦، والإمداد لمعرفة علوم الإسناد ص ٣ ط حيدر آباد دائرة المعارف العثمانية.
(٣) صحيح مسلم بشرح النووي ١ / ٨٤.
وَالْقَادِحِ هُوَ الأَْصْل وَالظَّاهِرُ. كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلاَحِ فِي مُقَدِّمَتِهِ (١) .
وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ الْحَدِيثِ ظَاهِرًا أَنَّهُ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ فِي نَفْسِ الأَْمْرِ، لِجَوَازِ الْخَطَأِ أَوِ النِّسْيَانِ عَلَى الثِّقَةِ (٢) .
وَلَكِنَّ إِسْنَادَ الْحَدِيثِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ الْمُرْسَل، وَيُحْتَجُّ بِهِ إِنْ كَانَ الَّذِي أَرْسَلَهُ ثِقَةٌ، وَهُوَ قَوْل الأَْئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ: أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ، وَقِيل فِي تَعْلِيل ذَلِكَ: مَنْ أَسْنَدَ فَقَدْ أَحَالَكَ، وَمَنْ أَرْسَل فَقَدْ تَكَفَّل لَكَ، أَيْ بِالصِّحَّةِ. وَلاَ يَقْبَلُهُ الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ إِلاَّ إِنِ اعْتَضَدَ بِمَا يُقَوِّيهِ (٣) .
وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلاَتٌ أُخْرَى. اُنْظُرْ (إِرْسَالٌ) . وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُسْنَدَ مِنَ الأَْحَادِيثِ أَقْوَى مِنَ الْمُرْسَل (٤) .
صِفَاتُ الأَْسَانِيدِ:
٧ - يُوصَفُ الإِْسْنَادُ بِصِفَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَقَدْ يُوصَفُ مَثَلًا بِالْعُلُوِّ أَوْ بِالنُّزُول. فَإِنْ كَانَتِ الْوَسَائِطُ قَلِيلَةً فَهُوَ إِسْنَادٌ عَالٍ، وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً فَهُوَ نَازِلٌ.
كَمَا يُوصَفُ الإِْسْنَادُ بِالْقُوَّةِ وَالصِّحَّةِ، أَوْ بِالْحُسْنِ أَوْ بِالضَّعْفِ، وَقَدْ يُقَال: إِسْنَادٌ مُعَنْعَنٌ،
_________
(١) مقدمة ابن الصلاح ص ٣، ٤.
(٢) الرفع والتكميل في الجرح والتعديل لعبد الحي اللكنوي ص ٨٤ نشر مكتبة المطبوعات.
(٣) شرح مسلم الثبوت ٢ / ١٧٤.
(٤) شرح العضد على مختصر ابن الحاجب وحاشية التفتازاني ٢ / ٧٤، ٣١١ ط ليبيا.