الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤ الصفحة 50

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤

الْحَقَّ قَبْل ذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ بِالْفِعْل، فَلاَ يُتَصَوَّرُ وُرُودُ الإِْسْقَاطِ عَلَيْهِ، فَإِسْقَاطُ مَا لَمْ يَجِبْ، وَلاَ جَرَى سَبَبُ وُجُوبِهِ لاَ يُعْتَبَرُ إِسْقَاطًا، وَإِنَّمَا مُجَرَّدُ وَعْدٍ لاَ يَلْزَمُ مِنْهُ الإِْسْقَاطُ مُسْتَقْبَلًا، كَإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ قَبْل الْبَيْعِ، وَإِسْقَاطِ الْحَاضِنَةِ حَقَّهَا فِي الْحَضَانَةِ قَبْل وُجُوبِهَا، فَكُل هَذَا لاَ يُعْتَبَرُ إِسْقَاطًا، وَإِنَّمَا هُوَ امْتِنَاعٌ عَنِ الْحَقِّ فِي الْمُسْتَقْبَل، وَيَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهِ وَالْعَوْدُ إِلَى الْمُطَالَبَةِ بِالْحَقِّ.

٦٠ - أَمَّا إِذَا لَمْ يَجِبِ الْحَقُّ، وَلَكِنْ وُجِدَ سَبَبُ وُجُوبِهِ، فَفِي صِحَّةِ الإِْسْقَاطِ حِينَئِذٍ اخْتِلاَفُ الْفُقَهَاءِ:

فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَمُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ يَصِحُّ الإِْسْقَاطُ بَعْدَ وُجُودِ السَّبَبِ وَقَبْل الْوُجُوبِ.

فَقَدْ جَاءَ فِي بَدَائِعِ الصَّنَائِعِ (١): الإِْبْرَاءُ عَنِ الْحَقِّ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ قَبْل الْوُجُوبِ جَائِزٌ، كَالإِْبْرَاءِ عَنِ الأُْجْرَةِ قَبْل مُضِيِّ مُدَّةِ الإِْجَارَةِ. وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ (٢): الإِْبْرَاءُ عَنْ سَائِرِ الْحُقُوقِ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ جَائِزٌ.

وَفِي شَرْحِ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ، وَمِثْلُهُ فِي الْمُغْنِي: إِنْ عَفَا مَجْرُوحٌ عَمْدًا أَوْ خَطَأً عَنْ قَوَدِ نَفْسِهِ أَوْ دِيَتِهَا صَحَّ عَفْوُهُ، لإِسْقَاطِهِ حَقَّهُ بَعْدَ انْعِقَادِ سَبَبِهِ. (٣)

وَفِي فَتْحِ الْعَلِيِّ الْمَالِكِ (٤) وَرَدَتْ عِدَّةُ مَسَائِل:

_________

(١) بدائع الصنائع ٦ / ١٤، ٤ / ٢٩، ٥١٢، والدسوقي ٢ / ٣١٦.

(٢) تكملة فتح القدير ٨ / ٢٩٥ ط دار إحياء التراث، والهداية ٤ / ٨، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٥٦٦.

(٣) شرح منتهى الإرادات ٣ / ٨٠، ٢٩٠، ٤٢٨، والمغني ٧ / ٧٥٠، ٨ / ٧١٢ - ٧١٤، ٩ / ٣٠، وكشاف القناع ٥ / ٥٤٦.

(٤) فتح العلي المالك ١ / ٣٢٢، ٣٢٣، ٣٦٦.

كَإِبْرَاءِ الزَّوْجَةِ زَوْجَهَا مِنَ الصَّدَاقِ فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ قَبْل الْبِنَاءِ وَقَبْل أَنْ يَفْرِضَ لَهَا، وَإِسْقَاطِ الْمَرْأَةِ عَنْ زَوْجِهَا نَفَقَةَ الْمُسْتَقْبَل، وَكَعَفْوِ الْمَجْرُوحِ عَمَّا يَئُول إِلَيْهِ الْجُرْحُ. ثُمَّ قَال نَقْلًا عَنِ ابْنِ عَبْدِ السَّلاَمِ: وَبَعْضُ هَذِهِ الْمَسَائِل أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ، فَهَل يَلْزَمُ الإِْسْقَاطُ فِي ذَلِكَ، لأَِنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ قَدْ وُجِدَ أَوْ لاَ يَلْزَمُ لأَِنَّهَا لَمْ تَجِبْ؟ قَوْلاَنِ حَكَاهُمَا ابْنُ رُشْدٍ

وَفِي الدُّسُوقِيِّ (١) ذَكَرَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ هُوَ لُزُومُ الإِْسْقَاطِ لِجَرَيَانِ السَّبَبِ. وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْقَوْل الثَّانِي لِلْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُ يَصِحُّ إِسْقَاطُ الْحَقِّ قَبْل وُجُوبِهِ، وَإِنْ جَرَى سَبَبُ وُجُوبِهِ.

جَاءَ فِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ: (٢) لَوْ أَبْرَأَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ عَنِ الضَّمَانِ لَمْ يُبَرَّأْ فِي الأَْظْهَرِ، إِذْ هُوَ إِبْرَاءٌ عَمَّا لَمْ يَجِبْ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ وَإِنْ وُجِدَ سَبَبُهُ، وَالْقَوْل الثَّانِي: يُبَرَّأُ لِوُجُودِ سَبَبِ الضَّمَانِ.

وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ صُورَةً يَصِحُّ فِيهَا الإِْسْقَاطُ قَبْل الْوُجُوبِ وَهِيَ: مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِلاَ إِذْنٍ، وَأَبْرَأَهُ الْمَالِكُ، وَرَضِيَ بِبَقَائِهَا، فَإِنَّهُ يُبَرَّأُ مِمَّا وَقَعَ فِيهَا. (٣)

إِسْقَاطُ الْمَجْهُول:

٦١ - إِسْقَاطُ الْحَقِّ الْمَعْلُومِ لاَ خِلاَفَ فِيهِ، وَالْخِلاَفُ إِنَّمَا هُوَ فِي الْمَجْهُول، كَالدَّيْنِ، وَالْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ، وَحِصَّةٍ فِي تَرِكَةٍ، وَمَا مَاثَل ذَلِكَ. فَهَذَا النَّوْعُ مَحَل

_________

(١) الدسوقي ٢ / ٣١٦.

(٢) نهاية المحتاج ٤ / ٧٨.

(٣) الأشباه للسيوطي ص ٣٣٧، وقليوبي ٢ / ٢١١، والمنثور في القواعد ١ / ٨٦.

خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي صِحَّةِ إِسْقَاطِهِ، بِنَاءً عَلَى اخْتِلاَفِهِمْ فِي الإِْبْرَاءِ مِنَ الدَّيْنِ، هَل هُوَ تَمْلِيكٌ أَوْ إِسْقَاطٌ؟

فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَالْقَدِيمُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ يَجُوزُ الإِْبْرَاءُ مِنَ الْمَجْهُول، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِمَنِ اخْتَصَمَا فِي مَوَارِيثَ قَدْ دَرَسَتْ: اسْتَهِمَا، وَتَوَخَّيَا الْحَقَّ، وَلِيُحْلِل كُلٌّ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ. (١) وَلأَِنَّهُ إِسْقَاطُ حَقٍّ لاَ تَسْلِيمَ فِيهِ، فَصَحَّ فِي الْمَجْهُول، لأَِنَّ الْجَهَالَةَ فِيهِ لاَ تُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ. وَمِنْ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: صِحَّةُ الصُّلْحِ عَمَّا تَعَذَّرَ عِلْمُهُ مِنَ الدَّيْنِ، لِئَلاَّ يُفْضِيَ إِلَى ضَيَاعِ الْمَال. (٢)

وَفِي الْجَدِيدِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ الإِْبْرَاءُ مِنَ الْمَجْهُول (٣)، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ تَمْلِيكُ مَا فِي ذِمَّتِهِ، فَيُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِهِ.

وَلاَ فَرْقَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى الْقَوْل بِعَدَمِ الصِّحَّةِ بَيْنَ مَجْهُول الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ وَالصِّفَةِ.

وَيَسْتَثْنِي الشَّافِعِيَّةُ مِنَ الإِْبْرَاءِ مِنَ الْمَجْهُول صُورَتَيْنِ:

_________

(١) حديث " استهما وتوخيا الحق. . . . " أخرجه أحمد، وأبو داود من حديث أم مسلمة رضي عنها مرفوعا، ولفظ أبي داود " اقتسما وتوخيا الحق ثم استهما ثم تحالا "، والحديث سكت عنه أبو داود والمنذري. وقال شعيب الأرناؤوط محقق شرح السنة: إسناده حسن (مسند أحمد بن حنبل ٦ / ٣٢٠ ط الميمنية، وعون المعبود ٣ / ٣٢٩ ط الهند، وشرح السنة للبغوي بتحقيق شعيب الأرناؤوط ١٠ / ١١٣ نشر المكتب الإسلامي) .

(٢) البدائع ٥ / ١٧٢، ١٧٣، والدسوقي ٣ / ٤١١، وشرح منتهى الإرادات ٢٦٣، وكشاف القناع ٣ / ٣٩٦ و٤ / ٣٠٤، والقواعد لابن رجب ص ٢٣٢، والمغني ٤ / ١٩٨.

(٣) قليوبي ٢ / ٣٢٦، ونهاية المحتاج ٤ / ٤٢٨، ٤٣٠، وشرح الروض ٢ / ٢٣٩، والمراجع السابقة للحنابلة.

الأُْولَى: الإِْبْرَاءُ مِنْ إِبِل الدِّيَةِ، فَيَصِحُّ الإِْبْرَاءُ مِنْهَا مَعَ الْجَهْل بِصِفَتِهَا، لاِغْتِفَارِهِمْ ذَلِكَ فِي إِثْبَاتِهَا فِي ذِمَّةِ الْجَانِي. وَكَذَا الأَْرْشُ وَالْحُكُومَةُ يَصِحُّ الإِْبْرَاءُ مِنْهُمَا مَعَ الْجَهْل بِصِفَتِهِمَا.

الثَّانِيَةُ: إِذَا ذَكَرَ قَدْرًا يَتَحَقَّقُ أَنَّ حَقَّهُ أَقَل مِنْهُ.

وَأُضِيفَ إِلَى هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ مَا لَوْ أَبْرَأَهُ عَمَّا عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَيَصِحُّ مَعَ الْجَهَالَةِ، لأَِنَّهُ وَصِيَّةٌ.

كَذَلِكَ الْجَهْل الْيَسِيرُ الَّذِي يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ لاَ يُؤَثِّرُ فِي الإِْسْقَاطِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، كَالإِْبْرَاءِ مِنْ حِصَّتِهِ مِنْ مُوَرِّثِهِ فِي التَّرِكَةِ، إِنْ عَلِمَ قَدْرَ التَّرِكَةِ، وَجَهِل قَدْرَ حِصَّتِهِ.

وَإِنْ أَجَازَ الْوَارِثُ وَصِيَّةَ مُوَرِّثِهِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، وَقَال: إِنَّمَا أَجَزْتُ لأَِنِّي ظَنَنْتُ الْمَال قَلِيلًا، وَأَنَّ الثُّلُثَ قَلِيلٌ، وَقَدْ بَانَ أَنَّهُ كَثِيرٌ، قُبِل قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ، وَلَهُ الرُّجُوعُ بِمَا زَادَ عَلَى ظَنِّهِ، مَا لَمْ يَكُنِ الْمَال ظَاهِرًا لاَ يَخْفَى عَلَى الْمُجِيزِ، أَوْ تَقُومُ بَيِّنَةٌ بِعِلْمِهِ وَبِقَدْرِهِ، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ. (١)

٦٢ - أَمَّا الإِْبْرَاءُ مِنَ الْعُيُوبِ فِي الْبَيْعِ، فَالْحُكْمُ فِيهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ كَالْحُكْمِ فِي الدَّيْنِ، مَعَ تَفْصِيلٍ بَيْنَ الْحَادِثِ وَالْقَائِمِ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: الأَْشْهَرُ فِيهِ عَدَمُ صِحَّةِ الإِْبْرَاءِ. وَالرَّأْيُ الثَّانِي: يَجُوزُ الإِْبْرَاءُ فِيهِ. وَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَفِيهِ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ: قَوْلٌ بِصِحَّةِ الْبَرَاءَةِ مِنْ كُل عَيْبٍ، وَقَوْلٌ بِعَدَمِ صِحَّةِ الْبَرَاءَةِ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ لاَ يُبَرَّأُ إِلاَّ مِنْ عَيْبٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْعَيْبُ الْبَاطِنُ فِي الْحَيَوَانِ الَّذِي لاَ يَعْلَمُ بِهِ الْبَائِعُ، قَال الشَّافِعِيُّ ﵀: لأَِنَّ الْحَيَوَانَ يُفَارِقُ مَا سِوَاهُ، وَقَلَّمَا يُبَرَّأُ مِنْ عَيْبٍ يَظْهَرُ أَوْ يَخْفَى، فَدَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى

_________

(١) منتهى الإرادات ٢ / ٥٤٣، والمهذب ١ / ٤٥٧.

التَّبَرِّي مِنَ الْعَيْبِ الْبَاطِنِ فِيهِ. (١)

هَذِهِ أَمْثِلَةٌ لِمَا لاَ يَقْبَل الإِْسْقَاطَ بِالاِتِّفَاقِ، أَوْ مَعَ الاِخْتِلاَفِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الْمَحَل أَوْ شُرُوطِ الإِْسْقَاطِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ.

٦٣ - وَهُنَاكَ كَثِيرٌ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي لاَ تَقْبَل الإِْسْقَاطَ لأَِسْبَابٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَمِنَ الْعَسِيرِ حَصْرُ هَذِهِ الْحُقُوقِ لِتَشَعُّبِهَا فِي مَسَائِل الْفِقْهِ الْمُخْتَلِفَةِ. وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: حَقُّ الزَّوْجِ فِي الاِسْتِمْتَاعِ. (٢)

وَهُنَاكَ مَا لاَ يَسْقُطُ لِقَاعِدَةٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهِيَ: أَنَّ صِفَاتِ الْحُقُوقِ لاَ تُفْرَدُ بِالإِْسْقَاطِ كَالأَْجَل وَالْجَوْدَةِ، بَيْنَمَا يَجُوزُ إِسْقَاطُهُمَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ خُرُوجًا عَنْ قَاعِدَةِ " التَّابِعُ تَابِعٌ (٣) ".

كَذَلِكَ قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الشَّرْطَ إِذَا كَانَ فِي عَقْدٍ لاَزِمٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ وَلاَ يَقْبَل الإِْسْقَاطَ، فَلَوْ قَال رَبُّ السَّلَمِ: أَسْقَطْتُ حَقِّي فِي التَّسْلِيمِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ أَوِ الْبَلَدِ لَمْ يَسْقُطْ. وَكَمَنْ أَسْقَطَ حَقَّهُ فِيمَا شَرَطَ لَهُ مِنْ رِيعِ الْوَقْفِ لاَ لأَِحَدٍ، لأَِنَّ الاِشْتِرَاطَ لَهُ صَارَ لاَزِمًا كَلُزُومِ الْوَقْفِ (٤) . وَغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ، وَيُنْظَرُ فِي مَوَاضِعِهِ.

تَجَزُّؤُ الإِْسْقَاطِ:

٦٤ - مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الإِْسْقَاطَ يَرِدُ عَلَى مَحَلٍّ، وَالْمَحَل هُوَ الأَْسَاسُ فِي بَيَانِ حُكْمِ التَّجَزُّؤِ، فَإِذَا

_________

(١) المهذب ١ / ٢٩٥، والبدائع ٥ / ٢٧٧، والهداية ٣ / ٤١، والمغني ٤ / ١٩٧، ١٩٨، والقواعد ص ٢٣٢، وفتح العلي المالك ١ / ٣٦١.

(٢) المنثور في القواعد ٢ / ٥٤.

(٣) المنثور في القواعد ٢ / ٣١٥، ٣١٦، والأشباه لابن نجيم ص ١٢٠، ٢٦٦.

(٤) الأشباه لابن نجيم ص ٣١٧.

كَانَ الْمَحَل يَقْبَل الإِْسْقَاطَ فِي بَعْضِهِ دُونَ الْبَعْضِ الآْخَرِ، قِيل: إِنَّ الإِْسْقَاطَ يَتَجَزَّأُ. وَإِنْ كَانَ الْمَحَل لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَثْبُتَ بِالإِْسْقَاطِ فِي بَعْضِهِ، بَل يَثْبُتُ فِي الْكُل، قِيل: إِنَّ الإِْسْقَاطَ لاَ يَتَجَزَّأُ.

وَمِنَ الْقَوَاعِدِ فِي ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، كَمَا ذَكَرَ ابْنُ نُجَيْمٍ وَالأَْتَاسِيُّ شَارِحُ الْمَجَلَّةِ: " ذِكْرُ بَعْضِ مَا لاَ يَتَجَزَّأُ كَذِكْرِ كُلِّهِ ". فَإِذَا طَلَّقَ نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ، أَوْ طَلَّقَ نِصْفَ الْمَرْأَةِ طُلِّقَتْ، وَمِنْهَا الْعَفْوُ عَنِ الْقِصَاصِ: إِذَا عَفَا عَنْ بَعْضِ الْقَاتِل كَانَ عَفْوًا عَنْ كُلِّهِ، وَكَذَا إِذَا عَفَا بَعْضُ الأَْوْلِيَاءِ سَقَطَ الْقِصَاصُ كُلُّهُ وَانْقَلَبَ نَصِيبُ الْبَاقِينَ مَالًا. وَخَرَجَ عَنِ الْقَاعِدَةِ الْعِتْقُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ إِذَا أَعْتَقَ بَعْضَ عَبْدِهِ لَمْ يَعْتِقْ كُلُّهُ. وَعِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ لاَ يَتَجَزَّأُ (١)، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ فَعَلَيْهِ عِتْقُهُ كُلُّهُ. (٢) وَأَدْخَل شَارِحُ الْمَجَلَّةِ تَحْتَ الْقَاعِدَةِ أَيْضًا: الْكَفَالَةَ بِالنَّفْسِ، وَالشُّفْعَةَ، وَوِصَايَةَ الأَْبِ، وَالْوِلاَيَةَ (٣) .

وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ بِتَوْضِيحٍ أَكْثَر فَقَالُوا: مَا لاَ يَقْبَل التَّبْعِيضَ يَكُونُ اخْتِيَارُ بَعْضِهِ كَاخْتِيَارِ كُلِّهِ، وَإِسْقَاطُ بَعْضِهِ كَإِسْقَاطِ كُلِّهِ. وَذَكَرُوا تَحْتَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْمَسَائِل الَّتِي سَبَقَ إِيرَادُهَا عَنِ ابْنِ نُجَيْمٍ، وَهِيَ: الطَّلاَقُ وَالْقِصَاصُ وَالْعِتْقُ وَالشُّفْعَةُ. فَإِذَا عَفَا الشَّفِيعُ عَنْ بَعْضِ حَقِّهِ سَقَطَ الْكُل. وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ مِنَ الْقَاعِدَةِ حَدَّ الْقَذْفِ،

_________

(١) الأشباه لابن نجيم ص ١٦٢، والبدائع ٧ / ٢٤٧، ٢٣٥، ٣٥٦.

(٢) حديث: " من أعتق شركا له في مملوك فعليه عتقه " أخرجه البخاري من حديث عمر ﵁. (الفتح ٥ / ١٥١ ط السلفية) .

(٣) شرح المجلة ١ / ١٦٥ م ٦٣.

فَالْعَفْوُ عَنْ بَعْضِهِ لاَ يُسْقِطُ شَيْئًا مِنْهُ. قَالَهُ الرَّافِعِيُّ. وَزَادَ فِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ: التَّعْزِيرَ، فَلَوْ عَفَا عَنْ بَعْضِهِ لَمْ يَسْقُطْ مِنْهُ شَيْءٌ (١) .

وَالْمَسَائِل الْمَشْهُورَةُ الَّتِي وَرَدَتْ مِنْ طَلاَقٍ وَعِتْقٍ وَقِصَاصٍ هِيَ مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ، فِي أَنَّ الطَّلاَقَ الْمُبَعَّضَ أَوِ الْمُضَافَ إِلَى جُزْءٍ مِنَ الزَّوْجَةِ، أَوِ الْعِتْقَ الْمُضَافَ إِلَى جُزْءٍ مِنَ الْعَبْدِ، أَوْ عَفْوَ أَحَدِ الْمُسْتَحِقِّينَ عَنِ الْقِصَاصِ، كُل هَذَا يَسْرِي عَلَى الْكُل، وَلاَ يَتَبَعَّضُ الْمَحَل، فَتُطَلَّقُ الْمَرْأَةُ، وَيَعْتِقُ الْعَبْدُ، وَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ. وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ فِي الأَْصْل الْعَامِّ، إِلاَّ مَا وَرَدَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْعِتْقِ كَمَا سَبَقَ.

وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ فِي فُرُوعِ كُل مَسْأَلَةٍ. فَمَثَلًا إِضَافَةُ الطَّلاَقِ أَوِ الْعِتْقِ إِلَى الظُّفُرِ وَالسِّنِّ وَالشَّعَرِ لاَ يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّ هَذِهِ الأَْشْيَاءَ تَزُول وَيَخْرُجُ غَيْرُهَا فَكَانَتْ فِي حُكْمِ الْمُنْفَصِل (٢) .

وَفِي الإِْضَافَةِ إِلَى الشَّعَرِ قَوْلاَنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَيَقَعُ بِالإِْضَافَةِ إِلَيْهِ الطَّلاَقُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.

وَالشُّفْعَةُ أَيْضًا الأَْصْل الْعَامُّ فِيهَا أَنَّهَا لاَ تَتَبَعَّضُ، حَتَّى لاَ يَقَعَ ضَرَرٌ بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. فَالشَّفِيعُ إِمَّا أَنْ يَأْخُذَ الْكُل أَوْ يَتْرُكَ، وَإِذَا أَسْقَطَ حَقَّهُ فِي الْبَعْضِ سَقَطَ الْكُل. لَكِنْ وَقَعَ خِلاَفٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، إِذْ قِيل: إِنَّ إِسْقَاطَ بَعْضِ الشُّفْعَةِ لاَ يُسْقِطُ شَيْئًا مِنْهَا.

وَلَيْسَ مِنْ تَبْعِيضِ الشُّفْعَةِ مَا إِذَا كَانَ الْبَائِعُ أَوِ

_________

(١) المنثور في القواعد للزركشي ٣ / ١٥٣، ١٥٤، ونهاية المحتاج ٧ / ١٠٤، ٨ / ٣٥٥.

(٢) المغني ٧ / ٢٤٦.

الْمُشْتَرِي اثْنَيْنِ، فَإِنَّ الشَّفِيعَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَ أَحَدِهِمَا دُونَ الآْخَرِ، وَإِذَا تَعَدَّدَ الشُّفَعَاءُ فَالشُّفْعَةُ عَلَى قَدْرِ الأَْنْصِبَاءِ.

وَالدَّيْنُ مِمَّا يَقْبَل التَّبْعِيضَ، فَلِلدَّائِنِ أَخْذُ بَعْضِهِ وَإِسْقَاطُ بَعْضِهِ (١) .

السَّاقِطُ لاَ يَعُودُ

٦٥ - مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ السَّاقِطَ يَنْتَهِي وَيَتَلاَشَى، وَيُصْبِحُ كَالْمَعْدُومِ لاَ سَبِيل إِلَى إِعَادَتِهِ إِلاَّ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ يَصِيرُ مِثْلَهُ لاَ عَيْنَهُ، فَإِذَا أَبْرَأَ الدَّائِنُ الْمَدِينَ فَقَدْ سَقَطَ الدَّيْنُ، فَلاَ يَكُونُ هُنَاكَ دَيْنٌ، إِلاَّ إِذَا وُجِدَ سَبَبٌ جَدِيدٌ، وَكَالْقِصَاصِ لَوْ عُفِيَ عَنْهُ فَقَدْ سَقَطَ وَسَلِمَتْ نَفْسُ الْقَاتِل، وَلاَ تُسْتَبَاحُ إِلاَّ بِجِنَايَةٍ أُخْرَى، وَهَكَذَا. وَكَمَنْ أَسْقَطَ حَقَّهُ فِي الشُّفْعَةِ، ثُمَّ رَجَعَتِ الدَّارُ إِلَى صَاحِبِهَا بِخِيَارِ رُؤْيَةٍ، أَوْ بِخِيَارِ شَرْطٍ لِلْمُشْتَرِي، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ، لأَِنَّ الْحَقَّ قَدْ بَطَل، فَلاَ يَعُودُ إِلاَّ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ (٢) .

وَالإِْسْقَاطُ يَقَعُ عَلَى الْكَائِنِ الْمُسْتَحِقِّ، وَهُوَ الَّذِي إِذَا سَقَطَ لاَ يَعُودُ، أَمَّا الْحَقُّ الَّذِي يَثْبُتُ شَيْئًا فَشَيْئًا، أَيْ يَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ سَبَبِهِ فَلاَ يَرِدُ عَلَيْهِ الإِْسْقَاطُ، لأَِنَّ الإِْسْقَاطَ يُؤَثِّرُ فِي الْحَال دُونَ

_________

(١) البدائع ٥ / ٢٥، ومنح الجليل ٢ / ٢٤٠، ٢٤٥ و٤ / ٥٧٤، ونهاية المحتاج ٥ / ٢١٢، ٢١٣، وخبايا الزوايا ص ٣٨٥ نشر وزارة الأوقاف بالكويت، والمهذب ١ / ٣٨٨، ٢ / ٨٨، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٣٧، ٣ / ١٤٠، ٢٨٤، والمغني ٩ / ٣٤٤، ٣٤٥.

(٢) شرح المجلة للأتاسي ١ / ١١٨ م ٥١، وبدائع الصنائع ٥ / ٢٠، وجواهر الإكليل ٢ / ١٦٢، ومنتهى الإرادات ٣ / ٢٨٨.

الْمُسْتَقْبَل. وَمِثَال ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي خَبَايَا الزَّوَايَا: لَوِ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَبَقَ قَبْل الْقَبْضِ، وَرَضِيَ الْمُشْتَرِي بِتَرْكِ الْفَسْخِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ، يُمَكَّنُ مِنَ الْفَسْخِ، لأَِنَّ التَّسْلِيمَ مُسْتَحَقٌّ لَهُ فِي الأَْوْقَاتِ كُلِّهَا، وَالإِْسْقَاطُ يُؤَثِّرُ فِي الْحَال دُونَ مَا يُسْتَحَقُّ مِنْ بَعْدُ (١) .

وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: لَوْ أَسْقَطَتِ الزَّوْجَةُ نَوْبَتَهَا لِضَرَّتِهَا فَلَهَا الرُّجُوعُ، لأَِنَّهَا أَسْقَطَتِ الْكَائِنَ، وَحَقُّهَا يَثْبُتُ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَلاَ يَسْقُطُ فِي الْمُسْتَقْبَل، وَلاَ يَرِدُ أَنَّ السَّاقِطَ لاَ يَعُودُ، لأَِنَّ الْعَائِدَ غَيْرُ السَّاقِطِ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا (٢) . وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ نُجَيْمٍ قَاعِدَةً فِي ذَلِكَ فَقَال: الأَْصْل أَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلْحُكْمِ إِنْ كَانَ مَوْجُودًا وَالْحُكْمُ مَعْدُومٌ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْمَانِعِ، وَإِنْ عُدِمَ الْمُقْتَضِي فَهُوَ مِنْ بَابِ السَّاقِطِ (٣) .

فَهُنَاكَ فَرْقٌ إِذَنْ بَيْنَ وُجُودِ الْمُقْتَضِي لِلْحُكْمِ، ثُمَّ سَقَطَ الْحُكْمُ لِمَانِعٍ، فَإِذَا زَال الْمَانِعُ مَعَ وُجُودِ الْمُقْتَضِي عَادَ الْحُكْمُ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا عُدِمَ الْمُقْتَضِي فَلاَ يَعُودُ الْحُكْمُ.

وَمِنْ ذَلِكَ حَقُّ الْحَضَانَةِ. جَاءَ فِي مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ (٤): لاَ حَضَانَةَ لِفَاسِقٍ، وَلاَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ، وَلاَ تَزْوِيجَ بِأَجْنَبِيٍّ مِنْ مَحْضُونٍ. وَبِمُجَرَّدِ زَوَال الْمَانِعِ مِنْ فِسْقٍ أَوْ كُفْرٍ، أَوْ تَزَوُّجٍ بِأَجْنَبِيٍّ، وَبِمُجَرَّدِ رُجُوعِ مُمْتَنِعٍ مِنْ حَضَانَةٍ يَعُودُ الْحَقُّ لَهُ فِي الْحَضَانَةِ، لِقِيَامِ سَبَبِهَا مَعَ زَوَال الْمَانِعِ.

هَذَا مَعَ الاِخْتِلاَفِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، هَل الْحَضَانَةُ

_________

(١) خبايا الزوايا ص ٢٤٧ م / ٢٣٩.

(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ٦٣٦، ومنتهى الإرادات ٣ / ١٠٣، وفتح العلي المالك ١ / ٣١٥.

(٣) الأشباه لابن نجيم ص ٣١٨.

(٤) شرح منتهى الإرادات ٣ / ٢٦٤، ٢٦٥.

حَقُّ الْحَاضِنِ أَوْ حَقُّ الْمَحْضُونِ. وَفِي الدُّسُوقِيِّ: إِذَا انْتَقَلَتِ الْحَضَانَةُ لِشَخْصٍ لِمَانِعٍ، ثُمَّ زَال الْمَانِعُ فَإِنَّهَا تَعُودُ لِلأَْوَّل، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتِ الأُْمُّ وَدَخَل بِهَا الزَّوْجُ، وَأَخَذَتِ الْجَدَّةُ الْوَلَدَ، ثُمَّ فَارَقَ الزَّوْجُ الأُْمَّ، وَقَدْ مَاتَتِ الْجَدَّةُ، أَوْ تَزَوَّجَتْ، وَالأُْمُّ خَالِيَةٌ مِنَ الْمَوَانِعِ، فَهِيَ أَحَقُّ مِمَّنْ بَعْدَ الْجَدَّةِ، وَهِيَ الْخَالَةُ وَمَنْ بَعْدَهَا. كَذَا قَال الْمُصَنِّفُ (الدَّرْدِيرُ)، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْجَدَّةَ إِذَا مَاتَتِ انْتَقَلَتِ الْحَضَانَةُ لِمَنْ بَعْدَهَا كَالْخَالَةِ، وَلاَ تَعُودُ لِلأُْمِّ وَلَوْ كَانَتْ مُتَأَيِّمَةً (لاَ زَوْجَ لَهَا) . (١)

وَفِي الْجُمَل عَلَى شَرْحِ الْمَنْهَجِ: لَوْ أَسْقَطَتِ الْحَاضِنَةُ حَقَّهَا انْتَقَلَتْ لِمَنْ يَلِيهَا، فَإِذَا رَجَعَتْ عَادَ حَقُّهَا (٢) . وَمِثْل ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ.

وَقَال ابْنُ نُجَيْمٍ: وَفَرَّعْتُ عَلَى " وَقَوْلُهُمْ: السَّاقِطُ لاَ يَعُودُ " قَوْلَهُمْ إِذَا حَكَمَ الْقَاضِي بِرَدِّ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ، مَعَ وُجُودِ الأَْهْلِيَّةِ، لِفِسْقٍ أَوْ لِتُهْمَةٍ، فَإِنَّهُ لاَ يُقْبَل بَعْدَ ذَلِكَ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ.

وَمِنَ الْمَسَائِل الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ نُجَيْمٍ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ مَا هُوَ مُسْقِطٌ وَمَا هُوَ مَانِعٌ قَوْلُهُ: لاَ يَعُودُ التَّرْتِيبُ بَعْدَ سُقُوطِهِ بِقِلَّةِ الْفَوَائِتِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا سَقَطَ بِالنِّسْيَانِ فَإِنَّهُ يَعُودُ بِالتَّذَكُّرِ، لأَِنَّ النِّسْيَانَ كَانَ مَانِعًا لاَ مُسْقِطًا، فَهُوَ مِنْ بَابِ زَوَال الْمَانِعِ. وَلاَ تَصِحُّ إِقَالَةُ الإِْقَالَةِ فِي السَّلَمِ، لأَِنَّهُ دَيْنٌ سَاقِطٌ فَلاَ يَعُودُ. أَمَّا عَوْدُ النَّفَقَةِ - بَعْدَ سُقُوطِهَا بِالنُّشُوزِ - بِالرُّجُوعِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ زَوَال الْمَانِعِ، لاَ مِنْ بَابِ عَوْدِ

_________

(١) الدسوقي ٢ / ٥٣٣.

(٢) الجمل على شرح المنهج ٤ / ٥٢١، والبدائع ٤ / ٤٢.