الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤ الصفحة 33

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤

مَالِكٌ لَهَا، فَثَبَتَ لَهَا حُكْمُ الاِسْتِيلاَدِ، كَمَا لَوْ حَمَلَتْ فِي مِلْكِهِ.

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِنْ اشْتَرَاهَا حَامِلًا فَإِنَّهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ بِهَذَا الْحَمْل (١) .

مَا يَمْلِكُهُ السَّيِّدُ فِي أُمِّ الْوَلَدِ:

٩ - إِذَا حَبِلَتِ الأَْمَةُ مِنْ سَيِّدِهَا وَوَلَدَتْ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الإِْمَاءِ فِي حِل وَطْءِ سَيِّدِهَا لَهَا، وَاسْتِخْدَامِهَا، وَمِلْكِ كَسْبِهَا، وَتَزْوِيجِهَا، وَإِجَارَتِهَا، وَعِتْقِهَا، وَهَذَا قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَجُوزُ لِسَيِّدِهَا تَزْوِيجُهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا، فَإِنْ رَضِيَتْ جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ، قَالُوا: لأَِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ مَكَارِمِ الأَْخْلاَقِ، وَقَالُوا: إِنَّ إِجَارَتَهَا كَذَلِكَ لاَ تَجُوزُ إِلاَّ بِرِضَاهَا وَإِلاَّ فُسِخَتْ، وَلِلسَّيِّدِ قَلِيل خِدْمَتِهَا. (٢)

مَا لاَ يَمْلِكُهُ السَّيِّدُ:

١٠ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ التَّابِعِينَ - (٣) عَلَى أَنَّ السَّيِّدَ لاَ يَجُوزُ لَهُ فِي أُمِّ وَلَدِهِ التَّصَرُّفُ بِمَا يَنْقُل الْمِلْكَ، فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَلاَ وَقْفُهَا، وَلاَ رَهْنُهَا، وَلاَ تُورَثُ، بَل تَعْتِقُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ مِنْ كُل الْمَال وَيَزُول الْمِلْكُ عَنْهَا. رُوِيَ عَنْ عُبَيْدَةَ قَال: خَطَبَ عَلِيٌّ النَّاسَ، فَقَال: " شَاوَرَنِي عُمَرُ فِي أُمَّهَاتِ الأَْوْلاَدِ فَرَأَيْتُ أَنَا وَعُمَرُ أَنْ أَعْتِقَهُنَّ، فَقَضَى بِهِ عُمَرُ حَيَاتَهُ، وَعُثْمَانُ حَيَاتَهُ، فَلَمَّا وُلِّيتُ رَأَيْتُ أَنْ أَرِقَّهُنَّ. قَال

_________

(١) المغني ٩ / ٥٢٨، ٥٣٤، ورد المحتار ٣ / ٣٦ ط بولاق، والقليوبي ٤ / ٦٢، والكافي لابن عبد البر ٩ / ٩٨١.

(٢) الدسوقي ٤ / ٤١٠، ٤١١، والمغني ٩ / ٥٢٧، ٥٢٨، والبدائع ٤ / ١٣٠.

(٣) المراجع السابقة.

عُبَيْدَةُ: فَرَأْيُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ فِي الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ رَأْيِ عَلِيٍّ وَحْدَهُ. (١) وَرُوِيَ الْقَوْل بِهَذَا أَيْضًا عَنْ عُثْمَانَ وَعَائِشَةَ، وَرُوِيَ الْخِلاَفُ فِي ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ قَالُوا بِإِبَاحَةِ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ.

وَالأَْصْل فِي الْبَابِ حَدِيثُ أَيُّمَا أَمَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَهِيَ حُرَّةٌ عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ (٢) وَخَبَرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الأَْوْلاَدِ، لاَ يُوهَبْنَ وَلاَ يُورَثْنَ، يَسْتَمْتِعُ بِهَا سَيِّدُهَا مَا دَامَ حَيًّا، فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ (٣) .

أَثَرُ اخْتِلاَفِ الدِّينِ فِي الاِسْتِيلاَدِ:

١١ - قَال الْفُقَهَاءُ: يَصِحُّ اسْتِيلاَدُ الْكَافِرِ، ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا أَوْ مُرْتَدًّا، كَمَا يَصِحُّ مِنْهُ الْعِتْقُ.

وَإِذَا اسْتَوْلَدَ الذِّمِّيُّ أَمَتَهُ الذِّمِّيَّةَ ثُمَّ أَسْلَمَتْ لَمْ تَعْتِقْ فِي الْحَال عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْمُعْتَمَدَةِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَعْتِقُ إِذْ لاَ سَبِيل إِلَى

_________

(١) والأثر عن علي ﵁ أخرجه عبد الرزاق والبيهقي، ولفظ عبد الرزاق: " اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد ألا يبعن، قال: ثم رأيت بعد أن يبعن، قال عبيدة: فقلت له فرأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلي من رأيك وحدك في الفرقة - أو قال في الفتنة - قال: فضحك علي " قال الشوكاني: وهذا الإسناد معدود في أصح ال وسنن البيهقي ١٠ / ٣٤٨ ط الهند، ونيل الأوطار ٦ / ٢٢٣ - ٢٢٤ ط دار الجيل) .

(٢) سبق تخريج الحديث (ف / ٦)

(٣) أثر " أمهات الأولاد لا يوهبن، ولا يورثن، يستمتع بها سيدها ما دام حيا، فإذا مات فهي حرة ". أخرجه الدارقطني مرفوعا وموقوفا. قال ابن القطان: وعندي أن الذي أسنده خير ممن وقفه (سنن الدارقطني ٣ / ١٣٤ - ١٣٥ ط دار المحاسن للطباعة ١٣٨٦ هـ، ونصب الراية ٣ / ٢٨٨ ط دار المحاسن) .

بَيْعِهَا، وَلاَ إِلَى إِقْرَارِ مِلْكِهِ عَلَيْهَا، لِمَا فِيهِ مِنْ إِثْبَاتِ مِلْكِ الْكَافِرِ عَلَى مُسْلِمَةٍ، فَلَمْ يَجُزْ كَالأَْمَةِ.

وَعَنْ الإِْمَامِ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهَا تُسْتَسْعَى، فَإِنْ أَرَادَتْ عَتَقَتْ، وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ إِذَا لَمْ يُسْلِمْ مَالِكُهَا، لأَِنَّ فِي الاِسْتِسْعَاءِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ: حَقِّهَا فِي أَلاَّ تَبْقَى مِلْكًا لِلْكَافِرِ، وَحَقِّهِ فِي حُصُول عِوَضٍ عَنْ مِلْكِهِ، فَأَشْبَهَ بَيْعَهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ أُمَّ وَلَدٍ، وَإِذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدٍ لِكَافِرٍ مُنِعَ مِنْ وَطْئِهَا أَوِ التَّلَذُّذِ بِهَا، وَيُحَال بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَيُجْبَرُ عَلَى نَفَقَتِهَا فَإِذَا أَسْلَمَ حَلَّتْ لَهُ. (١)

مَا تَخْتَصُّ بِهِ الْمُسْتَوْلَدَةُ:

الأَْصْل فِي أَحْكَامِ أُمَّهَاتِ الأَْوْلاَدِ أَنَّهَا كَأَحْكَامِ الإِْمَاءِ فِي جَمِيعِ الأُْمُورِ، إِلاَّ أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ تَخْتَصُّ بِمَا يَلِي:

أ - الْعِدَّةِ:

١٢ - إِذَا مَاتَ السَّيِّدُ عَنْ أُمِّ وَلَدِهِ فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ تُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ، وَأَمَّا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ فَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَعِدَّتُهَا بِالْحَيْضِ فَلاَ يُكْتَفَى بِحَيْضَةٍ، وَإِنَّمَا كَانَتْ عِدَّتُهَا بِالْحَيْضِ فِي الْمَوْتِ وَغَيْرِهِ كَتَفْرِيقِ الْقَاضِي لأَِنَّ عِدَّتَهَا لِتَعْرِفَ بَرَاءَةَ الرَّحِمِ، وَهَذَا إِذَا كَانَتْ غَيْرَ يَائِسَةٍ وَغَيْرَ حَامِلٍ، فَإِنَّ عِدَّةَ الْيَائِسَةِ شَهْرَانِ، وَعِدَّةَ الْحَامِل وَضْعُ الْحَمْل، وَلاَ

_________

(١) ابن عابدين ٥ / ٣٩٨، والشرح الكبير ٤ / ٤١٢، والمغني ٩ / ٥٤٤.

نَفَقَةَ لَهَا فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ عِنْدَ كُل الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّهَا عِدَّةُ وَطْءٍ لاَ عِدَّةُ عَقْدٍ. (١)

ب - الْعَوْرَةُ:

١٣ - عَوْرَةُ أُمِّ الْوَلَدِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَالظَّهْرُ وَالْبَطْنُ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عَنِ الْمَالِكِيَّةِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهَا لاَ تُصَلِّي إِلاَّ بِقِنَاعٍ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ عَوْرَتَهَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ. (٢)

جِنَايَةُ أُمِّ الْوَلَدِ:

١٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ إِذَا جَنَتْ جِنَايَةً أَوْجَبَتِ الْمَال، أَوْ أَتْلَفَتْ شَيْئًا، فَعَلَى السَّيِّدِ فِدَاؤُهَا بِأَقَل الأَْمْرَيْنِ: مِنْ قِيمَتِهَا يَوْمَ الْحُكْمِ عَلَى أَنَّهَا أَمَةٌ بِدُونِ مَالِهَا، أَوِ الأَْرْشِ، حَتَّى وَإِنْ كَثُرَتِ الْجِنَايَاتُ.

وَحُكِيَ قَوْلٌ آخَرُ عَنِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ عَلَى السَّيِّدِ فِدَاءَهَا بِأَرْشِ جِنَايَتِهَا بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، كَالْقِنِّ (٣) .

إِقْرَارُ أُمِّ الْوَلَدِ بِجِنَايَةٍ:

١٥ - إِذَا أَقَرَّتْ أُمُّ الْوَلَدِ بِجِنَايَةٍ تُوجِبُ الْمَال لَمْ يَجُزْ إِقْرَارُهَا، لأَِنَّهُ إِقْرَارٌ عَلَى السَّيِّدِ، وَهَذَا بِخِلاَفِ

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ٦٠٨، والشرح الكبير ٤ / ٤٦٥، والمغني ٩ / ٥٤٦.

(٢) الهداية ١ / ٢٢٩، والدسوقي ١ / ٢١٣، والمجموع ٣ / ١٦٧، وكشاف القناع ١ / ٢٦٦.

(٣) البدائع ٤ / ١٣١، ١٣٢، والدسوقي ٤ / ٤١١، والبجيرمي على المنهج ٤ / ١٦٠، والمغني ٩ / ٥٤٥.

الإِْقْرَارِ بِالْقَتْل عَمْدًا، فَإِنَّهُ يَصِحُّ إِقْرَارُهَا عَلَى نَفْسِهَا فَتُقْتَل بِهِ. وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَأَبِي الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ. (١)

وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ الْعَبْدَ - وَأُمُّ الْوَلَدِ مِثْلُهُ - يَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِالْحَدِّ وَالْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، لأَِنَّ الْحَقَّ لَهُ دُونَ سَيِّدِهِ.

وَأَمَّا إِقْرَارُهُ بِمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لاَ يُقْبَل، وَيُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ، لأَِنَّهُ يَسْقُطُ حَقُّ سَيِّدِهِ بِإِقْرَارِهِ، وَلأَِنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي أَنَّهُ يُقِرُّ لِرَجُلٍ لِيَعْفُوَ عَنْهُ وَيَسْتَحِقَّ أَخْذَهُ، فَيَتَخَلَّصُ بِهِ مِنْ سَيِّدِهِ.

وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ يَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِهِ، لأَِنَّهُ أَحَدُ فَرْعَيِ الْقِصَاصِ، فَيَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِمَا دُونَ النَّفْسِ. (٢)

الْجِنَايَةُ عَلَى جَنِينِ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ سَيِّدِهَا:

١٦ - تَقَدَّمَ أَنَّ حَمْل أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ سَيِّدِهَا حُرٌّ، فَلَوْ ضَرَبَهَا أَحَدٌ فَأَلْقَتْ جَنِينَهَا فَفِيهِ دِيَةُ جَنِينِ الْحُرَّةِ، اُنْظُرْ مُصْطَلَحَ (إجْهَاض) .

الْجِنَايَةُ عَلَيْهَا:

١٧ - إِذَا قَتَل الْمُسْتَوْلَدَةَ حُرٌّ، فَلاَ قِصَاصَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الْمُكَافَأَةِ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، وَإِنْ زَادَتْ عَلَى دِيَةِ الْحُرَّةِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَبِي يُوسُفَ.

وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: دِيَةُ الْعَبْدِ قِيمَتُهُ. فَإِنْ

_________

(١) ابن عابدين ٥ / ٣٩٨، والدسوقي ٣ / ٣٩٨.

(٢) المغني ٥ / ١٥١، ١٥٢ ط الرياض.

بَلَغَتْ دِيَةُ الْحُرِّ، أَوْ بَلَغَتْ قِيمَةُ الأَْمَةِ قِيمَةَ دِيَةِ الْحُرَّةِ يُنْقَصُ كُلٌّ مِنْ دِيَةِ الْعَبْدِ أَوِ الأَْمَةِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، إِظْهَارًا لاِنْحِطَاطِ مَرْتَبَةِ الرَّقِيقِ عَنِ الْحُرِّ. وَتَعْيِينُ الْعَشَرَةِ بِأَثَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ (١) . أَمَّا إِذَا قَتَلَهَا رَقِيقٌ فَيُقْتَل بِهَا لأَِنَّهَا أَكْمَل مِنْهُ. (٢)

أَثَرُ مَوْتِ الْمُسْتَوْلَدَةِ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهَا عَلَيْهَا، وَعَلَى وَلَدِهَا مِنْ غَيْرِهِ:

١٨ - إِذَا مَاتَتْ أُمُّ الْوَلَدِ قَبْل سَيِّدِهَا لاَ يَبْطُل حُكْمُ الاِسْتِيلاَدِ فِي الْوَلَدِ الَّذِينَ وَلَدَتْهُمْ بَعْدَ ثُبُوتِ حُكْمِ الاِسْتِيلاَدِ لَهَا، بَل يَعْتِقُونَ بِمَوْتِ السَّيِّدِ. (٣)

الْوَصِيَّةُ لِلْمُسْتَوْلَدَةِ وَإِلَيْهَا:

١٩ - تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لأُِمِّ الْوَلَدِ، قَال صَاحِبُ الْمُغْنِي: لاَ نَعْلَمُ فِيهِ خِلاَفًا بَيْنَ أَهْل الْعِلْمِ الْقَائِلِينَ بِثُبُوتِ حُكْمِ الاِسْتِيلاَدِ. فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ " أَوْصَى لأُِمَّهَاتِ أَوْلاَدِهِ بِأَرْبَعَةِ آلاَفٍ، أَرْبَعَةِ آلاَفٍ لِكُل امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ (٤) وَلأَِنَّ أُمَّ الْوَلَدِ حُرَّةٌ فِي حَال

_________

(١) أثر ابن مسعود في " نقص عشرة دراهم من دية العبد والأمة " أورده صاحب الدر المختار، ولم نعثر عليه فيما لدينا من مراجع السنن والآثار، وإنما أخرج عبد الرزاق عن ابن جريج قال لي عبد الكريم عن علي وابن مسعود وشريح: " دية المملوك ثمنه، وإن خلّف دية الحر " (مصنف عبد الرزاق ١٠ / ١٠ نشر المجلس العلمي) .

(٢) بداية المجتهد ٢ / ٤٥١، والدر ٥ / ٣٩٦.

(٣) المغني والشرح الكبير ١١ / ٥٠٦، ٥٠٧.

(٤) الأثر عن عمر بن الخطاب ﵁. أخرجه الدارمي واللفظ له، وسعيد بن منصور (سنن الدارمي ٢ / ٤٢٣ ط المطبعة الحديثة بدمشق ١٣٤٩ هـ، وكتاب السنن لسعيد بن منصور - القسم الأول من المجلد الثالث ص ١١٠ رقم ٤٣٨ ط مطبعة علمي بريس (ماليكاؤن) ١٣٨٧ هـ) .

نَفَاذِ الْوَصِيَّةِ لأَِنَّ عِتْقَهَا يَتَنَجَّزُ بِمَوْتِهِ، فَلاَ تَقَعُ الْوَصِيَّةُ لَهَا إِلاَّ فِي حَال حُرِّيَّتِهَا، وَذَلِكَ إِذَا احْتَمَلَهَا الثُّلُثُ، فَمَا زَادَ يَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ أَجَازُوهُ جَازَ إِلاَّ رُدَّ إِلَيْهِمْ.

وَكَذَلِكَ تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ إِلَى الْمُسْتَوْلَدَةِ بَعْدَ وَفَاةِ سَيِّدِهَا إِذَا كَانَتْ صَالِحَةً لِذَلِكَ، لأَِنَّهَا بَعْدَ عِتْقِهَا بِمَوْتِ سَيِّدِهَا كَسَائِرِ الْحَرَائِرِ، فَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ إِلَيْهَا. (١)

أَسْر

اُنْظُرْ: أَسْرَى

إِسْرَارٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - مِنْ مَعَانِي الإِْسْرَارِ فِي اللُّغَةِ: الإِْخْفَاءُ. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ (٢) . وَأَسْرَرْتُ الشَّيْءَ: أَخْفَيْتُهُ. (٣)

أَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ فَيَأْتِي (الإِْسْرَارُ) بِالْمَعَانِي التَّالِيَةِ:

أ - أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَأَدْنَاهُ مَا كَانَ بِحَرَكَةِ اللِّسَانِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَهَاءُ فِي أَقْوَال الصَّلاَةِ وَالأَْذْكَارِ.

_________

(١) المغني والشرح الكبير ١١ / ٥١٠، ٥١٣.

(٢) سورة التحريم / ٣.

(٣) المصباح المنير، ولسان العرب مادة (سرر)، والمغرب ص ٢٢٣.

ب - أَنْ يُسْمِعَ غَيْرَهُ عَلَى سَبِيل الْمُنَاجَاةِ، مَعَ الْكِتْمَانِ عَنِ الآْخَرِينَ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَرِدُ فِي السِّرِّ وَإِفْشَائِهِ، وَيُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (إِفْشَاءِ السِّرِّ) .

ج - أَنْ يُخْفِيَ فِعْلَهُ عَمَّنْ سِوَاهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَرِدُ فِي أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ كَالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهِمَا (١) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْمُخَافَتَةُ:

٢ - مِنْ مَعَانِي الْمُخَافَتَةِ فِي اللُّغَةِ: خَفْضُ الصَّوْتِ.

أَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي حَدِّ وُجُودِ الْقِرَاءَةِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ: فَشَرَطَ الْهِنْدُوَانِيُّ وَالْفَضْلِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ لِوُجُودِهَا خُرُوجَ صَوْتٍ يَصِل إِلَى أُذُنِهِ، وَبِهِ قَال الشَّافِعِيُّ.

وَشَرَطَ الإِْمَامُ أَحْمَدُ وَبِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ خُرُوجَ الصَّوْتِ مِنَ الْفَمِ وَإِنْ لَمْ يَصِل إِلَى أُذُنِهِ، لَكِنْ بِشَرْطِ كَوْنِهِ مَسْمُوعًا فِي الْجُمْلَةِ، حَتَّى لَوْ أَدْنَى أَحَدٌ صِمَاخَهُ إِلَى فِيهِ يَسْمَعُ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْكَرْخِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الْبَلْخِيُّ السَّمَاعَ، وَاكْتَفَيَا بِتَصْحِيحِ الْحُرُوفِ.

وَاخْتَارَ شَيْخُ الإِْسْلاَمِ قَاضِي خَانَ وَصَاحِبُ الْمُحِيطِ وَالْحَلْوَانِيُّ قَوْل الْهِنْدُوَانِيِّ، كَمَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ.

فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ أَدْنَى الْمُخَافَتَةِ إِسْمَاعُ نَفْسِهِ، أَوْ مَنْ بِقُرْبِهِ مِنْ رَجُلٍ أَوْ رَجُلَيْنِ مَثَلًا، وَأَعْلاَهَا مُجَرَّدُ تَصْحِيحِ الْحُرُوفِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْكَرْخِيِّ، وَأَدْنَى الْجَهْرِ إِسْمَاعُ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَيْسَ بِقُرْبِهِ، كَأَهْل الصَّفِّ الأَْوَّل، وَأَعْلاَهُ لاَ حَدَّ لَهُ. (٢)

_________

(١) مراقي الفلاح ص ١٣٨ ط دار الإيمان، وشرح روض الطالب ١ / ١٥٦، المكتبة الإسلامية، والشرح الكبير ١ / ٢٤٣، والفواكه الدواني ١ / ٢٣١، وكشاف القناع ١ / ٣٣٢.

(٢) ابن عابدين ١ / ٣٥٩ ط (١) بولاق.

ب - الْجَهْرُ:

٣ - مِنْ مَعَانِي الْجَهْرِ فِي اللُّغَةِ: رَفْعُ الصَّوْتِ.

يُقَال: جَهَرَ بِالْقَوْل رَفَعَ بِهِ صَوْتَهُ. (١)

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: أَنْ يُسْمِعَ غَيْرَهُ مِمَّنْ يَلِيهِ، وَأَعْلاَهُ لاَ حَدَّ لَهُ، (٢) فَالْجَهْرُ مُبَايِنٌ لِلإِْسْرَارِ.

ح - الْكِتْمَانُ:

٤ - مِنْ مَعَانِيهِ فِي اللُّغَةِ: أَنَّهُ خِلاَفُ الإِْعْلاَنِ. (٣)

وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ: السُّكُوتُ عَنِ الْبَيَانِ. قَال تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٤) .

د - الإِْخْفَاءُ:

٥ - الإِْخْفَاءُ بِمَعْنَى الإِْسْرَارِ لُغَةً وَاصْطِلاَحًا، إِلاَّ أَنَّ اسْتِعْمَال الإِْخْفَاءِ يَغْلِبُ فِي الأَْفْعَال، أَمَّا الإِْسْرَارُ فَيَغْلِبُ فِي الأَْقْوَال. وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (اخْتِفَاء) .

صِفَةُ الإِْسْرَارِ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ) .

أَوَّلًا - الإِْسْرَارُ بِمَعْنَى إِسْمَاعِ نَفْسِهِ فَقَطْ:

الإِْسْرَارُ فِي الْعِبَادَاتِ:

٦ - الصَّلَوَاتُ السِّرِّيَّةُ: الْمُرَادُ بِهَا الَّتِي لاَ جَهْرَ فِيهَا،

_________

(١) مختار الصحاح، ولسان العرب مادة (جهر) .

(٢) فتح القدير ١ / ٢٨٤، ٢٨٨، وشرح روض الطالب من أسنى المطالب ١ / ١٥٦ ط المكتبة الإسلامية، والفواكه الدواني ١ / ٢٣٢ - ٢٣٣، وكشاف القناع ١ / ٣٣٢ ط النصر الحديثة.

(٣) لسان العرب، والصحاح مادة (كتم)، والتعريفات للجرجاني ص ٢٨١.

(٤) سورة البقرة / ١٥٩.

وَهِيَ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ فِي الْفَرَائِصِ وَالنَّوَافِل، وَصَلاَةُ التَّطَوُّعِ فِي النَّهَارِ. وَالإِْسْرَارُ فِيهَا مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي قَوْلٍ لَهُمْ، وَفِي آخَرَ مَنْدُوبٌ، وَوَاجِبٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَإِنَّمَا كَانَتْ سِرِّيَّةً، لأَِنَّهَا صَلاَةُ نَهَارٍ، وَصَلاَةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ (١) كَمَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ، أَيْ لَيْسَتْ فِيهَا قِرَاءَةٌ مَسْمُوعَةٌ، وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِكُل مُصَلٍّ، سَوَاءٌ أَكَانَ إِمَامًا أَمْ مُنْفَرِدًا أَمْ مَأْمُومًا عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ، فَإِنَّ الْمَأْمُومَ عِنْدَهُمْ لاَ قِرَاءَةَ عَلَيْهِ (٢) .

الإِْسْرَارُ فِي أَقْوَال الصَّلاَةِ:

أ - تَكْبِيرَةُ الإِْحْرَامِ:

٧ - يُسْتَحَبُّ لِلإِْمَامِ أَنْ يَجْهَرَ بِالتَّكْبِيرِ بِحَيْثُ يُسْمِعُ الْمَأْمُومِينَ لِيُكَبِّرُوا، فَإِنَّهُمْ لاَ يَجُوزُ لَهُمُ التَّكْبِيرُ إِلاَّ بَعْدَ تَكْبِيرِهِ. فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إِسْمَاعُهُمْ جَهَرَ بَعْضُ الْمَأْمُومِينَ لِيُسْمِعَهُمْ، أَوْ لِيُسْمِعَ مَنْ لاَ يَسْمَعُ الإِْمَامَ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَال صَلَّى بِنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ خَلْفَهُ، فَإِذَا كَبَّرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَبَّرَ أَبُو بَكْرٍ

_________

(١) حديث " صلاة النهار عجماء " أخرجه عبد الرزاق من قول مجاهد وأبي عبيدة واستغربه الزيلعي، وقال النووي في المجموع: هذا حديث باطل لا أصل له. ونقل السخاوي عن الدارقطني قوله: لم يرو عن النبي ﷺ، وإنما هو من قول الفقهاء (نصب الراية ٢ / ١، ٢ ط مطبعة دار المأمون، والمجموع للنووي ٢ / ٣٨٩ ط المنيرية، والمقاصد الحسنة ص ٢٦٥ نشر مكتبة الخانجي بمصر) .

(٢) فتح القدير ١ / ٢٨٤ - ٢٨٥، ٤٤٠ ط دار إحياء التراث العربي، ورد المحتار على الدر المختار ١ / ٣٥٧ - ٣٥٨ ط دار إحياء التراث العربي، والاختيار لتعليل المختار ١ / ٥٠ ط دار المعرفة، والمهذب ١ / ٨١، والشرح الكبير ١ / ٣١٣، والفواكه الدواني ١ / ٣٣، والمغني لابن قدامة ١ / ٥٦٩ ط مكتبة الرياض الحديثة، وكشاف القناع عن متن الإقناع ١ / ٣٤٤ ط النصر الحديثة.