الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤ الصفحة 34

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤

لِيُسْمِعَنَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)

ب - دُعَاءُ الاِسْتِفْتَاحِ:

٨ - وَهُوَ مَا تُسْتَفْتَحُ بِهِ الصَّلاَةُ مِنَ الأَْدْعِيَةِ الْمَأْثُورَةِ لِذَلِكَ، نَحْوُ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ. . . (٢) أَوْ وَجَّهْتُ وَجْهِي. . . (٣) وَهُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّهُمْ لاَ يَقُولُونَ بِهِ (٤) .

وَالسُّنَّةُ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِمَشْرُوعِيَّتِهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ سِرًّا، وَيُكْرَهُ الْجَهْرُ بِهِ وَلاَ تَبْطُل الصَّلاَةُ. اُنْظُرْ (اسْتِفْتَاح) .

ج - التَّعَوُّذُ:

٩ - وَالْقَوْل فِي الإِْسْرَارِ بِهِ كَالْقَوْل فِي الاِسْتِفْتَاحِ سَوَاءٌ. (٥)

_________

(١) المغني ١ / ٤٦٢. وحديث " صلى بنا رسول الله ﷺ وأبو بكر خلفه " أخرجه البخاري من حديث عائشة ﵂ بلفظ: " فتأخر أبو بكر رضي عنه وقعد النبي ﷺ إلى جنبه وأبو بكر يسمع الناس التكبير " وأخرجه مسلم بهذا المعنى من حديث ابن (فتح الباري ٢ / ٢٠٣ ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ١ / ٣١٤ ط عيسى الحلبي ١٣٧٤ هـ) .

(٢) دعاء الاستفتاح " سبحانك اللهم وبحمدك. . . " سبق تخريجه (استفتاح ف / ٦) .

(٣) دعاء الاسفتاح " وجهت وجهي. . . . ". سبق تخريجه (استفتاح ف / ٦) .

(٤) رد المحتار على الدر المختار ١ / ٣٢٠، ٣٢٨، ومراقي الفلاح ص ١٥٣ ط دار الإيمان، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٧٨، ٧٩، والمغني لابن قدامة ١ / ٤٧٣ - ٤٧٥ ط الرياض الحديثة، والفواكه الدواني ١ / ٢٠٥.

(٥) رد المحتار على الدر المختار ١ / ٣٢٠، ٣٢٨، ومراقي الفلاح ص ١٥٣ ط دار الإيمان، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٧٩، ٨٩، والمغني لابن قدامة ١ / ٤٧٥ ط الرياض الحديثة، والفواكه الدواني ١ / ٢٠٥، ٢٣٨.

د - الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ الْمُؤْتَمِّ فِي أَوَّل كُل رَكْعَةٍ:

١٠ - وَهِيَ سُنَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَاجِبَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الصَّلاَةِ، وَلاَ يَقُول بِهَا الْمَالِكِيَّةُ فِي الْفَرْضِ لِكَرَاهِيَتِهَا فِي الْمَشْهُورِ، وَأَجَازُوهَا فِي النَّافِلَةِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، (١) فَيُسَنُّ الإِْسْرَارُ بِهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، أَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَهِيَ تَابِعَةٌ لِكَيْفِيَّةِ الْقِرَاءَةِ مِنْ جَهْرٍ أَوْ إِسْرَارٍ، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (بَسْمَلَة) .

هـ - قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ:

١١ - وَتُقْرَأُ سِرًّا فِي الصَّلاَةِ السِّرِّيَّةِ، لِلإِْمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ مِنَ الصَّلاَةِ الْجَهْرِيَّةِ لِلإِْمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ، أَمَّا قِرَاءَةُ الْمَأْمُومِ لَهَا عِنْدَ مَنْ قَال بِذَلِكَ فَهِيَ كُلُّهَا سِرِّيَّةٌ.

أَمَّا الْمُنْفَرِدُ فِي الصَّلاَةِ الْجَهْرِيَّةِ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالإِْسْرَارِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْجَهْرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.

وَيُسِرُّ فِي النَّوَافِل النَّهَارِيَّةِ وُجُوبًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَاسْتِحْبَابًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَيُسِرُّ فِي قَضَاءِ الصَّلاَةِ السِّرِّيَّةِ إِذَا قَضَاهَا لَيْلًا، وَصَرَّحَ ابْنُ قُدَامَةَ بِأَنَّهُ لاَ يَعْلَمُ فِيهِ خِلاَفًا. وَإِذَا قَضَى الصَّلاَةَ الْجَهْرِيَّةَ نَهَارًا وَكَانَ إِمَامًا جَهَرَ وُجُوبًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَأَسَرَّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَلِلْحَنَابِلَةِ

_________

(١) رد المحتار على الدر المختار ١ / ٣٢٠، ٣٢٩، ومراقي الفلاح ١ / ١٥٤ ط دار الإيمان، وكشاف القناع عن متن الإقناع ١ / ٣٠٩ - ٣١٠ ط أنصار السنة المحمدية، والمغني لابن قدامة ١ / ٤٧٧ - ٤٧٨ ط الرياض الحديثة، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٧٩، ٨٩، والفواكه الدواني ١ / ٢٠٥، ٢٣٨.

قَوْلاَنِ. وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالاِسْتِسْقَاءِ. (١)

و تَأْمِينُ الإِْمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ:

١٢ - يَقُولُونَهُ سِرًّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَجَهْرًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.

وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِالإِْسْرَارِ بِأَنَّهُ دُعَاءٌ، وَالأَْصْل فِي الأَْدْعِيَةِ الإِْسْرَارُ، كَالتَّشَهُّدِ.

وَاسْتَدَل مَنْ قَال بِالْجَهْرِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: آمِينَ وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ (٢)، وَلأَِنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِالتَّأْمِينِ عِنْدَ تَأْمِينِ الإِْمَامِ، فَلَوْ لَمْ يَجْهَرْ بِهَا لَمْ يُعَلَّقْ عَلَيْهِ كَحَالَةِ الإِْخْفَاءِ. (٣)

ز - تَسْبِيحُ الرُّكُوعِ:

١٣ - الإِْسْرَارُ بِالتَّسْبِيحِ سُنَّةٌ اتِّفَاقًا. (٤)

ح - التَّسْمِيعُ وَالتَّحْمِيدُ حَال رَفْعِ الرَّأْسِ مِنَ الرُّكُوعِ لِلْقِيَامِ:

١٤ - يُسَمِّعُ الإِْمَامُ جَهْرًا، وَيَحْمَدُ الْجَمِيعُ سِرًّا.

_________

(١) المغني ١ / ٥٧٠ ط الرياض، ومراقي الفلاح ص ١٥٤ ط دار الإيمان، والمهذب ١ / ٧٩، ٨٩، والدسوقي ١ / ٢٦٣، ٣١٣.

(٢) حديث أن النبي ﷺ " قال: آمين، ورفع بها صوته " أخرجه أبو داود من حديث وائل بن حجر بلفظ " كان رسول الله ﷺ إذا قرأ: ولا الضالين. قال: آمين، ورفع بها صوته " وأخرجه الترمذي، وفيه: " مد بها صوته " مكان " رفع بها صوته " وقال: حديث وائل بن حجر حديث حسن. (عون المعبود ١ / ٣٥١ ط الهند، وتحفة الأحوذي ١ / ٦٥ - ٦٨ نشر السلفية) .

(٣) المغني ١ / ٤٩٠ ط الرياض.

(٤) فتح القدير والكفاية ١ / ٢٥٩، ومراقي الفلاح ١٤٤ - ١٤٥، ١٥٤ ط دار الإيمان، ورد المحتار على الدر المختار ١ / ٣٣١ - ٣٣٢ ط دار إحياء التراث العربي، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٨٢، والفواكه الدواني ١ / ٢٠٨، وكشاف القناع عن متن الإقناع ١ / ٣١٧ ط أنصار السنة المحمدية.

ط - التَّسْبِيحُ فِي السَّجْدَتَيْنِ:

١٥ - يَقُولُهُ الْمُصَلِّي سِرًّا، إِمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا أَوْ مُنْفَرِدًا. وَكَذَلِكَ الأَْذْكَارُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَالتَّشَهُّدُ الأَْوَّل وَالأَْخِيرُ، وَالصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَالأَْدْعِيَةُ فِي آخِرِ الصَّلاَةِ.

أَمَّا التَّسْلِيمُ فَيَجْهَرُ بِهِ الإِْمَامُ دُونَ الْمَأْمُومِ أَوِ الْمُنْفَرِدِ.

الإِْسْرَارُ بِالاِسْتِعَاذَةِ وَالْبَسْمَلَةِ خَارِجَ الصَّلاَةِ:

١٦ - لِلْفُقَهَاءِ وَالْقُرَّاءِ فِي الْجَهْرِ بِالاِسْتِعَاذَةِ أَوِ الإِْسْرَارِ بِهَا آرَاءٌ:

أ - اسْتِحْبَابُ الْجَهْرِ بِهَا، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ.

ب - لَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إِلاَّ حَمْزَةُ وَمَنْ وَافَقَهُ.

ج - التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالإِْسْرَارِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَوْلٌ لِلْحَنَابِلَةِ.

د - الإِْخْفَاءُ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَفِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ حَمْزَةَ.

هـ - الْجَهْرُ بِالتَّعَوُّذِ فِي أَوَّل الْفَاتِحَةِ فَقَطْ، وَالإِْخْفَاءُ فِي سَائِرِ الْقُرْآنِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ عَنْ حَمْزَةَ.

وَحُكْمُ الْبَسْمَلَةِ فِي ذَلِكَ تَابِعٌ لِحُكْمِ الاِسْتِعَاذَةِ، إِلاَّ مَا رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ كَانَ يُخْفِي الاِسْتِعَاذَةَ وَيَجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ عِنْدَ افْتِتَاحِ السُّوَرِ وَرُءُوسِ الآْيَاتِ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ.

هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلرَّجُل، أَمَّا الْمَرْأَةُ فَجَهْرُهَا إِسْمَاعُ نَفْسِهَا فَقَطْ، وَالْجَهْرُ فِي حَقِّهَا كَالإِْسْرَارِ، فَيَكُونُ أَعْلَى جَهْرِهَا وَأَدْنَاهُ وَاحِدًا، وَعَلَى هَذَا فَيَسْتَوِي فِي حَقِّهَا السِّرُّ وَالْجَهْرُ، لأَِنَّ صَوْتَهَا كَالْعَوْرَةِ، وَرُبَّمَا كَانَ سَمَاعُهُ فِتْنَةً، بَل جَهْرُهَا مَرْتَبَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ أَنْ تُسْمِعَ

نَفْسَهَا فَقَطْ، وَلَيْسَ هَذَا إِسْرَارًا مِنْهَا، بَل إسْرَارُهَا مَرْتَبَةٌ أُخْرَى، وَهُوَ أَنْ تُحَرِّكَ لِسَانَهَا دُونَ إِسْمَاعِ نَفْسِهَا، فَلَيْسَ لإِسْرَارِهَا أَعْلَى وَأَدْنَى، كَمَا أَنَّ جَهْرَهَا كَذَلِكَ. (١)

وَانْظُرْ لِلتَّفْصِيل مُصْطَلَحَيِ (اسْتِعَاذَة) (وَبَسْمَلَة) .

(ثَانِيًا) الإِْسْرَارُ فِي الأَْفْعَال

الزَّكَاةُ:

١٧ - قَال أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: لاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ إِظْهَارَ صَدَقَةِ الْفَرْضِ أَفْضَل، كَصَلاَةِ الْفَرْضِ وَسَائِرِ فَرَائِضِ الشَّرِيعَةِ، لأَِنَّ الْمَرْءَ يُحْرِزُ بِهَا إِسْلاَمَهُ وَيَعْصِمُ مَالَهُ. (٢)

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: إِنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ عِلْمُ الْفَقِيرِ أَنَّ مَا أُعْطِيَ لَهُ زَكَاةٌ عَلَى الأَْصَحِّ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ كَسْرِ قَلْبِهِ، وَلِذَا فَإِنَّ الإِْسْرَارَ فِي إِعْطَائِهَا إِلَيْهِ أَفْضَل مِنْ إِعْلاَنِهِ بِهَا. (٣)

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الأَْفْضَل فِيهَا إِظْهَارُ إِخْرَاجِهَا لِيَرَاهُ غَيْرُهُ فَيَعْمَل عَمَلَهُ، وَلِئَلاَّ يُسَاءَ الظَّنُّ بِهِ. (٤)

_________

(١) المجموع ٣ / ٣٢٤، ٣٢٥، والفروع ١ / ٣٠٤ ط المنار، والنشر ١ / ٢٥٢، ٢٥٣، وابن عابدين ١ / ٣٢٩، وإتحاف فضلاء البشر ص ٢٠، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٢٤٣، وفتح القدير ٤ / ٢٨٤، ٢٨٨، وكشاف القناع ١ / ٣٣٢ ط النصر الحديثة.

(٢) أحكام القرآن ١ / ٣٦، وشرح المنتهى ١ / ٤١٨.

(٣) مراقي الفلاح ٣٨٩ - ٣٩٠ ط دار الإيمان، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ١ / ٥٠٠، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٨١، ٨٩، والفواكه الدواني ١ / ٢٠٦، ٢٣٨، والمغني لابن قدامة ١ / ٥٦٩ ط الرياض الحديثة.

(٤) روضة الطالبين للنووي ٢ / ٣٤٠.

وَاسْتَحَبَّ الْحَنَابِلَةُ إِظْهَارَ إِخْرَاجِهَا، سَوَاءٌ أَكَانَ الإِْخْرَاجُ بِمَوْضِعٍ يُخْرِجُ أَهْلُهُ الزَّكَاةَ أَمْ لاَ، وَسَوَاءٌ أَنُفِيَ عَنْهُ ظَنُّ السَّوْءِ بِإِظْهَارِ إِخْرَاجِهَا أَمْ لاَ، لِمَا فِيهِ مِنْ نَفْيِ الرِّيبَةِ عَنْهُ، وَلَعَلَّهُ يُقْتَدَى بِهِ، وَمَنْ عُلِمَ أَهْلِيَّتُهُ أَخَذَ الزَّكَاةَ - وَلَوْ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ - كُرِهَ أَنْ يُعْلِمَهُ أَنَّهَا زَكَاةٌ، وَمَعَ عَدَمِ عَادَةِ الآْخِذِ بِأَخْذِ الزَّكَاةِ لاَ يُجْزِئُ دَفْعُهَا إِلَيْهِ إِلاَّ أَنْ يُعْلِمَهُ أَنَّهَا زَكَاةٌ، لأَِنَّهُ لاَ يَقْبَل زَكَاةً ظَاهِرًا. (١)

صَدَقَاتُ التَّطَوُّعِ:

١٨ - قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الإِْسْرَارَ بِهَا أَفْضَل مِنَ الْجَهْرِ، وَلِذَا يُسَنُّ لِمُعْطِيهَا أَنْ يُسِرَّ بِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٢) .

وَلِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِل إِلاَّ ظِلُّهُ وَذَكَرَ مِنْهُمْ رَجُلًا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ (٣) .

وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ قَال: صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ، وَصَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ

_________

(١) شرح منتهى الإرادات ١ / ٤٢٠.

(٢) سورة البقرة / ٢٧١.

(٣) حديث " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ". أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا (فتح الباري ٢ / ١٤٣ ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ٢ / ٧١٥ ط عيسى الحلبي ١٣٧٤ هـ) .

غَضَبَ الرَّبِّ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ (١) وَلأَِنَّ إِعْطَاءَهَا عَلَى هَذَا النَّحْوِ يُرَادُ بِهِ اللَّهُ ﷿ وَحْدَهُ، وَقَدْ قَال ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ " جَعَل اللَّهُ صَدَقَةَ السِّرِّ فِي التَّطَوُّعِ تَفْضُل عَلاَنِيَتَهَا بِسَبْعِينَ ضِعْفًا (٢) .

قِيَامُ اللَّيْل:

١٩ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمُتَنَفِّل لَيْلًا يُخَيَّرُ بَيْنَ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ وَالإِْسْرَارِ بِهَا، إِلاَّ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْجَهْرُ أَنْشَطَ لَهُ فِي الْقِرَاءَةِ، أَوْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يَسْتَمِعُ قِرَاءَتَهُ، أَوْ يَنْتَفِعُ بِهَا فَالْجَهْرُ أَفْضَل، وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ مَنْ يَتَهَجَّدُ، أَوْ مَنْ يَتَضَرَّرُ بِرَفْعِ صَوْتِهِ فَالإِْسْرَارُ أَوْلَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لاَ هَذَا وَلاَ هَذَا فَلْيَفْعَل

_________

(١) حديث " صنائع المعروف تقي مصارع السوء ". أخرجه الطبراني في الكبير من حديث أبي أمامة مرفوعا، وقال الهيثمي: إسناده حسن، وأورده الألباني بلفظ مقارب وصححه، بعد أن عزاه إلى العسكري والطبراني والقضاعي والمقدسي (مجمع الزوائد ١ / ١١٥ نشر مكتبة القدسي، وصحيح الجامع الصغير بتحقيق الألباني ٣ / ٢٤٠ نشر المكتب الإسلامي) .

(٢) أثر ابن عباس أخرجه الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس عند تفسير قوله تعالى (إن تبدوا الصدقات فنعما هي، وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم) قال الحافظ ابن حجر: علي بن أبي طلحة أرسل عن ابن عباس ولم يره (تفسير الطبري ٥ / ٥٨٣ ط دار المعارف بمصر، وتفسير ابن كثير ١ / ٥٧٤ ط دار الأندلس، وتقريب التهذيب ٢ / ٣٩) . وانظر مراقي الفلاح ١ / ٣٨٩ - ٣٩٠، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ١٨٣ ط دار المعرفة، وقليوبي وعميرة ٣ / ٢٠٤ - ٢٠٥، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٣ / ٣٣٢، وكشاف القناع عن متن الإقناع ٢ / ٢٦٦ ط أنصار السنة المحمدية ١٩٤٧ م.

مَا شَاءَ (١) . قَال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَيْسٍ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ رَسُول اللَّهِ؟ فَقَالَتْ: كُل ذَلِكَ كَانَ يَفْعَل. رُبَّمَا أَسَرَّ، وَرُبَّمَا جَهَرَ (٢) .

وَقَال أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْل يَرْفَعُ طَوْرًا، وَيَخْفِضُ طَوْرًا (٣)

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الْمُسْتَحَبَّ فِي نَوَافِل اللَّيْل الإِْجْهَارُ، وَهُوَ أَفْضَل مِنَ الإِْسْرَارِ، لأَِنَّ صَلاَةَ اللَّيْل تَقَعُ فِي الأَْوْقَاتِ الْمُظْلِمَةِ فَيُنَبِّهُ الْقَارِئُ بِجَهْرِهِ الْمَارَّةَ، وَلِلأَْمْنِ مِنْ لَغْوِ الْكَافِرِ عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ، لاِشْتِغَالِهِ غَالِبًا فِي اللَّيْل بِالنَّوْمِ أَوْ غَيْرِهِ، بِخِلاَفِ النَّهَارِ. (٤)

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّهُ يُسَنُّ فِي نَوَافِل اللَّيْل الْمُطْلَقَةِ التَّوَسُّطُ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالإِْسْرَارِ إِنْ لَمْ يُشَوِّشْ عَلَى نَائِمٍ أَوْ مُصَلٍّ أَوْ نَحْوِهِ، إِلاَّ التَّرَاوِيحَ فَيَجْهَرُ بِهَا. وَالْمُرَادُ بِالتَّوَسُّطِ أَنْ يَزِيدَ عَلَى أَدْنَى مَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَبْلُغَ تِلْكَ الزِّيَادَةُ سَمَاعَ مَنْ يَلِيهِ، وَاَلَّذِي يَنْبَغِي

_________

(١) المغني ٢ / ١٣٩ ط الرياض، وكشاف القناع ١ / ٣٤٤ ط النصر، وابن عابدين ١ / ٣٥٨.

(٢) حديث " عبد الله بن أبي قيس " أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث صحيح غريب، قال صاحب المنتقى: رراه الخمسة: أحمد بن حنبل، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. قال الشوكاني: رجاله رجال الصحيح (تحفة الأحوذي ٢ / ٥٢٨ نشر المكتبة السلفية، ونيل الأوطار ٣ / ٧١ نشر دار الجيل ١٩٧٣ م) .

(٣) حديث " كانت قراءة رسول الله ﷺ بالليل يرفع طورا ويخفض طورا " أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة ﵁، والحديث سكت عليه المنذري، وقال عبد القادر الأرناؤوط: وإسناده حسن (عون المعبود ١ / ٥٠٩ ط الهند، وجامع الأصول بتحقيق عبد القادر الأرناؤوط ٥ / ٣٥٧ نشر مكتبة الحلواني) .

(٤) الفواكه الدواني ١ / ٢٣٣ ط دار المعرفة.

فِيهِ مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ يَجْهَرُ تَارَةً، وَيُسِرُّ أُخْرَى. (١)

الأَْدْعِيَةُ وَالأَْذْكَارُ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ:

٢٠ - قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الإِْسْرَارَ بِالأَْدْعِيَةِ وَالأَْذْكَارِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ أَفْضَل مِنَ الْجَهْرِ بِهَا، فَالإِْسْرَارُ بِهَا سُنَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَمَنْدُوبٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (٢) أَيْ سِرًّا فِي النَّفْسِ، لِيَبْعُدَ عَنِ الرِّيَاءِ، وَبِذَلِكَ أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ زَكَرِيَّا ﵇، إِذْ قَال مُخْبِرًا عَنْهُ: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ (٣)، وَلأَِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الإِْخْلاَصِ، وَقَدْ وَرَدَ خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ. (٤)

أَمَّا فِي عَرَفَةَ فَرَفْعُ الصَّوْتِ بِذَلِكَ وَبِالتَّلْبِيَةِ أَفْضَل مِنَ الإِْسْرَارِ بِهِ، إِذْ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ وَالدُّعَاءِ بِعَرَفَةَ سُنَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَمَنْدُوبٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، بِحَيْثُ لاَ يُجْهِدُ نَفْسَهُ، وَلاَ يُفْرِطُ فِي الْجَهْرِ بِالدُّعَاءِ بِهَا، لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: جَاءَنِي جِبْرِيل ﵇ فَقَال: يَا مُحَمَّدُ، مُرْ

_________

(١) حاشية الجمل على شرح المنهج ١ / ٤٩٦ ط دار إحياء التراث العربي.

(٢) سورة الأعراف / ٥٥.

(٣) سورة مريم / ٣.

(٤) حديث " خير الذكر الخفي. . . " أخرجه أحمد وأبو يعلى من حديث سعد بن مالك مرفوعا، وأخرجه ابن حبان من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعا، وفي كلا الإسنادين محمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة، قال الهيثمي: وثقه ابن حبان، وضعفه ابن معين، وبقية رجالهما رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١٠ / ٨١ نشر مكتبة القدسي، وموارد الظمآن ص ٥٧٧ ط دار الكتب العلمية، وفيض القدير ٣ / ٤٧٢ نشر المكتبة التجارية الكبرى، وتهذيب التهذيب ٩ / ٣٠١ ط دار صادر) .

أَصْحَابَكَ فَلْيَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ، فَإِنَّهَا مِنْ شِعَارِ الْحَجِّ (١) وَقَال: أَفْضَل الْحَجِّ الْعَجُّ وَالثَّجُّ (٢) فَالْعَجُّ: رَفْعُهُ الصَّوْتَ بِالتَّلْبِيَةِ، وَالثَّجُّ: إِسَالَةُ دِمَاءِ الْهَدْيِ (٣) .

هَذَا، وَإِنَّ لِبَعْضِ الأَْذْكَارِ صِفَةً خَاصَّةً مِنَ الْجَهْرِ أَوِ الإِْسْرَارِ، كَالتَّلْبِيَةِ، وَالإِْقَامَةِ، وَأَذْكَارِ مَا بَعْدَ

_________

(١) حديث " جاءني جبريل ﵇ " أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه واللفظ له، والحاكم من حديث زيد بن خالد الجهني ﵁ مرفوعا، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، (سنن الترمذي ٣ / ١٩١ - ١٩٢ ط استانبول، وسنن ابن ماجه بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ٢ / ٩٧٥ ط عيسى الحلبي ١٣٧٣ هـ، وجامع الأصول ٣ / ٩٣ نشر مكتبة الحلواني، ونيل الأوطار ٤ / ٣٢٢ ط العثمانية بمصر ١٣٥٧ هـ) .

(٢) حديث " أفضل الحج العج والثج " أخرجه الترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث أبي بكر الصديق مرفوعا، ولفظ الترمذي: أن رسول الله ﷺ سئل أي الحج أفضل؟ قال: " العج والثج " والحديث استغفربه الترمذي، وحكى الدارقطني الاختلاف فيه، وصححه الحاكم، وأقره الذهبي، وأشار الترمذي إلى نحوه من حديث ابن عمر وجابر، قال المنذري: حديث ابن عمر رواه ابن ماجه بإسناد حسن. (تحفة الأحوذي ٣ / ٥٦٣ - ٥٦٥ ط السلفية، وسنن ابن ماجه بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ٢ / ٩٦٧، ٩٧٥ ط عيسى الحلبي، والمستدرك ١ / ٤٥٠، ٤٥١ نشر دار الكتاب العربي، ونيل الأوطار ٥ / ٥٤ ط دار الجيل، والترغيب والترهيب ٣ / ٢٣ ط مطبعة السعادة ١٣٨٠ هـ، وشرح السنة للبغوي تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ٧ / ١٤ نشر المكتب الإسلامي ١٣٩٤ هـ) .

(٣) رد المحتار على الدر المختار والتعليق بحاشية ابن عابدين ١ / ٤٤٤، ٢ / ١٧٥ ط دار إحياء التراث العربي، وفتح القدير ١ / ٣٩٣، ٢ / ٣٥١ ط دار إحياء التراث العربي، ومراقي الفلاح ص ١٧٤ ط دار الإيمان، وقليوبي وعميرة ٢ / ٩٩، ١٠٧ (تحت تنبيه)، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٢ / ٤١٢، ٤١٧، ٤٣٩، ٤٥٨، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٢١٣ ط دار المعرفة، وكشاف القناع عن متن الإقناع ١ / ٣٣٧، ٣٣٩ - ٣٤٠ ط أنصار السنة المحمدية ١٩٤٧.