الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤
فِيهَا مُؤَثِّرًا، وَقَدْ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ مِنْ مَوْطِنٍ لآِخَرَ فِي الْمَذْهَبِ الْوَاحِدِ.
ب - الْعُطَاسُ وَالاِرْتِضَاعُ:
٣ - الْعُطَاسُ وَالاِرْتِضَاعُ مِنْ أَمَارَاتِ الاِسْتِهْلاَل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُمَا فِي مَعْنَاهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْمَازِرِيُّ وَابْنُ وَهْبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ أَحْمَدَ كَذَلِكَ، فَيَثْبُتُ بِهِمَا حُكْمُ الاِسْتِهْلاَل عِنْدَهُمْ.
أَمَّا عِنْدَ مَالِكٍ فَلاَ عِبْرَةَ بِالْعُطَاسِ، لأَِنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنَ الرِّيحِ، وَكَذَلِكَ الرَّضَاعُ إِلاَّ أَنَّ الْكَثِيرَ مِنَ الرَّضَاعِ مُعْتَبَرٌ، وَالْكَثِيرُ مَا تَقُول أَهْل الْمَعْرِفَةِ: إِنَّهُ لاَ يَقَعُ مِثْلُهُ إِلاَّ مِمَّنْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ. (١)
ج - التَّنَفُّسُ:
٤ - يَأْخُذُ التَّنَفُّسُ حُكْمَ الْعُطَاسِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. (٢)
د - الْحَرَكَةُ:
٥ - حَرَكَةُ الْمَوْلُودِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ طَوِيلَةً أَوْ يَسِيرَةً، وَهِيَ أَعَمُّ مِنْ الاِخْتِلاَجِ، إِذْ الاِخْتِلاَجُ تَحَرُّكُ عُضْوٍ، وَالْحَرَكَةُ أَعَمُّ مِنْ تَحَرُّكِ عُضْوٍ أَوْ تَحَرُّكِ الْجُمْلَةِ. وَلِلْعُلَمَاءِ ثَلاَثَةُ اتِّجَاهَاتٍ فِي الْحَرَكَةِ:
الأَْوَّل: الأَْخْذُ بِهَا مُطْلَقًا.
وَالثَّانِي: عَدَمُ الاِعْتِدَادِ بِهَا مُطْلَقًا.
_________
(١) المبسوط ١٦ / ١٤٤، والجمل ٢ / ١٩١، وشرح الروض ٣ / ١٩، والشرواني على التحفة ٣ / ١٦٢، والروضة ٩ / ٣٦٧، والشرح الكبير للدردير ١ / ٤٢٧، والخرشي ٢ / ٤٦، والإنصاف ٧ / ٣٣١.
(٢) المراجع السابقة.
وَالثَّالِثُ: الأَْخْذُ بِالْحَرَكَةِ الطَّوِيلَةِ دُونَ الْيَسِيرَةِ.
هـ - الْحَرَكَةُ الطَّوِيلَةُ:
٦ - الْحَرَكَةُ الطَّوِيلَةُ مِنْ الاِسْتِهْلاَل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، عَدَا ابْنِ عَابِدِينَ، وَفِي مَعْنَى الاِسْتِهْلاَل عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَحَدُ رَأْيَيِ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ أَحْمَدَ أَنَّهَا فِي حُكْمِ الاِسْتِهْلاَل كَذَلِكَ. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلِهِمُ الآْخَرِ، وَابْنُ عَابِدِينَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُعْطُونَهَا حُكْمَ الاِسْتِهْلاَل، سَوَاءٌ أَكَانَتْ طَوِيلَةً أَمْ يَسِيرَةً، لأَِنَّ حَرَكَتَهُ كَحَرَكَتِهِ فِي الْبَطْنِ، وَقَدْ يَتَحَرَّكُ الْمَقْتُول، وَقِيل بِهَذَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. (١)
و الْحَرَكَةُ الْيَسِيرَةُ:
٧ - تَأْخُذُ الْحَرَكَةُ الْيَسِيرَةُ حُكْمَ الاِسْتِهْلاَل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَلاَ يُعْتَدُّ بِهَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ اتِّفَاقًا، وَكَذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ، (٢) أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَمِنْهُمْ مَنْ وَافَقَ الْحَنَفِيَّةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ وَافَقَ الْمَالِكِيَّةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَرَدَّدَ، إِذْ لَمْ يُفَرِّقْ كَثِيرٌ مِنْ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ بَيْنَ الْحَرَكَةِ الطَّوِيلَةِ وَالْحَرَكَةِ الْيَسِيرَةِ، (٣) وَمِنْهُمْ مَنِ اشْتَرَطَ قُوَّةَ الْحَرَكَةِ وَلَمْ يَعْتَدَّ بِحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، لأَِنَّهَا لاَ تَدُل عَلَى الْحَيَاةِ: (٤)
_________
(١) البدائع ١ / ٣٠٢، وابن عابدين ٥ / ٣٧٧، والشرح الكبير للدردير ١ / ٤٢٧، والخرشي ٢ / ٤٦، والجمل ٢ / ١٩١، والشرواني على التحفة ٣ / ١٦٢، والروضة ٩ / ٣٦٧، والإنصاف ٧ / ٣٣١.
(٢) المراجع السابقة.
(٣) الجمل ٢ / ١٩١، والشرواني على التحفة ٣ / ١٦٢.
(٤) الروضة ٩ / ٣٦٧، والمهذب ٢ / ٣٢.
ز - الاِخْتِلاَجُ:
٨ - يَأْخُذُ الاِخْتِلاَجُ حُكْمَ الْحَرَكَةِ الْيَسِيرَةِ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ شَهَرُوا عَدَمَ إِعْطَائِهِ حُكْمَ الاِسْتِهْلاَل (١) .
إِثْبَاتُ الاِسْتِهْلاَل:
٩ - مِمَّا يَثْبُتُ بِهِ الاِسْتِهْلاَل الشَّهَادَةُ، وَهِيَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِأَقْوَال رَجُلَيْنِ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَهُوَ مَحَل اتِّفَاقٍ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْعَدَدِ الْمُجْزِي وَالْمَوَاطِنِ الْمَقْبُولَةِ.
١٠ - وَالاِسْتِهْلاَل مِنَ الأُْمُورِ الَّتِي يَطَّلِعُ عَلَيْهَا النِّسَاءُ غَالِبًا، لِذَلِكَ يَقْبَل الْفُقَهَاءُ - عَدَا الرَّبِيعِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ - شَهَادَتَهُنَّ عَلَيْهِ مُنْفَرِدَاتٍ عَنِ الرِّجَال.
إلاَّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي نِصَابِهَا وَفِي الْمَوَاطِنِ الَّتِي تُقْبَل شَهَادَتُهُنَّ فِيهَا.
وَتَفْصِيل اتِّجَاهَاتِهِمْ فِي نِصَابِ شَهَادَةِ النِّسَاءِ كَمَا يَلِي:
١١ - يَرَى الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّهُ لاَ يُقْبَل قَوْل النِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ إِلاَّ فِي الصَّلاَةِ عَلَيْهِ لأَِنَّهُ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ، وَخَبَرُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ مُجْتَهَدٌ فِيهِ. أَمَّا غَيْرُ الصَّلاَةِ كَالْمِيرَاثِ فَلاَ يَثْبُتُ الاِسْتِهْلاَل بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ، وَلاَ بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنْ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ. (٢)
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّهُ يَكْفِي شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ عَلَى الاِسْتِهْلاَل إِنْ كَانَتْ حُرَّةً
_________
(١) الروضة ٩ / ٣٦٧، وشرح الروض وحاشية الرملي عليه ٣ / ١٩.
(٢) البدائع ١ / ٣٠٢، والمبسوط ١٦ / ١٤٣، ١٤٤، ومجمع الأنهر ٢ / ١٨٧.
مُسْلِمَةً عَدْلًا. (١) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ أَجَازَ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ فِي الاِسْتِهْلاَل (٢) .
وَالْعِلَّةُ فِيهِ - كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ - أَنَّ اسْتِهْلاَل الصَّبِيِّ يَكُونُ عِنْدَ الْوِلاَدَةِ، وَتِلْكَ حَالَةٌ لاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الرِّجَال، وَفِي صَوْتِهِ مِنَ الضَّعْفِ عِنْدَ ذَلِكَ مَا لاَ يَسْمَعُهُ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ تِلْكَ الْحَالَةَ، وَشَهَادَةُ النِّسَاءِ فِيمَا لاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرَّجُل كَشَهَادَةِ الرِّجَال فِيمَا يَطَّلِعُونَ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا يُصَلَّى عَلَيْهِ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ، فَكَذَلِكَ يَرِثُ.
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَجَازَ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ عَلَى الْوِلاَدَةِ (٣) وَقَال: شَهَادَةُ النِّسَاءِ جَائِزَةٌ فِيمَا لاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَال (٤) وَالنِّسَاءُ جِنْسٌ فَيَدْخُل فِيهِ أَدْنَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الاِسْمُ.
_________
(١) المغني لابن قدامة ١٠ / ١٣٧، والإنصاف ١٢ / ٨٦، والمبسوط ١٦ / ١٤٣.
(٢) الأثر عن علي ﵁ أخرجه عبد الرزاق في مصنفه. قال الزيلعي: هذا سند ضعيف، فإن الجحفي وابن يحيى فيهما مقال (نصب الراية ٤ / ٨٠ ط مطبعة دار المأمون الطبعة الأولى ١٣٦٧ هـ) .
(٣) حديث حذيفة أخرجه الدارقطني مرفوعا بلفظ: " أن النبي ﷺ أجاز شهادة القابلة " وتعقب إسناد هذا الحديث بقوله: محمد بن عبد الملك لم يسمع من الأعمش بينهما رجل مجهول، وهو أبو عبد الرحمن المدائني. ثم أخرجه عن محمد بن عبد الملك عن أبي عبد الرحمن
(٤) حديث " شهادة النساء جائزة. . . " أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة أثرا عن الزهري بلفظ " مضت السنة أن تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن من ولادات النساء وعيوبهن " وأخرج عبد الرزاق أثرا عن ابن عمر بهذا المعنى وعن ابن المسيب وعروة بن الزبير كذلك (نصب وتلخيص الحبير ٤ / ٢٠٧ - ٢٠٨ ط شركة الطباعة الفنية المتحدة ١٣٨٤ هـ) .
وَإِنَّمَا فَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَبَيْنَ الْمِيرَاثِ، لأَِنَّ الْمِيرَاثَ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ فَلاَ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ. (١)
١٢ - وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالإِْمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَأَبُو ثَوْرٍ رَأَوْا أَنَّهُ لاَ يُقْبَل فِي الاِسْتِهْلاَل أَقَل مِنِ امْرَأَتَيْنِ، قَالُوا: لأَِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الشَّهَادَةِ شَيْئَانِ: الْعَدَدُ وَالذُّكُورَةُ، وَقَدْ تَعَذَّرَ اعْتِبَارُ أَحَدِهِمَا وَهُوَ الذُّكُورَةُ هُنَا، وَلَمْ يَتَعَذَّرِ اعْتِبَارُ الْعَدَدِ فَبَقِيَ مُعْتَبَرًا كَسَائِرِ الشَّهَادَاتِ. (٢)
شَهَادَةُ الثَّلاَثِ:
١٣ - يَرَى عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ أَنَّهُ لاَ يُقْبَل فِي الاِسْتِهْلاَل أَقَل مِنْ ثَلاَثِ نِسَاءٍ، وَالْوَجْهُ عِنْدَهُ أَنَّ كُل مَوْضِعٍ قُبِلَتْ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ كَانَ الْعَدَدُ ثَلاَثَةً، وَهُوَ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ. (٣)
١٤ - وَلاَ يَقْبَل الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ قَوْل عَطَاءٍ وَالشَّعْبِيِّ وَقَتَادَةَ وَأَبِي ثَوْرٍ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الاِسْتِهْلاَل أَقَل مِنْ أَرْبَعٍ مِنَ النِّسْوَةِ، لأَِنَّ كُل امْرَأَتَيْنِ تَقُومَانِ مَقَامَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، (٤) فَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ. (٥)
١٥ - أَمَّا شَهَادَةُ الرِّجَال فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ شَهَادَةِ الرَّجُلَيْنِ عَلَى الاِسْتِهْلاَل وَنَحْوِهِ،
_________
(١) المبسوط ١٦ / ١٤٣، ١٤٤، والبدائع ١ / ٣٠٢، ومجمع الأنهر ٢ / ١٨٧.
(٢) الرهوني ٧ / ٤٢٢.
(٣) المغني ١٠ / ١٣٧ ط مكتبة القاهرة.
(٤) شرح الروض ٤ / ٣٦٢، والمغني ٩ / ١٥٦.
(٥) حديث: " شهادة امرأتين. . . . " أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمر مرفوعا بلفظ " فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل " كما أخرجه من حديث أبي هريرة بمثل حديث ابن عمر (صحيح مسلم ١ / ٨٦ - ٨٧ ط عيسى الحلبي ١٣٥٤ هـ) .
وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ شَهَادَةِ الرَّجُل الْوَاحِدِ.
فَأَجَازَهَا أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الرَّجُل أَكْمَل مِنَ الْمَرْأَةِ، فَإِذَا اُكْتُفِيَ بِهَا وَحْدَهَا فَلأَنْ يُكْتَفَى بِهِ أَوْلَى، وَلأَِنَّ مَا قُبِل فِيهِ قَوْل الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ يُقْبَل فِيهِ قَوْل الرَّجُل الْوَاحِدِ كَالرِّوَايَةِ (١) .
وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْفُقَهَاءِ فَيَمْنَعُونَهَا، لِمَا تَقَدَّمَ فِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ.
تَسْمِيَةُ الْمُسْتَهِل:
١٦ - يُسَمَّى الْمَوْلُودُ إِنْ اسْتَهَل وَلَوْ مَاتَ عَقِبَ ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَابْنِ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، إِلاَّ أَنَّ التَّسْمِيَةَ لاَزِمَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَمَنْدُوبَةٌ عِنْدَ غَيْرِهِمْ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " سَمُّوا أَسْقَاطَكُمْ فَإِنَّهُمْ أَسْلاَفُكُمْ (٢) رَوَاهُ ابْنُ السَّمَّاكِ بِإِسْنَادِهِ، قِيل: إِنَّهُمْ يُسَمَّوْنَ لِيُدْعَوْا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ
_________
(١) المبسوط ١٦ / ١٤٤، والمغني ١٠ / ١٣٨، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٥٥٨.
(٢) حديث: " سموا أسقاطكم. . . " أخرجه ابن عساكر في التاريخ من حديث أبي هريرة بلفظ: " سموا أسقاطكم فإنهم من أفراطكم " وحكم الألباني بوضعه. قال ابن النحوي في التخريج الصغير لأحاديث الشرح الكبير: وحديث سموا السقط غريب كذلك روى السلفي من حديث أبي هريرة بإسنا والفتوحات الربانية ٦ / ١٠٣ نشر المكتبة الإسلامية) .
لِلسَّقْطِ ذُكُورَةٌ وَلاَ أُنُوثَةٌ سُمِّيَ بِاسْمٍ يَصْلُحُ لَهُمَا، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ فِي تَسْمِيَةِ الْمُسْتَهَل إِكْرَامًا لَهُ لأَِنَّهُ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ يَحْتَاجُ أَبُوهُ إلَى أَنْ يَذْكُرَ اسْمَهُ عِنْدَ الدَّعْوَى بِهِ. (١)
أَمَّا الْقَوْل الآْخَرُ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَنُسِبَ إِلَى مَالِكٍ فَهُوَ أَنَّ مَنْ مَاتَ وَلَدُهُ قَبْل السَّابِعِ فَلاَ تَسْمِيَةَ عَلَيْهِ. (٢)
غُسْل الْمُسْتَهِل إِذَا مَاتَ، وَالصَّلاَةُ عَلَيْهِ، وَدَفْنُهُ:
١٧ - مَوْتُ الْمُسْتَهِل إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْل الاِنْفِصَال أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ فِيهِ مَا يَلْزَمُ فِي الْكَبِيرِ، قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الطِّفْل إِذَا عُرِفَتْ حَيَاتُهُ وَاسْتَهَل يُصَلَّى عَلَيْهِ.
أَمَّا بَعْدَ الاِنْفِصَال فَإِنْ كَانَ خَرَجَ مُعْظَمُهُ، فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَيَّدَهُ فِي شَرْحِ الدُّرِّ بِمَا إِذَا انْفَصَل تَامَّ الأَْعْضَاءِ.
وَيُصَلَّى عَلَيْهِ أَيْضًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، إِنْ صَاحَ بَعْدَ الظُّهُورِ، وَكَذَلِكَ إِنْ ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ الْحَيَاةِ الأُْخْرَى غَيْرُ الصِّيَاحِ فِي الأَْظْهَرِ، وَلاَ أَثَرَ لِلاِسْتِهْلاَل وَعَدَمِهِ فِي غُسْل الْمَيِّتِ وَالصَّلاَةِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، إِذْ يُوجِبُونَ غُسْل السَّقْطِ وَالصَّلاَةَ عَلَيْهِ إِذَا نَزَل لأَِرْبَعَةِ أَشْهُرٍ سَوَاءٌ اسْتَهَل أَمْ لاَ.
وَكَرِهَ الْمَالِكِيَّةُ غُسْل الطِّفْل وَالصَّلاَةَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَسْتَهِل صَارِخًا بَعْدَ نُزُولِهِ. (٣)
_________
(١) البحر الرائق ٢ / ٢٠٢، والرهوني ٣ / ٧٠، ونهاية المحتاج ٧ / ١٣٩، والمغني ٢ / ٣٩٧، ٣٩٨.
(٢) الرهوني ٣ / ٧٠.
(٣) الدر المختار ١ / ١٠٨، والبحر الرائق ٢ / ٢٠٣، والخرشي ٢ / ٤٢، وحاشية الدسوقي على الدردير ١ / ٤٢٧، ومغني المحتاج ١ / ٣٤٩، والمغني مع الشرح ٢ / ٣٣٧، ٣٩٧.
وَأَمَّا الدَّفْنُ فَإِنَّ الْجَنِينَ إِذَا بَلَغَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ يَجِبُ دَفْنُهُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَبْلُغْهَا يُسَنُّ سَتْرُهُ بِخِرْقَةٍ وَدَفْنُهُ.
اسْتِهْلاَل الْمَوْلُودِ وَأَثَرُهُ فِي إِرْثِهِ:
١٨ - الْجَنِينُ إِذَا اسْتَهَل بَعْدَ تَمَّامِ انْفِصَالِهِ - عَلَى الاِخْتِلاَفِ السَّابِقِ فِي الْمُرَادِ بِالاِسْتِهْلاَل - فَإِنَّهُ يَرِثُ وَيُورَثُ بِالإِْجْمَاعِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِذَا اسْتَهَل الْمَوْلُودُ وَرِثَ. (١) وَقَوْلِهِ: الطِّفْل لاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلاَ يَرِثُ، وَلاَ يُورَثُ حَتَّى يَسْتَهِل (٢) وَكَذَا لَوْ خَرَجَ مَيِّتًا وَلَمْ يَسْتَهِل فَالاِتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُورَثُ وَلاَ يَرِثُ.
وَأَمَّا لَوْ اسْتَهَل بَعْدَ خُرُوجِ بَعْضِهِ ثُمَّ مَاتَ قَبْل تَمَامِ انْفِصَالِهِ، فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ لاَ يَرِثُ وَلاَ يُورَثُ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَرِثُ وَيُورَثُ إِنْ اسْتَهَل بَعْدَ خُرُوجِ أَكْثَرِهِ، لأَِنَّ الأَْكْثَرَ لَهُ حُكْمُ الْكُل، فَكَأَنَّهُ خَرَجَ كُلُّهُ حَيًّا.
_________
(١) حديث: إذا استهل المولود. . . " أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة مرفوعا، وفي إسناده محمد بن إسحاق، وفيه مقال معروف. وقد روي عن ابن حبان تصحيح الحديث (نيل الأوطار ٦ / ٦٧ ط المطبعة العثمانية المصرية ١٣٥٧ هـ) .
(٢) حديث: " الطفل لا يصلى عليه ولا يرث. . . . " أخرجه الترمذي، واللفظ له، وابن ماجه من حديث جابر. واختلف هل من المرفوع أو الموقوف، وبه جزم النسائي والدارقطني. قال الحافظ ابن حجر بعد ذكر هذا الحديث: وفي إسناده إسماعيل المكي وهو ضعيف. ورواه ابن ماجه من طريق الربيع عن أبي الزبير مرفوعا، والربيع ضعيف (تحفة الأحوذي ٤ / ١٢٠ نشر المكتبة السلفية ١٣٨٥ هـ، وتلخيص الحبير ٢ / ١١٣ ط شركة الطباعة الفنية المتحدة ١٣٨٤ هـ) .
وَقَال الْقَفَّال مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنْ خَرَجَ بَعْضُهُ حَيًّا وَرِثَ. (١)
الْجِنَايَةُ عَلَى الْجَنِينِ إِذَا مَاتَ بَعْدَ اسْتِهْلاَلِهِ:
١٩ - الْجِنَايَةُ عَلَى الْمُسْتَهِل إِمَّا أَنْ تَكُونَ قَبْل الاِنْفِصَال أَوْ بَعْدَهُ، وَاَلَّتِي قَبْلَهُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ قَبْل ظُهُورِهِ أَوْ بَعْدَهُ.
حُكْمُهَا قَبْل الظُّهُورِ:
٢٠ - إِنْ تَعَمَّدَ الْجَانِي ضَرْبَ الأُْمِّ فَخَرَجَ الْجَنِينُ مُسْتَهِلًّا، ثُمَّ مَاتَ بِسَبَبِ الاِعْتِدَاءِ عَلَى الأُْمِّ فَفِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الأُْمُّ حَيَّةً أَمْ مَيِّتَةً. وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ، غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ اشْتَرَطُوا قَسَامَةَ أَوْلِيَائِهِ حَتَّى يَأْخُذُوا الدِّيَةَ، قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُل مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ أَنَّ فِي الْجَنِينِ يَسْقُطُ حَيًّا مِنَ الضَّرْبِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَكَذَلِكَ الْحَال إِنْ تَعَمَّدَ قَتْل الْجَنِينِ بِضَرْبِ أُمِّهِ عَلَى ظَهْرِهَا أَوْ بَطْنِهَا أَوْ رَأْسِهَا عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْوَاجِبِ فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ، فَأَشْهَبُ قَال: لاَ قَوَدَ فِيهِ، بَل تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَال الْجَانِي بِقَسَامَةٍ، قَال ابْنُ الْحَاجِبِ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ. وَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ: يَجِبُ الْقِصَاصُ بِقَسَامَةٍ، قَال فِي التَّوْضِيحِ: وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ. (٢)
_________
(١) العذب الفائض ٢ / ٩١، ٩٢، والشرح الكبير للدردير ٤ / ٢٦٩، والتاج والإكليل ٦ / ٢٥٨، والروضة ٦ / ٣٧، وشرح الروض ٣ / ١٩، والإنصاف ٧ / ٣٣١، والفتاوى الهندية ٦ / ٤٥٦، والبحر الرائق ٢ / ٢٠٣.
(٢) الهندية ٦ / ٣٥، والدسوقي على الشرح الكبير ٤ / ٢٦٩، ونهاية المحتاج ٧ / ٣٦١، ٣٦٢، والإنصاف ١٠ / ٧٤.
حُكْمُهَا بَعْدَ الظُّهُورِ:
٢١ - إِنْ ظَهَرَ الْجَنِينُ ثُمَّ صَاحَ، ثُمَّ جَنَى جَانٍ عَلَيْهِ عَمْدًا فَالأَْصَحُّ أَنَّ فِيهِ الْقِصَاصَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. (١) وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِنْ ظَهَرَ أَغْلَبُهُ. وَفِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: فَإِنْ كَانَ ذَبَحَهُ رَجُلٌ حَالِمًا يُخْرِجُ رَأْسَهُ فَعَلَيْهِ الْغُرَّةُ لأَِنَّهُ جَنِينٌ، وَإِنْ قَطَعَ أُذُنَهُ وَخَرَجَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ. (٢)
وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ الاِعْتِبَارُ بِالاِنْفِصَال التَّامِّ (٣)
الْجِنَايَةُ بَعْدَ الاِنْفِصَال:
٢٢ - قَتْل الْمُسْتَهِل بَعْدَ الاِنْفِصَال كَقَتْل الْكَبِيرِ، فِيهِ الْقِصَاصُ أَوِ الدِّيَةُ. وَكَذَلِكَ إِنْ انْفَصَل بِجِنَايَةٍ وَبِهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَقَتَلَهُ جَانٍ آخَرُ.
أَمَّا إِنْ نَزَل فِي حَالَةٍ لاَ يُحْتَمَل أَنْ يَعِيشَ مَعَهَا، وَقَتَلَهُ شَخْصٌ آخَرُ فَإِنَّ الضَّامِنَ هُوَ الأَْوَّل، وَيُعَزَّرُ الثَّانِي. (٤)
الاِخْتِلاَفُ فِي اسْتِهْلاَل الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ:
٢٣ - عِنْدَ التَّنَازُعِ فِي خُرُوجِهِ حَيًّا يُرَاعَى قَوْل الضَّارِبِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، وَعَلَى هَذَا الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِمْ وَهُوَ الْمَذْهَبُ لَكِنْ مَعَ الْيَمِينِ، لأَِنَّ الأَْصْل نُزُول الْوَلَدِ غَيْرَ مُسْتَهِلٍّ، فَمُدَّعَى عَدَمَ الاِسْتِهْلاَل لاَ يَحْتَاجُ إِلَى
_________
(١) نهاية المحتاج ٧ / ٣٦١، ٣٦٢، والإنصاف ١٠ / ٧٤.
(٢) الهندية ٦ / ٣٥، وشرح السراجية ٣٢١، ٣٢٢، والبحر الرائق ٢ / ٢٠٣.
(٣) الروضة ٩ / ٣٦٧، والجمل ٥ / ٩٩، والإنصاف ١٠ / ٧٤.
(٤) البحر الرائق ٨ / ٣٩٠، والبدائع ٧ / ٢٣٩، والشرح الكبير مع المغني ٩ / ٥٤٦، وشرح الروض ٤ / ٨٩.