الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩
مَيْتَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - تُطْلَقُ الْمَيْتَةُ فِي اللُّغَةِ عَلَى مَا مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ مِنَ الْحَيَوَانِ مِنَ الْمَوْتِ الَّذِي هُوَ مُفَارَقَةُ الرُّوحِ الْجَسَدَ. أَمَّا الْمِيتَةُ - بِكَسْرِ الْمِيمِ - فَهِيَ لِلْحَال وَالْهَيْئَةِ. يُقَال: مَاتَ مِيتَةً حَسَنَةً، وَمَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَنَحْوَ ذَلِكَ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ قَال الْجَصَّاصُ: الْمَيْتَةُ فِي الشَّرْعِ اسْمُ الْحَيَوَانِ الْمَيِّتِ غَيْرِ الْمُذَكَّى، وَقَدْ يَكُونُ مَيْتَةً بِأَنْ يَمُوتَ حَتْفَ أَنْفِهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ لآِدَمِيِّ فِيهِ، وَقَدْ يَكُونُ مَيْتَةً بِسَبَبِ فِعْل الآْدَمِيِّ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الذَّكَاةِ الْمُبِيحَةِ لَهُ (٢) .
كَمَا تُطْلَقُ الْمَيْتَةُ شَرْعًا عَلَى الْعُضْوِ الْمُبَانِ مِنَ الْحَيَوَانِ الْحَيِّ، كَالْيَدِ وَالرِّجْل وَالأَْلْيَةِ وَغَيْرِهَا، سَوَاءٌ كَانَ أَصْلُهُ مَأْكُولًا أَمْ غَيْرَ مَأْكُولٍ
_________
(١) القاموس المحيط، والمصباح المنير، وتحرير ألفاظ التنبيه للنووي ص ٩٤، وتهذيب الأسماء واللغات ٢ / ١٤٦، وأنيس الفقهاء للقونوي ص ١٢٣.
(٢) أحكام القرآن للجصاص ١ / ١٣٢.
وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﷺ: مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ، فَهِيَ مَيْتَةٌ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّذْكِيَةُ:
٢ - التَّذْكِيَةُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ ذَكَّى، وَالاِسْمُ الذَّكَاةُ، وَمَعْنَاهَا تَمَامُ الشَّيْءِ وَالذَّبْحُ، يُقَال: ذَكَّيْتُ الذَّبِيحَةَ إِذَا أَتْمَمْتُ ذَبْحَهَا، وَالْمُذَكَّاةُ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ ذَكَّى.
وَالتَّذْكِيَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ الشَّرْعِيِّ هِيَ السَّبَبُ الْمُوصِل إِلَى حِل أَكْل الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ اخْتِيَارًا (٢)، وَقَدْ عَرَّفَهَا الْقَاضِي ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِقَوْلِهِ: هِيَ فِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ إِنْهَارِ الدَّمِ وَفَرْيِ الأَْوْدَاجِ فِي الْمَذْبُوحِ، وَالنَّحْرِ فِي الْمَنْحُورِ، وَالْعَقْرِ فِي غَيْرِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ، مَقْرُونًا ذَلِكَ بِنِيَّةِ الْقَصْدِ إِلَيْهِ، وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ (٣) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمَيْتَةِ وَبَيْنَ الْحَيَوَانِ الْمُذَكَّى
_________
(١) حديث: " ما قطع من البهيمة. . . ". أخرجه أبو داود (٣ / ٢٧٧ ط حمص)، والترمذي (٤ / ٧٤ ط الحلبي) من حديث أبي واقد الليثي وقال الترمذي: حسن غريب.
(٢) المصباح المنير، ورد المحتار ٥ / ١٨٦، وأحكام القرآن للجصاص ٣ / ٣٠٠، والخرشي ٣ / ٢، وكشاف القناع ٦ / ٢٠١، وكفاية الأخيار ٢ / ١٣٧، وبداية المجتهد ١ / ٤٤٧، والتفريغ لابن الجلاب ١ / ٤٠١، والكافي لابن عبد البر ١ / ٤٢٨ - ط الرياض.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٢ / ٥٤١.
التَّضَادُّ مِنْ حَيْثُ أَنَّ الْمُذَكَّاةَ يَحِل أَكْلُهَا، أَمَّا الْمَيْتَةُ فَلاَ يَحِل أَكْلُهَا.
ب - الْمُنْخَنِقَةُ:
٣ - الْمُنْخَنِقَةُ هِيَ الَّتِي تَمُوتُ خَنْقًا - بِحَبْلٍ أَوْ بِغَيْرِ حَبْلٍ - إِمَّا قَصْدًا، وَإِمَّا اتِّفَاقًا بِأَنْ تَتَخَبَّطَ الدَّابَّةُ فِي وِثَاقِهَا، فَتَمُوتَ بِهِ.
قَال الرَّازِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُنْخَنِقَةَ عَلَى وُجُوهٍ: مِنْهَا: أَنَّ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَخْنُقُونَ الشَّاةَ، فَإِذَا مَاتَتْ أَكَلُوهَا، وَمِنْهَا: مَا يُخْنَقُ بِحَبْل الصَّائِدِ. وَمِنْهَا: مَا يَدْخُل رَأْسُهَا بَيْنَ عُودَيْنِ فِي شَجَرَةٍ، فَتَخْتَنِقُ، فَتَمُوتُ. وَالْمُنْخَنِقَةُ مِنْ جِنْسِ الْمَيْتَةِ، لأَِنَّهَا لَمَّا مَاتَتْ وَمَا سَال دَمُهَا، كَانَتْ كَالْمَيِّتِ حَتْفَ أَنْفِهِ، إِلاَّ أَنَّهَا فَارَقَتِ الْمَيْتَةَ بِكَوْنِهَا تَمُوتُ بِسَبَبِ انْعِصَارِ الْحَلْقِ بِالْخَنْقِ (١) .
فَالْمَيْتَةُ أَعَمُّ مِنَ الْمُنْخَنِقَةِ.
ج - الْمَوْقُوذَةُ:
٤ - الْمَوْقُوذَةُ هِيَ الَّتِي ضُرِبَتْ إِلَى أَنْ مَاتَتْ، يُقَال: وَقَذَهَا وَأَوْقَذَهَا، إِذَا ضَرَبَهَا إِلَى أَنْ مَاتَتْ، وَيَدْخُل فِي الْمَوْقُوذَةِ مَا رُمِيَ بِالْبُنْدُقِ فَمَاتَ. قَال الضَّحَّاكُ: كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ يَضْرِبُونَ الأَْنْعَامَ بِالْخَشَبِ لآِلِهَتِهِمْ حَتَّى يَقْتُلُوهَا، فَيَأْكُلُوهَا.
_________
(١) تفسير الفخر الرازي ١١ / ١٣٣، وأحكام القرآن لابن العربي ٢ / ٥٣٨، والكشاف ١ / ٣٢٢.
وَالْمَوْقُوذَةُ مِنْ جِنْسِ الْمَيْتَةِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا مَاتَتْ دُونَ تَذْكِيَةٍ (١) .
وَالْمَيْتَةُ أَعَمُّ مِنَ الْمَوْقُوذَةِ.
د - الْمُتَرَدِّيَةُ:
٥ - الْمُتَرَدِّي: هُوَ الْوَاقِعُ فِي الرَّدَى، وَهُوَ الْهَلاَكُ. وَالْمُتَرَدِّيَةُ: هِيَ الَّتِي تَقَعُ مِنْ جَبَلٍ، أَوْ تَطِيحُ فِي بِئْرٍ، أَوْ تَسْقُطُ مِنْ شَاهِقٍ، فَتَمُوتُ. وَالْمُتَرَدِّيَةُ مِنْ جِنْسِ الْمَيْتَةِ، لأَِنَّهَا مَاتَتْ دُونَ تَذْكِيَةٍ (٢) .
وَالْمَيْتَةُ أَعَمُّ مِنَ الْمُتَرَدِّيَةِ.
هـ - النَّطِيحَةُ:
٦ - النَّطِيحَةُ هِيَ الْمَنْطُوحَةُ إِلَى أَنْ مَاتَتْ، وَذَلِكَ مِثْل كَبْشَيْنِ تَنَاطَحَا إِلَى أَنْ مَاتَا أَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا.
وَالنَّطِيحَةُ مِنَ الْمَيْتَةِ، لأَِنَّهَا مَاتَتْ مِنْ غَيْرِ تَذْكِيَةٍ (٣) .
وَالْمَيْتَةُ أَعَمُّ مِنَ النَّطِيحَةِ.
_________
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٢ / ٥٣٨، والتسهيل لعلوم التنزيل ص ١٦٧، وتفسير الفخر الرازي ١١ / ١٣٣، والكشاف ١ / ٣٢٢، وأحكام القرآن للكيا الهراس ٣ / ٤٢، وأحكام القرآن للجصاص ٣ / ٢٩٧.
(٢) الكشاف للزمخشري ١ / ٣٢٢، والتسهيل لابن جزي ص ١٦٧، وتفسير الرازي ١١ / ١٣٣.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٢ / ٥٣٨، والكشاف ١ / ٣٢٢، وتفسير الرازي ١١ / ١٣٣، والتسهيل ص ١٦٧، وأحكام القرآن للجصاص ٣ / ٢٩٨.
و- الْمَيِّتُ:
٧ - الْمَيِّتُ فِي اللُّغَةِ - بِالتَّشْدِيدِ وَيُخَفَّفُ - يُقَال: مَيِّتٌ وَمَيْتٌ بِمَعْنَى وَاحِدٍ وَيَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَّكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ، قَال تَعَالَى: لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا (١)، وَقَال: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُل مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ (٢)، وَالْمَيِّتُ هُوَ الَّذِي فَارَقَ الْحَيَاةَ، وَجَمْعُهُ أَمْوَاتٌ وَمَوْتَى (٣) .
وَاصْطِلاَحًا: هُوَ الَّذِي فَارَقَ الْحَيَاةَ، وَالْمَوْتَى جَمْعُ مَنْ يَعْقِل، وَالْمَيِّتُونَ مُخْتَصٌّ بِذُكُورِ الْعُقَلاَءِ، وَالْمَيِّتَاتُ بِالتَّشْدِيدِ مُخْتَصَّةٌ لإِنَاثِهِمْ، وَبِالتَّخْفِيفِ لِلْحَيَوَانَاتِ (٤) .
وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْمَيِّتِ وَالْمَيِّتَةِ هُوَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَدْ فَارَقَ الْحَيَاةَ.
ز - الذَّبِيحَةُ عَلَى النُّصُبِ
٨ - النُّصُبُ هِيَ حِجَارَةٌ كَانَتْ مَنْصُوبَةً حَوْل الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَكَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ يَذْبَحُونَ عَلَيْهَا وَيَشْرَحُونَ اللَّحْمَ عَلَيْهَا، وَيُعَظِّمُونَهَا بِذَلِكَ، وَيَتَقَرَّبُونَ بِهِ إِلَيْهَا، قَال ابْنُ جُزَيٍّ: وَلَيْسَتْ هِيَ بِالأَْصْنَامِ، لأَِنَّ الأَْصْنَامَ مُصَوَّرَةٌ،
_________
(١) سورة الفرقان / ٤٩.
(٢) سورة إبراهيم / ١٧.
(٣) لسان العرب، والمعجم الوسيط.
(٤) قواعد الفقه للبركتي.
وَالنُّصُبُ غَيْرُ مُصَوَّرَةٍ، وَتُسَمَّى الأَْنْصَابَ، وَالْمُفْرَدُ نِصَابٌ، وَقِيل: إِنَّ النُّصُبَ مُفْرَدٌ، وَجَمْعُهُ أَنْصَابٌ (١) .
وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ دَاخِلٌ فِي الْمَيْتَةِ فِي الاِصْطِلاَحِ الشَّرْعِيِّ، وَالْمَيْتَةُ أَعَمُّ مِمَّا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ.
ج - أَكِيلَةُ السَّبُعِ:
٩ - أَكِيلَةُ السَّبُعِ هِيَ مَا بَقِيَ مِمَّا أَكَلَهُ السَّبُعُ أَوِ افْتَرَسَهُ مِنَ الْمَاشِيَةِ، قَال ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمَا: كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا جَرَحَ السَّبُعُ شَيْئًا فَقَتَلَهُ، وَأَكَل بَعْضَهُ، أَكَلُوا مَا بَقِيَ فَحَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (٢) .
وَأَكِيلَةُ السَّبُعِ دَاخِلَةٌ فِي الْمَيْتَةِ فِي الاِصْطِلاَحِ الشَّرْعِيِّ، وَالْمَيْتَةُ أَعَمُّ مِنْهَا.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَيْتَةِ:
تَتَعَلَّقُ بِالْمَيْتَةِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:
حُرْمَةُ أَكْل الْمَيْتَةِ:
١٠ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى حُرْمَةِ أَكْل الْمَيْتَةِ فِي حَالَةِ السَّعَةِ وَالاِخْتِيَارِ (٣) لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
_________
(١) التسهيل لابن جزي ص ١٦٨، والكشاف ١ / ٣٢٢، وتفسير الرازي ١١ / ١٣٤.
(٢) تفسير الرازي ١١ / ١٣٤، وأحكام القرآن لابن العربي ٢ / ٥٣٩.
(٣) تبيين الحقائق ٥ / ١٨٥، والكافي لابن عبد البر ١ / ٤٣٩ - ط الرياض، وأحكام القرآن لابن العربي ١ / ٥٢، ولباب اللباب لابن راشد القفصي ص ٧٥، وبداية المجتهد ١ / ٤٤٠ و٤٦٥، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٣٩٦، والمبدع ٩ / ١٩٣، وكشاف القناع ٦ / ١٨٨، والمغني لابن قدامة ١٣ / ٣٣٠ (ط هجر) .
٠٠ ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِل بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) .
وَقَدْ عَبَّرَ الإِْمَامُ الرَّازِيُّ عَنْ حِكْمَةِ تَحْرِيمِ أَكْل الْمَيْتَةِ الَّتِي نَفَقَتْ حَتْفَ أَنْفِهَا بِقَوْلِهِ: وَاعْلَمْ أَنَّ تَحْرِيمَ الْمَيْتَةِ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْعُقُول، لأَِنَّ الدَّمَ جَوْهَرٌ لَطِيفٌ جِدًّا، فَإِذَا مَاتَ الْحَيَوَانُ حَتْفَ أَنْفِهِ احْتَبَسَ الدَّمُ فِي عُرُوقِهِ وَتَعَفَّنَ وَفَسَدَ، وَحَصَل مِنْ أَكْلِهِ مَضَارُّ عَظِيمَةٌ (٢) .
وَأَمَّا حِكْمَةُ تَحْرِيمِ أَكْل الْمَيْتَةِ الَّتِي قُتِلَتْ عَلَى هَيْئَةٍ غَيْرِ مَشْرُوعَةٍ (أَيْ بِدُونِ تَذْكِيَةٍ) فَقَدْ أَوْضَحَهَا الإُْمَامُ ابْنُ الْقُيِّمِ بِقَوْلِهِ: فَلأَِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ حَرَّمَ عَلَيْنَا الْخَبَائِثَ، وَالْخَبَثُ الْمُوجِبُ لِلتَّحْرِيمِ قَدْ يَظْهَرُ لَنَا وَقَدْ يَخْفَى، فَمَا كَانَ ظَاهِرًا لَمْ يَنْصِبْ عَلَيْهِ الشَّارِعُ عَلاَمَةً غَيْرَ وَصْفِهِ، وَمَا كَانَ خَفِيًّا نَصَبَ عَلَيْهِ عَلاَمَةً تَدُل عَلَى خَبَثِهِ.
فَاحْتِقَانُ الدَّمِ فِي الْمَيْتَةِ سَبَبٌ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا
_________
(١) سورة البقرة / ١٧٣.
(٢) تفسير الرازي ١١ / ١٣٢.
ذَبِيحَةُ الْمَجُوسِيِّ وَالْمُرْتَدِّ وَتَارِكِ التَّسْمِيَةِ وَمَنْ أَهَل بِذَبِيحَتِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَنَفْسُ ذَبِيحَةِ هَؤُلاَءِ أَكْسَبَتِ الْمَذْبُوحَ خَبَثًا أَوْجَبَ تَحْرِيمَهُ، وَلاَ يُنْكَرُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ اسْمِ الأَْوْثَانِ وَالْكَوَاكِبِ وَالْجِنِّ عَلَى الذَّبِيحَةِ يُكْسِبُهَا خَبَثًا، وَذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ وَحْدَهُ يُكْسِبُهَا طِيبًا إِلاَّ مَنْ قَل نَصِيبُهُ مِنْ حَقَائِقِ الْعِلْمِ وَالإِْيمَانِ وَذَوْقِ الشَّرِيعَةِ (١) .
١١ - وَأَمَّا فِي حَالَةِ الإِْلْجَاءِ وَالاِضْطِرَارِ، فَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى جَوَازِ أَكْل الْمَيْتَةِ عِنْدَئِذٍ، فَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى أَكْل الْمَيْتَةِ إِمَّا بِإِكْرَاهٍ مُلْجِئٍ مِنْ ظَالِمٍ أَوْ بِجُوعٍ فِي مَخْمَصَةٍ أَوْ بِفَقْرٍ لاَ يَجِدُ مَعَهُ غَيْرَ الْمَيْتَةِ، حَل لَهُ ذَلِكَ لِدَاعِي الضَّرُورَةِ (٢)، حَيْثُ جَاءَ فِي التَّنْزِيل بَعْدَ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣)، وَقَال سُبْحَانَهُ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤) .
قَال الزَّيْلَعِيُّ: فَظَهَرَ أَنَّ التَّحْرِيمَ مَخْصُوصٌ
_________
(١) إعلام الموقعين ٢ / ١٥٤.
(٢) أحكام القرآن للجصاص ١ / ١٥٦ - ١٥٩، ورد المحتار ٥ / ٢١٥، وأحكام القرآن لابن العربي ١ / ٥٥، والمغني لابن قدامة ١٣ / ٣٣٠.
(٣) سورة البقرة / ١٧٣.
(٤) سورة المائدة / ٣.
بِحَالَةِ الاِخْتِيَارِ، وَفِي حَالَةِ الاِضْطِرَارِ مُبَاحٌ (١)، لأَِنَّ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ (٢) .
١٢ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَدِّ الضَّرُورَةِ الْمُبِيحَةِ لأَِكْل الْمَيْتَةِ عَلَى أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْهَلاَكَ قَطْعًا أَوْ ظَنًّا، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ فِي الْمَشْهُورِ (٣) .
الثَّانِي: أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ مَوْتًا أَوْ مَرَضًا مَخُوفًا أَوْ زِيَادَتَهُ أَوْ طُول مُدَّتِهِ، أَوِ انْقِطَاعَهُ عَنْ رُفْقَتِهِ، أَوْ خَوْفَ ضَعْفٍ عَنْ مَشْيٍ أَوْ رُكُوبٍ، فَيُسَمَّى هَذَا الْخَائِفُ مُضْطَرًّا. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٤) .
الثَّالِثُ: خَوْفُ التَّلَفِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ بَعْضِ
_________
(١) تبيين الحقائق ٥ / ١٨٥.
(٢) المادة ٢١ من مجلة الأحكام العدلية، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٩٤، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٨٤، والمنثور في القواعد للزركشي ٢ / ٣١٧، وإيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك للونشريسي ص ٣٦٥.
(٣) الخرشي ٣ / ٢٨، وعقد الجواهر الثمينة ١ / ٦٠٣، والكافي لابن عبد البر ١ / ٤٣٩ - ط الرياض، والقوانين الفقهية ص ١٧٨، ولباب اللباب للقفصي ص ٧٥، وأحكام القرآن لابن العربي ١ / ٥٥، وبداية المجتهد ١ / ٤٧٦، والذخيرة للقرافي ٤ / ١٠٩.
(٤) مغني المحتاج ٤ / ٣٠٦، والمجموع للنووي ٩ / ٤٢، وتحفة المحتاج ٩ / ٣٩٠، وكشاف القناع ٦ / ١٩٤، وشرح المنتهى ٣ / ٤٠٠، وكفاية الأخيار ٢ / ١٤٤.
أَعْضَائِهِ بِتَرْكِهِ الأَْكْل، وَيَحْصُل ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ لاَ يَجِدُ فِيهِ غَيْرَ الْمَيْتَةِ، أَوْ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهَا مَوْجُودًا، وَلَكِنَّهُ أُكْرِهَ عَلَى أَكْلِهَا بِوَعِيدٍ يَخَافُ مِنْهُ تَلَفَ نَفْسِهِ أَوْ بَعْضَ أَعْضَائِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ (١) .
هَذَا فِي مَيْتَةِ غَيْرِ الآْدَمِيِّ، وَأَمَّا مَيْتَةُ الآْدَمِيِّ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا، وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (ضَرُورَةٌ ف ١٠) .
١٣ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ أَكْل الْمَيْتَةِ عِنْدَ الاِضْطِرَارِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: الْوُجُوبُ، فَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى أَكْل الْمَيْتَةِ، وَجَبَ عَلَيْهِ تَنَاوُلُهَا، فَإِنِ امْتَنَعَ مِنَ الأَْكْل وَصَبَرَ حَتَّى مَاتَ أَثِمَ، وَهُوَ قَوْل جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَقَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ عَلَى الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ (٢)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
_________
(١) أحكام القرآن للجصاص ١ / ١٥٩، وتبيين الحقائق ٥ / ١٨٥.
(٢) رد المحتار ٥ / ٢١٥، وتبيين الحقائق ٥ / ١٨٥، وأحكام القرآن للجصاص ١ / ١٥٧، وأحكام القرآن لابن العربي ١ / ٥٦، والتسهيل لابن جزي ص ٦٩، والمجموع للنووي ٩ / ٤٢، ومغني المحتاج ٤ / ٣٠٦، وكشاف القناع ٦ / ١٩٤، وشرح المنتهى ٣ / ٤٠٠، والمبدع ٩ / ٢٠٥، والمغني ١٣ / ٣٣١، وعدة الصابرين لابن القيم ص ٣٠، والذخيرة ٤ / ١١٠، والإنصاف ١٠ / ٣٧.