الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩
٠٠ ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١) حَيْثُ أَنَّ تَرْكَ الأَْكْل مَعَ إِمْكَانِهِ فِي هَذِهِ الْحَال إِلْقَاءٌ بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، وَلِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٢)، وَلأَِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِحْيَاءِ نَفْسِهِ بِمَا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ، فَلَزِمَهُ كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُ طَعَامٌ حَلاَلٌ (٣) .
الثَّانِي. الإِْبَاحَةُ، وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَسَحْنُونٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَأَبِي إِسَحَاقَ الشِّيرَازِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَوَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَعَلَى ذَلِكَ: فَلَوِ امْتَنَعَ الْمُضْطَرُّ عَنْ أَكْلِهَا حَتَّى مَاتَ، فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ (٤)، لأَِنَّ إِبَاحَةَ الأَْكْل رُخْصَةٌ، فَلاَ تَجِبُ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الرُّخَصِ. وَلأَِنَّ لَهُ غَرَضًا فِي اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ وَالأَْخْذِ بِالْعَزِيمَةِ، وَرُبَّمَا لَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِتَنَاوُل الْمَيْتَةِ، وَفَارَقَ الْحَلاَل فِي الأَْصْل مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ (٥) .
الثَّالِثُ: النَّدْبُ، وَهُوَ قَوْل بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ (٦) .
_________
(١) سورة البقرة / ١٩٥.
(٢) سورة النساء / ٢٩.
(٣) المغني ١٣ / ٣٣٢.
(٤) تبيين الحقائق ٥ / ١٨٥، والذخيرة ٤ / ١١٠، والمجموع شرح المهذب ٩ / ٤٠، والمغني ١٣ / ٣٣٢.
(٥) المغني ١٣ / ٣٣٢.
(٦) المبدع ٩ / ٢٠٥.
وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ (ضَرُورَةٌ ف ١٠، أَطْعِمَةٌ ف ٩٠) .
مِقْدَارُ مَا يُبَاحُ لِلْمُضْطَرِّ تَنَاوُلُهُ مِنَ الْمَيْتَةِ
١٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مِقْدَارِ مَا يُبَاحُ لِلْمُضْطَرِّ تَنَاوُلُهُ مِنَ الْمَيْتَةِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
الأَْوَّل: لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْظْهَرِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ حَبِيْبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمُضْطَرِّ أَنْ يَأْكُل مِنَ الْمَيْتَةِ إِلاَّ قَدْرَ مَا يَسُدُّ بِهِ رَمَقَهُ (١)، أَيْ: مَا يَحْفَظُ بِهِ حَيَاتَهُ، قَال الصَّاوِيُّ: الْمُرَادُ بِالرَّمَقِ: الْحَيَاةُ، وَسَدُّهَا: حِفْظُهَا (٢) .
لأَِنَّ مَا أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ يُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا (٣)، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْمَيْتَةَ، وَاسْتَثْنَى مَا اضْطُرَّ
_________
(١) الدر المختار مع رد المحتار ٥ / ٢١٥، وأحكام القرآن للجصاص ١ / ١٥٧، ١٦٠، وتفسير الرازي ٥ / ٢٤، والإشراف للقاضي عبد الوهاب ٢ / ٢٥٧، وأحكام القرآن لابن العربي ١ / ٥٥، ٥٦، وبداية المجتهد ١ / ٤٧٦، والمجموع ٩ / ٤٣، ومغني المحتاج ٤ / ٣٠٧، والمغني لابن قدامة ١٣ / ٣٣٠، وكشاف القناع ٦ / ١٩٤، وشرح المنتهى ٣ / ٤٠٠، والمبدع ٩ / ٢٠٦، وكفاية الأخيار ٢ / ١٤٣.
(٢) حاشية الصاوي على الشرح الصغير ٢ / ١٨٣.
(٣) الأشباه لابن نجيم ص ٩٥، المادة ٢٢، من مجلة الأحكام العدلية، والمنثور في القواعد ٢ / ٣٢٠، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٨٤.
إِلَيْهِ، فَإِذَا انْدَفَعَتِ الضَّرُورَةُ، عَادَتِ الْحُرْمَةُ كَحَالَةِ الاِبْتِدَاءِ (١) .
يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ بَعْدَ سَدِّ الرَّمَقِ غَيْرُ مُضْطَرٍّ، فَزَال الْحُكْمُ بِزَوَال عِلَّتِهِ، لأَِنَّ الْقَاعِدَةَ الْمُقَرَّرَةَ أَنَّ الْحُكْمَ يَدُورُ مَعَ الْعِلَّةِ وُجُودًا وَعَدَمًا (٢) .
الثَّانِي: لِلْمَالِكِيَّةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي قَوْلٍ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُضْطَرِّ أَنْ يَأْكُل مِنَ الْمَيْتَةِ حَتَّى يَشْبَعَ، لأَِنَّ الضَّرُورَةَ تَرْفَعُ التَّحْرِيمَ، فَتَعُودُ مُبَاحَةً كَسَائِرِ الأَْطْعِمَةِ (٣)، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا نَزَل الْحَرَّةَ، فَنَفَقَتْ عِنْدَهُ نَاقَةٌ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: اسْلُخْهَا حَتَّى نُقَدِّدَ شَحْمَهَا وَلَحْمَهَا وَنَأْكُلَهُ، فَقَال: حَتَّى أَسْأَل رَسُول اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ فَقَال: هَل عِنْدَكَ غِنًى يُغْنِيكَ؟ قَال: لاَ، قَال: فَكُلُوهَا (٤) .
_________
(١) شرح منتهى الإرادات ٣ / ٤٠٠.
(٢) كفاية الأخيار ٢ / ١٤٤.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ١ / ٥٥، عقد الجواهر الثمينة لابن شاس ١ / ٦٠٣، والذخيرة للقرافي ٤ / ١٠٩، والشرح الصغير للدردير ٢ / ١٨٤، والتسهيل لابن جزي ص ٦٩، ولباب اللباب للقفصي ص ٧٥، والقوانين الفقهية ص ١٧٨، والتفريع لابن الجلاب ١ / ٤٠٧، والكافي لابن عبد البر ١ / ٤٣٩، والخرشي ٣ / ٢٨، وبداية المجتهد ١ / ٤٦٦، والمجموع شرح المهذب ٩ / ٤٠، ٤٢، وكفاية الأخيار ٢ / ١٤٤، والمبدع ٩ / ٢٠٦، والمغني ١٣ / ٣٣١، وتفسير الرازي ٥ / ٢٤.
(٤) حديث جابر بن سمرة " أن رجلًا نزل الحرة. . . ". أخرجه أبو داود (٤ / ١٦٦ - ١٦٧ - ط حمص) وأحمد (٥ / ١٠٤ ط الميمنية)، وسكت عنه المنذري (٥ / ٣٢٦ ط دار المعرفة)، وقال الشوكاني في نيل الأوطار (٩ / ٣٠ ط دار الجيل): وليس في إسناده مطعن.
الثَّالِثُ: لِعُبَيْدِ الَّلهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ: وَهُوَ أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْكُل مِنْهَا مَا يَسُدُّ جُوعَهُ، وَذَلِكَ فَوْقَ قَدْرِ إِمْسَاكِ الرَّمَقِ (١) .
تَزَوُّدُ الْمُضْطَرِّ بِالْمَيْتَةِ:
١٥ - إِذَا خَشِيَ الْمُضْطَرُّ اسْتِمْرَارَ حَالَةِ الضَّرُورَةِ، فَهَل يَجُوزُ لَهُ التَّزَوُّدُ مِنَ الْمَيْتَةِ؟ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الأَْصَحِّ، وَهُوَ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ، فَإِنِ اسْتَغْنَى عَنْهَا طَرَحَهَا، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ لاَ ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي اسْتِصْحَابِهَا وَلاَ فِي إِعْدَادِهَا لِدَفْعِ ضَرُورَتِهِ وَقَضَاءِ حَاجَتِهِ، وَلاَ يَأْكُل مِنْهَا إِلاَّ عِنْدَ ضَرُورَتِهِ (٢) .
_________
(١) تفسير الرازي ٥ / ٢٤، وأحكام القرآن للجصاص ١ / ١٦٠.
(٢) الذخيرة للقرافي ٤ / ١٠٩، وعقد الجواهر الثمينة ١ / ٦٠٣، والشرح الصغير للدردير ٢ / ١٨٤، ولباب اللباب للقفصي ص ٧٥، والقوانين الفقهية ص ١٧٨، والكافي لابن عبد البر ١ / ٤٣٩، وبداية المجتهد ١ / ٤٧٦، والتفريع لابن الجلاب ١ / ٤٠٧، وكفاية الأخيار ٢ / ١٤٤، ومغني المحتاج ٤ / ٣٠٧، وقواعد الأحكام في مصالح الأنام ١ / ١٤٢، وكشاف القناع ٦ / ١٩٤، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٤٠٠، والمغني ١٣ / ٣٣٣، ومغني المحتاج ٤ / ٣٠٧.
وَالثَّانِي: لأَِحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَهُوَ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، لأَِنَّهُ تَوَسَّعَ فِيمَا لَمْ يُبَحْ إِلاَّ لِلضَّرُورَةٍ (١) .
حُكْمُ التَّدَاوِي بِالْمَيْتَةِ
١٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ التَّدَاوِي بِالْمَيْتَةِ إِذَا احْتِيجَ إِلَى تَنَاوُلِهَا لِلْعِلاَجِ، بِأَنْ عَلِمَ الْمُسْلِمُ أَنَّ فِيهَا شِفَاءً، وَلَمْ يَجِدْ دَوَاءً غَيْرَهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مُنْفَرِدَةً أَمْ مَخْلُوطَةً بِغَيْرِهَا فِي بَعْضِ الأَْدْوِيَةِ الْمُرَكَّبَةِ، وَذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الإِْبَاحَةُ، وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ (٢) لأَِنَّهُ ﷺ أَبَاحَ لِلْعُرَنِيِّينَ شُرْبَ أَبْوَال الإِْبِل وَأَلْبَانِهَا لِلتَّدَاوِي (٣)، قَال العز بن عبد السلام: لأَِنَّ مَصْلَحَةَ الْعَافِيَةِ وَالسَّلاَمَةِ أَكْمَل مِنْ مَصْلَحَةِ اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ (٤) .
_________
(١) المغني لابن قدامة ١٣ / ٣٣٣.
(٢) رد المحتار ٤ / ٢١٥، والبدائع ١ / ٦١، والمجموع للنووي ٩ / ٥٠، ونيل الأوطار ٨ / ٢٠٤.
(٣) حديث: " أنه ﷺ أباح للعُرنيين شرب أبوال الإبل. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ١٤٢ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٢٩٦ ط عيسى الحلبي) .
(٤) قواعد الأحكام ١ / ١٤٢، (ط دار الطباع بدمشق) .
وَالثَّانِي: عَدَمُ الْجَوَازِ. وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (١)، لِمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَل شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهَا. (٢)
قَال ابن القيم: وَالْمُعَالَجَةُ بِالْمُحَرَّمَاتِ قَبِيحَةٌ عَقْلًا وَشَرْعًا، أَمَّا الشَّرْعُ فَلِلْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَأَمَّا الْعَقْل، فَهُوَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا حَرَّمَهُ لِخُبْثِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَى هَذِهِ الأُْمَّةِ طَيِّبًا عُقُوبَةً لَهَا، كَمَا حَرَّمَهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ (٣)، وَإِنَّمَا حَرَّمَ عَلَى هَذِهِ الأُْمَّةِ مَا حَرَّمَ لِخَبَثِهِ، وَتَحْرِيمُهُ لَهُ حَمِيَّةً لَهُمْ، وَصِيَانَةً عَنْ تَنَاوُلِهِ، فَلاَ يُنَاسِبُ أَنْ يُطْلَبَ بِهِ الشِّفَاءُ مِنَ الأَْسْقَامِ وَالْعِلَل، فَإِنَّهُ وَإِنْ أَثَّرَ فِي إِزَالَتِهَا، لَكِنَّهُ يُعْقِبُ سُمًّا أَعْظَمَ مِنْهُ فِي الْقَلْبِ
_________
(١) التفريع لابن الجلاب ١ / ٤٠٨، والذخيرة للقرافي ٤ / ١١٢، وانظر بداية المجتهد ١ / ٤٧٦، وتفسير الرازي ٥ / ٢٥، والمغني ١٣ / ٣٤٣، ومجموع فتاوى ابن تيمية ٢١ / ٥٦٢ وما بعدها.
(٢) حديث: " إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها. . . ". أخرجه ابن حبان في صحيحه (٤ / ٢٣٣ ط الرسالة) وأبو يعلى في المسند (١٢ - ط دار المأمون)، من حديث أم سلمة ﵂، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥ / ٨٦ ط القدسي): رجاله رجال الصحيح خلا حسان بن مخارق، وقد وثقه ابن حبان.
(٣) سورة النساء / ١٦٠.
بِقُوَّةِ الْخُبْثِ الَّذِي فِيهِ، فَيَكُونُ الْمُدَاوَى بِهِ قَدْ سَعَى فِي إِزَالَةِ سَقَمِ الْبَدَنِ بِسَقَمِ الْقَلْبِ (١) .
نَجَاسَةُ الْمَيْتَةِ
١٧ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ الْمَيْتَةَ نَجِسَةُ الْعَيْنِ، وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ أَكْلَهَا بِقَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٢)، وَوَصَفَهَا بِالرِّجْسِ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُل لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (٣) وَالرِّجْسُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْقَذَرُ وَالنَّجَسُ، وَحَكَى الرَّازِيُّ الإِْجْمَاعَ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَيْتَةِ (٤)، هَذَا فِي مَيْتَةِ غَيْرِ الآْدَمِيِّ، أَمَّا مَيْتَةُ الآْدَمِيِّ فَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (نَجَاسَةٌ) .
نَجَاسَةُ إِنْفَحَةِ الْمَيْتَةِ
١٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْحُكْمِ بِنَجَاسَةِ إِنْفَحَةِ الْمَيْتَةِ مِنَ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُول اللَّحْمِ، حَيْثُ إِنَّهَا قَدْ تُسْتَعْمَل فِي صِنَاعَةِ الْجُبْنِ، وَذَلِكَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ
_________
(١) زاد المعاد ٤ / ١٥٦.
(٢) سورة المائدة / ٣.
(٣) سورة الأنعام / ١٤٥.
(٤) تفسير الفخر الرازي ٥ / ١٩.
وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ أَنَّهَا نَجِسَةٌ، وَالْجُبْنُ الْمَعْقُودُ بِهَا مُتَنَجِّسٌ، لاَ يَحِل أَكْلُهُ، لأَِنَّ تَحْرِيمَ الْمَيْتَةِ تَحْرِيمٌ لِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا، وَمِنْهَا الإِْنْفَحَةُ.
وَالثَّانِي: لأَِبِيْ يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ صَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ مَائِعَةً فَهِيَ نَجِسَةٌ لِنَجَاسَةِ وِعَائِهَا، وَإِنْ كَانَتْ صُلْبَةً يُغْسَل ظَاهِرُهَا وَتُؤْكَل.
وَالثَّالِثُ: لأَِبِيْ حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ رَجَّحَهَا ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَهُوَ أَنَّهَا طَاهِرَةٌ، لأَِنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ لَمَّا دَخَلُوا الْمَدَائِنَ أَكَلُوا الْجُبْنَ، وَهُوَ يُعْمَل بِالإِْنْفَحَةِ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنْ صِغَارِ الْمَعْزِ، وَذَبَائِحُهُمْ مَيْتَةٌ (١) .
نَجَاسَةُ لَبَنِ الْمَيْتَةِ:
١٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي نَجَاسَةِ اللَّبَنِ الْخَارِجِ مِنْ مَيْتَةِ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُول اللَّحْمِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لأَِبِيْ حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ
_________
(١) بدائع الصنائع ١ / ٦٣، ٥ / ٤٣، وتبيين الحقائق ١ / ٢٦، والبحر الرائق ١ / ١١٢، وتفسير الفخر الرازي ٥ / ١٩، وأحكام القرآن للجصاص ١ / ١٤٧، والخرشي ١ / ٨٥، ولباب اللباب ص ٧٥، ونهاية المحتاج ١ / ٢٢٧، وأحكام القرآن للكيا الهراس ١ / ٧٢، المغني لابن قدامة ١ / ١٠٠، والمبدع ٩ / ٢٠٩، ١ / ١٤٧، والفتاوى الكبرى لابن تيمية ١ / ٤٨٠، ومجموع فتاوى ابن تيمية ٢١ / ٥٣٢.
عَنْهُ، وَهُوَ أَنَّهُ طَاهِرٌ مَأْكُولٌ شَرْعًا (١)، وَدَلِيلُهُمْ قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَْنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ (٢)، حَيْثُ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَصَفَهُ بِكَوْنِهِ خَالِصًا، فَلاَ يَتَنَجَّسُ بِنَجَاسَةِ مَجْرَاهُ، وَوَصَفَهُ بِكَوْنِهِ سَائِغًا، وَهَذَا يَقْتَضِي الْحِل، وَامْتَنَّ عَلَيْنَا بِهِ، وَالْمِنَّةُ بِالْحَلاَل لاَ بِالْحَرَامِ.
وَالثَّانِي: لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالصَّاحِبَيْنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ أَنَّهُ نَجِسٌ، لاَ يَحِل تَنَاوُلُهُ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٣) حَيْثُ إِنَّ تَحْرِيمَ الْمَيْتَةِ تَحْرِيمٌ لِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا، وَمِنْهَا اللَّبَنُ، وَلأَِنَّهُ مَائِعٌ فِي وِعَاءٍ نَجِسٍ، فَتَنَجَّسَ بِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ حُلِبَ فِي إِنَاءٍ نَجِسٍ (٤) .
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ٤٣، وتبيين الحقائق ١ / ٢٦، أحكام القرآن للجصاص ١ / ١٤٧، وتفسير الرازي ٥ / ١٩، ومجموع فتاوى ابن تيمية ٢١ / ١٠٢.
(٢) سورة النحل / ٦٦.
(٣) سورة المائدة / ٣.
(٤) أحكام القرآن للجصاص ١ / ٨٥، والبدائع ٥ / ٤١ - ٤٣، وتفسير الرازي ٥ / ١٩، والتفريع ١ / ٤٠٨، والكافي لابن عبد البر ١ / ٤٣٩، والشرح الصغير ١ / ٥٠، والخرشي ١ / ٨٥، والمجموع ١ / ٢٤٤، ونهاية المحتاج ١ / ٢٢٧، وأحكام القرآن للكيا الهراس ١ / ٧٢، والمغني لابن قدامة ١ / ٧٤، ومجموع فتاوى ابن تيمية ٢١ / ١٠٢.
نَجَاسَةُ الْبَيْضِ الْخَارِجِ مِنَ الْمَيْتَةِ:
٢٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي نَجَاسَةِ الْبَيْضِ الْمُنْفَصِل عَنْ مَيْتَةِ مَأْكُول اللَّحْمِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: لِلْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَهُوَ أَنَّ الْبَيْضَةَ الَّتِي أُخْرِجَتْ مِنْ جَوْفِ مَيْتَةِ الدَّجَاجِ إِذَا صَلُبَتْ قِشْرَتُهَا فَهِيَ طَاهِرَةٌ، وَيَحِل أَكْلُهَا، لأَِنَّ الْقِشْرَةَ إِذَا صَلُبَتْ حَجَزَتْ بَيْنَ الْمَأْكُول وَبَيْنَ الْمَيْتَةِ، فَتَحِل.
أَمَّا قَبْل تَصَلُّبِ قِشْرَتِهَا فَهِيَ نَجِسَةٌ لاَ تُؤْكَل (١) .
وَلأَِنَّهَا لَيْسَتْ جُزْءًا مِنَ الْمَيْتَةِ وَإِنَّمَا هِيَ مُودَعَةٌ فِيهَا غَيْرُ مُتَّصِلَةٍ بِهَا فَأَشْبَهَتِ الْوَلَدَ إِذَا خَرَجَ حَيًّا مِنَ الْمَيْتَةِ، وَلأَِنَّهَا خَارِجَةٌ مِنْ حَيَوَانٍ يُخْلَقُ مِنْهَا مِثْل أَصْلِهَا، فَأَشْبَهَتِ الْوَلَدَ الْحَيَّ، وَلاَ خِلاَفَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي أَنَّ ظَاهِرَ هَذِهِ الْبَيْضَةِ نَجِسٌ (٢) .
وَالثَّانِي: لِلْحَنَفِيَّةِ وَوَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ أَنَّهَا طَاهِرَةٌ يَجُوزُ أَكْلُهَا مُطْلَقًا، سَوَاءٌ اشْتَدَّ قِشْرُهَا أَوْ لَمْ يَشْتَدَّ (٣) .
وَالثَّالِثُ: لِلْمَالِكِيَّةِ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَوَجْهٌ
_________
(١) تفسير الرازي ٥ / ١٩، والمجموع ١ / ٢٤٤، والمغني ١ / ٧٥.
(٢) المجموع ١ / ٢٤٤، والمغني ١ / ١٠١.
(٣) أحكام القرآن للجصاص ١ / ١٢٠، ١٤٩، والبدائع ٥ / ٤٣، وتبيين الحقائق ١ / ٢٦، والمجموع ١ / ٢٤٤.