الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩ الصفحة 67

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩

عِنْدَهُمْ: لِلْمَالِكِ أَنْ يُجِيزَ وَيَأْخُذَ الْحَاصِل مِنْ أَثْمَانِهَا (١) .

١٦ - وَتَنْحَصِرُ التَّصَرُّفَاتُ الْمَوْقُوفَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي سِتَّةِ أَنْوَاعٍ:

وَضَبَطَ الإِْمَامُ الْوَقْفَ الْبَاطِل فِي الْعُقُودِ بِتَوَقُّفِ الْعَقْدِ عَلَى وُجُودِ شَرْطٍ قَدْ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ، كَبَيْعِ الْفُضُولِيِّ.

وَهَذِهِ الأَْنْوَاعُ السِّتَّةُ هِيَ:

الأَْوَّل: مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى حُصُول شَرْطٍ بَعْدَهُ فَهُوَ بَاطِلٌ فِي الْقَوْل الْجَدِيدِ لِلإِْمَامِ الشَّافِعِيِّ لأَِنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ.

الثَّانِي: مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَبْيِينٍ وَانْكِشَافٍ سَابِقٍ عَلَى الْعَقْدِ فَهُوَ صَحِيحٌ كَبَيْعِ مَال أَبِيهِ ظَانًّا حَيَاتَهُ.

وَأَلْحَقَ بِهِ الرَّافِعِيُّ: مَا إِذَا بَاعَ الْعَبْدَ عَلَى ظَنٍّ أَنَّهُ آبِقٌ أَوْ مُكَاتَبٌ وَكَانَ قَدْ عَجَّزَ نَفْسَهُ، أَوْ فَسَخَ الْكِتَابَةَ، وَكَذَلِكَ لَوِ اشْتَرَى لِغَيْرِهِ عَلَى ظَنٍّ أَنَّهُ فُضُولِيٌّ فَبَانَ أَنَّهُ قَدْ وَكَّلَهُ فِي ذَلِكَ يَصِحُّ فِي الأَْصَحِّ، بِنَاءً عَلَى الْقَوْل: أَنَّ الْوَكَالَةَ لاَ تَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبُول وَأَنَّهُ يَكُونُ وَكِيلًا قَبْل بُلُوغِ الْخَبَرِ إِلَيْهِ.

_________

(١) المنثور للزركشي ٣ / ٣٤٠ - ٣٤١، ومغني المحتاج ٢ / ١٥.

الثَّالِثُ: مَا تَوَقَّفَ عَلَى انْقِطَاعِ تَعَدِّي فَقَوْلاَنِ: الأَْصَحُّ الإِْبْطَال كَبَيْعِ الْمُفْلِسِ مَالَهُ ثُمَّ يُفَكُّ الْحَجْرُ عَنْهُ وَهُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ.

وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى الْفَكِّ إِنْ وُجِدَ نَفَذَ وَإِلاَّ فَلاَ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْل: فَهُوَ وَقْفُ تَبْيِينٍ.

وَالرَّابِعُ: مَا تَوَقَّفَ عَلَى ارْتِفَاعِ حَجْرٍ حُكْمِيٍّ خَاصٍّ كَأَنْ يُقِيمَ الْعَبْدُ شَاهِدَيْنِ عَلَى عِتْقِهِ وَلَمْ يُعَدَّلاَ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَحْجُرُ عَلَى السَّيِّدِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ إِلَى التَّعْدِيل، فَلَوْ بَاعَهُ السَّيِّدُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ثُمَّ تَبَيَّنَ عَدَمُ عَدَالَتِهِمْ فَعَلَى قَوْل الْوَقْفِ فِي صُورَةِ الْمُفْلِسِ كَمَا سَبَقَ، بَل أَوْلَى لأَِنَّهَا أَخَصُّ مِنْهَا لِوُجُودِ الْحَجْرِ هُنَا عَلَى الْعَيْنِ خَاصَّةً، وَهُنَاكَ عَلَى الْعُمُومِ.

الْخَامِسُ: مَا تَوَقَّفَ لأَِجْل حَجْرٍ شَرْعِيٍّ مِنْ غَيْرِ الْحَاكِمِ وَفِيهِ صُورَتَانِ:

إِحْدَاهُمَا: تَصَرُّفُ الْمَرِيضِ بِالْمُحَابَاةِ فِيمَا يَزِيدُ عَلَى قَدْرِ الثُّلُثِ فِيهَا، وَفِيهَا قَوْلاَنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا بَاطِلَةٌ وَأَصَحُّهُمَا أَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ أَجَازَهَا الْوَارِثُ صَحَّتْ وَإِلاَّ بَطَلَتْ.

ثَانِيَتُهَا: إِذَا أَوْصَى بِعَيْنٍ حَاضِرَةٍ هِيَ ثُلُثُ مَالِهِ وَبَاقِي الْمَال غَائِبٌ فَتَصَرَّفَ الْوَرَثَةُ فِي

ثُلُثَيِ الْحَاضِرِ ثُمَّ بَانَ تَلَفُ الْغَائِبِ فَأَلْحَقهَا الرَّافِعِيُّ بِبَيْعِ الْفُضُولِيِّ، وَخَالَفَهُ النَّوَوِيُّ فَأَلْحَقَهَا بِبَيْعِ مَال مُوَرِّثِهِ يَظُنُّ حَيَاتَهُ، وَقَال الزَّرْكَشِيُّ: وَهَذَا أَشْبَهُ، لأَِنَّ التَّصَرُّفَ هُنَا صَادَفَ مِلْكَهُ فَهِيَ بِبَيْعِ الاِبْنِ أَشْبَهُ مِنْهُ بِالْفُضُولِيِّ.

السَّادِسُ: مَا تَوَقَّفَ لأَِجْل حَجْرٍ وَضْعِيٍّ أَيْ بِاخْتِيَارِ الْمُكَلَّفِ كَالرَّاهِنِ يَبِيعُ الْمَرْهُونَ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمُرْتَهِنِ فَهُوَ بَاطِلٌ عَلَى الْجَدِيدِ، وَعَلَى الْقَدِيمِ الَّذِي يُجِيزُ وَقْفَ التَّصَرُّفَاتِ يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى الاِنْفِكَاكِ وَعَدَمِهِ، وَأَلْحَقَهُ الإِْمَامُ بِبَيْعِ الْمُفْلِسِ مَالَهُ.

هَذَا وَأَنَّ الْوَقْفَ الْمُمْتَنِعَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِنَّمَا هُوَ فِي الاِبْتِدَاءِ دُونَ الاِسْتِدَامَةِ، لِهَذَا قَالُوا: لَوِ ارْتَدَّتِ الْمَرْأَةُ كَانَ اسْتِدَامَةُ النِّكَاحِ مَوْقُوفًا، فَإِنْ أَسْلَمَتْ فِي الْعِدَّةِ دَامَ النِّكَاحُ، وَإِلاَّ بَانَتْ، وَلاَ يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِ مُرْتَدَّةٍ

وَقَدْ يَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَبْقَى الْمِلْكُ مَوْقُوفًا فِي مِلْكِ الْمَبِيعِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ إِذَا كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا عَلَى الأَْصَحِّ.

وَمِلْكُ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْل الْقَبُول الأَْصَحُّ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، إِنْ قَبِل تَبَيَّنَّا أَنَّهُ مَلَكَ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ، وَإِلاَّ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ عَلَى مِلْكِ الْوَارِثِ.

وَكَذَلِكَ مِلْكُ الْمُرْتَدِّ مَالَهُ، فَإِنْ تَابَ تَبَيَّنَ أَنَّ مِلْكَهُ لَمْ يَزُل وَإِنْ قُتِل حَدًّا أَوْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ تَبَيَّنَّا أَنَّ مِلْكَهُ زَال مِنْ حِينِ الاِرْتِدَادِ (١) .

ثَالِثًا - الْمَوْقُوفُ مِنَ الأَْحَادِيثِ

١٧ - وَهُوَ مَا يُرْوَى عَنِ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنْ أَقْوَالِهِمْ أَوْ أَفْعَالِهِمْ وَنَحْوِهَا فَيُوقَفُ عَلَيْهِمْ وَلاَ يُتَجَاوَزُ بِهِ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ.

ثُمَّ إِنَّ مِنْهُ مَا يَتَّصِل الإِْسْنَادُ فِيهِ إِلَى الصَّحَابِيِّ فَيَكُونُ مِنَ الْمَوْقُوفِ الْمَوْصُول، وَمِنْهُ مَا لاَ يَتَّصِل إِسْنَادُهُ فَيَكُونُ مِنَ الْمَوْقُوفِ غَيْرِ الْمَوْصُول عَلَى حَسَبِ مَا عُرِفَ مِثْلُهُ فِي الْمَرْفُوعِ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ (٢) .

وَالتَّفْصِيل فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

_________

(١) المنثور للزركشي ٣ / ٣٣٩ وما بعدها.

(٢) مقدمة ابن الصلاح ص ٤١ - ٤٢.

مَوْلَى الْعَتَاقَةِ

التَّعْرِيفُ:

١ - مَوْلَى الْعَتَاقَةِ مُرَكَّبٌ مِنْ لَفْظَيْنِ: مَوْلًى، وَالْعَتَاقَةُ.

وَالْمَوْلَى: يُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى مَعَانٍ: يُطْلَقُ عَلَى ابْنِ الْعَمِّ، وَعَلَى الْعَصَبَةِ عَامَّةً، وَالْحَلِيفِ: وَهُوَ مَوْلَى الْمُوَالاَةِ، وَعَلَى مَوْلَى الْعَتَاقَةِ، وَعَلَى الْعَتِيقِ، وَعَلَى مَنْ أَسْلَمَ بِيَدِهِ شَخْصٌ (١) .

أَمَّا الْعَتَاقَةُ لُغَةً: فَهِيَ مِنْ عَتَقَ الْعَبْدُ عَتَاقَةً، مِنْ بَابِ ضَرَبَ: خَرَجَ مِنَ الْمَمْلُوكِيَّةِ (٢) .

وَمَوْلَى الْعَتَاقَةِ فِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ الْمُعْتِقُ، وَهُوَ مَنْ لَهُ وَلاَءُ الْعَتَاقَةِ، وَيُطْلَقُ عَلَى مَنْ عَتَقَ عَلَيْهِ رَقِيقٌ أَوْ مُبَعَّضٌ، بِإِعْتَاقٍ مُنَجَّزٍ اسْتِقْلاَلًا، أَوْ بِعِوَضٍ كَبَيْعِ الْعَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ، أَوْ ضِمْنًا كَقَوْلِهِ لِغَيْرِهِ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي فَأَجَابَهُ، أَوْ كِتَابَةً مِنْهُ وَتَدْبِيرًا وَاسْتِيلاَدًا

_________

(١) المصباح المنير، وقواعد الفقه للبركتي.

(٢) المصباح المنير، وقواعد الفقه للبركتي.

أَوْ قَرَابَةً كَأَنْ يَمْلِكَ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ مِنْ أَقَارِبِهِ بِإِرْثٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ.

وَوَلاَءُ الْعَتَاقَةِ يُسَمَّى أَيْضًا وَلاَءَ نِعْمَةٍ، لأَِنَّ الْمُعْتِقَ أَنْعَمَ عَلَى الْمُعْتَقِ حَيْثُ أَحْيَاهُ حُكْمًا.

قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَقُول لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾، أَيْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْهُدَى، وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ بِالإِْعْتَاقِ (١) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

مَوْلَى الْمُوَالاَةِ:

٢ - مَوْلَى الْمُوَالاَةِ هُوَ شَخْصٌ مَجْهُول النَّسَبِ آخَى مَعْرُوفَ النَّسَبِ وَوَالاَهُ، فَقَال: إِنْ جَنَتْ يَدِيَّ جِنَايَةً تَجِبُ دِيَتُهَا عَلَى عَاقِلَتِك، وَإِنْ حَصَل لِي مَالٌ فَهُوَ لَك بَعْدَ مَوْتِي.

وَيُسَمَّى هَذَا الْعَقْدُ: مُوَالاَةً، وَالشَّخْصُ الْمَعْرُوفُ النَّسَبِ: مَوْلَى الْمُوَالاَةِ (٢) .

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِمَوْلَى الْعَتَاقَةِ:

ثُبُوتُ الْوَلاَءِ بِالْعِتْقِ

٣ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ أَهْل الْعِلْمِ فِي أَنَّ مَنْ عَتَقَ عَلَيْهِ رَقِيقٌ بِإِعْتَاقٍ مُنَجَّرٍ، إِمَّا اسْتِقْلاَلًا

_________

(١) مغني المحتاج ٤ / ٥٠٦، وتبيين الحقائق ٥ / ١٧٥، وبدائع الصنائع ٤ / ١٦٠، وكشاف القناع ٤ / ٤٩٨.

(٢) المصباح المنير، وقواعد الفقه للبركتي.

أَوْ بِعِوَضٍ كَبَيْعِ الْعَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ، أَوْ بِفَرْعٍ مِنَ الإِْعْتَاقِ كَكِتَابَةٍ، وَتَدْبِيرٍ وَاسْتِيلاَدٍ، أَوْ بِمِلْكِ قَرِيبٍ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، فَلَهُ وَلاَؤُهُ، وَيُسَمَّى مَوْلَى الْعَتَاقَةِ.

وَإِنْ أَعْتَقَهُ عَنْ وَاجِبٍ عَلَيْهِ كَكَفَّارَةٍ عَنْ قَتْلٍ، أَوْ ظِهَارٍ، أَوْ إِفْطَارٍ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ، أَوْ بِغَيْرِهِ عَلَى اخْتِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ، أَوْ عَنْ إِيلاَءٍ، أَوْ كَفَّارَةِ يَمِينٍ أَوْ عَنْ نَذْرٍ، فَلَهُ وَلاَؤُهُ أَيْضًا (١) . لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ (٢) وَقَوْلِهِ ﵊ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ ﵊: الْوَلاَءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ (٣) وَعَنِ الْحَسَنِ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: الْمِيرَاثُ لِلْعَصَبَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَبَةٌ فَالْوَلاَءُ (٤) وَوَرَدَ: أَنَّ رَجُلًا مَاتَ عَلَى عَهْدِ

_________

(١) بدائع الصنائع ٤ / ١٦٠، وتبيين الحقائق ٥ / ١٧٥، ومغني المحتاج ٤ / ٥٠٦، وكشاف القناع ٤ / ٤٩٨.

(٢) حديث: " الولاء لمن أعتق ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ١٨٥ - ط السلفية)، ومسلم (٢ / ١١٤١ ط عيسى الحلبي) من حديث عائشة ﵂.

(٣) حديث: " الولاء لحمة كلحمة النسب ". أخرجه الحاكم (٤ / ٣٤١) والبيهقي في السنن الكبرى (١٠ / ٢٩٢) من حديث ابن عمر ﵄، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

(٤) حديث: " الميراث للعصبة. . . ". أخرجه سعيد بن منصور في السنن (١ / ٧٥ - ط علمي برس) من حديث الحسن مرسلًا.

رَسُول اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا إِلاَّ عَبْدًا هُوَ أَعْتَقَهُ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ مِيرَاثَهُ (١) . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَوْلَى الْعَتَاقَةِ يَرِثُ عَتِيْقَهُ، إِنْ مَاتَ وَلَمْ يُخَلِّفْ وَارِثًا سِوَاهُ.

تَرْتِيبُ مَوْلَى الْعَتَاقَةِ فِي الإِْرْثِ

٤ - مَوْلَى الْعَتَاقَةِ مُقَدَّمٌ فِي التَّوْرِيثِ عَلَى ذَوِي الأَْرْحَامِ، وَمُقَدَّمٌ عَلَى الرَّدِّ عَلَى أَصْحَابِ الْفُرُوضِ، إِذَا بَقِيَ بَعْدَ الْفُرُوضِ شَيْءٌ مِنَ التَّرِكَةِ وَلَمْ تُوجَدْ عَصَبَةُ النَّسَبِ عِنْدَ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَمُؤَخَّرٌ عَنِ الْعَصَبَةِ النَّسَبِيَّةِ (٢) .

فَإِذَا مَاتَ رَجُلٌ وَخَلَّفَ بِنْتَهُ وَمَوْلاَهُ: فَلِبِنْتِهِ النِّصْفُ، وَالْبَاقِي لِمَوْلاَهُ، وَإِنْ خَلَّفَ ذَا رَحِمٍ وَمَوْلاَهُ: فَالْمَال لِمَوْلاَهُ دُونَ ذِي رَحِمِهِ.

وَعَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵄: يُقَدَّمُ الرَّدُّ عَلَى مَوْلَى الْعَتَاقَةِ، وَعَنْهُمَا وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵃: تَقْدِيمُ ذَوِي الأَْرْحَامِ عَلَى مَوْلَى الْعَتَاقَةِ، قَال ابن قُدَامَةَ: وَلَعَلَّهُمْ

_________

(١) حديث: " أن رجلًا مات على عهد رسول الله ﷺ. . . ". أخرجه الترمذي (٤ / ٤٢٣) من حديث ابن عباس ﵄، وقال: حديث حسن.

(٢) بدائع الصنائع ٤ / ١٥٩، وتبيين الحقائق ٥ / ١٧٥، ٦ / ٢٣٨، ٢٤٦، والدسوقي ٤ / ٤٦٧، ٤١٦، ومغني المحتاج ٤ / ٥٠٦، ٣ / ٤، ٢٠، والمغني لابن قدامة ٦ / ٣٤٨ - ٣٤٩.

يَحْتَجُّونَ بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الأَْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ .

وَإِنْ كَانَ لِلْمُعْتِقِ عَصَبَةٌ مِنْ نَسَبِهِ، أَوْ ذُو فَرْضٍ يَسْتَغْرِقُ التَّرِكَةَ، فَلاَ شَيْءَ لِلْمَوْلَى.

قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلاَفًا لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَلأَِوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ (١) .

وَالْعَصَبَةُ مِنَ الْقَرَابَةِ أَوْلَى مِنْ مَوْلَى الْعَتَاقَةِ، لأَِنَّهُ مُشَبَّهٌ بِالْقَرَابَةِ، وَالْمُشَبَّهُ بِهِ أَقْوَى مِنَ الْمُشَبَّهِ، وَلأَِنَّ النَّسَبَ أَقْوَى مِنَ الْوَلاَءِ بِدَلِيل أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ وَالنَّفَقَةُ وَسُقُوطُ الْقِصَاصِ وَرَدُّ الشَّهَادَةِ، وَلاَ يَتَعَلَّقُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِالْوَلاَءِ (٢) .

وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (إِرْثٌ ف ٦٣ وَمَا بَعْدَهَا) .

ثُبُوتُ الْوَلاَءِ لِلْكَافِرِ

٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْوَلاَءَ يَثْبُتُ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ كَعَكْسِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَوَارَثَا.

_________

(١) حديث: " ألحقوا الفرائض بأهلها. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ١١ ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١٢٣٣ ط الحلبي) من حديث ابن عباس.

(٢) بدائع الصنائع ٤ / ١٥٩، وتبيين الحقائق ٥ / ١٧٥، ٦ / ٢٣٨، ٢٤٦، والدسوقي ٤ / ٤١٦، ٤٦٧، ومغني المحتاج ٣ / ٤، ٢٠، ٤ / ٥٠٦، والمغني لابن قدامة ٦ / ٣٤٨ - ٣٤٩.

وَاسْتَدَلُّوا عَلَى عَدَمِ التَّوَارُثِ فِي حَالَةِ اخْتِلاَفِ دِينِهِمَا بِحَدِيثِ: لاَ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلاَ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ (١)، وَلأَِنَّهُ مِيرَاثٌ فَيَمْنَعُهُ اخْتِلاَفُ الدِّينِ كَمِيرَاثِ النَّسَبِ، وَلأَِنَّ اخْتِلاَفَ الدِّينِ مَانِعٌ مِنَ الْمِيرَاثِ بِالنَّسَبِ فَمَنَعَ الْمِيرَاثَ بِالْوَلاَءِ كَالْقَتْل وَالرِّقِّ، يُحَقِّقُهُ: أَنَّ الْمِيرَاثَ بِالنَّسَبِ أَقْوَى، فَإِذَا مَنَعَ الأَْقْوَى فَالأَْضْعَفُ أَوْلَى، وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَلْحَقَ الْوَلاَءَ بِالنَّسَبِ بِقَوْلِهِ: الْوَلاَءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ (٢) فَكَمَا يَمْنَعُ اخْتِلاَفُ الدِّينِ التَّوَارُثَ مَعَ صِحَّةِ النَّسَبِ وَثُبُوتِهِ كَذَلِكَ يَمْنَعُهُ مَعَ صِحَّةِ الْوَلاَءِ وَثُبُوتِهِ، فَإِذَا اجْتَمَعَا عَلَى الإِْسْلاَمِ تَوَارَثَا كَالْمُتَنَاسِبَينِ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَعْتَقَ الْكَافِرُ مُسْلِمًا - سَوَاءٌ مَلَكَهُ مُسْلِمًا أَوْ أَسْلَمَ عِنْدَهُ - أَوْ أَعْتَقَ عَنْهُ فَلاَ وَلاَءَ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ، بَل وَلاَؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلاَ يَعُودُ لَهُ إِنْ أَسْلَمَ عَلَى الْمَذْهَبِ.

وَإِنْ أَعْتَقَ الْمُسْلِمُ كَافِرًا فَمَالُهُ لِبَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِ قَرَابَةٌ عَلَى دِينِهِ،

_________

(١) حديث: " لا يرث المسلم الكافر. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ٥٠ ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٢٣٣ ط عيسى الحلبي) .

(٢) حديث: " الولاء لحمة كلحمة النسب ". سبق تخريجه ف ٣.