الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩
كَالْوَصْفِ التَّابِعِ لِلْمَوْقُوفِ (١) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يَصِيرُ الْبَدَل وَقْفًا بِلاَ حَاجَةٍ إِلَى إِنْشَاءِ وَقْفٍ جَدِيدٍ.
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَصِيرُ وَقْفًا إِذَا أَمْكَنَ وَإِلاَّ تَصَدَّقَ بِالثَّمَنِ (٢) .
هـ - الْجِنَايَةُ عَلَى الْعَبْدِ الْمَوْقُوفِ وَجِنَايَتُهُ
٨ - إِنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ قِنًّا وَكَانَ قَتْلُهُ عَمْدًا فَلَيْسَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ عَفْوٌ مَجَّانًا وَلاَ قَوَدٌ، لأَِنَّهُ لاَ يَخْتَصُّ بِالْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، بَل هُوَ كَعَبْدٍ مُشْتَرَكٍ، فَيُشْتَرَى بِقِيمَتِهِ بَدَلُهُ: أَيْ مِثْلُهُ.
وَاعْتِبَارُ الْمِثْلِيَّةِ فِي الْبَدَل الْمُشْتَرَى مَعْنَاهُ: وُجُوبُ الذَّكَرِ فِي الذَّكَرِ، وَالأُْنْثَى فِي الأُْنْثَى، وَالْكَبِيرِ فِي الْكَبِيرِ، وَسَائِرِ الأَْوْصَافِ الَّتِي تَتَفَاوَتُ الأَْعْيَانُ بِتَفَاوُتِهَا، وَلاَ سِيَّمَا الصِّنَاعِيَةُ الْمَقْصُودَةُ فِي الْوَقْفِ، لأَِنَّ الْغَرَضَ جُبْرَانُ مَا فَاتَ وَلاَ يَحْصُل بِدُونِ ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ قَطْعَ بَعْضِ أَطْرَافِهِ عَمْدًا فَلِلْقِنِّ الْمَوْقُوفِ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ لأَِنَّهُ حَقُّهُ لاَ يُشْرِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ.
_________
(١) مغني المحتاج ٢ / ٣٩١، ونهاية المحتاج ٥ / ٣٨٩، وكشاف القناع ٤ / ٢٥٦ - ٢٥٧.
(٢) الدسوقي ٤ / ٩٠ - ٩١، وكشاف القناع ٤ / ٢٥٧.
وَإِنْ عَفَا الْقِنُّ الْمَوْقُوفُ عَنِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ أَوْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ لاَ تُوجِبُ الْقِصَاصَ لِعَدَمِ الْمُكَافَأَةِ أَوْ لِكَوْنِهَا خَطَأً وَجَبَ نِصْفُ قِيمَتِهِ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْجِنَايَةُ قَطْعَ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ مِمَّا فِيهِ نِصْفُ دِيَةٍ فِي الْحُرِّ وَإِلاَّ فَبِحِسَابِهِ وَيُشْتَرَى بِالأَْرْشِ مِثْلُهُ أَوْ شِقْصُ بَدَلِهِ.
وَإِنْ جَنَى الْعَبْدُ الْمَوْقُوفُ خَطَأً فَالأَْرْشُ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِرَقَبَتِهِ، لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ كَأُمِّ الْوَلَدِ.
وَلَمْ يَلْزَمِ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ فَيَجِبُ أَقَل الأَْمْرَيْنِ مِنَ الْقِيمَةِ أَوْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ (١) .
٩ - وَإِنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَالْمَسَاكِينِ وَجَنَى فَأَرْشُ الْجِنَايَةِ فِي كَسْبِهِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ لَهُ مُسْتَحِقٌّ مُعَيَّنٌ يُمْكِنُ إِيجَابُ الأَْرْشِ عَلَيْهِ، وَلاَ يُمْكِنُ تَعَلُّقُهَا بِرَقَبَتِهِ فَتَعَيَّنَ فِي كَسْبِهِ.
وَإِنْ جَنَى الْمَوْقُوفُ جِنَايَةً تُوجِبُ الْقِصَاصَ وَجَبَ الْقِصَاصُ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ .
_________
(١) كشاف القناع ٤ / ٢٥٧، والمغني ٥ / ٦٣٦ - ٦٣٧، ونهاية المحتاج ٥ / ٣٩٠.
فَإِنْ قُتِل قِصَاصًا بَطَل الْوَقْفُ كَمَا لَوْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ، وَإِنْ قُطِعَ كَانَ بَاقِيهِ وَقْفًا (١) .
و عَطَبُ الْمَوْقُوفِ بِسَبَبٍ غَيْرِ مَضْمُونٍ
١٠ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا تَعَطَّلَتْ مَنْفَعَةُ الْمَوْقُوفِ، كَأَنْ جَفَّتِ الشَّجَرَةُ أَوْ قَلَعَهَا رِيحٌ أَوْ سَيْلٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ وَلَمْ يُمْكِنْ إِعَادَتُهَا إِلَى مَغْرَزِهَا قَبْل جَفَافِهَا لَمْ يَنْقَطِعِ الْوَقْفُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَإِنِ امْتَنَعَ وَقْفُهَا ابْتِدَاءً لَقُوَّةِ الدَّوَامِ (٢) بَل يُنْتَفَعُ بِهَا جِذْعًا بِإِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا إِدَامَةً لِلْوَقْفِ فِي عَيْنِهَا، وَلاَ تُبَاعُ وَلاَ تُوهَبُ، وَقِيل: تُبَاعُ لِتَعَذُّرِ الاِنْتِفَاعِ كَمَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ، وَالثَّمَنُ عَلَى هَذَا الْقَوْل حُكْمُهُ كَقِيمَةِ الْمُتْلَفِ (٣) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَصِحُّ بَيْعُ شَجَرَةٍ مَوْقُوفَةٍ يَبِسَتْ وَبَيْعُ جِذْعٍ مَوْقُوفٍ إِنِ انْكَسَرَ أَوْ بَلِيَ أَوْ خِيفَ الْكَسْرُ أَوِ الْهَدْمُ، وَقَال الْبُهُوتِيُّ نَقْلًا عَنْ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ: إِذَا أَشْرَفَ الْجِذْعُ الْمَوْقُوفُ عَلَى الاِنْكِسَارِ أَوْ دَارُهُ عَلَى الاِنْهِدَامِ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَوْ أُخِّرَ لَخَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مُنْتَفَعًا بِهِ فَإِنَّهُ يُبَاعُ رِعَايَةً لِلْمَالِيَّةِ، أَوْ يُنْقَضُ تَحْصِيلًا لِلْمَصْلَحَةِ.
_________
(١) المغني ٥ / ٦٣٦، وكشاف القناع ٤ / ٢٥٦ - ٢٥٧.
(٢) مغني المحتاج ٢ / ٣٩١، ونهاية المحتاج ٥ / ٣٨٩.
(٣) مغني المحتاج ٢ / ٣٩١ - ٣٩٢.
وَالْمَدَارِسُ وَالرُّبُطُ وَالْخَانَاتُ الْمُسَبَّلَةُ وَنَحْوُهَا جَازَ بَيْعُهَا عِنْدَ خَرَابِهَا، وَيَصِحُّ بَيْعُ مَا فَضَل مِنْ نِجَارَةِ خَشَبِ الْمَوْقُوفِ وَنُحَاتَتِهِ وَإِنْ شَرَطَ الْوَاقِفُ عَدَمَ الْبَيْعِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لأَِنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ (١)، لِخَبَرِ: مَا بَال أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ (٢) .
وَإِنْ بِيعَ الْمَوْقُوفُ يُصْرَفُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ أَوْ بَعْضِ مِثْلِهِ إِنْ لَمْ يُمْكِنْ فِي مِثْلِهِ، لأَِنَّ فِي إِقَامَةِ الْبَدَل مَقَامَهُ تَأْبِيدًا لَهُ وَتَحْقِيقًا لِلْمَقْصُودِ فَتَعَيَّنَ وُجُوبُهُ، وَيُصْرَفُ فِي جِهَتِهِ وَهِيَ مَصْرِفُهُ، لاِمْتِنَاعِ تَغْيِيرِ الْمَصْرِفِ مَعَ إِمْكَانِ مُرَاعَاتِهِ.
وَإِنْ تَعَطَّلَتِ الْجِهَةُ الَّتِي عَيَّنَهَا الْوَاقِفُ صُرِفَ فِي جِهَةٍ مِثْلِهَا، فَإِذَا وَقَفَ عَلَى الْغُزَاةِ فِي مَكَانٍ فَتَعَطَّل الْغَزْوُ فِيهِ، صُرِفَ الْبَدَل إِلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الْغُزَاةِ فِي مَكَانٍ آخَرَ تَحْصِيلًا لِغَرَضِ الْوَاقِفِ فِي الْجُمْلَةِ حَسْبَ الإِْمْكَانِ (٣) .
_________
(١) كشاف القناع ٤ / ٢٩٣.
(٢) حديث: " ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٣٥٣ ط السلفية)، ومسلم (٢ / ١١٤٣ ط عيسى الحلبي) من حديث عائشة ﵂.
(٣) كشاف القناع ٤ / ٢٩٣.
ز - عِمَارَةُ الْمَوْقُوفِ
١١ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ عِمَارَةُ الْمَوْقُوفِ حَتَّى لاَ يَضِيعَ الْوَقْفُ وَتَتَعَطَّل أَغْرَاضُهُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْجِهَةِ الَّتِي يُنْفَقُ مِنْهَا عَلَى الْعِمَارَةِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ إِلَى أَنَّ الْعِمَارَةَ تَكُونُ مِنْ غَلَّةِ الْمَوْقُوفِ، سَوَاءٌ شَرَطَ الْوَاقِفُ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَشْرِطْ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَتْبَعُ شَرْطَ الْوَاقِفِ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (وَقْفٌ) .
ج - نَقْضُ الْمَوْقُوفِ
١٢ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا انْهَدَمَ الْبِنَاءُ الْمَوْقُوفُ يُصْرَفُ نَقْضُهُ إِلَى عِمَارَتِهِ إِنِ احْتَاجَ، وَإِلاَّ حَفِظَهُ إِلَى الاِحْتِيَاجِ، لأَِنَّهُ لاَ بُدَّ مِنَ الْعِمَارَةِ، لأَِنَّ الْمَوْقُوفَ لاَ يَبْقَى بِدُونِهَا فَلاَ يَحْصُل صَرْفُ الْغَلَّةِ إِلَى الْمَصْرِفِ عَلَى التَّأْبِيدِ، فَيَبْطُل غَرَضُ الْوَاقِفِ إِلَى الْمَصْرِفِ عَلَى التَّأْبِيدِ، فَيَصْرِفُهُ لِلْحَال إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ.
وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ يُمْسِكُهُ حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَيْهِ كَيْ لاَ يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ أَوَانَ الْحَاجَةِ.
وَلاَ يُقْسَمُ النَّقْضُ عَلَى مُسْتَحِقِّي غَلَّةِ
الْمَوْقُوفِ لأَِنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ حَقٌّ فِي الْعَيْنِ وَلاَ فِي جُزْءٍ مِنْهُ وَإِنَّمَا حَقُّهُمْ فِي الْمَنَافِعِ، فَلاَ يُصْرَفُ إِلَيْهِمْ غَيْرُ حَقِّهِمْ، وَإِنْ تَعَذَّرَ إِعَادَةُ عَيْنِهِ بِيعَ وَصُرِفَ ثَمَنُهُ إِلَى الْعِمَارَةِ، لأَِنَّ الْبَدَل يَقُومُ مَقَامَ الْمُبْدَل فَيُصْرَفُ مَصْرِفَ الْبَدَل (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: وَنَقْضُ الْحَبْسِ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُبْدَل رِيعٌ خَرِبٌ بِرِيعٍ غَيْرِ خَرِبٍ إِلاَّ لِتَوْسِعَةِ مَسْجِدٍ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوِ انْهَدَمَ مَسْجِدٌ وَتَعَذَّرَتْ إِعَادَتُهُ لَمْ يُبَعْ بِحَالٍ لإِمْكَانِ الاِنْتِفَاعِ بِهِ حَالًا بِالصَّلاَةِ فِي أَرْضِهِ، نَعَمْ لَوْ خِيفَ عَلَى نَقْضِهِ نُقِضَ وَحُفِظَ لَيُعْمِرَ بِهِ مَسْجِدًا آخَرَ إِنْ رَآهُ الْحَاكِمُ، وَالْمَسْجِدُ الأَْقْرَبُ أَوْلَى، وَبَحَثَ الأَْذْرَعِيُّ تَعَيُّنَ مَسْجِدٍ خُصَّ بِطَائِفَةٍ خُصَّ بِهَا الْمُنْهَدِمُ إِنْ وُجِدَ وَإِنْ بَعُدَ (٢) .
ثَانِيًا - الْمَوْقُوفُ بِمَعْنَى التَّصَرُّفِ الْمَوْقُوفُ:
١٣ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ كُل تَصَرُّفٍ فِي حَقِّ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنٍ مِنْهُ تَمْلِيكًا كَانَ كَبَيْعٍ وَتَزْوِيجٍ، أَوْ إِسْقَاطًا كَطَلاَقٍ وَإِعْتَاقٍ وَلَهُ مُجِيزٌ: أَيْ لَهُ مَنْ لَهُ حَقُّ الإِْجَازَةِ حَال وُقُوعِهِ انْعَقَدَ مَوْقُوفًا.
_________
(١) تبيين الحقائق ٣ / ٣٢٨، والبحر الرائق ٥ / ٢٣٧.
(٢) الخرشي ٧ / ٩٥، ونهاية المحتاج ٥ / ٣٩٢.
أَمَّا مَا لاَ مُجِيزَ لَهُ لاَ يَنْعَقِدُ أَصْلًا (١) .
فَإِنْ بَاعَ صَبِيٌّ مَثَلًا ثُمَّ بَلَغَ قَبْل إِجَازَةِ وَلِيِّهِ فَأَجَازَ بِنَفْسِهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ جَازَ، لأَِنَّهُ كَانَ لَهُ مُجِيزٌ فِي حَالَةِ الْعَقْدِ وَهُوَ الْوَلِيُّ، أَمَّا إِنْ طَلَّقَ الصَّبِيُّ زَوْجَتَهُ مَثَلًا قَبْل الْبُلُوغِ فَأَجَازَهُ بِنَفْسِهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ لَمْ يَصِحَّ، لأَِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلإِْسْقَاطِ مُجِيزٌ فِي وَقْتِ الْعَقْدِ لأَِنَّ الْوَلِيَّ لاَ يَمْلِكُ إِيقَاعَ الطَّلاَقِ عَلَى زَوْجَةِ مُوَلِّيهِ فَلاَ يَمْلِكُ إِجَازَتَهُ (٢) .
(ر: الْبَيْعُ الْمَوْقُوفُ) .
أَقْسَامُ الْمَوْقُوفِ:
١٤ - قَسَّمَ الْحَنَفِيَّةُ التَّصَرُّفَ الْمَوْقُوفَ إِلَى: مَوْقُوفٍ قَابِلٍ لِلصِّحَّةِ، وَمَوْقُوفٍ فَاسِدٍ (٣) .
وَالْمَوْقُوفُ الْقَابِل لِلصِّحَّةِ: هُوَ مَا كَانَ صَحِيحًا فِي أَصْل وَصْفِهِ وَيُفِيدُ الْمِلْكَ عَلَى سَبِيل التَّوَقُّفِ وَلاَ يُفِيدُ تَمَامَهُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ (٤)، وَيَتَنَاوَل كُل تَصَرُّفٍ فِي حَقِّ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنٍ مِنْهُ تَمْلِيكًا كَانَ التَّصَرُّفُ كَبَيْعِ الْفُضُولِيِّ وَالصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ الْمَحْجُورَيْنِ، أَمْ إِسْقَاطًا كَالطَّلاَقِ وَالإِْعْتَاقِ.
_________
(١) رد المحتار ٤ / ١٣٥.
(٢) رد المحتار ٤ / ١٣٥.
(٣) حاشية ابن عابدين ٤ / ٤، ١٣٥.
(٤) قواعد الفقه للبركتي.
وَالتَّمْلِيكُ يَشْمَل الْحَقِيقِيَّ كَالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَنْقُل الْمِلْكَ، وَالْحُكْمِيُّ كَالتَّزْوِيجِ، وَهَذَا مِنْ قِسْمِ الصَّحِيحِ (١) .
وَالْفَاسِدُ الْمَوْقُوفُ مَا كَانَ مَشْرُوعًا فِي أَصْلِهِ لاَ فِي وَصْفِهِ (٢)، كَبَيْعِ الْمُكْرَهِ وَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ الْفَاسِدَةِ.
وَهَذَا النَّوْعُ يُسَمُّونَهُ: مَوْقُوفًا فَاسِدًا فَلاَ يَثْبُتُ بِهِ الْمِلْكُ إِلاَّ بِالْقَبْضِ عِنْدَ جُمْهُورِ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ فَإِذَا بَاعَ مُكْرَهًا وَسَلَّمَ مُكْرَهًا ثَبَتَ فِيهِ الْمِلْكُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ.
وَقَال زُفَرُ: لاَ يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِالتَّسْلِيمِ مُكْرَهًا لأَِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى الإِْجَازَةِ فَلاَ يُفِيدُ الْمِلْكَ قَبْلَهَا، وَقَال الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ - أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ - إِنَّ رُكْنَ الْبَيْعِ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ مُضَافًا إِلَى مَحَلِّهِ، وَالْفَسَادُ لِفَقْدِ شَرْطِهِ وَهُوَ الرِّضَا، فَصَارَ كَسَائِرِ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ بِالْقَبْضِ، حَتَّى لَوْ قَبَضَهُ وَأَعْتَقَ أَوْ تَصَرَّفَ بِهِ أَيَّ تَصَرُّفٍ - لاَ يُمْكِنُ نَقْضُهُ - جَازَ، وَيَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ كَسَائِرِ الْبِيَاعَاتِ الْفَاسِدَةِ.
وَبِإِجَازَةِ الْمَالِكِ يَرْتَفِعُ الْمُفْسِدُ وَهُوَ الإِْكْرَاهُ وَعَدَمُ الرِّضَا فَيَجُوزُ إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يَنْقَطِعُ حَقُّ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ٤، ١٣٥.
(٢) قواعد الفقه للبركتي.
اسْتِرْدَادِ الْبَائِعِ بِالإِْكْرَاهِ وَإِنْ تَدَاوَلَتْهُ الأَْيْدِي وَلَمْ يَرْضَ الْبَائِعُ بِذَلِكَ (١) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِذَا تَصَرَّفَ إِنْسَانٌ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ نَفَاذُ هَذَا التَّصَرُّفِ عَلَى إِجَازَةِ مَنْ لَهُ حَقُّ الإِْجَازَةِ وَذَلِكَ كَبَيْعِ الْفُضُولِيِّ مِلْكَ غَيْرِهِ فَإِنَّ نَفَاذَهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَةِ مَالِكِهِ (٢) .
وَكَبَيْعِ الْغَاصِبِ الشَّيْءَ الْمَغْصُوبَ لِغَيْرِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ (٣) .
وَكَطَلاَقِ الْفُضُولِيِّ، فَإِنَّهُ صَحِيحٌ مُتَوَقِّفٌ عَلَى إِجَازَةِ الزَّوْجِ (٤) .
١٥ - وَالْوَقْفُ يُطْلِقُهُ فُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةِ لِبَيَانِ مَا يَحْدُثُ فِي الْعِبَادَاتِ وَفِي الْعُقُودِ، فَمِنَ الأَْوَّل حَجُّ الصَّبِيِّ، فَإِنْ دَامَ صَبِيًّا إِلَى آخِرِ أَعْمَال الْحَجِّ كَانَ نَفْلًا، وَإِنْ بَلَغَ قَبْل الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ انْقَلَبَ فَرْضًا.
وَمِنْهَا: إِذَا كَانَ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ فَسَلَّمَ سَاهِيًا قَبْل الإِْتْيَانِ بِسُجُودِ السَّهْوِ فَتَذَكَّرَ قَرِيبًا فَفِي صِحَّةِ سَلاَمِهِ وَجْهَانِ: فَإِنْ صَحَّحْنَاهُ فَقَدْ
_________
(١) تكملة فتح القدير ٨ / ١٦٩، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٨١.
(٢) حاشية الدسوقي ٣ / ١٢.
(٣) الخرشي ٦ / ١٤٦.
(٤) جواهر الإكليل ١ / ٣٣٩، وحاشية الدسوقي ٢ / ٣٩٥.
فَاتَ مَحَل السُّجُودِ، وَإِنْ أَبْطَلْنَاهُ فَإِنْ سَجَدَ فَهُوَ بَاقٍ فِي الصَّلاَةِ وَلَوْ أَحْدَثَ لَبَطَلَتْ صَلاَتُهُ، وَإِنْ تَرَكَ السُّجُودَ فَقَال الإِْمَامُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي الصَّلاَةِ وَلاَ بُدَّ مِنَ السَّلاَمِ.
وَيُحْتَمَل أَنْ يُقَال: السَّلاَمُ مَوْقُوفٌ فَإِنْ سَجَدَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ فِي الصَّلاَةِ وَإِنْ تَرَكَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ قَدْ تَحَلَّل (١) .
أَمَّا فِي الْعُقُودِ فَالْوَقْفُ فِيهَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ ثَلاَثِ مَسَائِل:
الأُْولَى: بَيْعُ الْفُضُولِيِّ فِي الْقَوْل الْقَدِيمِ لِلشَّافِعِيِّ: وَهُوَ وَقْفُ صِحَّةٍ بِمَعْنَى أَنَّ الصِّحةَ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الإِْجَازَةِ فَلاَ تَحْصُل إِلاَّ بَعْدَهَا، هَذَا مَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنِ الأَْكْثَرِينَ، وَنَقَل الرَّافِعِيُّ عَنِ الإِْمَامِ: أَنَّ الصِّحةَ نَاجِزَةٌ وَالْمُتَوَقِّفَ عَلَى الإِْجَازَةِ هُوَ الْمِلْكُ.
الثَّانِيَةُ: بَيْعُ مَال مُوَرِّثِهِ ظَانًّا حَيَاتَهُ، وَهُوَ وَقْفُ تَبَيُّنٍ بِمَعْنَى أَنَّ الْعَقْدَ فِيهِ صَحِيحٌ وَنَحْنُ لاَ نَعْلَمُهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ فِي ثَانِي الْحَال فَهُوَ وَقْفٌ عَلَى ظُهُورِ أَمْرٍ كَانَ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَالْمِلْكُ فِيهِ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ وَلاَ خِيَارَ فِيهِ.
الثَّالِثَةُ: تَصَرُّفَاتُ الْغَاصِبِ وَهِيَ مَا إِذَا غَصَبَ أَمْوَالًا وَبَاعَهَا وَتَصَرَّفَ فِي أَثْمَانِهَا بِحَيْثُ يَعْسُرُ أَوْ يَتَعَذَّرُ تَتَبُّعُهَا بِالنَّقْضِ فَفِي قَوْلٍ
_________
(١) المنثور ٣ / ٣٣٨ - ٣٤٥.