الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩
وَلاَ يُفِيدُ تَمَامَهُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ (١) .
وَالْمَوْقُوفُ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ: مَا رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ مِنْ أَحْوَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ، فَيَتَوَقَّفُ عَلَيْهِمْ وَلاَ يَتَجَاوَزُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الصَّدَقَةُ:
٢ - الصَّدَقَةُ فِي اللُّغَةِ: مَا يُعْطَى عَلَى وَجْهِ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى (٣) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هِيَ الْعَطِيَّةُ تَبْتَغِي بِهَا الْمَثُوبَةَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى (٤) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمَوْقُوفِ وَالصَّدَقَةِ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ، فَلَيْسَ كُل مَوْقُوفٍ صَدَقَةً، وَلَيْسَ كُل صَدَقَةٍ مَوْقُوفًا.
ب - الْمُوصَى بِهِ:
٣ - الْمُوصَى بِهِ اسْمٌ لِمَا يَتَبَرَّعُ بِهِ الإِْنْسَانُ مِنْ مَالٍ فِي حَال حَيَاتِهِ تَبَرُّعًا مُضَافًا لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ (٥) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمَوْقُوفِ وَالْمُوصَى بِهِ أَنَّ كُلًّا
_________
(١) قواعد الفقه للبركتي.
(٢) علوم الحديث لابن الصلاح ص ٤١، والتعريفات للجرجاني.
(٣) لسان العرب، وتاج العروس.
(٤) التعريفات للجرجاني.
(٥) رد المحتار ٥ / ٤١٦ بتصرف.
مِنْهُمَا بَذْل مَالٍ بِلاَ عِوَضٍ ابْتِغَاءَ الْمَثُوبَةِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَوْقُوفِ:
أَوَّلًا - الْمَوْقُوفُ بِمَعْنَى الْعَيْنِ الْمَحْبُوسَةِ:
أ - مَا يَجُوزُ وَقْفُهُ وَمَا لاَ يَجُوزُ
٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي بَعْضِ أَحْكَامِ الْمَوْقُوفِ:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ وَقْفُ الْعَقَارِ وَالْمَنْقُول، كَحَيَوَانٍ وَسِلاَحٍ وَأَثَاثٍ وَنَحْوِ ذَلِك، لِقَوْلِهِ ﷺ: أَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا فَإِنَّهُ احْتَبَسَ أَدْرُعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيل اللَّهِ (١) . وَلأَِنَّ الأُْمَّةَ اتَّفَقَتْ فِي جَمِيعِ الأَْعْصَارِ وَالأَْزْمَانِ عَلَى وَقْفِ الْحُصُرِ وَالْقَنَادِيل وَالزَّلاَلِيِّ فِي الْمَسَاجِدِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ (٢) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي حَبْسِ
_________
(١) حديث: " أما خالد فإنكم تظلمون خالدًا. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٣٣١ ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٦٧٦ ط عيسى الحلبي)، واللفظ للبخاري.
(٢) مغني المحتاج ٢ / ٣٧٧، وروضة الطالبين ٤ / ٣١٥، وأسنى المطالب ٢ / ٤٥٧ - ٤٥٨، والمغني ٥ / ٦٤٢، والخرشي ٧ / ٧٩.
الْعَيْنِ لِلْبِرِّ أَنْ تَكُونَ مِمَّا لاَ يُنْقَل وَلاَ يُحَوَّل كَالْعَقَارِ، فَلاَ يَصِحُّ عِنْدَهُمْ وَقْفُ الْمَنْقُول مَقْصُودًا، لأَِنَّ التَّأْبِيدَ شَرْطُ جَوَازِهِ، وَوَقْفُ الْمَنْقُول لاَ يَتَأَبَّدُ لِكَوْنِهِ عَلَى شُرَفِ الْهَلاَكِ، فَلاَ يَجُوزُ وَقْفُهُ مَقْصُودًا.
وَيَجُوزُ إِنْ كَانَ تَبَعًا لِمَا لاَ يُنْقَل كَالْعَقَارِ (١) .
وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ فِيمَا يُشْتَرَطُ فِي وَقْفِ الْعَقَارِ وَالْمَنْقُول وَالْمَنْفَعَةِ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (وَقْفٌ) .
ب - انْتِقَال مِلْكِيَّةِ الْمَوْقُوفِ مِنَ الْوَاقِفِ بِالْوَقْفِ
٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي انْتِقَال مِلْكِيَّةِ الْمَوْقُوفِ بِالْوَقْفِ عَلَى ثَلاَثَةِ آرَاءٍ:
الرَّأْيُ الأَْوَّل: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي أَظْهَرِ أَقْوَالٍ ثَلاَثَةٍ لَهُمْ، وَأَبُو يُوْسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ مِلْكَ رَقَبَةِ الْمَوْقُوفِ تَنْتَقِل مِنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ إِلَى اللَّهِ ﷾.
وَمَعْنَى انْتِقَالِهِ إِلَى اللَّهِ: أَنَّ الْمِلْكَ يَنْفَكُّ مِنِ اخْتِصَاصِ الآْدَمِيِّ، وَإِلاَّ فَجَمِيعُ الأَْشْيَاءِ مِلْكٌ لَهُ ﷾ فَلاَ تَكُونُ لِلْوَاقِفِ وَلاَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ.
_________
(١) بدائع الصنائع ٦ / ٢٢٠، وتبيين الحقائق ٣ / ٣٢٧.
غَيْرَ أَنَّهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَأَبِيْ يُوْسُفَ أَنَّ الْمِلْكِيَّةَ تَنْتَقِل بِمُجَرَّدِ التَّلَفُّظِ بِصِيغَةِ صَحِيحَةٍ مِنْ صِيَغِ الْوَقْفِ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بْنِ الْحَسَنِ لاَ تَنْتَقِل بِالْقَوْل حَتَّى يَجْعَل لِلْمَوْقُوفِ وَلِيًّا يُسَلِّمُهُ إِلَيْهِ.
وَلاَ فَرْقَ فِي انْتِقَال الْمِلْكِ إِلَى اللَّهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ جِهَةً عَامَّةً كَالرِّبَاطِ وَالْمَدَارِسِ وَالْغُزَاةِ وَالْفُقَرَاءِ (١) .
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا. فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ فَمَا تَأْمُرُنِي بِهِ؟ قَال: إِنْ شِئْت حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا قَال: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ أَنَّهُ لاَ يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلاَ يُبْتَاعُ وَلاَ يُورَثُ وَلاَ يُوهَبُ. قَال: فَتَصَدَّقَ عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ وَفِي الْقُرْبَى وَفِي الرِّقَابِ وَفِي سَبِيل اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيل وَالضَّيْفِ، لاَ جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُل مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ (٢) .
_________
(١) روضة الطالبين ٥ / ٣٤٢، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨٩، وتبيين الحقائق ٣ / ٣٢٥، وبدائع الصنائع ٦ / ٢٢١.
(٢) حديث: " أصاب عمر أرضًا. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٣٥٤ ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٢٥٥ ط عيسى الحلبي)، واللفظ لمسلم.
وَقَال ﵊ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ ﵊: إِذَا مَاتَ الإِْنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ: إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ (١) وَلأَِنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا قَدْ تَعَامَلُوهُ فَكَانَ إِجْمَاعًا وَلأَِنَّ الْحَاجَةَ مَاسَّةٌ إِلَى أَنْ يَلْزَمَ الْوَقْفُ لِيَصِل ثَوَابُهُ إِلَيْهِ عَلَى الدَّوَامِ، وَأَمْكَنَ دَفْعُ هَذِهِ الْحَاجَةِ بِإِسْقَاطِ الْمِلْكِ وَجَعْلُهُ لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا فِي الْمَسْجِدِ، وَيَخْرُجُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ كَمَا يَخْرُجُ الْمَسْجِدُ.
وَلِهَذَا قَال الشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ بِزَوَال الْمِلْكِ بِمُجَرَّدِ الْقَوْل - كَمَا سَبَقَتِ الإِْشَارَةُ إِلَيْهِ - لأَِنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ لِلَّهِ فَصَارَ كَالْعِتْقِ، وَقَال مُحَمَّدٌ: لاَ يَزُول الْمِلْكُ حَتَّى يُسَلِّمَهُ إِلَى الْمُتَوَلِّي لأَِنَّهُ صَدَقَةٌ، فَيَكُونُ التَّسْلِيمُ مِنْ شَرْطِهِ كَالصَّدَقَةِ الْمُنَفَّذَةِ، وَلأَِنَّ التَّمْلِيكَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لاَ يَتَحَقَّقُ قَصْدًا لأَِنَّهُ مَالِكُ الأَْشْيَاءِ كُلِّهَا، وَلَكِنَّهُ يَثْبُتُ فِي ضِمْنِ التَّسْلِيمِ إِلَى الْعَبْدِ (٢) .
_________
(١) حديث: " إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة. . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١٢٥٥ ط عيسى الحلبي) .
(٢) تبيين الحقائق ٣ / ٣٢٥، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨٢، وأسنى المطالب ٢ / ٤٦٢، وروضة الطالبين ٥ / ٣٢٢.
الرَّأْيُ الثَّانِي: ذَهَبَ أَبَو حَنِيفَةَ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّ الْمَوْقُوفَ يَبْقَى عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ إِذَا لَمْ يَجْعَلْهُ مَسْجِدًا، وَلَهُمْ تَفْصِيلٌ بَيَانُهُ كَالآْتِي:
قَال أَبُو حَنِيفَةَ: لاَ يَزُول الْمِلْكُ إِلاَّ بِقَضَاءِ قَاضٍ يَرَى ذَلِكَ، لأَِنَّهُ فَصْلٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، فَيَنْفُذُ قَضَاؤُهُ.
وَاسْتَدَل بِحَدِيثِ: لاَ حَبْسَ عَنْ فَرَائِضِ اللَّهِ (١) وَلأَِنَّ الْمِلْكَ فِيهِ بَاقٍ، إِذْ غَرَضُهُ التَّصَدُّقُ بِغَلَّتِهِ، وَهُوَ لاَ يُتَصَوَّرُ إِلاَّ إِذَا بَقِيَ الأَْصْل عَلَى مِلْكِهِ، وَيَدُل عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵊ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ ﵊ لِعُمَرِ ﵁: احْبِسْ أَصْلَهَا وَسَبِّل ثَمَرَتَهَا (٢) أَيْ: احْبِسْهُ عَلَى مِلْكِك وَتَصَدَّقْ بِثَمَرَتِهَا، وَإِلاَّ كَانَ مُسَبِّلًا جَمِيعَهَا، وَلأَِنَّ خُرُوجَ الْمِلْكِ لاَ إِلَى مَالِكٍ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، أَلاَ تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَهَانَا عَنِ
_________
(١) حديث: " لا حبس عن فرائض الله ". أخرجه الدارقطني في السنن (٤ / ٦٨ ط دار المحاسن. القاهرة) والبيهقي في السنن الكبرى (٦ / ١٦٢ ط دائرة المعارف) من حديث ابن عباس ﵄، وقال الدارقطني: لم يسنده غير ابن لهيعة عن أخيه وهما ضعيفان.
(٢) حديث: " احبس أصلها وسبل ثمرتها ". أخرجه النسائي (٦ / ٢٣٢ ط المكتبة التجارية)، وابن ماجه (٢ / ٨٠١ ط عيسى الحلبي) من حديث ابن عمر ﵄.
السَّائِبَةِ، وَهِيَ الَّتِي يُسَيِّبُهَا مَالِكُهَا وَيُخْرِجُهَا عَنْ مِلْكِهِ بِزَعْمِهِمْ، قَال تَعَالَى: ﴿مَا جَعَل اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ﴾ .
وَفَرَّقُوا بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ جَعْل الْبُقْعَةِ مَسْجِدًا أَوِ الْوَقْفِ عَلَيْهِ وَالْعِتْقِ، حَيْثُ يَزُول الْمِلْكُ بِهِمَا، لأَِنَّهُ يُحْرَزُ عَنْ حَقِّ الْعَبْدِ حَتَّى لاَ يَجُوزَ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ، وَلِهَذَا لاَ يَنْقَطِعُ عَنْهُ حَقُّ الْعَبْدِ حَتَّى كَانَ لَهُ وِلاَيَةُ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِصَرْفِ غَلاَّتِهِ إِلَى مَصَارِفِهِ، وَنَصْبِ الْقَيِّمِ، وَلأَِنَّهُ تَصَدَّقَ بِالْغَلَّةِ أَوِ الْمَنْفَعَةِ الْمَعْدُومَةِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ إِلاَّ فِي الْوَصِيَّةِ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ: إِنَّ مِلْكَ الْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ ثَابِتٌ لِلْوَاقِفِ، لأَِنَّ الْوَقْفَ لَيْسَ مِنْ بَابِ الإِْسْقَاطِ فَلاَ يَزُول بِهِ الْمِلْكُ، بَل يَبْقَى فِي مِلْكِ الْوَاقِفِ، وَلِلْوَاقِفِ فِي حَيَاتِهِ مَنْعُ مَنْ يُرِيدُ إِصْلاَحَهُ لِئَلاَّ يُؤَدِّيَ الإِْصْلاَحُ إِلَى تَغْيِيرِ مَعَالِمِهِ، وَلِوَارِثِهِ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَمْنَعِ الْوَارِثُ فَلِلإِْمَامِ ذَلِكَ، هَذَا إِذَا قَامَ الْوَرَثَةُ بِإِصْلاَحِهِ، وَإِلاَّ فَلِغَيْرِهِمْ إِصْلاَحُهُ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْل الثَّانِي: يَبْقَى مِلْكُ
_________
(١) تبيين الحقائق ٣ / ٣٢٥، والخرشي ٧ / ٩٨.
رَقَبَةِ الْمَوْقُوفِ لِلْوَاقِفِ، لأَِنَّهُ حَبَسَ الأَْصْل وَسَبَّل الثَّمَرَةَ، وَذَلِكَ لاَ يُوجِبُ زَوَال مِلْكِهِ (١) .
الرَّأْيُ الثَّالِثُ: ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ ثَالِثٍ إِلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ مَا يُوقَفُ عَلَى شَخْصٍ أَوْ جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَبَيْنَ مَا يُوقَفُ عَلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ، حَيْثُ يَبْقَى الأَْوَّل عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ، وَالثَّانِي يَنْتَقِل إِلَى مِلْكِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ.
قَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ جِهَةً عَامَّةً، كَالْمَدَارِسِ وَالرِّبَاطِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْفُقَرَاءِ وَالْغُزَاةِ، فَإِنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ يَنْتَقِل إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا عِنْدَهُمْ بِلاَ خِلاَفٍ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ آدَمِيًّا مُعَيَّنًا أَوْ عَدَدًا مِنَ الآْدَمِيِّينَ مَحْصُورِينَ كَأَوْلاَدِهِ أَوْ أَوْلاَدِ زَيْدٍ: يَنْتَقِل الْمِلْكُ إِلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، فَيَمْلِكُهُ كَالْهِبَةِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْل الثَّالِثِ لَهُمْ: يَنْتَقِل الْمَوْقُوفُ إِلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ إِلْحَاقًا بِالصَّدَقَةِ وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا وُقِفَ عَلَى شَخْصٍ أَوْ جِهَةٍ عَامَّةٍ، أَمَّا إِذَا جَعَل الْبُقْعَةَ مَسْجِدًا أَوْ مَقْبَرَةً فَهُوَ فَكٌّ
_________
(١) تبيين الحقائق ٣ / ٣٢٠، ٣٢٥، والبدائع ٦ / ٢٢١، والخرشي ٧ / ٩٨، والزرقاني ٧ / ٩١، وروضة الطالبين ٥ / ٣٤٢، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨٩.
عَنِ الْمِلْكِ، فَيَنْقَطِعُ مِنْهُ اخْتِصَاصُ الآْدَمِيِّينَ قَطْعًا (١) .
ج - الاِنْتِفَاعُ بِمَنَافِعِ الْمَوْقُوفِ
٦ - مَنَافِعُ الْمَوْقُوفِ عَلَى مُعَيَّنٍ مِلْكٌ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ يَسْتَوْفِيهَا بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ، بِإِعَارَةٍ وَإِجَارَةٍ كَسَائِرِ الأَْمْلاَكِ، وَلَكِنْ لاَ يُؤَجِّرُ إِلاَّ إِذَا كَانَ نَاظِرًا أَوْ أَذِنَ لَهُ النَّاظِرُ فِي تَأْجِيرِهَا.
وَكَذَلِكَ يَمْلِكُ فَوَائِدَ الْمَوْقُوفِ الْحَاصِلَةَ بَعْدَ الْوَقْفِ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ أَوْ شَرْطِ أَنَّهَا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ كَأُجْرَةِ الْعَقَارِ وَنَحْوِهَا، وَزَوَائِدُ الْمَوْقُوفِ كَثَمَرَةِ، وَصُوفٍ، وَلَبَنٍ، وَكَذَا الْوَلَدُ الْحَادِثُ بَعْدَ الْوَقْفِ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ، أَوْ شَرْطُ الْوَلَدِ لَهُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَيَمْلِكُهُ كَالثَّمَرَةِ وَاللَّبَنِ، وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: إِنَّ الْوَلَدَ يَكُونُ وَقْفًا تَبَعًا لأُِمِّهِ، وَلَوْ كَانَتْ حَامِلًا عِنْدَ الْوَقْفِ فَوَلَدُهَا وَقْفٌ عَلَى الْقَوْل الثَّانِي وَكَذَا عَلَى الأَْوَّل بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَمْل يُعْلَمُ، وَهَذَا الأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ.
وَإِنْ مَاتَتِ الْبَهِيمَةُ اخْتَصَّ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ بِجِلْدِهَا، لأَِنَّهُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ.
_________
(١) كشاف القناع ٤ / ٢٥٤، والمغني ٥ / ٦٠١، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨٩.
وَكُل هَذَا مَا لَمْ يُعَيِّنِ الْوَاقِفُ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَوْجُهِ الاِنْتِفَاعِ (١) .
د - حُكْمُ بَدَل الْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ إِذَا تَلِفَتْ
٧ - لاَ يَمْلِكُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ بَدَل الْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةَ إِنْ تَلِفَتْ تَحْتَ يَدٍ ضَامِنَةٍ، بَل يَشْتَرِي بِهَا مِثْلَهَا لِتَكُونَ وَقْفًا مَكَانَهَا مُرَاعَاةً لِغَرَضِ الْوَاقِفِ فِي اسْتِمْرَارِ الثَّوَابِ.
وَاَلَّذِي يَتَوَلَّى الشِّرَاءَ وَالْوَقْفَ هُوَ الْحَاكِمُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَوْقُوفَ مِلْكٌ لِلَّهِ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لِلْوَقْفِ نَاظِرٌ خَاصٌّ أَوْ لاَ.
أَمَّا مَا اشْتَرَاهُ النَّاظِرُ مِنْ مَالِهِ أَوْ مِنْ رِيعِ الْمَوْقُوفِ أَوْ يَعْمُرُهُ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا لِجِهَةِ الْوَقْفِ فَالْمُنْشِئُ هُوَ النَّاظِرُ، وَكَذَا مَا يَشْتَرِيهِ الْحَاكِمُ بِبَدَل الْمُتْلَفِ لاَ يَصِيرُ مَوْقُوفًا حَتَّى يَقِفَهُ الْحَاكِمُ.
أَمَّا مَا يَقُومُ النَّاظِرُ أَوِ الْحَاكِمُ مِنْ تَرْمِيمِ الْمَوْقُوفِ وَإِصْلاَحِ جُدْرَانِهِ فَلَيْسَ وَقْفًا مُنْشِئًا، لأَِنَّ الْعَيْنَ فِي مَسْأَلَةِ شِرَاءِ بَدَل الْعَيْنِ التَّالِفَةِ بِمِثْلِهَا فَاتَتْ بِالْكُلِّيَّةِ، أَمَّا الأَْرَاضِي الْمَوْقُوفَةُ فَهِيَ بَاقِيَةٌ، وَالطِّينُ وَالْحَجَرُ الْمَبْنِيُّ بِهِمَا
_________
(١) تبيين الحقائق ٣ / ٣٢٧، والخرشي ٧ / ٩٨، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨٩ - ٣٩٠، وشرح روض الطالب ٢ / ٤٧٠، وكشاف القناع ٤ / ٢٥٦، والمغني ٥ / ٦٠٤.