الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩
وَإِنْ أَوْضَحَ مُوضِحَتَيْنِ ثُمَّ قَطَعَ اللَّحْمَ الَّذِي بَيْنَهُمَا فِي الْبَاطِنِ، وَتَرَكَ الْجِلْدَ الَّذِي فَوْقَهُمَا فَفِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُ أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ لاِنْفِصَالِهِمَا فِي الظَّاهِرِ، وَالثَّانِي: أَرْشُ مُوضِحَةٍ لاِتِّصَالِهِمَا فِي الْبَاطِنِ.
وَإِنْ جَرَحَهُ جِرَاحًا وَاحِدَةً، وَأَوْضَحَهُ فِي طَرَفَيْهَا، وَبَاقِيهَا دُونَ الْمُوضِحَةِ فَفِيهِ أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ، لأَِنَّ مَا بَيْنَهُمَا لَيْسَ بِمُوضِحَةِ (١) .
ز - الْوَكَالَةُ بِالصُّلْحِ عَلَى الْمُوضِحَةِ ١٢ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ: إِذَا وَكَّلَهُ بِالصُّلْحِ فِي مُوضِحَةٍ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا، فَصَالَحَ عَلَى مُوضِحَتَيْنِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهُمَا وَضَمِنَ جَازَ، عَلَى الْمُوَكِّل النِّصْفُ وَلَزِمَ الْوَكِيل النِّصْفُ، سَوَاءٌ مَاتَ أَوْ عَاشَ، لأَِنَّهُ فِي أَحَدِ الْمُوضِحَتَيْنِ مُمْتَثِلٌ أَمْرَهُ وَفِي الأُْخْرَى مُتَبَرِّعٌ بِالصُّلْحِ كَأَجْنَبِيٍّ آخَرَ.
فَإِنْ وَكَّلَهُ بِالصُّلْحِ فِي مُوضِحَةٍ ادَّعَاهَا قِبَل فُلاَنٍ فَصَالَحَ الْوَكِيل عَلَيْهَا وَعَلَى غَيْرِهَا جَازَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَجُزْ عَلَى غَيْرِهَا، لأَِنَّ وَكِيل الطَّالِبِ مُسْقِطُ الْحَقِّ بِالصُّلْحِ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ إِسْقَاطُهُ بِقَدْرِ مَا أَمَرَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ، وَفِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ هُوَ كَأَجْنَبِيٍّ آخَرَ، فَلاَ يَصِحُّ إِسْقَاطُهُ أَصْلًا.
_________
(١) المغني مع الشرح الكبير ٩ / ٦٤٣ - ٦٤٤، والدسوقي ٤ / ٢٧١.
وَلَوْ وَكَّل الْمَطْلُوبُ وَكِيلًا بِالصُّلْحِ فِي مُوضِحَةٍ عَمْدًا فَصَالَحَ الْوَكِيل عَلَى خِدْمَةِ عَبْدِ الْمُوَكِّل سِنِينَ فَالصُّلْحُ جَائِزٌ، لأَِنَّ تَسْمِيَةَ خِدْمَةِ عَبْدِهِ كَتَسْمِيَةِ رَقَبَةِ عَبْدِهِ، وَذَلِكَ لاَ يَمْنَعُ جَوَازَ الصُّلْحِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّل لَمْ يَرْضَ بِزَوَال مِلْكِهِ عَنْ مَنْفَعَةِ عَبْدِهِ، فَيُخَيَّرُ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ رَضِيَ بِهِ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَرْضَ، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْخِدْمَةِ.
وَلَوْ صَالَحَهُ عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ حُرٍّ فَهُوَ عَفْوٌ، وَلاَ شَيْءَ عَلَى الآْمِرِ وَلاَ عَلَى الْوَكِيل، لأَِنَّ الْقِصَاصَ لَيْسَ بِمَالٍ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْمَال فِيهِ بِالتَّسْمِيَةِ، وَإِذَا كَانَ الْمُسَمَّى لَيْسَ بِمَالٍ لاَ يَجِبُ شَيْءٌ كَالطَّلاَقِ.
وَإِذَا شَجَّ رَجُلاَنِ رَجُلًا مُوضِحَةً فَوَكَّل وَكِيلًا يُصَالِحُ مَعَ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ جَازَ - كَمَا لَوْ بَاشَرَ الصُّلْحَ بِنَفْسِهِ - وَعَلَى الآْخَرِ نِصْفُ الأَْرْشِ، لأَِنَّ الْوَاجِبَ بِالْجِنَايَةِ عَلَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الأَْرْشِ دُونَ الْقَوَدِ، فَإِنَّ الاِشْتِرَاكَ فِي الْفِعْل يَمْنَعُ وُجُوبَ الْقَوَدِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ.
وَإِنْ وَكَّلَهُ: أَنْ صَالِحْ مَعَ أَحَدِهِمَا، وَلَمْ يُبَيِّنْ أَيَّهمَا هُوَ فَهُوَ جَائِزٌ، لأَِنَّ هَذِهِ جَهَالَةٌ مُسْتَدْرَكَةٌ وَمِثْلُهَا لاَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْوَكَالَةِ، ثُمَّ الرَّأْيُ إِلَى الْوَكِيل يُصَالِحُ أَيَّهمَا شَاءَ.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الشَّاجُّ وَاحِدًا وَالْمَشْجُوجُ اثْنَيْنِ، فَوَكَّل وَكِيلًا بِالصُّلْحِ عَنْهُمَا، فَصَالَحَ عَنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُسَمِّهِ ثُمَّ قَال الْوَكِيل: هُوَ فُلاَنٌ، فَالْقَوْل قَوْلُهُ لأَِنَّهُ مُمْتَثِلٌ أَمْرَهُ فِي حَقِّ مَنْ صَالَحَ مَعَهُ وَهُوَ الْمُبَاشِرُ لِلْعَقْدِ وَإِلَيْهِ تَعْيِينُ مَا بَاشَرَ مِنَ الْعَقْدِ، لأَِنَّهُ كَانَ مَالِكًا لِلتَّعْيِينِ فِي الاِبْتِدَاءِ فَكَذَا فِي الاِنْتِهَاءِ يَصِحُّ تَعْيِينُهُ.
وَإِذَا اشْتَرَكَ حُرٌّ وَعَبْدٌ فِي مُوضِحَةٍ شَجَّاهَا رَجُلًا، فَوَكَّل الْحُرُّ وَمَوْلَى الْعَبْدِ وَكِيلًا، فَصَالَحَ عَنْهُمَا عَلَى خَمْسِمِائَةٍ، فَعَلَى مَوْلَى الْعَبْدِ نِصْفُ ذَلِكَ، قَلَّتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ أَوْ كَثُرَتْ، وَعَلَى الْحُرِّ نِصْفُهُ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَ مُطَالَبًا بِنِصْفِ الْجِنَايَةِ.
وَإِذَا وَكَّلَهُ بِالصُّلْحِ فِي مُوضِحَةٍ شَجَّهَا إِيَّاهُ رَجُلٌ، فَصَالَحَ عَلَى الْمُوضِحَةِ الَّتِي شَجَّهَا فُلاَنٌ وَلَمْ يَقُل هِيَ فِي مَوْضِعِ كَذَا فَهُوَ جَائِزٌ، لأَِنَّهُ عَرَّفَهَا بِالإِْضَافَةِ إِلَى فُلاَنٍ، وَمَحَل فِعْل فُلاَنٍ مَعْلُومٌ مُعَايَنٌ فَيُغْنِي ذَلِكَ عَنِ الإِْشَارَةِ إِلَيْهِ (١) .
_________
(١) المبسوط للسرخسي ١٩ / ١٥٤ - ١٥٨، وانظر حاشية الدسوقي ٣ / ٣١٧.
مَوْقُوذَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْمَوْقُوذَةُ فِي اللُّغَةِ: هِيَ الَّتِي تُرْمَى أَوْ تُضْرَبُ بِالْعَصَا أَوْ بِالْحَجَرِ حَتَّى تَمُوتَ مِنْ غَيْرِ تَذْكِيَةٍ.
وَالْوَقِيذُ: هُوَ الَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ، لاَ يُدْرَى أَمَيِّتٌ هُوَ أَمْ حَيٌّ؟ وَالْوَقِيذُ أَيْضًا: الشَّدِيدُ الْمَرَضِ الْمُشْرِفُ عَلَى الْمَوْتِ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْمُنْخَنِقَةُ:
٢ - الْمُنْخَنِقَةُ فِي اللُّغَةِ: هِيَ الَّتِي تَمُوتُ خَنْقًا، وَهُوَ حَبْسُ النَّفْسِ، سَوَاءٌ فَعَل بِهَا ذَلِكَ آدَمِيٌّ أَوِ اتَّفَقَ لَهَا ذَلِكَ فِي حَبْلٍ، أَوْ بَيْنَ عُودَيْنِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
_________
(١) المفردات في غريب القرآن، والمعجم الوسيط، وتفسير القرطبي ٦ / ٤٨.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (١) .
وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْمَوْقُوذَةِ وَالْمُنْخَنِقَةِ: أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ، لِعَدَمِ الذَّبْحِ.
ب - الْمُتَرَدِّيَةُ:
٣ - الْمُتَرَدِّيَةُ فِي اللُّغَةِ مُتَفَعِّلَةٌ مِنَ الرَّدَى وَهُوَ الْهَلاَكُ، وَالتَّرَدِّي: التَّعَرُّضُ لِلْهَلاَكِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ .
وَالْمُتَرَدِّيَةُ هِيَ: الشَّاةُ أَوْ نَحْوُهَا الَّتِي تَتَرَدَّى مِنَ الْعُلُوِّ إِلَى السُّفْل فَتَمُوتُ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جَبَلٍ أَوْ فِي بِئْرٍ وَنَحْوِهِ، وَسَوَاءٌ تَرَدَّتْ بِنَفْسِهَا أَوْ رَدَّاهَا غَيْرُهَا.
وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهَا الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ (٢) .
وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْمَوْقُوذَةِ وَالْمُتَرَدِّيَةِ: أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ، لأَِنَّهُ مَاتَ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ.
ج - النَّطِيحَةُ:
٤ - النَّطِيحَةُ فِي اللُّغَةِ: فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ،
_________
(١) المعجم الوسيط، وتفسير القرطبي ٦ / ٤٨، وروح المعاني ٣ / ٢٣١.
(٢) المصباح المنير، والمفردات في غريب القرآن، وتفسير القرطبي ٦ / ٤٩، وأحكام القرآن للجصاص ٢ / ٣٠٤، وروح المعاني ٣ / ٢٣١.
وَهِيَ: الشَّاةُ تَنْطَحُهَا أُخْرَى أَوْ غَيْرُهَا فَتَمُوتُ قَبْل أَنْ تُذَكَّى.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (١) .
وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْمَوْقُوذَةِ وَالنَّطِيحَةِ: أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَحْرُمُ أَكْل لَحْمِهِ لِكَوْنِهِ مَاتَ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ.
د - مَا أَكَل السَّبُعُ:
٥ - مَا أَكَل السَّبُعُ هُوَ: كُل مَا افْتَرَسَهُ ذُو نَابٍ وَأَظْفَارٍ مِنَ الْحَيَوَانِ كَالأَْسَدِ وَالنَّمِرِ وَالثَّعْلَبِ وَالذِّئْبِ وَالضَّبُعِ وَنَحْوِهَا (٢) .
وَالْعلاَقَةُ بَيْنَ الْمَوْقُوذَةِ وَمَا أَكَل السَّبُعُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ إِذَا مَاتَ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٦ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْمَوْقُوذَةَ لاَ يَحِل أَكْل لَحْمِهَا إِذَا لَمْ يَتِمَّ ذَبْحُهَا (٣) لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي
_________
(١) المصباح المنير، والمعجم الوسيط، والمفردات في غريب القرآن، وتفسير القرطبي ٦ / ٤٩.
(٢) تفسير القرطبي ٦ / ٤٩ - ٥٠، والمفردات في غريب القرآن.
(٣) تفسير القرطبي ٦ / ٤٨، وأحكام القرآن للجصاص ٢ / ٣٠٤، وصحيح مسلم مع شرح النووي ١٣ / ٧٣ - ٧٥، ومغني المحتاج ٤ / ٢٧٤، وتفسير روح المعاني ٣ / ٢٣١.
تَعْدَادِ مَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِل لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَل السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ .
قَال الْعُلَمَاءُ: كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ يَضْرِبُونَ الأَْنْعَامَ بِالْخَشَبِ وَالْحَجَرِ وَنَحْوِهَا حَتَّى يَقْتُلُوهَا فَيَأْكُلُونَهَا.
وَلِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَال: سَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ صَيْدِ الْمِعْرَاضِ فَقَال: مَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْهُ، وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَهُوَ وَقِيذٌ (١) .
وَفِي رِوَايَةٍ: إِذَا أَصَبْتَ بِحَدِّهِ فَكُل، فَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ، فَلاَ تَأْكُل (٢)، قَال النَّوَوِيُّ: وَقِيذٌ، أَيْ: مَقْتُولٌ بِغَيْرِ مُحَدَّدٍ.
وَالْمَوْقُوذَةُ الْمَقْتُولَةُ بِالْعَصَا وَنَحْوِهَا، وَأَصْل الْوَقْذِ مِنَ الْكَسْرِ وَالرَّضِّ.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يَقُول فِي الْمَقْتُولَةِ بِالْبُنْدُقَةِ: تِلْكَ الْمَوْقُوذَةُ.
_________
(١) حديث: " ما أصاب بحده فَكُلْهُ. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٥٩٩ ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٥٣٠ ط عيسى الحلبي) .
(٢) حديث: " إذا أصبت بحده فكل، فإذا أصاب بعرضه فإنه وقيذ فلا تأكل ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٦٠٣ ط السلفية) .
٧ - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا كَمَا قَال الْقُرْطُبِيُّ فِي الصَّيْدِ بِالْبُنْدُقِ وَالْحَجَرِ وَالْمِعْرَاضِ (١) .
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ كُل مَا يُقْتل بِغَيْرِ مُحَدَّدٍ مِنْ عَصًا أَوْ حَجَرٍ أَوْ غَيْرِهِمَا فَهُوَ وَقِيذٌ لاَ يَحِل أَكْلُهُ إِلاَّ إِذَا أُدْرِكَتْ ذَكَاتُهُ (٢) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (صَيْدٌ ف ٣١ - ٣٦) .
ذَكَاةُ الْمَوْقُوذَةِ
٨ - قَال الْجَصَّاصُ: قَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَكَاةِ الْمَوْقُوذَةِ وَنَحْوِهَا، فَذَكَرَ مُحَمَّدٌ: أَنَّهُ إِذَا أُدْرِكَتْ ذَكَاتُهَا قَبْل أَنْ تَمُوتَ أُكِلَتْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ حَيْثُ يَقْتَضِي ذَكَاتَهَا مَا دَامَتْ حَيَّةً، وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنَّ تَعِيشَ مِنْ مِثْلِهِ أَوْ لاَ تَعِيشَ، وَلاَ بَيْنَ أَنْ تَبْقَى قَصِيرَ الْمُدَّةِ أَوْ طَوِيلَهَا، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ مِنْ أَنَّهُ: إِذَا تَحَرَّكَ شَيْءٌ مِنْهَا صَحَّتْ ذَكَاتُهَا، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي الأَْنْعَامِ
_________
(١) المعراض مثل المفتاح: سهم لا ريش له (المصباح المنير) .
(٢) أحكام القرآن للجصاص ٣ / ٣٠٤، وشرح صحيح مسلم للنووي ١٣ / ٧٥، وتفسير القرطبي ٦ / ٤٨ - ٤٩، الاختيار ٤ / ٧ - ٨، وحاشية الدسوقي ٢ / ١٠٣، والشرح الصغير ٢ / ١٧٦، ومغني المحتاج ٤ / ٢٧٤، وكشاف القناع ٦ / ٢٠٧ - ٢٠٨.
إِذَا أَصَابَتْهَا الأَْمْرَاضُ الْمُتْلِفَةُ الَّتِي قَدْ تَعِيشُ مَعَهَا مُدَّةً قَصِيرَةً أَوْ طَوِيلَةً أَنَّ ذَكَاتَهَا بِالذَّبْحِ، فَكَذَلِكَ الْمَوْقُوذَةُ وَنَحْوُهَا (١) .
قَال إِسْحَاقُ: وَمَنْ خَالَفَ هَذَا فَقَدْ خَالَفَ السُّنَّةَ مِنْ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ.
وَقَال بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَمِنْهُمْ أَبُو يُوْسُفَ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَهُوَ الْقَوْل الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ، وَهُوَ قَوْل أَهْل الْمَدِينَةِ: إِذَا صَارَتِ الْمَوْقُوذَةُ وَأَمْثَالُهَا إِلَى حَالٍ لاَ تَعِيشُ مَعَهَا فَلاَ يَحِل أَكْل لَحْمِهَا وَإِنْ تَمَّ ذَبْحُهَا قَبْل الْمَوْتِ (٢) .
وَقَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: اخْتَلَفَ قَوْل مَالِكٍ فِي هَذِهِ الأَْشْيَاءِ فَرُوِيَ عَنْهُ: أَنَّهُ لاَ يُؤْكَل إِلاَّ مَا ذُكِّيَ بِذَكَاةٍ صَحِيحَةٍ، وَاَلَّذِي فِي الْمُوَطَّأِ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ ذَبَحَهَا وَنَفَسُهَا يَجْرِي وَهِيَ تَضْطَرِبُ فَلْيَأْكُل، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ قَوْلِهِ الَّذِي كَتَبَهُ بِيَدِهِ، وَقَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ مِنْ كُل بَلَدٍ طُول عُمْرِهِ، فَهُوَ أَوْلَى مِنَ الرِّوَايَاتِ النَّادِرَةِ (٣) .
_________
(١) أحكام القرآن للجصاص ٢ / ٣٠٥ - ٣٠٦، وتفسير القرطبي ٦ / ٥٠ - ٥١.
(٢) تفسير القرطبي ٦ / ٥٠، وأحكام القرآن للجصاص ٢ / ٣٠٦.
(٣) تفسير القرطبي ٦ / ٥٠ - ٥١، وأحكام القرآن للجصاص ٢ / ٣٠٥ - ٣٠٦.
مَوْقُوفٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْمَوْقُوفُ لُغَةً: اسْمُ مَفْعُولٍ لِفِعْل: وَقَفَ، بِمَعْنَى: سَكَنَ وَحُبِسَ وَمُنِعَ، يُقَال: وَقَفَتِ الدَّابَّةُ: سَكَنَتْ، وَوَقَفْتُهَا أَنَا: مَنَعْتُهَا مِنَ السَّيْرِ وَنَحْوِهِ، وَوَقَفْتُ الدَّارَ: حَبَسْتُهَا فِي سَبِيل اللَّهِ، فَهِيَ مَوْقُوفَةٌ.
وَيُطْلَقُ عَلَى عَكْسِ الْجُلُوسِ، يُقَال: وَقَفَ الرَّجُل: قَامَ عَنْ مَجْلِسِهِ، وَعَلَى الْمَنْعِ: وَقَفْتُهُ عَنِ الْكَلاَمِ: مَنَعْتُهُ عَنْهُ (١) .
وَالْمَوْقُوفُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ يُطْلَقُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ:
الْمَعْنَى الأَْوَّل: يُطْلَقُ عَلَى كُل عَيْنٍ مَحْبُوسَةٍ فِي سَبِيل الْبِرِّ وَالْخَيْرِ بِشُرُوطٍ (٢) .
وَالْمَعْنَى الثَّانِي: يُطْلَقُ عَلَى الْعَقْدِ الْمَوْقُوفِ، وَهُوَ مَا كَانَ مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ وَوَصْفِهِ، وَيُفِيدُ الْمِلْكَ عَلَى سَبِيل التَّوَقُّفِ،
_________
(١) المصباح المنير.
(٢) روضة الطالبين ٥ / ٣١٤، وأسنى المطالب ٢ / ٤٥٧.