الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩
مُوضِحَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْمُوضِحَةُ فِي اللُّغَةِ: مِنَ الْوُضُوحِ يُقَال:
وَضَحَ الشَّيْءُ وُضُوحًا انْكَشَفَ وَانْجَلَى، وَاتَّضَحَ كَذَلِكَ.
وَالْمُوضِحَةُ مِنَ الشِّجَاجِ: الَّتِي بَلَغَتِ الْعَظْمَ فَأَوْضَحَتْ عَنْهُ، وَقِيل: هِيَ الَّتِي تَقْشُرُ الْجِلْدَةَ الَّتِي بَيْنَ اللَّحْمِ وَالْعَظْمِ أَوْ تَشُقُّهَا حَتَّى يَبْدُوَ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الشِّجَاجُ:
٢ - الشِّجَاجُ فِي اللُّغَةِ جَمْعُ شَجَّةٍ، وَالشَّجَّةُ: الْجِرَاحُ فِي الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ (٣) .
_________
(١) المصباح المنير، ولسان العرب.
(٢) روضة الطالبين ٩ / ١٨٠، والمدونة ٦ / ٣١٦، وشرح الرسالة ٢ / ٢٤٢، وقواعد الفقه للبركتي.
(٣) لسان العرب، والمصباح المنير.
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِلَفْظِ الشِّجَاجِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (١) .
وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْمُوضِحَةِ وَالشِّجَاجِ: أَنَّ الْمُوضِحَةَ نَوْعٌ مِنَ الشِّجَاجِ.
ب - الْبَاضِعَةُ:
٣ - الْبَاضِعَةُ فِي اللُّغَةِ: الشَّجَّةُ الَّتِي تَشُقُّ اللَّحْمَ وَتَقْطَعُ الْجِلْدَ وَلاَ تَبْلُغُ الْعَظْمَ وَلاَ يَسِيل مِنْهَا الدَّمُ (٢) .
وَالْبَاضِعَةُ اصْطِلاَحًا: هِيَ الَّتِي تَشُقُّ اللَّحْمَ بَعْدَ الْجِلْدِ شَقًّا خَفِيفًا (٣) .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُوضِحَةِ وَالْبَاضِعَةِ: أَنَّ الْمُوضِحَةَ مِنَ الشِّجَاجِ الَّتِي تَبْلُغُ الْعَظْمَ وَتُظْهِرُهُ، وَأَمَّا الْبَاضِعَةُ فَهِيَ الشَّجَّةُ الَّتِي تَقْطَعُ الْجِلْدَ وَلاَ تَبْلُغُ الْعَظْمَ وَلاَ تُظْهِرُهُ.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمُوضِحَةِ:
تَتَعَلَّقُ بِالْمُوضِحَةِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:
أ - الْقِصَاصُ فِي الْمُوضِحَةِ
٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُوضِحَةَ فِيهَا
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٧٢، وبدائع الصنائع ٧ / ٢٩٦، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٥٠، ومغني المحتاج ٤ / ٢٦.
(٢) لسان العرب، والمصباح المنير، ومختار الصحاح، وحاشية الجمل ٥ / ٣٠.
(٣) الاختيار ٥ / ٤١، والدسوقي ٤ / ٢٥١، وروضة الطالبين ٩ / ١٨٠، ومغني المحتاج ٤ / ٢٦، وكشاف القناع ٦ / ٥١.
الْقِصَاصُ إِذَا كَانَ عَمْدًا، لِقَوْل اللَّهِ ﷿: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، وَلأَِنَّهُ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ وَلاَ زِيَادَةٍ لاِنْتِهَائِهِ إِلَى عَظْمٍ، أَشْبَهَ قَطْعَ الْكَفِّ مِنَ الْكُوعِ، وَلأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى الْقِصَاصِ فِي الْجُرُوحِ، فَلَوْ لَمْ يَجِبْ فِي كُل جُرْحٍ يَنْتَهِي إِلَى عَظْمٍ لَسَقَطَ حُكْمُ الآْيَةِ.
غَيْرَ أَنَّ أَبَا حَنِيْفَةَ يَرَى أَنَّهُ إِذَا اخْتَل بِالْمُوضِحَةِ عُضْوٌ آخَرُ كَالْبَصَرِ فَلاَ قِصَاصَ فِيهِ عِنْدَهُ وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِيهِمَا (١) .
ب - كَيْفِيَّةُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ فِي الْمُوضِحَةِ
٥ - لاَ يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ فِي الْمُوضِحَةِ بِالآْلَةِ الَّتِي يُخْشَى مِنْهَا الزِّيَادَةُ لِحَدِيثِ رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِْحْسَانَ عَلَى كُل شَيْءٍ (٢)، بَل يُسْتَوْفَى بِالْمُوسَى أَوْ حَدِيدَةٍ مَاضِيَةٍ مُعَدَّةٍ لِذَلِكَ لاَ يُخْشَى مِنْهَا الزِّيَادَةُ.
وَلاَ يَسْتَوْفِي ذَلِكَ إِلاَّ مَنْ لَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ
_________
(١) الاختيار ٥ / ٤٦، وابن عابدين ٥ / ٣٧٣، والشرح الصغير ٤ / ٣٤٩، والمدونة ٦ / ٣١٢، وروضة الطالبين ٩ / ١٩١، ومغني المحتاج ٤ / ٣٠ وما بعدها، وكشاف القناع ٥ / ٥٥٨، والمغني ٧ / ٧٠٣.
(٢) حديث: " إِن اللهَ كتبَ الإحسانَ. . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١٥٤٨) ط عيسى الحلبي.
كَالْجَرَائِحِيِّ وَمَنْ أَشْبَهَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ عِلْمٌ بِذَلِكَ أَمَرَ بِالاِسْتِنَابَةِ (١) .
وَلَوْ زَادَ الْمُقْتَصُّ فِي الْمُوضِحَةِ عَلَى قَدْرِ حَقِّهِ يُنْظَرُ، إِنْ زَادَ بِاضْطِرَابِ الْجَانِي فَلاَ غُرْمَ، وَإِنْ زَادَ عَمْدًا اقْتُصَّ مِنْهُ فِي الزِّيَادَةِ وَلَكِنْ بَعْدَ انْدِمَال الْمُوضِحَةِ الَّتِي فِي رَأْسِهِ، وَإِنْ آل الأَْمْرُ إِلَى الْمَال أَوْ أَخْطَأَ بِاضْطِرَابِ يَدِهِ وَجَبَ الضَّمَانُ، وَفِي قَدْرِهِ وَجْهَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، أَحَدُهُمَا: يُوَزَّعُ الأَْرْشُ عَلَيْهِمَا فَيَجِبُ قِسْطُ الزِّيَادَةِ، وَأَصَحُّهُمَا وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ: يَجِبُ أَرْشٌ كَامِلٌ.
وَلَوْ قَال الْمُقْتَصُّ: أَخْطَأْتُ بِالزِّيَادَةِ، فَقَال الْمُقْتَصُّ مِنْهُ: بَل تَعَمَّدْتَهَا صُدِّقَ الْمُقْتَصُّ بِيَمِينِهِ (٢) .
٦ - وَإِذَا أَرَادَ الاِسْتِيفَاءَ مِنْ مُوضِحَةٍ وَشِبْهِهَا فَإِنْ كَانَ عَلَى مَوْضِعِهَا شَعْرٌ حَلَقَهُ.
وَيَعْمِدُ إِلَى مَوْضِعِ الشَّجَّةِ مِنْ رَأْسِ الْمَشْجُوجِ فَيَعْلَمُ مِنْهُ طُولَهَا بِخَشَبَةِ أَوْ خَيْطٍ، وَيَضَعُهَا عَلَى رَأْسِ الشَّاجِّ، وَيُعَلِّمُ طَرَفَيْهِ بِخَطِّ بِسَوَادٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَيَأْخُذُ حَدِيدَةً عَرْضُهَا كَعَرْضِ الشَّجَّةِ، فَيَضَعُهَا فِي أَوَّل الشَّجَّةِ وَيَجُرُّهَا إِلَى
_________
(١) المراجع السابقة.
(٢) تبيين الحقائق ٦ / ١٠٦، ومغني المحتاج ٤ / ٣١، وروضة الطالبين ٩ / ١٩١، والمغني ٧ / ٧٠٦.
آخِرِهَا مِثْل الشَّجَّةِ طُولًا وَعَرْضًا، وَلاَ يُرَاعِي الْعُمْقَ لأَِنَّ حَدَّهُ الْعَظْمُ.
وَلاَ يُوضِحُ بِالسَّيْفِ لأَِنَّهُ لاَ تُؤْمَنُ الزِّيَادَةُ.
وَكَذَا لَوْ أَوْضَحَ بِحَجَرٍ أَوْ خَشَبٍ يُقْتَصُّ مِنْهُ بِالْحَدِيدَةِ.
وَإِنْ أَوْضَحَ جَمِيعَ رَأْسِهِ وَرَأْسَاهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي الْمِسَاحَةِ، أَوْضَحَ جَمِيعَ رَأْسِهِ.
وَإِنْ كَانَ رَأْسُ الشَّاجِّ أَصْغَرَ اسْتَوْعَبْنَاهُ إِيضَاحًا، وَلاَ يُكْتَفَى بِهِ، وَلاَ نُتْمِمْهُ مِنَ الْوَجْهِ وَالْقَفَا لأَِنَّهُمَا غَيْرُ مَحَل الْجِنَايَةِ، بَل يُؤْخَذُ قِسْطُ مَا بَقِيَ مِنْ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ لَوْ وُزِّعَ عَلَى جَمِيعِ الْمُوضِحَةِ لِتَعَيُّنِهِ طَرِيقًا.
وَإِنْ كَانَ رَأْسُ الشَّاجِّ أَكْبَرَ لَمْ يُوضَحْ جَمِيعُهُ، بَل يُقَدِّرُهُ بِالْمِسَاحَةِ، وَالاِخْتِيَارُ فِي مَوْضِعِهِ إِلَى الْجَانِي.
وَلَوْ أَرَادَ أَنَّ يَسْتَوْفِيَ بَعْضَ حَقِّهِ مِنْ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ وَبَعْضَهُ مِنْ مُؤَخِّرِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، لأَِنَّهُ يَأْخُذُ مُوضِحَتَيْنِ بَدَل مُوضِحَةٍ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْبَعْضَ وَيَأْخُذَ الْبَاقِيَ قِسَطَهُ مِنَ الأَْرْشِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنَ اسْتِيفَاءِ الْبَاقِي لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (١) .
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ٣٠٩، ورد المحتار ٥ / ٣٧٣، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٥١، وروضة الطالبين ٩ / ١٩٠ - ١٩٢، والمغني لابن قدامة ٧ / ٧٠٤ - ٧٠٦، وكشاف القناع ٥ / ٥٥٩.
ج - أَرْشُ الْمُوضِحَةِ
٧ - فِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الإِْبِل إِنْ كَانَتْ خَطَأً.
قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ أَرْشَهَا مُقَدَّرٌ، فَقَدْ وَرَدَ فِي كِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ﵁: فِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الإِْبِل (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (دِيَاتٌ ف ٦٥) .
د - شُمُول الْمُوضِحَةِ لِلرَّأْسِ وَالْوَجْهِ
٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُوضِحَةِ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ، فَقَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: إِنَّ الْمُوضِحَةَ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ سَوَاءٌ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ الْفَارُوقِ ﵄ وَبِهِ قَال شُرَيْحٌ وَمَكْحُولٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَرَبِيعَةُ وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ الْحَسَنِ وَإِسْحَاقُ لِعُمُومِ الأَْحَادِيثِ وَقَوْل أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄: " الْمُوضِحَةُ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ سَوَاءٌ (٢) "، فَكَانَ أَرْشُهَا خَمْسًا مِنَ
_________
(١) حديث: " في الموضحة خمس. . . ". أخرجه النسائي (٨ / ٥٨ - ط المكتبة التجارية الكبرى)، وخرجه ابن حجر في التلخيص (٤ / ١٧ - ١٨ - ط شركة الطباعة الفنية)، وتكلم على أسانيده ونقل تصحيحه عن جماعة من العلماء.
(٢) أثر: " الموضحة في الرأس. . . ". أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٨ / ٨٢ - ط مجلس دائرة المعارف) .
الإِْبِل كَغَيْرِهَا، وَلاَ عِبْرَةَ بِكَثْرَةِ الشَّيْنِ بِدَلِيل التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمُوضِحَةِ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ فِي الأَْرْشِ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: مُوضِحَةُ الرَّأْسِ مِثْل مُوضِحَةِ الْوَجْهِ، إِلاَّ إِذَا تَشَيَّنَ الْوَجْهُ فَيُزَادُ فِيهَا لِشَيْنِهَا.
وَإِذَا كَانَتِ الْمُوضِحَةُ فِي الأَْنْفِ أَوْ فِي اللَّحْيِ الأَْسْفَل فَفِيهَا حُكُومَةٌ، لأَِنَّهَا تَبْعُدُ مِنَ الدِّمَاغِ فَأَشْبَهَتْ مُوضِحَةَ سَائِرِ الْبَدَنِ (٢) .
وَقَال سَعِيْدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: إِنَّ مُوضِحَةَ الْوَجْهِ تُضَعَّفُ عَلَى مُوضِحَةِ الرَّأْسِ، فَتَجِبُ فِي مُوضِحَةِ الْوَجْهِ عَشْرٌ مِنَ الإِْبِل لأَِنَّ شَيْنَهَا أَكْثَرُ، فَمُوضِحَةُ الرَّأْسِ يَسْتُرُهَا الشَّعْرُ وَالْعِمَامَةُ (٣) .
انْظُرْ مُصْطَلَحَ (دِيَاتٌ ف ٦٥) .
٩ - وَيَجِبُ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ فِي الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ وَالْبَارِزَةِ وَالْمَسْتُورَةِ بِالشَّعْرِ، لأَِنَّ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٧٣، والجوهرة النيرة ٢ / ١٣١ الطبعة الأولى، والمغني والشرح الكبير ٩ / ٦٤١، ومغني المحتاج ٤ / ٥٩ - ٦٠، وكشاف القناع ٥ / ٥٥٩.
(٢) المدونة الكبرى ٦ / ٣١٠، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٥١.
(٣) المغني والشرح الكبير ٩ / ٦٤١.
الْمُوضِحَةَ تَشْمَل الْجَمِيعَ وَحَدُّ الْمُوضِحَةِ مَا أَفْضَى إِلَى الْعَظْمِ وَلَوْ بِقَدْرِ إِبْرَةٍ.
وَإِنْ شَجَّهُ فِي رَأْسِهِ شَجَّةً بَعْضُهَا مُوضِحَةٌ وَبَعْضُهَا دُونَ الْمُوضِحَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْشِ مُوضِحَةٍ، لأَِنَّهُ لَوْ أَوْضَحَ الْجَمِيعَ لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْشِ مُوضِحَةٍ، فَلأَِنْ لاَ يَلْزَمُهُ فِي الإِْيضَاحِ فِي الْبَعْضِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ أَوْلَى (١) .
هـ - مُوضِحَةُ غَيْرِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ
١٠ - لَيْسَ فِي غَيْرِ مُوضِحَةِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ مُقَدَّرٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّ اسْمَ الْمُوضِحَةِ إِنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى الْجِرَاحَةِ الْمَخْصُوصَةِ فِي الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ.
وَقَوْل الْخَلِيفَتَيْنِ الرَّاشِدِينَ: " الْمُوضِحَةُ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ سَوَاءٌ " يَدُل عَلَى أَنَّ بَاقِيَ الْجَسَدِ بِخِلاَفِهِ، وَلأَِنَّ الشَّيْنَ فِيمَا فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ أَكْثَرُ وَأَخْطَرُ مِمَّا فِي سَائِرِ الْبَدَنِ، فَلاَ يُلْحَقُ بِهِ.
ثُمَّ إِيجَابُ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْبَدَنِ يُفْضِي إِلَى أَنْ يَجِبَ فِي مُوضِحَةِ الْعُضْوِ أَكْثَرُ عَنْ دِيَتِهِ، مِثْل أَنْ يُوضِحَ أُنْمُلَةً دِيَتُهَا ثَلاَثَةٌ وَثُلُثٌ، وَدِيَةُ الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ.
وَقَال اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: إِنَّ الْمُوضِحَةَ تَكُونُ
_________
(١) رد المحتار ٥ / ٣٧٢، والدسوقي ٤ / ٢٥١، ومغني المحتاج ٤ / ٥٨، والمغني والشرح الكبير ٩ / ٢٤٢.
فِي الْجَسَدِ أَيْضًا، وَقَال الأَْوْزَاعِيُّ فِي جِرَاحَةِ الْجَسَدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ جِرَاحَةِ الرَّأْسِ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءِ الْخُرَاسَانِيِّ قَال: فِي الْمُوضِحَةِ فِي سَائِرِ الْجَسَدِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ دِينَارًا (١) .
و تَعَدِّي شَيْنِ مُوضِحَةِ الرَّأْسِ:
١١ - إِنْ أَوْضَحَهُ فِي رَأْسِهِ وَجَرَّ السِّكِّينَ إِلَى قَفَاهُ فَعَلَيْهِ أَرْشُ مُوضِحَةٍ وَحُكُومَةٌ لِجَرِّ الْقَفَا، لأَِنَّ الْقَفَا لَيْسَ بِمَوْقِعٍ لِلْمُوضِحَةِ.
وَإِنْ أَوْضَحَهُ فِي رَأْسِهِ وَجَرَّهَا إِلَى وَجْهِهِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مُوضِحَةٌ وَاحِدَةٌ، لأَِنَّ الْوَجْهَ وَالرَّأْسَ سَوَاءٌ فِي الْمُوضِحَةِ، فَصَارَ كَالْعُضْوِ الْوَاحِدِ، وَالثَّانِي: هُمَا مُوضِحَتَانِ لأَِنَّهُ أَوْضَحَهُ فِي عُضْوَيْنِ، فَكَانَ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمُ نَفْسِهِ، كَمَا لَوْ أَوْضَحَهُ فِي رَأْسِهِ وَنَزَل إِلَى الْقَفَا (٢) .
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: إِنْ أَوْضَحَهُ فِي رَأْسِهِ مُوضِحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ فَعَلَيْهِ أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ لأَِنَّهُمَا مُوضِحَتَانِ، فَإِنْ أَزَال الْحَاجِزَ الَّذِي بَيْنَهُمَا وَجَبَ أَرْشُ مُوضِحَةٍ وَاحِدَةٍ، لأَِنَّهُ صَارَ الْجَمِيعُ بِفِعْلِهِ مُوضِحَةً، فَصَارَ كَمَا لَوْ أَوْضَحَ الْكُل مِنْ غَيْرِ حَاجِزٍ يَبْقَى بَيْنَهُمَا.
_________
(١) المغني والشرح الكبير ٩ / ٦٤٢.
(٢) المغني مع الشرح الكبير ٩ / ٦٤٣.
وَإِنْ انْدَمَلَتَا ثُمَّ أَزَال الْحَاجِزَ بَيْنَهُمَا فَعَلَيْهِ أَرْشُ ثَلاَثِ مَوَاضِحَ، لأَِنَّهُ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَرْشُ الأُْولَيَيْنِ بِالاِنْدِمَال، ثُمَّ لَزِمَتْهُ دِيَةُ الثَّالِثَةِ.
وَإِنْ تَآكَل مَا بَيْنَهُمَا قَبْل انْدِمَالِهِمَا فَزَال لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْشِ وَاحِدَةٍ، لأَِنَّ سِرَايَةَ فِعْلِهِ كَفِعْلِهِ.
وَإِنِ انْدَمَلَتْ إِحْدَاهُمَا وَزَال الْحَاجِزُ بِفِعْلِهِ أَوْ سِرَايَةِ الأُْخْرَى فَعَلَيْهِ أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ.
وَإِنْ أَزَال الْحَاجِزَ أَجْنَبِيٌّ فَعَلَى الأَْوَّل أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ وَعَلَى الثَّانِي أَرْشُ مُوضِحَةٍ، لأَِنَّ فِعْل أَحَدِهِمَا لاَ يُبْنَى عَلَى فِعْل الآْخَرِ، فَانْفَرَدَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحُكْمِ جِنَايَتِهِ.
وَإِنْ أَزَال الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ وَجَبَ عَلَى الأَْوَّل أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ لأَِنَّ مَا وَجَبَ بِجِنَايَتِهِ لاَ يَسْقُطُ بِفِعْل غَيْرِهِ.
وَإِنِ اخْتَلَفَا، فَقَال الْجَانِي: أَنَا شَقَقْتُ مَا بَيْنَهُمَا، وَقَال الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ: بَل أَنَا، أَوْ أَزَالَهَا آخَرُ سِوَاك، فَالْقَوْل قَوْل الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، لأَِنَّ سَبَبَ أَرْشِ الْمُوضِحَتَيْنِ قَدْ وُجِدَ، وَالْجَانِي يَدَّعِي زَوَالَهُ، وَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ يُنْكِرُهُ، وَالْقَوْل قَوْل الْمُنْكِرِ وَالأَْصْل مَعَهُ (١) .
_________
(١) الدسوقي ٤ / ٢٧١، والمغني مع الشرح الكبير ٩ / ٦٤٣.