الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩ الصفحة 57

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩

تَكُونَ صَالِحَةً لاِلْتِزَامِ الْحُقُوقِ، وَالْمَال لاَ يَقُومُ مَقَامَ الذِّمَّةِ فِيمَا طَرِيقُهُ طَرِيقُ الصِّلَةِ (١) .

د - الْجِزْيَةُ:

٥٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي سُقُوطِ الْجِزْيَةِ عَنِ الذِّمِّيِّ إِذَا مَاتَ قَبْل أَدَائِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَنَّ الْجِزْيَةَ إِذَا وَجَبَتْ عَلَى الذِّمِّيِّ، فَإِنَّهَا تَسْقُطُ بِمَوْتِهِ قَبْل أَدَائِهَا، سَوَاءٌ مَاتَ بَعْدَ الْحَوْل أَوْ فِي أَثْنَائِهِ، وَلاَ تُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهَا عُقُوبَةٌ فَتَسْقُطُ بِالْمَوْتِ كَالْحُدُودِ، وَلأَِنَّهَا تَسْقُطُ أَيْضًا بِإِسْلاَمِهِ، فَتَسْقُطُ كَذَلِك بِمَوْتِهِ.

إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَالُوا: إِذَا أَوْصَى بِهَا فَإِنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ كَسَائِرِ الْوَصَايَا (٢) .

وَالثَّانِي: لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَنَّ الذِّمِّيَّ إِذَا مَاتَ بَعْدَ الْحَوْل، فَإِنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَسْقُطُ عَنْهُ، لأَِنَّهَا دَيْنٌ وَجَبَ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ، فَلَمْ تَسْقُطْ بِمَوْتِهِ، بَل تُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ الْمَالِيَّةِ.

_________

(١) المبسوط للسرخسي ٣ / ٥٠، وبدائع الصنائع ٢ / ٥٣.

(٢) بدائع الصنائع ٢ / ٥٣، والمنتقى للباجي ٢ / ١٧٦، والمغني لابن قدامة ١٣ / ٢٢٢، والهداية مع الفتح ٢ / ٣٥٩، ٦ / ٥٢ - ٥٤، ورد المحتار ٤ / ٢٠٠.

أَمَّا إِذَا مَاتَ فِي أَثَنَاء الْحَوْل، فَلاَ تُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّهَا لاَ تَجِبُ قَبْل كَمَال الْحَوْل.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ تَسْقُطُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ قِسْطُ مَا مَضَى، لأَِنَّهَا كَالأُْجْرَةِ (١) .

هـ - الْكَفَّارَاتُ الْوَاجِبَةُ وَفِدْيَةُ الصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَجَزَاءُ الصَّيْدِ:

٥٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَأْثِيرِ الْمَوْتِ عَلَى الْكَفَّارَاتِ الْمَالِيَّةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الإِْنْسَانِ إِذَا مَاتَ قَبْل أَدَائِهَا، كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَكَفَّارَةِ الْقَتْل الْخَطَأِ وَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَكَفَّارَةِ الإِْفْطَارِ فِي رَمَضَانَ عَمْدًا، وَكَذَا مَا يَلْزَمُهُ مِنْ فَدِيَةِ الصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ إِذَا مَاتَ قَبْل إِخْرَاجِهَا وَذَلِكَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:

الأَْوَّل: لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَنَّ، الْكَفَّارَاتِ وَنَحْوَهَا مِنَ الْوَاجِبَاتِ الْمَالِيَّةِ كَفِدْيَةِ الصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ لاَ تَسْقُطُ بِمَوْتِ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ قَبْل أَدَائِهَا وَتَخْرُجُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ، أَوْصَى بِهَا أَوْ لَمْ يُوصِ (٢) .

_________

(١) شرح منتهى الإرادات ٢ / ١٣٠، وكشاف القناع ٣ / ١٢٢، والمغني ١٣ / ٢٢٢، ونهاية المحتاج ٨ / ٨٨، ٨٩، وأسنى المطالب ٤ / ٢١٦، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١٤٥.

(٢) نهاية المحتاج ٦ / ٥، ٦، والمجموع ٦ / ٢٣١، ٣٣٢، وكشاف القناع ٤ / ٣٥١، ٤٠٤، والقواعد لابن رجب ص ٣٤٤.

وَكَذَلِكَ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِدْيَةُ الصَّوْمِ وَهُوَ مُوسِرٌ، فَمَاتَ قَبْل أَدَائِهَا فَإِنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَأَنَّ الْمُتَمَتِّعَ إِذَا مَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْحَجِّ أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ، وَهُوَ وَاجِدٌ لِلْهَدْيِ، وَلَمْ يَكُنْ أَخْرَجَهُ بَعْدُ، فَيَجِبُ إِخْرَاجُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فِي الْمَذْهَبِ، كَسَائِرِ الدُّيُونِ الْمُسْتَقِرَّةِ (١) .

الثَّانِي: لِلْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ الْكَفَّارَاتِ تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا، إِلاَّ إِذَا أَوْصَى بِهَا قَبْل وَفَاتِهِ، فَحِينَئِذٍ تَخْرُجُ مِنَ الثُّلُثِ كَسَائِرِ الْوَصَايَا، وَمَا زَادَ مِنْهَا عَلَى الثُّلُثِ يَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ أَجَازُوهُ نَفَذَ وَإِنْ رَدُّوهُ بَطَل.

وَكَذَا الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ لِفِدْيَةِ الصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ (٢) .

الثَّالِثُ: لِلْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ الشَّخْصَ إِذَا أَشْهَدَ فِي صِحَّتِهِ عَلَى الْكَفَّارَاتِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ أَنَّهَا بِذِمَّتِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّطْ فِي أَدَائِهَا، فَإِنَّهَا بِمَوْتِهِ تَخْرُجُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ، سَوَاءٌ أَوْصَى بِهَا أَوْ لَمْ يُوصِ.

وَأَمَّا إِذَا فَرَّطَ فِي أَدَائِهَا حَتَّى مَاتَ، وَلَمْ

_________

(١) المجموع شرح المهذب ٦ / ٢٥٩، ٧ / ١٩١، ١٩٢.

(٢) بدائع الصنائع ٢ / ٥٣، وفتح القدير ٢ / ٣٥٨، ٣٥٩، ورد المحتار ٦ / ٧٦٠.

يُشْهِدْ فِي صِحَّتِهِ أَنَّهَا بِذِمَّتِهِ، وَلَكِنَّهُ أَوْصَى بِهَا، فَإِنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي فِدْيَةِ الْحَجِّ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ.

أَمَّا إِذَا لَمْ يُوصِ بِهَا، وَلَمْ يُشْهِدْ أَنَّهَا بِذِمَّتِهِ، فَلاَ يُجْبَرُ الْوَرَثَةُ عَلَى إِخْرَاجِهَا مِنَ التَّرِكَةِ أَصْلًا.

وَأَمَّا الْهَدْيُ الْوَاجِبُ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ فِي الْحَجِّ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ رَأْسِ الْمَال إِذَا مَاتَ الْمُتَمَتِّعُ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، سَوَاءٌ أَوْصَى بِذَلِكَ أَمْ لاَ. وَإِذَا مَاتَ قَبْل رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ إِلاَّ إِذَا قَلَّدَ الْهَدْيَ، فَيَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ ذَبْحُهُ، وَلَوْ مَاتَ قَبْل الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ (١) .

و نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ

٥٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا مَتَى سَلَّمَتْ نَفْسَهَا إِلَيْهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا وَلَمْ تَكُنْ نَاشِزًا.

وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ثُبُوتِهَا دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ إِنْ لَمْ يُؤَدِّهَا إِلَيْهَا، وَوُجُوبِهَا فِي تَرِكَتِهِ إِذَا مَاتَ قَبْل الأَْدَاءِ، أَوْ سُقُوطِهَا بِالْمَوْتِ قَبْلَهُ، وَذَلِكَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:

الأَْوَّل: لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ تَكُونُ عَلَى زَوْجِهَا - حَتَّى لَوْ كَانَ

_________

(١) حاشية الدسوقي ١ / ٤٣٣، ٤ / ٤٠٨، والخرشي وحاشية العدوي ٢ / ٣٨١، ٨ / ١٨٣، ١٩٧.

مُعْسِرًا - إِذَا لَمْ تَمْنَعْهُ تَمَتُّعًا مُبَاحًا، وَتَجِبُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ لَهَا إِذَا لَمْ يَقُمْ بِوَاجِبِ الإِْنْفَاقِ عَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَصْدُرْ بِهَا قَضَاءُ قَاضٍ، وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّهَا لاَ تَسْقُطُ بِمَوْتِ الزَّوْجِ قَبْل الأَْدَاءِ إِلَيْهَا، بَل تُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ الْمُسْتَقِرَّةِ (١) .

الثَّانِي: لِلْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ النَّفَقَةَ الْوَاجِبَةَ عَلَى الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ لاَ تَصِيرُ دَيْنًا وَاجِبًا فِي ذِمَّتِهِ إِلاَّ بِالتَّرَاضِي أَوْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي.

وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنْ قَضَى بِهَا الْقَاضِي وَأَمَرَ الزَّوْجَةَ بِالاِسْتِدَانَةِ عَلَى الزَّوْجِ، فَفَعَلَتْ، فَإِنَّ دَيْنَ النَّفَقَةِ هَذَا لاَ يَسْقُطُ بِمَوْتِ الزَّوْجِ قَبْل أَدَائِهِ إِلَيْهَا.

أَمَّا إِذَا قَضَى بِهَا، وَلَمْ يَأْمُرْهَا بِالاِسْتِدَانَةِ، فَإِنَّهَا تَسْقُطُ بِمَوْتِهِ، لأَِنَّهَا صِلَةٌ، وَالصِّلاَتُ تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ قَبْل التَّسْلِيمِ (٢) .

الثَّالِثُ: لِلْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ النَّفَقَةَ الْوَاجِبَةَ عَلَى الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ لاَ تَلْزَمُهُ فِي حَال إِعْسَارِهِ، وَمَا أَنْفَقَتْهُ الزَّوْجَةُ عَلَى نَفْسِهَا فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ

_________

(١) نهاية المحتاج ٧ / ١٩١، ٢٠١، وأسنى المطالب ٣ / ٤٣٠، ٤٣٢، والمهذب ٢ / ١٦٥، والأم ٥ / ٨٩، وكشاف القناع ٤ / ٤٦٩، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٢٤٧، ٢٥٧، والمغني ١١ / ٣٦٦، ٣٦٧، والمحرر للمجد ابن تيمية ٢ / ١١٥.

(٢) فتح القدير ٤ / ٣٩٤، ورد المحتار ٣ / ٥٩٥.

لاَ تَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَإِذَا مَاتَ الزَّوْجُ عَلَى هَذِهِ الْحَال، فَلاَ يَجِبُ لَهَا فِي تَرِكَتِهِ شَيْءٌ مِنَ النَّفَقَةِ عَنْ تِلْكَ الْمُدَّةِ، لأَِنَّهَا كَانَتْ سَاقِطَةً عَنْهُ خِلاَلَهَا.

أَمَّا إِذَا كَانَ مُوسِرًا، فَإِنَّ مَا تَجَمَّدَ عَلَيْهِ مِنْ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ فِي زَمَنِ الْيَسَارِ، يَكُونُ ثَابِتًا فِي ذِمَّتِهِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ، وَلَوْ لَمْ يَفْرِضْهُ قَاضٍ، وَلاَ يَسْقُطُ بِمَوْتِهِ قَبْل أَدَائِهِ، بَل يُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ كَسَائِرِ دُيُونِ الْعِبَادِ، وَتُحَاصِصُ الزَّوْجَةُ فِيهِ سَائِرَ الْغُرَمَاءِ (١) .

ز - نَفَقَةُ الأَْقَارِبِ:

٥٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ثُبُوتِ نَفَقَةِ الأَْقَارِبِ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لِمَنْ ثَبَتَتْ لَهُ، وَوُجُوبِهَا فِي تَرِكَتِهِ إِذَا مَاتَ قَبْل أَدَائِهَا لِمُسْتَحِقِّهَا، وَذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَنَّ نَفَقَةَ الأَْقَارِبِ تَسْقُطُ بِمَوْتِ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ قَبْل أَدَائِهَا لِمُسْتَحِقِّهَا، لأَِنَّهَا صِلَةٌ، وَالصِّلاَتُ تَبْطُل بِالْمَوْتِ قَبْل التَّسْلِيمِ، إِلاَّ إِذَا فَرَضَهَا الْقَاضِي وَأَمَرَ بِاسْتِدَانَتِهَا عَلَيْهِ، فَفَعَل الْمُسْتَحِقُّ، فَعِنْدَئِذٍ تَصِيرُ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ مَنْ لَزِمَتْهُ، وَلاَ تَسْقُطُ بِمَوْتِهِ قَبْل الأَْدَاءِ، بَل تُؤْخَذُ

_________

(١) الخرشي ٥ / ٢٧٣، ومنح الجليل ٣ / ١٣٦.

مِنْ تَرِكَتِهِ كَسَائِرِ دُيُونِ الْعِبَادِ، حَيْثُ إِنَّهَا تَأَكَّدَتْ بِفَرْضِ الْحَاكِمِ وَأَمْرِهِ بِالاِسْتِدَانَةِ (١) .

الثَّانِي: لِلْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ مُتَجَمِّدَ نَفَقَةِ الأَْقَارِبِ يَسْقُطُ بِمَوْتِ مَنْ لَزِمَتْهُ قَبْل أَدَائِهَا إِلاَّ إِذَا حَكَمَ بِهَا حَاكِمٌ، أَوْ أَنْفَقَ شَخْصٌ عَلَى مَنْ وَجَبَتْ لَهُ غَيْرَ قَاصِدٍ التَّبَرُّعَ عَلَيْهَا بِهَا، وَكَانَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ مُوسِرًا، فَعِنْدَئِذٍ تَصِيرُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، وَلاَ تَسْقُطُ بِمَوْتِهِ قَبْل الأَْدَاءِ، بَل تُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ الثَّابِتَةِ لِلآْدَمِيِّينَ (٢) .

ح - الدِّيَةُ الْوَاجِبَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ:

٥٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْقَتْل الْخَطَأِ تَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ مُنَجَّمَةً عَلَى ثَلاَثِ سِنِينَ.

وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا مَاتَ أَحَدٌ مِمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْعَاقِلَةِ قَبْل الأَْدَاءِ، فَهَل تَسْقُطُ عَنْهُ، أَمْ تَكُونُ دَيْنًا فِي تَرِكَتِهِ، وَذَلِكَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:

الأَْوَّل: لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ

_________

(١) فتح القدير ٤ / ٤٢٥، ورد المحتار ٣ / ٦٢٥، وزاد المعاد ٥ / ٥٠٥ (ط. مؤسسة الرسالة)، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٤٧، ٢٥٧، والإنصاف ٩ / ٤٠٣، وكشاف القناع ٥ / ٤٨٤، والمحرر ٢ / ١١٥، وتحفة المحتاج ٨ / ٣٤٩ ونهاية المحتاج ٧ / ٢١٠، ٢١١، وحاشية الرملي على أسنى المطالب ٣ / ٤٤٤.

(٢) الخرشي وحاشية العدوي عليه ٤ / ٢٠٤، ٢٠٥، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٢ / ٥٢٤.

مَاتَ مِنَ الْعَاقِلَةِ بَعْدَ الْحَوْل وَكَانَ مُوسِرًا، اسْتَقَرَّتِ الدِّيَةُ عَلَيْهِ، وَأُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ مُقَدَّمَةً عَلَى الْوَصَايَا وَالْمِيرَاثِ، وَأَمَّا إِذَا مَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل، أَوْ مَاتَ مُعْسِرًا، فَلاَ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْهَا. الثَّانِي: لأَِبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنَ الْعَاقِلَةِ قَبْل الْحَوْل أَوْ بَعْدَهُ، فَلاَ يَجِبُ فِي تَرِكَتِهِ شَيْءٌ مِمَّا ضُرِبَ عَلَيْهِ مِنَ الدِّيَةِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ إِنْ مَاتَ قَبْل الْحَوْل، فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، إِذْ هِيَ مَالٌ يَجِبُ فِي آخِرِ الْحَوْل عَلَى سَبِيل الْمُوَاسَاةِ، فَأَشْبَهَ الزَّكَاةَ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْحَوْل، فَلاَ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ أَيْضًا، لأَِنَّهُ بِالْمَوْتِ خَرَجَ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ.

الثَّالِثُ: لِلْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ مَا ضُرِبَ عَلَى فَرْدٍ مِنَ الْعَاقِلَةِ، وَكَانَ مُسْتَوْفِيًا لِشُرُوطِهِ حِينَ لَزِمَهُ، فَإِنَّهُ لاَ يَسْقُطُ بِمَوْتِهِ، بَل يَكُونُ دَيْنًا يُقْضَى مِنْ تَرِكَتِهِ، وَحَتَّى مَا كَانَ مُؤَجَّلًا مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَحِل بِمَوْتِهِ (١) .

ط - الْفِعْل الضَّارُّ:

٦٠ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ مَنْ أَلْحَقَ بِغَيْرِهِ ضَرَرًا يَسْتَوْجِبُ ضَمَانًا مَالِيًّا، فَإِنَّهُ يَكُونُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، فَإِذَا مَاتَ قَبْل تَأْدِيَتِهِ، فَإِنَّهُ لاَ يَسْقُطُ بِوَفَاتِهِ،

_________

(١) المغني ١٢ / ٤٧، ونهاية المحتاج ٧ / ٣٥٤، وأسنى المطالب ٤ / ٨٦، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٥٣، والخرشي ٨ / ٤٧.

بَل يَجِبُ فِي تَرِكَتِهِ مُقَدَّمًا عَلَى الْوَصَايَا وَالْمَوَارِيثِ، سَوَاءٌ أَوْصَى بِهِ أَوْ لَمْ يُوصِ، كَسَائِرِ دُيُونِ الآْدَمِيِّينَ.

وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (دَيْنٌ ف ٢٠) .

ثَانِيًا - الاِلْتِزَامَاتُ غَيْرُ الْمَالِيَّةِ:

أ - الْحَجُّ الْوَاجِبُ:

٦١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ مَاتَ بَعْدَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ، وَلَمْ يَحُجَّ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ أَدَائِهِ، هَل يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَجُّ بِمَوْتِهِ أَمْ لاَ؟ وَذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: لِلْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَجُّ بِمَوْتِهِ فِي الأَْحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَلاَ يَلْزَمُ وَرَثَتَهُ، وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ شَيْءٌ لأَِجْل الْحَجِّ عَنْهُ، إِلاَّ إِذَا أَوْصَى بِذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَنْفُذُ فِي حُدُودِ الثُّلُثِ كَسَائِرِ الْوَصَايَا، وَهُوَ قَوْل الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ (١) .

وَحُجَّتُهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْعِبَادَاتِ لاَ يَنُوبُ فِيهَا أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، فَلاَ يُصَلِّي شَخْصٌ عَنْ آخَرَ، وَكَذَلِكَ الْحَجُّ، وَهُوَ مَدْلُول قَوْلِهِ ﷿: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِْنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ (٢) .

_________

(١) فتح القدير ٢ / ٣٥٩، والخرشي ٢ / ٢٩٦، والموافقات ٢ / ١٧٤، ١٧٥، وبداية المجتهد ١ / ٣٢٠، والمغني ٥ / ٣٨، والمبسوط للسرخسي ٢٧ / ١٤٦.

(٢) سورة النجم / ٣٩.

أَمَّا مَنْ أَمَرَ بِالْحَجِّ عَنْهُ أَوْ أَوْصَى بِهِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ فِيهِ سَعْيٌ.

وَالثَّانِي: لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَنَّ الْحَجَّ لاَ يَسْقُطُ عَنْهُ بِالْمَوْتِ، وَيَجِبُ قَضَاؤُهُ مِنْ جَمِيعِ تَرِكَتِهِ، أَوْصَى بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يُوصِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَيَلْزَمُ وَارِثَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مِنْ تَرِكَتِهِ، أَوْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ إِنْ كَانَ لَهُ تَرِكَةٌ.

أَمَّا إِذَا لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا، فَإِنَّ الْحَجَّ يَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ وَلاَ يَلْزَمُ وَارِثَهُ، شَيْءٌ، وَهُوَ قَوْل الْحَسَنِ وَطَاوُسٍ (١) .

وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا رَوَى بُرَيْدَةُ ﵁ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَلَمْ تَحُجَّ قَطُّ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا، قَال: حُجِّي عَنْهَا (٢) وَمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَجُلًا قَال: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ أَبِي مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَال: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ، أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟ قَال: نَعَمْ. قَال: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ (٣)، وَأَيْضًا بِأَنَّ الْحَجَّ حَقٌّ مُسْتَقِرٌّ عَلَيْهِ، وَقَدْ لَزِمَهُ فِي حَال

_________

(١) المجموع ٧ / ١٠٩، ١١٠، والمغني ٥ / ٣٨، والقواعد لابن رجب ص ٣٤٤.

(٢) حديث: " إن أمي ماتت ولم تحج. . . "، أخرجه مسلم (٢ / ٨٠٥ - ط عيسى الحلبي) .

(٣) حديث: " إن أبي مات ولم يحج. . . ". أخرجه النسائي (٥ / ١١٨ - ط المكتبة التجارية الكبرى) .