الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩
الْحَيَاةِ، وَهُوَ حَقٌّ تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْمَوْتِ كَدَيْنِ الآْدَمِيِّ.
ب - الصَّلاَةُ الْوَاجِبَةُ:
٦٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَلاَةٌ وَاجِبَةٌ، سَقَطَتْ عَنْهُ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا بِمَوْتِهِ، لأَِنَّ الصَّلاَةَ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ مَحْضَةٌ، فَلاَ يَنُوبُ أَحَدٌ عَنِ الْمَيِّتِ فِي أَدَائِهَا، لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْعِبَادَاتِ - كَمَا يَقُول الشَّاطِبِيُّ - الْخُضُوعُ لِلَّهِ وَالتَّوَجُّهُ إِلَيْهِ وَالتَّذَلُّل بَيْنَ يَدَيْهِ وَالاِنْقِيَادُ تَحْتَ حُكْمِهِ وَعِمَارَةُ الْقَلْبِ بِذِكْرِهِ، حَتَّى يَكُونَ الْعَبْدُ بِقَلْبِهِ وَجَوَارِحِهِ حَاضِرًا مَعَ اللَّهِ وَمُرَاقِبًا لَهُ غَيْرَ غَافِلٍ عَنْهُ، وَأَنْ يَكُونَ سَاعِيًا فِي مَرْضَاتِهِ وَمَا يُقَرِّبُ إِلَيْهِ عَلَى حَسَبِ طَاقَتِهِ، وَالنِّيَابَةُ تُنَافِي هَذَا الْمَقْصُودَ وَتُضَادُّهُ، لأَِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ لاَ يَكُونَ الْعَبْدُ عَبْدًا وَلاَ الْمَطْلُوبُ بِالْخُضُوعِ وَالتَّوَجُّهِ خَاضِعًا وَلاَ مُتَوَجِّهًا إِذَا نَابَ عَنْهُ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ، وَإِذَا قَامَ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ مَقَامَهُ، فَذَلِكَ الْغَيْرُ هُوَ الْخَاضِعُ الْمُتَوَجِّهُ، وَالْخُضُوعُ وَالتَّوَجُّهُ وَنَحْوُهُمَا إِنَّمَا هُوَ اتِّصَافٌ بِصِفَاتِ الْعُبُودِيَّةِ، وَالاِتِّصَافُ لاَ يَعْدُو الْمُتَّصِفَ بِهِ وَلاَ يَنْتَقِل عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ. (١)
_________
(١) الموافقات ٢ / ١٦٧، وفتح القدير ٢ / ٣٥٩، ٣٦٠، والمجموع ٦ / ٣٧٢، ونهاية المحتاج ٢ / ١٨٧، والمنتقى ٢ / ٦٣، وبداية المجتهد ١ / ٣٢٠، وإعلام الموقعين ٤ / ٣٩٠.
غَيْرَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَالُوا: إِذَا أَوْصَى مَنْ عَلَيْهِ صَلَوَاتٌ فَائِتَةٌ بِالْكَفَّارَةِ، فَيَلْزَمُ وَلِيَّهُ - وَهُوَ مَنْ لَهُ وِلاَيَةُ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ بِوِلاَيَةٍ أَوْ وِرَاثَةٍ - أَنْ يُعْطِيَ عَنْهُ لِكُل صَلاَةٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ كَالْفِطْرَةِ، وَذَلِكَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ كَسَائِرِ الْوَصَايَا، فَإِنْ لَمْ يُوصِ بِذَلِكَ سَقَطَتْ عَنْهُ تِلْكَ الصَّلَوَاتُ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الدُّنْيَا لِلتَّعَذُّرِ (١)، وَقَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ - عَلَى خِلاَفِ الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ - يُطْعِمُ الْوَلِيُّ عَنْ كُل صَلاَةٍ فَائِتَةٍ مُدًّا. (٢)
ج - الصَّوْمُ الْوَاجِبُ:
٦٣ - الصَّوْمُ الْوَاجِبُ شَرْعًا عَلَى صُنُوفٍ، فَمِنْهُ مَا يَجِبُ مُحَدَّدًا بِزَمَانٍ مُعَيَّنٍ، كَصَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ كُل عَامٍ، وَمِنْهُ مَا يَجِبُ بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارَاتٍ أُخْرَى كَصَوْمِ الْكَفَّارَاتِ بِأَنْوَاعِهَا - كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَالظِّهَارِ - وَصَوْمِ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَالْحَلْقِ وَالْمُتْعَةِ فِي الْحَجِّ، وَمِنْهُ مَا يَجِبُ عَلَى سَبِيل الْبَدَل، كَقَضَاءِ رَمَضَانَ، وَمِنْهُ مَا يَجِبُ بِغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَدْ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْل الْعِلْمِ - كَمَا قَال ابْنُ قُدَامَةَ - إِلَى أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ بِأَحَدِ
_________
(١) رد المحتار ١ / ٢٣٧.
(٢) نهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي عليه ٣ / ١٨٨.
الأَْسْبَابِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ أَدَائِهِ إِمَّا لِضِيقِ الْوَقْتِ، أَوْ لِعُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ عَجْزٍ عَنِ الصَّوْمِ، وَدَامَ عُذْرُهُ إِلَى أَنْ مَاتَ، فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ شَرْعًا، وَلاَ يَجِبُ عَلَى وَرَثَتِهِ صِيَامٌ وَلاَ فِي تَرِكَتِهِ إِطْعَامٌ، وَلاَ غَيْرُ ذَلِكَ (١) .
٦٤ - أَمَّا إِذَا كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنَ الصِّيَامِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُؤَدِّهِ حَتَّى مَاتَ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي سُقُوطِهِ عَنْهُ بِالْمَوْتِ عَلَى قَوْلَيْنِ.
الْقَوْل الأَْوَّل: لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الْجَدِيدِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمُ رَمَضَانَ أَوْ كَفَّارَةٌ أَوْ نَحْوُهُمَا مِنَ الصَّوْمِ الْوَاجِبِ، سَقَطَ عَنْهُ الصَّوْمُ فِي الأَْحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَلاَ يَلْزَمُ وَلِيَّهُ أَنْ يَصُومَ عَنْهُ، لأَِنَّ فَرْضَ الصِّيَامِ جَارٍ مَجْرَى الصَّلاَةِ، فَلاَ يَنُوبُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ فِيهِ (٢) .
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ هَذَا الرَّأْيِ فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى مَذْهَبَيْنِ.
الْمَذْهَبُ الأَْوَّل: لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ أَوِ الْوَرَثَةِ أَنْ يُطْعِمُوا
_________
(١) المغني ٤ / ٣٩٨، والمجموع ٦ / ٣٦٨، ٣٦٩، والمبسوط ٣ / ٨٩، ٩٠.
(٢) فتح القدير والعناية ٢ / ٣٥١، ٣٥٢، ٣٥٨، ٣٥٩، والمجموع ٦ / ٣٦٨ - ٣٧٢، والمغني ٤ / ٣٩٨، ونهاية المحتاج ٣ / ١٨٤، وبداية المجتهد ١ / ٢٩٩، وإعلام الموقعين ٤ / ٣٩٠، والمنتقى ٢ / ٦٣.
عَنْهُ شَيْئًا إِلاَّ إِذَا أَوْصَى بِذَلِكَ، فَإِنْ أَوْصَى بِهِ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ التَّرِكَةِ كَسَائِرِ الْوَصَايَا.
الْمَذْهَبُ الثَّانِي: لِلْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يُطْعِمَ عَنْهُ لِكُل يَوْمٍ مِسْكِينًا، سَوَاءٌ أَوْصَى بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يُوصِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ وَبِهِ قَال اللَّيْثُ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ عَلِيَّةَ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُمْ (١) .
وَالْقَوْل الثَّانِي: لِلشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ وَاجِبٌ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ عَلَى سَبِيل الْجَوَازِ دُونَ اللُّزُومِ، مَعَ تَخْيِيرِ الْوَلِيِّ بَيْنَ الصِّيَامِ عَنْهُ وَبَيْنَ الإِْطْعَامِ (٢) .
وَاحْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ (٣) وَمَا رَوَى بُرَيْدَةُ ﵁
_________
(١) المغني ٤ / ٣٩٨، وبداية المجتهد ١ / ٢٩٩، ٣٠٠، والمجموع ٦ / ٣٦٨، ٣٦٩، ٣٧١، والمنتقى ٢ / ٦٣، وفتح القدير مع العناية ٢ / ٣٥٢، ٣٥٣، ٣٥٧، ٣٥٨، والموافقات ٢ / ١٧٤.
(٢) المجموع ٦ / ٣٦٨، ٣٦٩، ٣٧٢، والمغني ٤ / ٣٩٨، ونهاية المحتاج ٣ / ١٨٤.
(٣) حديث عائشة: " من مات وعليه صيام. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ١٩٢ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٨٠٣ - ط عيسى الحلبي) .
٠٠ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ، وَكَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَال: صَوْمِي عَنْهَا (١) وَمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ فَقَال: لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ عَنْهَا؟ قَال: نَعَمْ. قَال: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى (٢) .
أَثَرُ الْمَوْتِ عَلَى الاِلْتِزَامَاتِ الثَّابِتَةِ بِاخْتِيَارِ الْمُكَلَّفِ:
الاِلْتِزَامُ الاِخْتِيَارِيُّ لِلْمُكَلَّفِ هُوَ مَا يَثْبُتُ بِإِرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ، وَهَذَا الاِلْتِزَامُ قَدْ يَكُونُ أَثَرًا لِتَعَاقُدٍ وَارْتِبَاطٍ تَمَّ بَيْنَ إِرَادَةِ شَخْصَيْنِ، وَقَدْ يَكُونُ أَثَرًا لِعَهْدٍ قَطَعَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِإِرَادَتِهِ الْمُنْفَرِدَةِ.
أَوَّلًا - الاِلْتِزَامَاتُ الْعَقَدِيَّةُ الَّتِي تَنْشَأُ بِإِرَادَةِ طَرَفَيْنِ:
٦٥ - وَمَنْشَأُ هَذِهِ الاِلْتِزَامَاتِ الْعَقْدُ، الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ ارْتِبَاطِ الإِْيجَابِ الصَّادِرِ مِنْ أَحَدِ
_________
(١) حديث بريدة: " إن أمي ماتت وعليها صوم شهر. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ٨٠٥ - ط عيسى الحلبي) .
(٢) حديث: " إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه. . ". سبق تخريجه ف ٥٢.
الْعَاقِدَيْنِ بِقَبُول الآْخَرِ عَلَى وَجْهٍ يَثْبُتُ أَثَرُهُ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ (١) .
وَالاِلْتِزَامَاتُ النَّاشِئَةُ عَنِ الْعُقُودِ عَلَى ثَلاَثِ أَقْسَامٍ، الْتِزَامَاتٌ نَاشِئَةٌ عَنْ عُقُودٍ لاَزِمَةٍ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَالْتِزَامَاتٌ نَاشِئَةٌ عَنْ عُقُودٍ جَائِزَةٍ (غَيْرِ لاَزِمَةٍ) مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَالْتِزَامَاتٌ نَاشِئَةٌ عَنْ عُقُودٍ لاَزِمَةٍ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
الْقِسْمُ الأَْوَّل: الْعُقُودُ اللاَّزِمَةُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ:
أ - الْبَيْعُ:
٦٦ - لَمْ يَخْتَلِفِ الْفُقَهَاءُ فِي أَنَّ الْبَيْعَ مَتَى لَزِمَ، فَإِنَّ مَا يَنْشَأُ عَنْهُ مِنِ الْتِزَامٍ عَلَى أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ تُجَاهَ الآْخَرِ لاَ يَسْقُطُ وَلاَ يَبْطُل بِمَوْتِهِ، فَإِذَا مَاتَ الْبَائِعُ قَامَ وَرَثَتُهُ بِإِيفَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنِ الْتِزَامَاتٍ تُجَاهَ الْمُشْتَرِي، وَإِذَا مَاتَ الْمُشْتَرِي قَامَ وَرَثَتُهُ بِتَنْفِيذِ مَا عَلَيْهِ مِنْ وَاجِبَاتٍ وَالْتِزَامَاتٍ تُجَاهَ الْبَائِعِ، وَذَلِكَ فِي حُدُودِ مَا تَرَكَ (٢) . قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَإِنْ مَاتَ الْمُتَبَايِعَانِ، فَوَرَثَتُهُمَا بِمَنْزِلَتِهِمَا، لأَِنَّهُمْ يَقُومُونَ فِي أَخْذِ مَالِهِمَا وَإِرْثِ حُقُوقِهِمَا،
_________
(١) مرشد الحيران م ٢٦٢.
(٢) تكملة فتح القدير ٧ / ٢٠٤، والمجموع للنووي ٩ / ٢١١، والقواعد لابن رجب ص ٣٤٤، والمغني لابن قدامة ٦ / ٢٨٦.
فَكَذَلِكَ مَا يَلْزَمُهُمَا أَوْ يَصِيرُ لَهُمَا (١) .
وَلِلتَّفْصِيل (ر: عَقْدٌ ف ٦١) .
٦٧ - وَقَدِ اسْتَثْنَى الْفُقَهَاءُ مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا مَاتَ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ مُفْلِسًا، وَأَوْرَدُوا تَفْصِيلًا فِي أَثَرِ ذَلِكَ عَلَى الاِلْتِزَامَاتِ النَّاشِئَةِ عَنْ عَقْدِ الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ ثَمَّةَ اخْتِلاَفٌ فِي الْفُرُوعِ وَالْجُزْئِيَّاتِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
أ - إِذَا اشْتَرَى شَخْصٌ شَيْئًا، ثُمَّ مَاتَ مُفْلِسًا بَعْدَ أَدَاءِ ثَمَنِهِ لِلْبَائِعِ، فَالْمَبِيعُ مِلْكُهُ خَاصَّةً، سَوَاءٌ قَبَضَهُ مِنَ الْبَائِعِ أَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.
ب - أَمَّا إِذَا مَاتَ مُفْلِسًا قَبْل تَأْدِيَةِ الثَّمَنِ، فَيُنْظَرُ:
فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُشْتَرِي قَدْ قَبَضَ الْمَبِيعَ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لِلْبَائِعِ أَنْ يَحْبِسَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ ثَمَنَهُ مِنْ تَرِكَةِ الْمُشْتَرِي أَوْ يَبِيعَهُ الْقَاضِي وَيُؤَدِّيَ لِلْبَائِعِ حَقَّهُ مِنْ ثَمَنِهِ، فَإِنْ زَادَ الثَّمَنُ عَنْ حَقِّ الْبَائِعِ يُدْفَعُ الزَّائِدُ لِبَاقِي الْغُرَمَاءِ، وَإِنْ نَقَصَ عَنْ حَقِّ الْبَائِعِ أَخَذَ الْبَائِعُ الثَّمَنَ الَّذِي بِيعَ بِهِ، وَيَكُونُ فِي الْبَاقِي أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ (٢) .
_________
(١) المغني ٦ / ٢٨٦.
(٢) رد المحتار ٤ / ٥٦٤، والحجة على أهل المدينة لمحمد بن الحسن ٢ / ٧١٥، وانظر: م ٤٦٤ من مرشد الحيران وم ٢٩٦ من المجلة العدلية.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَكُونُ الْبَائِعُ أَحَقَّ بِهِ أَيْ أَنَّ لَهُ فَسْخَ الْعَقْدِ وَاسْتِيفَاءَ الْمَبِيعِ لِنَفْسِهِ (١) .
أَمَّا إِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ قَبَضَ الْمَبِيعَ، فَهَل يَكُونُ لِلْبَائِعِ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ فَيَحْبِسَهُ إِنْ كَانَ بَاقِيًا بِعَيْنِهِ، وَيَكُونُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ أَرْبَابِ الْحُقُوقِ عَلَى الْمُشْتَرِي كَمَا لَوْ كَانَ بَاقِيًا فِي يَدِهِ، أَمْ يَصِيرُ الْبَائِعُ بِقَبْضِ الْمُشْتَرِي لَهُ قَبْل مَوْتِهِ مِثْل بَاقِي الْغُرَمَاءِ؟ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْبَائِعِ بَعْدَ أَنْ قَبَضَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ اسْتِرْدَادُهُ، بَل يَكُونُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ، فَيَقْسِمُونَهُ، جَمِيعًا (٢)، وَاحْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ، وَلَمْ يَقْبِضِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا، فَوَجَدَ مَتَاعَهُ
_________
(١) حاشية الدسوقي ٣ / ٢٥٤، وحاشية العدوي على الخرشي ٥ / ٢٨١.
(٢) رد المحتار ٤ / ٥٦٤، والحجة على أهل المدينة ٢ / ٧١٥، وبدائع الصنائع ٥ / ٢٥٢، وانظر م ٤٦٣ من مرشد الحيران وم ٢٩٥ من المجلة العدلية، وشرح ميارة على التحفة ٢ / ٢٤٢، والتاودي على التحفة ٢ / ٣٣٣، والنووي على مسلم ١٠ / ٢٢٢، والإفصاح لابن هبيرة ص ٢٤٢، وكشاف القناع ٣ / ٣٥٥، ومعالم السنن للخطابي ٣ / ١٥٩، والقوانين الفقهية ص ٣٤٨.
بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُشْتَرِي فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ (١) .
الْقَوْل الثَّانِي: لِلشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ أَنَّ الْبَائِعَ بِالْخِيَارِ: إِنْ شَاءَ تَرَكَ الْمَبِيعَ وَضَارَبَ الْغُرَمَاءَ بِثَمَنِهِ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَرَدَّهُ، وَكَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ (٢) وَذَلِكَ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى: أَيُّمَا رَجُلٍ مَاتَ أَوْ أَفْلَسَ فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أَحَقُّ بِمَتَاعِهِ إِذَا وَجَدَهُ بِعَيْنِهِ (٣) .
ج - أَمَّا إِذَا مَاتَ الْبَائِعُ مُفْلِسًا بَعْدَ قَبْضِ الثَّمَنِ وَقَبْل تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي، فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِي يَكُونُ أَحَقَّ بِالْمَبِيعِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ لِلْبَائِعِ حَقُّ حَبْسِهِ فِي حَيَاتِهِ، بَل
_________
(١) حديث: " أيما رجل باع. . . ". أخرجه ابن ماجه (٢ / ٧٩٠ - ط عيسى الحلبي) من حديث أبي هريرة، وأخرجه أبو داود (٣ / ٧٩١ - ٧٩٢ - ط حمص) عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام مرسلًا، واللفظ لأبي داود.
(٢) النووي على مسلم ١٠ / ٢٢٢، ومعالم السنن للخطابي ٣ / ١٥٩، ونهاية المحتاج ٤ / ٣٢٥، وأسنى المطالب وحاشية الرملي عليه ٢ / ١٩٤.
(٣) حديث: " أن النبي ﷺ قضى أيما رجل مات. . . " أخرجه ابن ماجه (٢ / ٧٩٠ - ط عيسى الحلبي) . وأخرجه كل من البخاري (فتح الباري ٥ / ٦٢ - ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١١٩٣ - ط عيسى الحلبي) بلفظ مقارب.
لِلْمُشْتَرِي جَبْرُهُ عَلَى تَسْلِيمِهِ إِلَيْهِ مَا دَامَتْ عَيْنُهُ قَائِمَةً، فَيَكُونُ لَهُ أَخْذُهُ بَعْدَ مَوْتِ الْبَائِعِ أَيْضًا، إِذْ لاَ حَقَّ لِلْغُرَمَاءِ فِيهِ بِوَجْهٍ، لأَِنَّهُ أَمَانَةٌ عِنْدَ الْبَائِعِ - وَإِنْ كَانَ مَضْمُونًا بِالثَّمَنِ لَوْ هَلَكَ عِنْدَهُ - وَعَلَى هَذَا كَانَ لَهُ أَخْذُهُ إِنْ كَانَتْ عَيْنُهُ بَاقِيَةً أَوِ اسْتِرْدَادُ ثَمَنِهِ إِنْ كَانَ قَدْ هَلَكَ عِنْدَ الْبَائِعِ أَوْ عِنْدَ وَرَثَتِهِ (١) . وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (إِفْلاَسٌ ف ٣٧) .
ب - السَّلَمُ:
٦٨ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ رَبَّ السَّلَمِ إِذَا مَاتَ بَعْدَ تَأْدِيَةِ رَأْسِ مَال السَّلَمِ فَإِنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ يَكُونُ دَيْنًا لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ، وَيَقُومُ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ فِي اسْتِيفَائِهِ مِنْهُ كَسَائِرِ دُيُونِهِ الْمُؤَجَّلَةِ.
وَلَكِنْ إِذَا مَاتَ الْمُسْلَمُ إِلَيْهِ قَبْل حُلُول زَمَنِ الْوَفَاءِ، فَهَل يَبْطُل الأَْجَل بِمَوْتِهِ، وَيَحِل دَيْنُ السَّلَمِ، أَمْ أَنَّهُ يَبْقَى كَمَا هُوَ إِلَى وَقْتِهِ؟ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ الأَْجَل يَبْطُل بِمَوْتِ الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ، وَيَحِل دَيْنُ السَّلَمِ، وَيَلْزَمُ
_________
(١) رد المحتار ٤ / ٥٦٤، والمنتقى للباجي ٥ / ٩١، وانظر: م ٤٦٥ من مرشد الحيران وم ٢٩٧ من المجلة العدلية.