الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩ الصفحة 56

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩

الْقَاضِي بِأَنَّهَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَهِيَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَبْطُل بِمَوْتِ الْمُوصَى لَهُ قَبْل قَبُولِهِ، لأَِنَّهَا عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إِلَى الْقَبُول، فَإِذَا مَاتَ مَنْ لَهُ حَقُّ الْقَبُول قَبْلَهُ بَطَل الْعَقْدُ، كَالْهِبَةِ، وَلأَِنَّهُ خِيَارٌ لاَ يُعْتَاضُ عَنْهُ، فَيَبْطُل بِالْمَوْتِ، كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ وَالشَّرْطِ وَخِيَارِ الأَْخْذِ بِالشُّفْعَةِ (١) .

ثَانِيَ عَشَرَ - حَقُّ الْمَوْهُوبِ لَهُ فِي قَبُول الْهِبَةِ وَقَبْضِهَا:

٥٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبْل الْقَبُول، هَل تَبْطُل الْهِبَةُ بِمَوْتِهِ، أَمْ أَنَّ حَقَّ الْقَبُول يَنْتَقِل إِلَى وَرَثَتِهِ؟ وَذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ إِذَا مَاتَ قَبْل الْقَبُول بَطَلَتِ الْهِبَةُ، وَلَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِ حَقُّ الْقَبُول مِنْ بَعْدِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَوْجَبَ الْبَيْعَ فَمَاتَ الْمُشْتَرِي قَبْل الْقَبُول.

وَإِذَا مَاتَ بَعْدَ الْقَبُول وَقَبْل الْقَبْضِ، فَإِنَّ الْهِبَةَ تَبْطُل أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، لأَِنَّهَا لاَ تَلْزَمُ وَلاَ يَنْتَقِل الْمِلْكُ فِيهَا إِلاَّ بِالْقَبْضِ، وَقَدِ انْعَدَمَ ذَلِكَ بِمَوْتِ الْمَوْهُوبِ لَهُ قَبْلَهُ، وَلأَِنَّ الْهِبَةَ صِلَةٌ، وَالصِّلاَتُ تَبْطُل

_________

(١) مواهب الجليل ٦ / ٣٦٧، والمبدع ٦ / ٢١، والمغني ٨ / ٤١٧، والقواعد لابن رجب ص ٣٤٣.

بِالْمَوْتِ قَبْل الْقَبْضِ، وَلأَِنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ قَبْلَهُ، فَبَطَل بِمَوْتِ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ، كَالْوَكَالَةِ وَالشَّرِكَةِ.

وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ، حَيْثُ نَصُّوا عَلَى عَدَمِ انْفِسَاخِ الْهِبَةِ بِمَوْتِ الْمُتَّهِبِ قَبْل الْقَبْضِ، لأَِنَّهُ عَقْدٌ يَئُول إِلَى اللُّزُومِ، فَلَمْ يَبْطُل بِالْمَوْتِ، كَالْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، وَيَقُومُ وَارِثُ الْمُتَّهِبِ مَقَامَ مُوَرِّثِهِ فِي الْقَبْضِ (١) .

وَالثَّانِي: لِلْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ إِذَا مَاتَ وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ بِالْهِبَةِ، فَإِنَّهَا لاَ تَبْطُل، وَيَقُومُ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ فِي الْقَبُول أَوِ الرَّدِّ، إِلاَّ إِذَا كَانَ الْوَاهِبُ يَقْصِدُ شَخْصَ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَذَاتَهُ لَفْظًا أَوْ بِدَلاَلَةِ قَرَائِنِ الأَْحْوَال، فَحِينَئِذٍ تَبْطُل الْهِبَةُ بِمَوْتِهِ قَبْل الْقَبُول، لأَِنَّ الْحَقَّ هَاهُنَا شَخْصِيٌّ، فَيَنْتَهِي بِمَوْتِ صَاحِبِهِ، وَلاَ يَنْتَقِل إِلَى وَرَثَتِهِ.

أَمَّا إِذَا مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْهِبَةِ، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ رَدٌّ حَتَّى مَاتَ، فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ قَابِلًا

_________

(١) رد المحتار ٥ / ٧٠١، والمهذب ١ / ٤٥٤، ومغني المحتاج ٢ / ٤٠١، ونهاية المحتاج ٥ / ٤١٢، وأسنى المطالب ٢ / ٤٨٢، وكشاف القناع ٤ / ٣٠٣، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٥٢٠، والمغني ٨ / ٢٤٣، وانظر م (٨٣) من مرشد الحيران وم (٨٤٩) من المجلة العدلية وم (٩٠٥) من مجلة الأحكام الشرعية على مذهب أحمد.

حُكْمًا، وَيَقُومُ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ فِي الْقَبْضِ، وَكَذَا إِذَا قَبِل صَرَاحَةً، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَقْبِضِ الْهِبَةَ حَتَّى وَافَتْهُ الْمَنِيَّةُ، فَيُورَثُ عَنْهُ حَقُّ قَبْضِهَا (١) .

ثَالِثَ عَشَرَ - حَقُّ الْوَاهِبِ فِي الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ

٥١ - ذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى أَنَّ حَقَّ الْوَاهِبِ فِي الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ يَسْقُطُ بِمَوْتِهِ، وَلاَ يَنْتَقِل إِلَى وَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ لأَِنَّ الْخِيَارَ فِي الرُّجُوعِ فِيهَا حَقٌّ شَخْصِيٌّ لِلْوَاهِبِ، ثَبَتَ لَهُ لِمَعَانٍ وَأَوْصَافٍ ذَاتِيَّةٍ فِيهِ، وَالْحَقُّ الشَّخْصِيُّ لاَ يُورَثُ.

ثُمَّ إِنَّ الشَّارِعَ إِنَّمَا أَوْجَبَ هَذَا الْحَقَّ لِلْوَاهِبِ، وَالْوَارِثُ لَيْسَ بِوَاهِبٍ.

وَأَيْضًا هُوَ حَقٌّ مُجَرَّدٌ، وَالْحُقُوقُ الْمُجَرَّدَةُ لاَ تُورَثُ ابْتِدَاءً، وَإِنَّمَا تُورَثُ تَبَعًا لِلْمَال، وَوَرَثَةُ الْوَاهِبِ لاَ يَرِثُونَ الْعَيْنَ الْمَوْهُوبَةَ الَّتِي هِيَ مَالٌ، فَلاَ يَرِثُونَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ حَقِّ الرُّجُوعِ (٢) .

_________

(١) الخرشي ٧ / ١٠٦، ١٠٨، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٠٢، والبهجة ٢ / ٢٤٦، والمدونة ١٥ / ١٢٠.

(٢) رد المحتار ٥ / ٧٠١، ٦ / ٧٦٢، وتبيين الحقائق ٥ / ٩٩، ومغني المحتاج ٢ / ٤٠١، والمجموع شرح المهذب ٩ / ٢١١، وأسنى المطالب ٢ / ٤٨٤، وبداية المجتهد ٢ / ٢١١، والفروق للقرافي ٣ / ٢٧٨، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٥٢٠، والمغني ٨ / ٢٤٣، والقواعد لابن رجب ص ٣٤٢.

أَثَرُ الْمَوْتِ عَلَى الْتِزَامَاتِ الْمُتَوَفَّى:

أَثَرُ الْمَوْتِ عَلَى الاِلْتِزَامَاتِ الْمُفْتَرَضَةِ بِنَصِّ الشَّارِعِ:

هُنَاكَ الْتِزَامَاتٌ مَالِيَّةٌ وَغَيْرُ مَالِيَّةٍ، وَسَنَعْرِضُ فِيمَا يَلِي أَثَرَ الْمَوْتِ عَلَى كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الاِلْتِزَامَاتِ:

أَوَّلًا - الاِلْتِزَامَاتُ الْمَالِيَّةُ:

أ - الزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ:

٥٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَأْثِيرِ الْمَوْتِ عَلَى سُقُوطِ دَيْنِ الزَّكَاةِ إِذَا تُوُفِّيَ مَنْ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ فِي مَالِهِ قَبْل أَدَائِهَا، وَذَلِكَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:

الأَْوَّل: لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَتَمَكَّنَ مِنْ أَدَائِهَا، وَلَمْ يُؤَدِّهَا حَتَّى مَاتَ، فَإِنَّهَا لاَ تَسْقُطُ بِمَوْتِهِ، وَيَلْزَمُ إِخْرَاجُهَا مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ عَطَاءٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَاحْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ دَيْنَ الزَّكَاةِ حَقٌّ مَالِيٌّ وَاجِبٌ لَزِمَهُ حَال الْحَيَاةِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِمَوْتِهِ، كَدَيْنِ الْعَبْدِ. وَيُفَارِقُ الصَّلاَةَ، فَإِنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ لاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهَا وَلاَ النِّيَابَةُ فِيهَا

وَبِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى فِي آيَةِ الْمَوَارِيثِ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (١) حَيْثُ عَمَّمَ سُبْحَانَهُ الدُّيُونَ كُلَّهَا، وَالزَّكَاةُ دَيْنٌ قَائِمٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِلْمَسَاكِينِ وَالْفُقَرَاءِ وَالْغَارِمِينَ وَسَائِرِ مَنْ فَرَضَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ بِنَصِّ الْكِتَابِ الْمُبِينِ.

وَبِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ قَال ﷺ: نَعَمْ. قَال: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى (٢) . فَدَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى أَحَقُّ أَنْ تُقْضَى، وَدَيْنُ الزَّكَاةِ مِنْهَا (٣) .

الثَّانِي: لِلْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ مَاتَ، وَعَلَيْهِ دَيْنُ زَكَاةٍ لَمْ يُؤَدِّهِ فِي حَيَاتِهِ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِمَوْتِهِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا، وَلاَ يُلْزَمُ الْوَرَثَةُ بِإِخْرَاجِهَا مِنْ تَرِكَتِهِ مَا لَمْ يُوصِ بِذَلِكَ، فَإِنْ أَوْصَى بِأَدَائِهَا مِنْ تَرِكَتِهِ، فَإِنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهَا كَسَائِرِ الْوَصَايَا، وَمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ لاَ يَنْفُذُ إِلاَّ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ.

وَهُوَ قَوْل ابْنِ سِيرِينَ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَحُمَيْدٍ الطَّوِيل وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَغَيْرِهِمْ.

_________

(١) سورة النساء / ١١.

(٢) حديث: " يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ١٩٢ ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٨٠٤ ط عيسى الحلبي) .

(٣) المغني ٤ / ١٤٥، والمجموع ٥ / ٣٣٥، ٦ / ٢٣١.

وَتَعْلِيل ذَلِكَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّمَا هُوَ الأَْفْعَال، إِذْ بِهَا تَظْهَرُ الطَّاعَةُ وَالاِمْتِثَال، وَمَا كَانَ مَالِيًّا مِنْهَا، فَالْمَال مُتَعَلِّقٌ بِالْمَقْصُودِ، وَهُوَ الْفِعْل، وَقَدْ سَقَطَتِ الأَْفْعَال كُلُّهَا بِالْمَوْتِ، لِتَعَذُّرِ ظُهُورِ طَاعَتِهِ بِهَا فِي دَارِ التَّكْلِيفِ، فَكَانَ الإِْيصَاءُ بِالْمَال الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُهَا تَبَرُّعًا مِنَ الْمَيِّتِ ابْتِدَاءً، فَاعْتُبِرَ مِنَ الثُّلُثِ.

وَأَيْضًا فَإِنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ بِطَرِيقِ الصِّلَةِ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لاَ يُقَابِلُهَا عِوَضٌ مَالِيٌّ، وَالصِّلاَتُ تَبْطُل بِالْمَوْتِ قَبْل التَّسْلِيمِ (١) .

وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ زَكَاةَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، فَقَالُوا بِعَدَمِ سُقُوطِهَا بِالْمَوْتِ قَبْل الأَْدَاءِ إِذَا كَانَ الْخَارِجُ، قَائِمًا، فَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ إِذَا مَاتَ قَبْل أَدَائِهِ (٢) .

الثَّالِثُ: لِلْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ زَكَاةٌ لَمْ تُؤَدَّ فِي حَيَاتِهِ، فَلاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الزَّكَاةُ حَالَّةً فِي الْعَامِ الْحَاضِرِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ عَنْ سِنِينَ مَاضِيَةٍ فَرَّطَ فِي أَدَاءِ الزَّكَاةِ فِيهَا.

_________

(١) فتح الغفار ٣ / ٩٨، ورد المحتار ٦ / ٧٦٠، وبدائع الصنائع ٢ / ٥٣، وفتح القدير ٢ / ٣٥٩، والمغني ٤ / ١٤٦، والمجموع ٥ / ٣٣٥، ٣٣٦، والمبسوط ٢٧ / ١٤٦.

(٢) رد المحتار ٢ / ٣٣٢، وبدائع الصنائع ٢ / ٥٣.

الْحَالَةُ الأُْولَى: فَإِنْ كَانَتِ الزَّكَاةُ حَالَّةً فِي الْعَامِ الْحَاضِرِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَإِنَّهَا إِمَّا أَنْ تَكُونَ زَكَاةَ حَرْثٍ وَثَمَرٍ وَمَاشِيَةٍ، أَوْ زَكَاةَ عَيْنٍ (ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ) .

فَإِنْ كَانَتْ زَكَاةَ أَمْوَالٍ ظَاهِرَةٍ كَحَرْثٍ وَمَاشِيَةٍ وَنَحْوِهَا، فَإِنَّهَا لاَ تَسْقُطُ بِمَوْتِهِ، بَل تَخْرَجُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ مُقَدَّمَةً عَلَى الْكَفَنِ وَالتَّجْهِيزِ، سَوَاءٌ أَوْصَى بِهَا أَوْ لاَ، لأَِنَّهَا مِنَ الأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ.

أَمَّا إِذَا كَانَتْ زَكَاةَ عَيْنٍ حَاضِرَةً (مِنَ الأَْمْوَال الْبَاطِنَةِ) فَإِنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ رَأْسِ الْمَال جَبْرًا عَنِ الْوَرَثَةِ، إِنِ اعْتَرَفَ بِحُلُولِهَا وَبَقَائِهَا فِي ذِمَّتِهِ وَأَوْصَى بِإِخْرَاجِهَا، أَمَّا إِذَا اعْتَرَفَ بِحُلُولِهَا، وَلَمْ يَعْتَرِفْ بِبَقَائِهَا، وَلَمْ يُوصِ بِإِخْرَاجِهَا، فَلاَ يُجْبَرُ الْوَرَثَةُ عَلَى إِخْرَاجِهَا لاَ مِنْ ثُلُثِ تَرِكَتِهِ وَلاَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ، وَإِنَّمَا يُؤْمَرُونَ فِي غَيْرِ جَبْرٍ، إِلاَّ أَنْ يَتَحَقَّقَ الْوَرَثَةُ مِنْ عَدَمِ إِخْرَاجِهَا، فَحِينَئِذٍ تَخْرُجُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ جَبْرًا.

وَإِذَا اعْتَرَفَ بِبَقَائِهَا، وَأَوْصَى بِإِخْرَاجِهَا، أُخْرِجَتْ مِنَ الثُّلُثِ جَبْرًا.

وَإِنِ اعْتَرَفَ بِبَقَائِهَا وَلَمْ يُوصِ بِإِخْرَاجِهَا، لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِمْ بِإِخْرَاجِهَا، وَإِنَّمَا يُؤْمَرُونَ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ إِجْبَارٍ لاِحْتِمَال أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخْرَجَهَا قَبْل مَوْتِهِ، فَإِنْ عَلِمُوا عَدَمَ إِخْرَاجِهَا أُجْبِرُوا عَلَى الإِْخْرَاجِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ.

الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: وَإِذَا كَانَتِ الزَّكَاةُ عَنْ مُدَّةٍ مَاضِيَةٍ، وَفَرَّطَ فِي أَدَائِهَا سَوَاءٌ أَكَانَتْ زَكَاةَ عَيْنٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ حَرْثٍ فَيَلْزَمُ إِخْرَاجُهَا مِنَ الثُّلُثِ إِنْ أَوْصَى بِهَا أَوِ اعْتَرَفَ بِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ فِي ذِمَّتِهِ.

أَمَّا إِذَا لَمْ يَعْتَرِفْ بِذَلِكَ وَلَمْ يُوصِ بِهَا، فَإِنَّهُ لاَ يَلْزَمُ الْوَرَثَةَ إِخْرَاجُهَا لاَ مِنَ الثُّلُثِ وَلاَ مِنْ رَأْسِ الْمَال.

وَلَوْ أَشْهَدَ فِي صِحَّتِهِ أَنَّهَا فِي ذِمَّتِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّطْ، فَإِنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ رَأْسِ الْمَال.

وَإِذَا أَشْهَدَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ عَلَى ذَلِكَ تَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ، وَتَخْرُجُ مِنَ الثُّلُثِ (١) .

ب - صَدَقَةُ الْفِطْرِ:

٥٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَأْثِيرِ الْمَوْتِ عَلَى سُقُوطِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ إِذَا مَاتَ قَبْل أَدَائِهَا، وَذَلِكَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:

الأَْوَّل: لِلشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ صَدَقَةُ الْفِطْرِ، وَتَمَكَّنَ مِنْ أَدَائِهَا، وَلَمْ يُؤَدِّهَا حَتَّى مَاتَ، لَمْ تَسْقُطْ بِمَوْتِهِ، بَل يَجِبُ إِخْرَاجُهَا مِنْ تَرِكَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهَا.

الثَّانِي: لِلْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ

_________

(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٤ / ٤٤١، والخرشي وحاشية العدوي عليه ٨ / ١٨٣، ١٨٤، ١٩٧، وانظر: بداية المجتهد ٢ / ٣٣٧.

زَكَاةُ الْفِطْرِ إِذَا مَاتَ قَبْل أَدَائِهَا فَإِنَّهَا تَسْقُطُ بِمَوْتِهِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا، وَلاَ يَلْزَمُ وَرَثَتَهُ إِخْرَاجُهَا مِنْ تَرِكَتِهِ مَا لَمْ يُوصِ بِهَا.

فَإِنْ أَوْصَى بِهَا، فَإِنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ كَسَائِرِ الْوَصَايَا، وَذَلِكَ لأَِنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَجَبَتْ بِطَرِيقِ الصِّلَةِ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لاَ يُقَابِلُهَا عِوَضٌ مَالِيٌّ، وَالصِّلاَتُ تَبْطُل بِالْمَوْتِ قَبْل التَّسْلِيمِ.

الثَّالِثُ: لِلْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ الْحَاضِرَةَ إِذَا مَاتَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ قَبْل إِخْرَاجِهَا، فَإِنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ كَزَكَاةِ الْعَيْنِ، وَذَلِكَ إِنْ أَوْصَى بِهَا.

أَمَّا إِذَا لَمْ يُوصِ بِهَا، فَإِنَّ الْوَرَثَةَ يُؤْمَرُونَ بِإِخْرَاجِهَا، لَكِنَّهُمْ لاَ يُجْبَرُونَ عَلَى ذَلِكَ.

وَإِذَا كَانَتْ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْ سِنِينَ مَاضِيَةٍ فَرَّطَ فِيهَا، ثُمَّ أَوْصَى بِأَدَائِهَا قَبْل مَوْتِهِ، فَإِنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ.

وَلَوْ أَشْهَدَ فِي صِحَّتِهِ أَنَّهَا بِذِمَّتِهِ، فَإِنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ، سَوَاءٌ أَوْصَى بِهَا أَمْ لَمْ يُوصِ (١) .

_________

(١) فتح الغفار ٣ / ٩٩، ورد المحتار ٦ / ٧٦٠، وبدائع الصنائع ٢ / ٥٣، وفتح القدير ٢ / ٣٥٩، والمجموع ٥ / ٣٣٥، ٣٣٦، ٦ / ٢٣١، والمغني ٤ / ٣١٧، والخرشي ٨ / ١٨٤، وحاشية الدسوقي ٤ / ٤٠٨.

ج - الْخَرَاجُ وَالْعُشْرُ:

٥٤ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ أَنَّ أَرْضًا مِنْ أَرَاضِي الْخَرَاجِ مَاتَ رَبُّهَا قَبْل أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ الْخَرَاجُ، فَإِنَّهُ لاَ يُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ، لأَِنَّ الْخَرَاجَ فِي مَعْنَى الصِّلَةِ، فَيَسْقُطُ بِالْمَوْتِ قَبْل الاِسْتِيفَاءِ، وَلاَ يَتَحَوَّل إِلَى التَّرِكَةِ كَالزَّكَاةِ، ثُمَّ إِنَّ خَرَاجَ الأَْرْضِ مُعْتَبَرٌ بِخَرَاجِ الرَّأْسِ، فَفِي كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْنَى الصَّغَارِ، وَكَمَا أَنَّ خَرَاجَ الرَّأْسِ يَسْقُطُ بِمَوْتِ مَنْ عَلَيْهِ قَبْل الاِسْتِيفَاءِ، فَكَذَلِكَ خَرَاجُ الأَْرْضِ، وَلاَ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنَ الْوَرَثَةِ بِاعْتِبَارِ مِلْكِهِمْ، لأَِنَّهُمْ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الاِنْتِفَاعِ بِهَا فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ.

وَلَوْ مَاتَ رَبُّ الأَْرْضِ الْعُشْرِيَّةِ، وَفِيهَا زَرْعٌ، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرُ عَلَى حَالِهِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ، وَقَال: يَسْقُطُ بِمَوْتِ رَبِّ الأَْرْضِ، وَأَمَّا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، فَالزَّرْعُ الْقَائِمُ يَصِيرُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْفُقَرَاءِ وَرَبِّ الأَْرْضِ، عُشْرُهُ حَقُّ الْفُقَرَاءِ، وَتِسْعَةُ أَعْشَارِهِ حَقُّ رَبِّ الأَْرْضِ، وَلِهَذَا لاَ يُعْتَبَرُ فِي إِيجَابِ الْعُشْرِ الْمَالِكُ، حَتَّى يَجِبَ فِي أَرْضِ الْمُكَاتَبِ وَالْعَبْدِ وَالْمَدِينِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، فَبِمَوْتِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ لاَ يَبْطُل حَقُّ الآْخَرِ، وَلَكِنْ يَبْقَى مَحِلُّهُ، وَهَذَا بِخِلاَفِ الْخَرَاجِ، حَيْثُ إِنَّ مَحَلَّهُ الذِّمَّةُ، وَبِمَوْتِهِ خَرَجَتْ ذِمَّتُهُ مِنْ أَنْ