الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩
وَرَثَتُهُ أَحَقَّ بِالأَْرْضِ مِنْ غَيْرِهِمْ (١) . وَهُوَ مُقْتَضَى مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ، إِذِ الأَْصْل عِنْدَهُمْ أَنْ تُورَثَ الْحُقُوقُ كَالأَْمْوَال، إِلاَّ إِذَا قَامَ دَلِيلٌ عَلَى مُفَارَقَةِ الْحَقِّ لِمَعْنَى الْمَال، وَحَقُّ التَّحْجِيرِ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَال، لاَ يَنْفَكُّ عَنْهُ، فَكَانَ مَوْرُوثًا (٢) .
سَابِعًا - حَقُّ الاِنْتِفَاعِ بِالأَْرَاضِيِ الْخَرَاجِيَّةِ:
٤٥ - الأَْرْضُ الْخَرَاجِيَّةُ: هِيَ الَّتِي فُرِضَ الْخَرَاجُ عَلَى الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِهَا، سَوَاءٌ كَانُوا مُسْلِمِينَ أَوْ غَيْرَ مُسْلِمِينَ، وَالْخَرَاجُ: هُوَ مَا يُوضَعُ عَلَى الأَْرْضِ غَيْرِ الْعُشْرِيَّةِ مِنْ حُقُوقٍ تُؤَدَّى عَنْهَا إِلَى بَيْتِ الْمَال.
وَيَعْتَبِرُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ الأَْرَاضِي الْخَرَاجِيَّةَ مَوْقُوفَةً عَلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجُمْلَةِ، أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَيَقُولُونَ: هِيَ مِلْكٌ لأَِصْحَابِهَا، وَلَهُمْ أَنْ يَتَصَرَّفُوا فِيهَا بِسَائِرِ وُجُوهِ التَّصَرُّفِ الشَّرْعِيَّةِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهَا تُورَثُ عَنْهُمْ بِالْمَوْتِ كَسَائِرِ أَمْلاَكِهِمْ، إِذْ لَيْسَ حَقُّ انْتِفَاعِهِمْ بِهَا إِلاَّ أَثَرًا مِنْ آثَارِ ثُبُوتِ مَلَكِيَّتِهِمْ عَلَيْهَا (٣) .
_________
(١) أسنى المطالب ٢ / ٤٤٧، وكشاف القناع ٤ / ١٩٣، والقواعد لابن رجب ص ٢١١.
(٢) بداية المجتهد ٢ / ٢١٢.
(٣) رد المحتار ٤ / ١٧٧، ١٧٨.
وَقَدْ تَرَتَّبَ عَلَى قَوْل جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ بِوَقْفِهَا عَلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْمُنْتَفِعِينَ بِالأَْرَاضِيِ الْخَرَاجِيَّةِ مِنَ الْفَلاَّحِينَ وَنَحْوِهِمْ لاَ يَمْلِكُونَهَا، وَلَكِنْ لَهُمْ حَقُّ الاِنْتِفَاعِ بِهَا فِي مُقَابِل دَفْعِ خَرَاجِهَا إِلَى بَيْتِ الْمَال، ثُمَّ إِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي انْتِقَال هَذَا الْحَقِّ لِوَرَثَتِهِمْ بِالْمَوْتِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَمُتَأَخِّرِي الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ حَقَّ الْمَنْفَعَةِ بِالأَْرَاضِيِ الْخَرَاجِيَّةِ يُورَثُ عَنْ صَاحِبِهِ، فَإِذَا مَاتَ الْمُنْتَفِعُ بِهَا انْتَقَل الْحَقُّ إِلَى وَرَثَتِهِ، لأَِنَّهُ حَقٌّ مَالِيٌّ مَوْرُوثٌ (١) .
وَالثَّانِي: لِمُتَقَدِّمِي فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُنْتَفِعَ بِالأَْرَاضِي الْخَرَاجِيَّةِ إِذَا مَاتَ سَقَطَ حَقُّهُ فِي الاِنْتِفَاعِ بِهَا، وَلاَ تُورَثُ عَنْهُ، وَيَكُونُ لِلإِْمَامِ أَنْ يُعْطِيَهَا مِنْ بَعْدِهِ لِمَنْ يَشَاءُ، بِحَسَبِ مُقْتَضَيَاتِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ (٢) .
ثَامِنًا - حَقُّ الاِنْتِفَاعِ بِالإِْقْطَاعِ:
٤٦ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى
_________
(١) أسنى المطالب ٤ / ٢٠١، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٠٣، وفتح العلي المالك ٢ / ٢٤٥، ٢٤٦، وكشاف القناع ٣ / ٩٩، والقواعد لابن رجب ص ٢١٢، ٢١٣، ٣٤١، ٣٤٢.
(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٢ / ٢٠٣، ٤ / ٥٢ - ٥٣.
أَنَّ لِلإِْمَامِ أَنْ يُقْطِعَ الأَْرْضَ مِنْ بَيْتِ الْمَال عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ لِرَقَبَتِهَا كَمَا يُعْطِي الْمَال لِمُسْتَحِقِّهِ، فَإِذَا مَاتَ الْمُقْطَعُ، فَإِنَّهَا تَنْتَقِل إِلَى وَرَثَتِهِ كَسَائِرِ أَمْلاَكِهِ، سَوَاءٌ عَمَّرَهَا وَأَحْيَاهَا أَمْ لاَ (١) .
أَمَّا إِقْطَاعُ الأَْرَاضِي الْمَوَاتِ لإِحْيَائِهَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهِ وَفِي انْتِقَال الْحَقِّ فِيهِ إِلَى الْوَارِثِ بِمَوْتِ صَاحِبِهِ، وَذَلِكَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ لاَ يُفِيدُ الْمِلْكَ لِلْمُقْطَعِ إِلاَّ بِالإِْحْيَاءِ، وَلَكِنَّهُ يَكُونُ أَحَقَّ بِهَا مِنْ غَيْرِهِ قَبْل الإِْحْيَاءِ، وَهَذَا الْحَقُّ يَنْتَقِل لِوَرَثَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ (٢) .
وَالثَّانِي: لِلْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ لِلإِْمَامِ أَنْ يَقْطَعَ كُل مَوَاتٍ وَكُل مَا لَيْسَ فِيهِ مِلْكٌ لأَِحَدٍ، فَإِنْ عَمَّرَهَا الْمُقْطَعَ وَأَحْيَاهَا صَارَتْ مِلْكًا لَهُ، وَتُورَثُ عَنْهُ كَسَائِرِ أَمْلاَكِهِ، أَمَّا إِذَا لَمْ يُحْيِهَا وَلَمْ يُعَمِّرْهَا طِيلَةَ ثَلاَثَةِ سَنَوَاتٍ، فَإِنَّ حَقَّهُ فِيهَا يَبْطُل، وَتَعُودُ إِلَى حَالِهَا مَوَاتًا، وَلِلإِْمَامِ أَنْ
_________
(١) رد المحتار ٤ / ١٩٣، والخراج لأبي يوسف ص ٦٠، ٦١، والمجموع للنووي ٦ / ٩٥، وأسنى المطالب ٢ / ٤٤٨، ونهاية المحتاج ٥ / ٣٣٧، والخرشي ٧ / ٦٩، وحاشية الدسوقي ٤ / ٦٠.
(٢) أسنى المطالب ٢ / ٤٤٧، والمهذب ١ / ٤٢٦، وكشاف القناع ٤ / ١٩٥، والقواعد لابن رجب ص ٢١١.
يُعْطِيَهَا غَيْرَهُ (١) .
وَالثَّالِثُ: لِلْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ إِقْطَاعَ الْمَوَاتِ تَمْلِيكٌ مُجَرَّدٌ، فَمَنْ أَقْطَعَهُ الإِْمَامُ شَيْئًا صَارَ مِلْكًا لَهُ وَإِنْ لَمْ يُحْيِهِ وَيُعَمِّرْهُ، وَبِالْمَوْتِ يَنْتَقِل إِلَى وَرَثَتِهِ كَسَائِرِ أَمْلاَكِهِ (٢) .
أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لإِقْطَاعِ الاِسْتِغْلاَل الَّذِي يَقَعُ عَلَى أَرَاضِي بَيْتِ الْمَال لِمَنْ لَهُ فِيهِ حَقٌّ، عَلَى سَبِيل اسْتِغْلاَلِهَا لاَ تَمْلِيكِهَا فَقَدْ ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ أَنَّ لِلإِْمَامِ أَنْ يُعْطِيَ الأَْرْضَ التَّابِعَةَ لِبَيْتِ الْمَال مَنْفَعَةً، بِحَيْثُ يَكُونُ الْمُعْطَى مُسْتَحِقًّا لِمَنْفَعَتِهَا دُونَ رِقْبَتِهَا وَحَقُّ الاِنْتِفَاعِ بِهَا يُعْتَبَرُ حَقًّا شَخْصِيًّا، فَيَسْقُطُ بِوَفَاةِ صَاحِبِهِ وَلاَ يُورَثُ عَنْهُ، لأَِنَّهُ مُقَيَّدٌ عُرْفًا بِحَيَاةِ الْمُقْطَعِ، وَتَرْجِعُ الأَْرْضُ الْمُقْطَعَةُ بِمَوْتِهِ لِبَيْتِ الْمَال وَقْفًا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ (٣) .
_________
(١) بدائع الصنائع ٦ / ١٩٤، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٨٦، رد المحتار ٤ / ١٩٣، والخراج لأبي يوسف ص ٦٠، ٦١.
(٢) المنتقى للباجي ٦ / ٣٠، وشرح الخرشي ٧ / ٦٩، وحاشية الدسوقي ٤ / ٦٨.
(٣) رد المحتار ٤ / ٣٩٣، والشرح الكبير مع الدسوقي ٤ / ٦٨، وفتح العلي المالك ٢ / ٢٤٥، ٢٤٦، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١٩٥، ١٩٦، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٣٢٧.
تَاسِعًا - الاِخْتِصَاصُ بِالاِنْتِفَاعِ بِالأَْعْيَانِ النَّجِسَةِ:
٤٧ - الاِخْتِصَاصُ هُوَ حَقٌّ فِي شَيْءٍ، يَخْتَصُّ مُسْتَحِقُّهُ بِالاِنْتِفَاعِ بِهِ، وَلاَ يَمْلِكُ أَحَدٌ مُزَاحَمَتَهُ فِيهِ، وَهُوَ غَيْرُ قَابِلٍ لِلشُّمُول وَالْمُعَاوَضَاتِ (١) .
وَمِنْ صُوَرِ الاِخْتِصَاصِ بِالأَْعْيَانِ النَّجِسَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: الْكَلْبُ الْمُبَاحُ اقْتِنَاؤُهُ كَكَلْبِ الْحِرَاسَةِ وَالصَّيْدِ وَالزُّيُوتِ وَالأَْدْهَانِ الْمُتَنَجِّسَةِ الَّتِي يَجُوزُ الاِنْتِفَاعُ بِهَا بِالاِسْتِصْبَاحِ أَوْ بِتَحْوِيلِهَا إِلَى صَابُونٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ (٢)، وَالاِخْتِصَاصُ بِهَذِهِ الأَْشْيَاءِ وَنَحْوِهَا لاَ يُفِيدُ الْمِلْكَ عِنْدَهُمْ، وَلَكِنَّهُ يُعْطِي صَاحِبَهُ حَقَّ الاِنْتِفَاعِ الْمَحْدُودِ بِهَا فِي الْوُجُوهِ السَّائِغَةِ شَرْعًا. وَهَذَا الْحَقُّ يَنْتَقِل بِالْمَوْتِ إِلَى وَرَثَةِ صَاحِبِ الاِخْتِصَاصِ وَلاَ يَسْقُطُ بِمَوْتِهِ (٣) .
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ الأَْعْيَانَ النَّجِسَةَ أَوِ الْمُتَنَجِّسَةَ الَّتِي أُبِيحَ
_________
(١) القواعد لابن رجب ص ٢٠٤.
(٢) نهاية المحتاج ٦ / ٥٢، والقواعد لابن رجب ص ٢٠٥، وقواعد الأحكام ٢ / ٨٦، والمنثور في القواعد ٣ / ٢٣٤.
(٣) المجموع للنووي ٩ / ٢١١، ٢٣١، ونهاية المحتاج ٦ / ٥١، وكشاف القناع ٣ / ١٥٤، والقواعد لابن رجب ص ٢١١.
الاِنْتِفَاعُ بِهَا شَرْعًا مَالًا مُتَقَوِّمًا، كَالسِّرْجِينِ وَالْبَعْرِ وَكِلاَبِ الْمَاشِيَةِ وَالصَّيْدِ وَنَحْوِهَا، وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهَا تُورَثُ عَنْ صَاحِبِهَا بِمَوْتِهِ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ (١) .
عَاشِرًا - حَقُّ الْقِصَاصِ وَالْعَفْوُ عَنْهُ:
٤٨ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْقَوَدَ لاَ يَجِبُ إِلاَّ فِي الْقَتْل الْعَمْدِ بَعْدَ اجْتِمَاعِ شُرُوطِهِ، وَأَنَّهُ حَقُّ الْوَرَثَةِ (أَوْلِيَاءِ الدَّمِ)، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ الْحَقِّ هَل يَثْبُتُ لَهُمُ ابْتِدَاءً أَمْ بِطَرِيقِ الإِْرْثِ عَنِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ؟ وَمَنْ هُمُ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَهُ مِنْهُمْ؟ وَذَلِكَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: لِلْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَهُوَ أَنَّ حَقَّ الْقِصَاصِ يَثْبُتُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوَّلًا بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَنْتَقِل إِلَى وَرَثَتِهِ جَمِيعِهِمْ، الرِّجَال وَالنِّسَاءِ وَالْكِبَارِ وَالصِّغَارِ، مِنْ ذَوِي الأَْنْسَابِ وَالأَْسْبَابِ، كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ وَأَمْلاَكِهِ، وَهُوَ قَوْل عَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ وَالثَّوْرِيِّ.
وَعَلَى ذَلِكَ، فَمَتَى انْتَقَل الْحَقُّ لِلْوَرَثَةِ، فَهُمْ بِالْخِيَارِ: إِنْ شَاءُوا اقْتَصُّوا، وَإِنْ شَاءُوا
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ١٤٣، ١٤٤، والهداية مع الفتح ٦ / ٤٢٧، والبهجة ٢ / ٤٦، وحاشية الدسوقي ٣ / ٩، ١٠.
عَفَوْا، وَإِذَا عَفَا أَحَدُهُمْ عَنْ حَقِّهِ فِي الْقِصَاصِ سَقَطَ حَقُّ الْبَاقِينَ فِيهِ، لأَِنَّهُ لاَ يَتَجَزَّأُ، وَيَنْقَلِبُ نَصِيبُ الْبَاقِينَ مَالًا، وَلاَ يَكُونُ لِلْعَافِي شَيْءٌ مِنْهُ، وَلأَِنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ مَجَّانًا بِرِضَاهُ.
وَإِذَا انْقَلَبَ الْقِصَاصُ إِلَى مَالٍ بِعَفْوِ الْوَرَثَةِ إِلَيْهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْمَال يَكُونُ لِلْمَوْرُوثِ أَوَّلًا، فَتُقْضَى مِنْهُ دُيُونُهُ، وَتَنْفُذُ مِنْهُ وَصَايَاهُ، وَمَا بَقِيَ يَكُونُ لِوَرَثَتِهِ (١) .
وَالثَّانِي: لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي قَوْلٍ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ اخْتَارَهَا ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَهُوَ أَنَّ الْقِصَاصَ حَقٌّ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً ثُمَّ يَنْتَقِل إِلَى الْعَصَبَاتِ الذُّكُورِ مِنْ وَرَثَتِهِ خَاصَّةً، لأَِنَّهُ ثَبَتَ لِدَفْعِ الْعَارِ، فَاخْتَصَّ بِهِ الْعَصَبَاتُ، كَوِلاَيَةِ النِّكَاحِ (٢) .
وَالثَّالِثُ: لأَِبِي حَنيِفَةَ وَهُوَ أَنَّ الْقِصَاصَ لَيْسَ مَوْرُوثًا عَنِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، بَل هُوَ ثَابِتٌ
_________
(١) فتح الغفار ٣ / ١٠١، والتلويح على التوضيح (ط. كراتشي) ٢ / ٧٨٣، وتكملة فتح القدير ١٠ / ٢٤٢، ورد المحتار ٦ / ٥٣٦، ٥٣٧، وأسنى المطالب ٤ / ٣٥، والأم ٥ / ١٠، ونهاية المحتاج ٧ / ٢٨٣، والمغني ١١ / ٥٨١، والإنصاف ٩ / ٤٨٢، ٤٨٣، شرح منتهى الإرادات ٣ / ٢٨٣، ٢٨٤.
(٢) المنتقى للباجي ٧ / ١٢٥، والزرقاني على خليل ٨ / ٣٠، والخرشي ٨ / ٢١، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٢٧، ونهاية المحتاج ٧ / ٢٨٤، والإنصاف للمرداوي ٩ / ٤٨٢، ٣ / ٤٨، والاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية ص ٢٩٣
ابْتِدَاءً لِلْوَرَثَةِ، لأَِنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ التَّشَفِّي وَدَرْكُ الثَّأْرِ، وَالْمَيِّتُ لاَ يَجِبُ لَهُ إِلاَّ مَا يَصْلُحُ لِحَاجَتِهِ مِنْ تَجْهِيزِهِ وَقَضَاءِ دَيْنِهِ وَتَنْفِيذِ وَصِيَّتِهِ، وَالْقِصَاصُ لاَ يَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّ الْجِنَايَةَ قَدْ وَقَعَتْ عَلَى وَرَثَتِهِ مِنْ وَجْهٍ، لاِنْتِفَاعِهِمْ بِحَيَاتِهِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَأْنِسُونَ بِهِ وَيَنْتَصِرُونَ، وَيَنْتَفِعُونَ بِمَالِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَلِذَا وَجَبَ الْقِصَاصُ لِلْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً، لِحُصُول التَّشَفِّي لَهُمْ وَلِوُقُوعِ الْجِنَايَةِ عَلَى حَقِّهِمْ، لاَ أَنْ يَثْبُتَ لِلْمَيِّتِ ثُمَّ يَنْتَقِل إِلَيْهِمْ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ التَّوَارُثُ كَمَا فِي سَائِرِ حُقُوقِهِ، وَلَكِنْ إِذَا انْقَلَبَ ذَلِكَ الْحَقُّ مَالًا، فَإِنَّهُ يَصِيرُ عِنْدَئِذٍ مَوْرُوثًا، لأَِنَّ ثُبُوتَ الْقِصَاصِ حَقًّا لِلْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً إِنَّمَا كَانَ لِضَرُورَةِ عَدَمِ صُلُوحِهِ لِحَاجَةِ الْمَيِّتِ، فَإِذَا انْقَلَبَ مَالًا بِالصُّلْحِ عَلَيْهِ أَوِ الْعَفْوِ إِلَى الدِّيَةِ - وَالْمَال يَصْلُحُ لِحَوَائِجِ الْمَيِّتِ مِنَ التَّجْهِيزِ وَقَضَاءِ الدُّيُونِ وَتَنْفِيذِ الْوَصَايَا - ارْتَفَعَتِ الضَّرُورَةُ، وَصَارَ الْوَاجِبُ كَأَنَّهُ هُوَ الْمَال، إِذِ الْخُلْفُ إِنَّمَا يَجِبُ بِالسَّبَبِ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الأَْصْل، فَيَثْبُتُ الْفَاضِل عَنْ حَوَائِجِ الْمَيِّتِ لِوَرَثَتِهِ خِلاَفَةً لاَ أَصَالَةً (١) .
أَمَّا حَقُّ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ
_________
(١) التلويح على التوضيح (ط. كراتشي) ٢ / ٧٨٣، وفتح الغفار لابن نجيم ٣ / ١٠١، ١٠٢.
وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ يُورَثُ عَنِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَلاَ يَسْقُطُ بِوَفَاتِهِ قَبْل اسْتِيفَائِهِ، وَثُبُوتُهُ لِوَرَثَتِهِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيل الْمِيرَاثِ عَنْهُ لاَ ابْتِدَاءً (١)، وَهُنَاكَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ حَقَّ الْقِصَاصِ فِي الأَْطْرَافِ لاَ يَنْتَقِل إِلَى الْوَرَثَةِ إِلاَّ إِذَا طَالَبَ بِهِ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ قَبْل مَوْتِهِ، أَمَّا إِذَا لَمْ يُطَالِبْ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ وَيَنْتَهِي بِوَفَاتِهِ (٢) .
حَادِيَ عَشَرَ - حَقُّ الْمُوصَى لَهُ فِي قَبُول الْوَصِيَّةِ:
٤٩ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ قَبُول الْوَصِيَّةِ مِنَ الْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنِ شَرْطٌ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُ، وَأَنَّ لَهُ الْحَقَّ فِي قَبُولِهِ أَوْ رَدِّهَا بِحَسَبِ مَشِيئَتِهِ.
وَلَكِنْ إِذَا مَاتَ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ الْمُوصِي وَقَبْل صُدُورِ الْقَبُول أَوِ الرَّدِّ مِنْهُ، فَهَل يَنْتَقِل ذَلِكَ الْحَقُّ لِوَرَثَتِهِ أَمْ يَسْقُطُ بِمَوْتِهِ؟ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
الأَْوَّل: لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ،
_________
(١) تبيين الحقائق ٦ / ١١٤، والعقود الدرية لابن عابدين ٢ / ٢٤٦، وأسنى المطالب وحاشية الرملي عليه ٤ / ٣٠، ونهاية المحتاج ٧ / ٢٦٥، والفروق للقرافي ٣ / ٢٧٩، والقواعد لابن رجب ص ٣٤٢، ٣٤٣، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٢٩٠.
(٢) القواعد لابن رجب ص ٣٤١، ٣٤٢.
وَهُوَ أَنَّ حَقَّ الْقَبُول أَوِ الرَّدِّ فِي الْوَصِيَّةِ يَنْتَقِل لِوَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ إِذَا مَاتَ بَعْدَ الْمُوصِي مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ أَوْ رَدٍّ، لأَِنَّهُ حَقٌّ مَوْرُوثٌ، فَلاَ يَسْقُطُ بِمَوْتِهِ، بَل يَثْبُتُ لِلْوَرَثَةِ، فَإِنْ شَاءُوا قَبِلُوا وَإِنْ شَاءُوا رَدُّوا.
وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَتِ الْوَصِيَّةُ لَهُ بِعَيْنِهِ وَشَخْصِهِ، فَحِينَئِذٍ تَسْقُطُ بِمَوْتِهِ، وَلاَ يَنْتَقِل ذَلِكَ الْحَقُّ إِلَى وَرَثَتِهِ (١) .
الثَّانِي: لِلْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُوصَى لَهُ إِذَا مَاتَ قَبْل الْقَبُول أَوِ الرَّدِّ بَعْدَ وَفَاةِ الْمُوصِي، فَإِنَّ الْمُوصَى بِهِ يَدْخُل فِي مِلْكِهِ دُونَ حَاجَةٍ إِلَى قَبُول الْوَرَثَةِ، لأَِنَّ الْقَبُول عِنْدَهُمْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ الرَّدِّ، فَمَتَى وَقَعَ الْيَأْسُ عَنْ رَدِّ الْمُوصَى لَهُ اعْتُبِرَ قَابِلًا حُكْمًا (٢) .
الثَّالِثُ: لِلأْبْهَرِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَخَذَ بِهَا ابْنُ حَامِدٍ وَوَصَفَهَا
_________
(١) نهاية المحتاج ٦ / ٦٦، وأسنى المطالب ٣ / ٤٣، ومواهب الجليل ٦ / ٣٦٧، والخرشي ٨ / ١٦٩، والمدونة ١٥ / ٣٥، وحاشية الدسوقي ٤ / ٤٢٤، والبهجة ٢ / ٣١٢، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٥٤٥، والمبدع ٦ / ٢١، وكشاف القناع ٤ / ٣٤٦، والقواعد لابن رجب ص ٣٤٣، والمغني ٨ / ٤١٧.
(٢) البدائع ٧ / ٣٣١، ٣٣٢، والهداية مع تكملة الفتح والعناية ١٠ / ٤٢٩، ومواهب الجليل ٦ / ٣٦٧، والمغني ٨ / ٤١٧.