الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩
ثَانِيًا - حَقُّ الشُّفْعَةِ:
٣٧ - الشُّفْعَةُ عِبَارَةٌ عَنْ حَقِّ التَّمَلُّكِ فِي الْعَقَارِ لِدَفْعِ ضَرَرِ الْجِوَارِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا مَاتَ صَاحِبُ حَقِّ الشُّفْعَةِ قَبْل أَنْ يَأْخُذَ بِهَا، هَل يَنْتَقِل ذَلِكَ الْحَقُّ لِوَرَثَتِهِ، أَمْ يَسْقُطُ وَيَنْتَهِي بِمَوْتِهِ؟ وَذَلِكَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
الأَْوَّل: لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَهُوَ أَنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ حَقٌّ مَالِيٌّ، فَيُورَثُ عَنِ الْمَيِّتِ كَمَا تُورَثُ أَمْوَالُهُ، وَيَقُومُ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي الْمُطَالَبَةِ بِهِ (١) .
الثَّانِي: لِلْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ الشَّفِيعَ إِذَا مَاتَ قَبْل الأَْخْذِ بِالشُّفْعَةِ، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ، سَوَاءٌ كَانَ مَوْتُهُ قَبْل الطَّلَبِ أَوْ بَعْدَهُ، لأَِنَّ الشُّفْعَةَ مُجَرَّدُ خِيَارٍ فِي التَّمَلُّكِ، وَهِيَ إِرَادَةٌ وَمَشِيئَةٌ فِي الأَْخْذِ أَوِ التَّرْكِ، وَذَلِكَ لاَ يُورَثُ إِلاَّ إِذَا مَاتَ الشَّفِيعُ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِهَا أَوْ تَسْلِيمِ الْمُشْتَرِي لَهُ بِهَا (٢) .
الثَّالِثُ: لِلْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ التَّفْصِيل بَيْنَ مَا إِذَا مَاتَ الشَّفِيعُ قَبْل الطَّلَبِ أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ مَاتَ
_________
(١) نهاية المحتاج ٥ / ١٩١، وأسنى المطالب ٣ / ٣، والمنثور للزركشي ٢ / ٥٦، وبداية المجتهد ٢ / ٢٦٠، والفروق ٣ / ٢٧٦، والقواعد لابن رجب ص ٣٤٢.
(٢) المبسوط ١٤ / ١١٦، وبدائع الصنائع ٥ / ٢٥، وتبيين الحقائق ٥ / ٢٥٧.
قَبْلَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ، لأَِنَّهُ نَوْعُ خِيَارٍ شُرِعَ لِلتَّمْلِيكِ، أَشْبَهَ الإِْيجَابَ قَبْل قَبُولِهِ، وَلأَِنَّهُ لاَ يُعْلَمُ بَقَاؤُهُ عَلَى الشُّفْعَةِ، لاِحْتِمَال رَغْبَتِهِ عَنْهَا، فَلاَ يَنْتَقِل إِلَى الْوَرَثَةِ مَا شُكَّ فِي ثُبُوتِهِ، أَمَّا إِذَا مَاتَ الشَّفِيعُ بَعْدَ طَلَبِهِ، فَإِنَّ الشُّفْعَةَ تَنْتَقِل لِوَرَثَتِهِ، لأَِنَّ الطَّلَبَ يَنْتَقِل بِهِ الْمِلْكُ لِلشَّفِيعِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَوْرُوثًا (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (شُفْعَةٌ ف ٥١) .
ثَالِثًا - حَقُّ الْمَالِكِ فِي إِجَازَةِ تَصَرُّفَاتِ الْفُضُولِيِّ
٣٨ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَالِكَ إِذَا مَاتَ قَبْل إِجَازَتِهِ لِعَقْدِ الْفُضُولِيِّ الْمَوْقُوفِ عَلَى إِجَازَتِهِ، فَإِنَّ حَقَّهُ فِي الإِْجَازَةِ يَبْطُل بِمَوْتِهِ، وَلاَ يَنْتَقِل إِلَى وَرَثَتِهِ، لأَِنَّ الإِْجَازَةَ إِنَّمَا تَصِحُّ مِنَ الْمَالِكِ لاَ مِنْ وَارِثِهِ (٢)، وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ تَصَرُّفَ الْفُضُولِيِّ فِي الْقِسْمَةِ، فَمَعَ كَوْنِهِ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ، فَإِنَّ حَقَّهُ فِي الإِْجَازَةِ لاَ يَبْطُل بِمَوْتِهِ، بَل يَنْتَقِل إِلَى وَارِثِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ اسْتِحْسَانًا، لأَِنَّهُ لاَ فَائِدَةَ فِي نَقْضِ الْقِسْمَةِ بَعْدَ تَمَامِهَا ثُمَّ إِعَادَتِهَا مَرَّةً أُخْرَى، وَالْقِيَاسُ بُطْلاَنُ الْقِسْمَةِ بِمَوْتِهِ، وَعَدَمُ انْتِقَالِهَا لِلْوَارِثِ، وَهُوَ قَوْل
_________
(١) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٤٤٥.
(٢) فتح القدير ٧ / ٥٤، ٥٦، ورد المحتار ٤ / ٥٨٢.
الإِْمَامِ مُحَمَّدٍ لأَِنَّ الْقِسْمَةَ مُبَادَلَةٌ كَالْبَيْعِ (١) .
رَابِعًا - اسْتِحْقَاقُ الْمَنَافِعِ بِمُوجِبِ الإِْجَارَةِ وَالإِْعَارَةِ وَالْوَصِيَّةِ بِالْمَنْفَعَةِ
٣٩ - الْمَنْفَعَةُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ هِيَ الْفَائِدَةُ الْعَرَضِيَّةُ الَّتِي تُنَال مِنَ الأَْعْيَانِ بِطَرِيقِ اسْتِعْمَالِهَا.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَثَرِ الْمَوْتِ عَلَى الْمَنَافِعِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا الشَّخْصُ فِي - عَيْنٍ مِنَ الأَْعْيَانِ بِمُوجِبِ عَقْدِ الإِْجَارَةِ أَوِ الإِْعَارَةِ أَوِ الْوَصِيَّةِ بِالْمَنْفَعَةِ، هَل يَبْطُل حَقُّهُ فِيهَا بِالْمَوْتِ أَمْ أَنَّهَا تُورَثُ عَنْهُ؟ وَذَلِكَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
أ - الإِْجَارَةُ:
٤٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَثَرِ الْمَوْتِ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْمَنَافِعِ فِي عَقْدِ الإِْجَارَةِ، وَذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الأَْوَّل: لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَإِسْحَاقَ وَالْبَتِّيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَهُوَ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ إِذَا مَاتَ قَبْل انْقِضَاءِ أَمَدِ الإِْجَارَةِ، فَلاَ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِمَوْتِهِ، بَل يَخْلُفُهُ وَارِثُهُ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ إِلَى نِهَايَةِ مُدَّةِ
_________
(١) فتح القدير ٧ / ٥٦، والبحر الرائق ٦ / ١٦٠، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٢١٢.
الإِْجَارَةِ، لأَِنَّ الإِْجَارَةَ عَقْدٌ لاَزِمٌ، فَلاَ يَنْفَسِخُ مَوْتُ الْعَاقِدِ مَعَ سَلاَمَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَلأَِنَّ الْمُسْتَأْجِرَ مَلَكَ الْمَنَافِعَ بِالْعَقْدِ، وَهِيَ مَالٌ، فَيَنْتَقِل إِلَى وَارِثِهِ (١) .
الثَّانِي: لِلْحَنَفِيَّةِ وَالثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ وَهُوَ أَنَّ عَقْدَ الإِْجَارَةِ يَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْمُسْتَأْجِرِ قَبْل انْتِهَاءِ مُدَّةِ الإِْجَارَةِ، فَيَسْقُطُ حَقُّهُ فِي الْمَنَافِعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا، وَلاَ يَنْتَقِل إِلَى وَرَثَتِهِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْوِرَاثَةَ خِلاَفَةٌ، وَلاَ يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ إِلاَّ فِيمَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ، لِيَكُونَ مِلْكُ الْمُوَرِّثِ فِي الْوَقْتِ الأَْوَّل، وَيَخْلُفُهُ الْوَارِثُ فِي الْوَقْتِ الثَّانِي، وَالْمَنْفَعَةُ الْمَوْجُودَةُ فِي حَيَاةِ الْمُسْتَأْجِرِ لاَ تَبْقَى لِتُورَثَ، وَالَّتِي تَحْدُثُ بَعْدَهَا لَمْ تَكُنْ مَمْلُوكَةً لَهُ لِيَخْلُفَهُ الْوَارِثُ فِيهَا، إِذِ الْمِلْكُ لاَ يَسْبِقُ الْوُجُودَ، وَإِذَا ثَبَتَ انْتِفَاءُ الإِْرْثِ تَعَيَّنَ بُطْلاَنُ الْعَقْدِ (٢) .
ب - الإِْعَارَةُ:
٤١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَثَرِ مَوْتِ الْمُسْتَعِيرِ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْمَنَافِعِ فِي الْعَارِيَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
_________
(١) القليوبي وعميرة ٣ / ٦٧، وأسنى المطالب ٢ / ٤٣١، ونهاية المحتاج ٥ / ٣١٤، وبداية المجتهد ٢ / ٢٣٠، والبهجة شرح التحفة ٢ / ١٧٠، والمغني لابن قدامة ٨ / ٤٣، ٤٤، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٣٧٣.
(٢) رد المحتار ٥ / ٥٤، وتكملة فتح القدير ٩ / ١٤٥، ١٤٦، وبداية المجتهد ٢ / ٢٣٠، والمغني ٨ / ٤٣، والمبسوط ١٥ / ١٥٣، ١٥٤، ١٦ / ٥.
أَحَدُهُمَا: لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَهُوَ أَنَّ حَقَّ الْمُسْتَعِيرِ بِمَنَافِعِ الْعَيْنِ الْمُعَارَةِ حَقٌّ شَخْصِيٌّ، يَنْتَهِي بِوَفَاةِ صَاحِبِهِ، وَلاَ يَنْتَقِل إِلَى وَرَثَتِهِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الإِْعَارَةَ تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْمُسْتَعِيرِ، وَيَجِبُ عَلَى وَرَثَتِهِ رَدُّ الْعَارِيَةِ فَوْرًا إِلَى صَاحِبِهَا، وَلَوْ لَمْ يَطْلُبْهَا (١) .
وَالثَّانِي: لِلْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ الإِْعَارَةَ سَوَاءٌ كَانَتْ مُقَيَّدَةً بِمُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ مُطْلَقَةً، فَإِنَّ الْمُسْتَعِيرَ يَسْتَحِقُّ الاِنْتِفَاعَ بِهَا فِي الْمُدَّةِ الْمُحَدَّدَةِ أَوِ الَّتِي يَنْتَفِعُ بِهَا النَّاسُ عَادَةً عِنْدَ الإِْطْلاَقِ، فَإِنْ مَاتَ الْمُسْتَعِيرُ قَبْل انْتِهَاءِ تِلْكَ الْمُدَّةِ، فَإِنَّ حَقَّهُ فِي الْمَنْفَعَةِ فِي الْمُدَّةِ الْمُتَبَقِّيَةِ لاَ يَسْقُطُ بِمَوْتِهِ، بَل يَنْتَقِل إِلَى وَرَثَتِهِ، إِلاَّ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ مَا إِذَا اشْتَرَطَ الْمُعِيرُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا بِنَفْسِهِ فَقَطْ، فَحِينَئِذٍ لاَ تُورَثُ عَنْهُ الْمُدَّةَ الْمُتَبَقِّيَةَ، لأَِنَّ فِيهَا يُعْتَبَرُ حَقًّا شَخْصِيًّا (٢) .
ج - الْوَصِيَّةُ بِالْمَنْفَعَةِ:
٤٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا مَاتَ الْمُوصَى لَهُ
_________
(١) تكملة فتح القدير ٩ / ١٤٥، ١٤٦، ورد المحتار ٥ / ٦٨٦، والقليوبي وعميرة ٣ / ٢٢، وأسنى المطالب ٢ / ٣٣٢، وكشاف القناع ٤ / ٧٣، والمبسوط ١١ / ١٤٣.
(٢) بداية المجتهد ٢ / ٣١٣، والدسوقي ٣ / ٤٣٣، والفروق ١ / ١٨٧، والبهجة ٢ / ٢٧٤.
بِالْمَنْفَعَةِ قَبْل انْقِضَاءِ أَمَدِهَا، هَل تَبْطُل الْوَصِيَّةُ بِالْمَنْفَعَةِ بِمَوْتِهِ، أَمْ أَنَّ الْمَنْفَعَةَ تَنْتَقِل إِلَى وَرَثَتِهِ حَتَّى نِهَايَةِ مُدَّتِهَا؟ وَذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لِلْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ مَا تَبَقَّى مِنْ مُدَّةِ الْمَنْفَعَةِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصَى لَهُ بِهَا يَسْقُطُ بِمَوْتِهِ، وَلاَ يُورَثُ عَنْهُ، بَل تَعُودُ الْعَيْنُ إِلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي بِحُكْمِ الْمِلْكِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمُوصِي قَدْ أَوْجَبَ الْحَقَّ لِلْمُوصَى لَهُ لِيَسْتَوْفِيَ الْمَنْفَعَةَ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ، فَإِذَا انْتَقَل هَذَا الْحَقُّ إِلَى وَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَيَكُونُ كَأَنَّهُمُ اسْتَحَقُّوهُ ابْتِدَاءً مِنْ مِلْكِ الْمُوصِي مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، وَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ، وَلأَِنَّ الْمَنْفَعَةَ عَرَضٌ، وَالْعَرَضُ لاَ يَبْقَى زَمَانَيْنِ حَتَّى يَكُونَ مَحَلًّا لِلتَّوَارُثِ (١) .
وَالثَّانِي: لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ يَمْلِكُ تِلْكَ الْمَنْفَعَةَ، وَعَلَى ذَلِكَ: فَإِذَا مَاتَ، فَإِنَّهَا لاَ تَسْقُطُ بِمَوْتِهِ، بَل تَنْتَقِل إِلَى وَرَثَتِهِ فِيمَا بَقِيَ لَهُ مِنَ الْمُدَّةِ إِذَا كَانَتِ الْوَصِيَّةُ مُقَيَّدَةً بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ أَوْ كَانَتْ عَلَى التَّأْبِيدِ لأَِنَّهَا مَالٌ، فَتُورَثُ عَنْهُ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ.
وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ حَالَةَ مَا إِذَا كَانَتِ الْوَصِيَّةُ
_________
(١) رد المحتار ٥ / ٤٥٨، وبدائع الصنائع ٦ / ١١٨، وتكملة الفتح والعناية ١٠ / ٤٨٧.
بِالْمَنْفَعَةِ مُقَيَّدَةً بِحَيَاةِ الْمُوصَى لَهُ، فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُعْتَبَرُ حَقُّ الْمُوصَى لَهُ بِهَا حَقًّا شَخْصِيًّا، فَيَسْقُطُ بِوَفَاتِهِ، وَلاَ يَنْتَقِل إِلَى وَرَثَتِهِ (١) .
خَامِسًا - أَجَل الدُّيُونِ:
٤٣ - الأَْجَل فِي الدُّيُونِ حَقٌّ لِلْمَدِينِ، وَمَنْ ثَبَتَ لَهُ هَذَا الْحَقُّ فَلَيْسَ لِلدَّائِنِ مُطَالَبَتُهُ بِالدَّيْنِ قَبْل حُلُولِهِ، فَإِذَا مَاتَ فَهَل يَبْطُل الأَْجَل وَيَحِل الدَّيْنُ بِمَوْتِهِ، أَمْ يَبْقَى ثَابِتًا كَمَا هُوَ وَيَنْتَقِل عَنْهُ إِلَى وَرَثَتِهِ؟ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَهُوَ أَنَّ الأَْجَل يَسْقُطُ، وَيَحِل الدَّيْنُ بِمَوْتِ الْمَدِينِ، وَتَنْقَلِبُ جَمِيعُ الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ الَّتِي عَلَيْهِ مَهْمَا اخْتَلَفَتْ آجَالُهَا حَالَّةً بِمَوْتِهِ، وَبِهِ قَال الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَسوَّارٌ وَالثَّوْرِيُّ (٢) .
_________
(١) نهاية المحتاج ٦ / ٨٣، وأسنى المطالب ٣ / ٥٦، والقليوبي وعميرة ٣ / ١١، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٣٢٦، ٣٢٧، والخرشي ٨ / ١١٨، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٩٨، ومنح الجليل ٤ / ٦٨١، والزرقاني على خليل ٨ / ١٩٧، وكشاف القناع ٤ / ٣٧٥، والقواعد لابن رجب ص ٢٠٩.
(٢) المبسوط ١٨ / ١٨٧، والعقود الدرية لابن عابدين ٢ / ٢٢٥، وبدائع الصنائع ٥ / ٢١٣، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٣٥٤، والأم ٣ / ٢١٢، والمهذب ١ / ٣٢٧، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٣٥٦، والخرشي ٥ / ٢٦٦، وحاشية الدسوقي ٣ / ٢٣٩، والمدونة ١٣ / ٢٣٣، والمبدع ٤ / ٣٢٦، والإنصاف للمرداوي ٥ / ٣٠٧، والمغني ٤ / ٤٨٦.
قَال ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ: وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُبِحِ التَّوَارُثَ إِلاَّ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ، فَالْوَرَثَةُ فِي ذَلِكَ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ لاَ يُرِيدُوا أَنْ يُؤَخِّرُوا حُقُوقَهُمْ فِي الْمَوَارِيثِ إِلَى مَحِل أَجَل الدَّيْنِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يُجْعَل الدَّيْنُ حَالًّا، وَإِمَّا أَنْ يَرْضَوْا بِتَأْخِيرِ مِيرَاثِهِمْ حَتَّى تَحِل الدُّيُونُ، فَتَكُونُ الدُّيُونُ حِينَئِذٍ مَضْمُونَةً فِي التَّرِكَةِ خَاصَّةً لاَ فِي ذِمَمِهِمْ (١)، وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلأَِنَّهُ لاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَبْقَى فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ، أَوِ الْوَرَثَةِ، أَوْ يَتَعَلَّقُ بِالْمَال، وَلاَ يَجُوزُ بَقَاؤُهُ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ لِخَرَابِهَا وَتَعَذُّرِ مُطَالَبَتِهِ بِهَا، وَلاَ ذِمَّةِ الْوَرَثَةِ لأَِنَّهُمْ لَمْ يَلْتَزِمُوهُ، وَلاَ رَضِيَ صَاحِبُ الدَّيْنِ بِذِمَمِهِمْ، وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ مُتَبَايِنَةٌ، وَلاَ يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ عَلَى الأَْعْيَانِ وَتَأْجِيلُهُ، لأَِنَّهُ ضَرَرٌ بِالْمَيِّتِ وَصَاحِبِ الدَّيْنِ وَلاَ نَفْعَ لِلْوَرَثَةِ فِيهِ (٢) .
وَقَدِ اسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ حَالَتَيْنِ، وَقَالُوا: إِنَّ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّل لاَ يَحِل بِالْمَوْتِ فِيهِمَا، وَهِيَ:
أ - إِذَا قُتِل إِلَى الدَّائِنِ الْمَدِينُ، فَإِنَّ دَيْنَهُ لاَ يَحِل، لأَِنَّهُ قَدِ اسْتَعْجَلَهُ قَبْل أَوَانِهِ فَعُوقِبَ بِالْحِرْمَانِ.
_________
(١) بداية المجتهد ٢ / ٢٨٦.
(٢) المغني ٤ / ٤٨٦.
ب - إِذَا اشْتَرَطَ الْمَدِينُ عَلَى الدَّائِنِ أَنْ لاَ يَحِل الدَّيْنُ الْمُؤَجَّل الَّذِي عَلَيْهِ بِمَوْتِهِ، فَيُعْمَل بِالشَّرْطِ (١) .
وَالثَّانِي: لِلْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ، وَهُوَ أَنَّ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّل لاَ يَحِل بِمَوْتِ الْمَدِينِ إِذَا وَثَّقَهُ الْوَرَثَةُ أَوْ غَيْرُهُمْ بِرَهْنٍ أَوْ كَفِيلٍ مَلِيءٍ بِالأَْقَل مِنْ قِيمَةِ التَّرِكَةِ أَوِ الدَّيْنِ، فَإِنْ لَمْ يُوَثَّقْ بِذَلِكَ حَل، لأَِنَّ الْوَرَثَةَ قَدْ لاَ يَكُونُونَ أَمْلِيَاءَ، وَلَمْ يَرْضَ بِهِمُ الْغَرِيمُ، فَيُؤَدِّي إِلَى فَوَاتِ الْحَقِّ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ سِيرِينَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ.
وَحُجَّتُهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَوْتَ مَا جُعِل مُبْطِلًا لِلْحُقُوقِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِيقَاتٌ لِلْخِلاَفَةِ، وَعَلاَمَةٌ عَلَى الْوَرَثَةِ، وَعَلَى هَذَا يَبْقَى الدَّيْنُ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ كَمَا كَانَ، وَيَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ مَالِهِ كَتَعَلُّقِ حُقُوقِ الْغُرَمَاءِ بِمَال الْمُفْلِسِ عِنْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَحَبَّ الْوَرَثَةُ الْتِزَامَ الدَّيْنِ وَأَدَاءَهُ لِلْغَرِيمِ عَلَى أَنْ يَتَصَرَّفُوا فِي الْمَال، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَلِكَ إِلاَّ أَنْ يَرْضَى الْغَرِيمُ، أَوْ يُوَثِّقُوا الْحَقَّ بِضَمِينٍ مَلِيءٍ أَوْ رَهْنٍ يَثِقُ بِهِ لِوَفَاءِ حَقِّهِ (٢) .
_________
(١) الخرشي ٥ / ٢٢٦، ٢٦٧، وحاشية الدسوقي ٣ / ٢٦٥، ٢٦٦.
(٢) المغني ٤ / ٤٨٦، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٨٦، والمبدع ٤ / ٣٢٦، والإنصاف للمرداوي ٥ / ٣٠٧.
وَالثَّالِثُ: رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَنَّ الأَْجَل لاَ يَحِل بِالْمَوْتِ مُطْلَقًا، وَإِنْ لَمْ يُوَثِّقِ الْوَرَثَةُ أَوْ غَيْرُهُمُ الدَّيْنَ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الأَْجَل حَقٌّ لِلْمَيِّتِ، فَيُورَثُ عَنْهُ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ، وَبِهِ قَال طَاوُسٌ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ وَالزُّهْرِيُّ وَسَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَحُكِيَ عَنِ الْحَسَنِ (١) .
سَادِسًا - حَقُّ التَّحْجِيرِ:
٤٤ - وَهُوَ حَقٌّ يَثْبُتُ لِمَنْ قَامَ بِوَضَعِ عَلاَمَاتٍ فِي أَرْضٍ مَوَاتٍ - سَوَاءٌ بِنَصْبِ أَحْجَارٍ أَوْ غَرْزِ أَخْشَابٍ عَلَيْهَا أَوْ حَصَادِ مَا فِيهَا مِنَ الْحَشِيشِ وَالشَّوْكِ وَنَحْوِ ذَلِكَ - لِيَصِيرَ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا لِسَبْقِ يَدِهِ عَلَيْهَا، وَقَدْ حَدَّدَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ لَهُ أَمَدًا مُعَيَّنًا يَنْتَهِي فِيهِ، بِحَيْثُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مُزَاحَمَتَهُ خِلاَلَهُ، وَهُوَ ثَلاَثُ سَنَوَاتٍ، وَجَعَل بَعْضُهُمْ تَحْدِيدَ الْمُدَّةِ لاِجْتِهَادِ الْحَاكِمِ بِحَسَبِ الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ.
وَالْمُتَحَجِّرُ إِذَا مَاتَ قَبْل نِهَايَةِ الْمُدَّةِ الْمُحَدَّدَةِ لاِحْتِجَارِهِ، فَهَل يَسْقُطُ حَقُّهُ بِمَوْتِهِ، أَمْ أَنَّهُ يَنْتَقِل فِي بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ إِلَى وَرَثَتِهِ؟
نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَقَّ يُورَثُ، وَلاَ يَسْقُطُ بِمَوْتِ الْمُتَحَجِّرِ، وَيَكُونُ
_________
(١) المغني ٤ / ٤٨٦، والمبدع ٤ / ٣٢٦.