الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩ الصفحة 52

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩

الْقَبْرِ وَعَذَابِهِ بَعْدَ سُؤَال الْمَلَكَيْنِ: فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ - فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِ الصَّادِقِ - أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَافْرُشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ. قَال: فَيَأْتِيهِ مِنْ رُوحِهَا وَطِيبِهَا، وَيُفْتَحُ لَهُ فِيهَا مَدَّ بَصَرِهِ.

أَمَّا فِي حَقِّ الْكَافِرِ: فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَنْ كَذَبَ، فَافْرُشُوهُ مِنَ النَّارِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ. قَال: فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا، وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ، حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلاَعُهُ (١) .

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مُسْتَقَرِّ أَرْوَاحِ الْمَوْتَى مَا بَيْنَ الْمَوْتِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، هَل هِيَ فِي السَّمَاءِ أَمْ فِي الأَْرْضِ، وَهَل هِيَ فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ أَمْ لاَ، وَهَل تُودَعُ فِي أَجْسَادٍ أَمْ تَكُونُ مُجَرَّدَةً؟ فَهَذِهِ مِنَ الْمَسَائِل الْعِظَامِ قَدْ تَكَلَّمَ فِيهَا النَّاسُ، وَهِيَ إِنَّمَا تُتَلَقَّى مِنَ السَّمْعِ فَقَطْ (٢) .

_________

(١) حديث: " نعيم القبر وعذابه. . ". أخرجه أبو داود (٥ / ١١٤ - ط حمص)، والحاكم (١ / ٣٨ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث البراء بن عازب.

(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٤ / ٢٩٥ وما بعدها، والروح لابن القيم ص ١٢٩ - ١٥٩، والمعتمد لأبي يعلى ص ٩٩، ولوامع الأنوار البهية ٢ / ٤٦ وما بعدها، وفتاوى العز بن عبد السلام ص ٤٤، وقواعد الأحكام للعز ص ٦٩٧، ٦٩٨.

قَال الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: إِنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ فِي عِلِّيِّينَ، وَأَرْوَاحَ الْكُفَّارِ فِي سِجِّينٍ، وَلِكُل رُوحٍ اتِّصَالٌ، وَهُوَ اتِّصَالٌ مَعْنَوِيٌّ لاَ يُشْبِهُ الاِتِّصَال فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، بَل أَشْبَهُ شَيْءٍ بِهِ حَال النَّائِمِ انْفِصَالًا، وَشَبَّهَهُ بَعْضُهُمْ بِالشَّمْسِ، أَيْ بِشُعَاعِ الشَّمْسِ، وَهَذَا مَجْمَعُ مَا افْتَرَقَ مِنَ الأَْخْبَارِ أَنَّ مَحَل الأَْرْوَاحِ فِي عِلِّيِّينَ وَفِي سِجِّينٍ، وَمِنْ كَوْنِ أَفْنِيَةِ الأَْرْوَاحِ عِنْدَ أَفْنِيَةِ قُبُورِهِمْ، كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الْجُمْهُورِ (١) .

أَثَرُ الْمَوْتِ عَلَى حُقُوقِ الْمُتَوَفَّى:

أَثَرُ الْمَوْتِ عَلَى الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ الْمَحْضَةِ:

١٦ - الْحُقُوقُ الْمَالِيَّةُ الْمَحْضَةُ: هِيَ مَا تَسْتَحِيل فِي النِّهَايَةِ إِلَى مَالٍ مِثْل الدُّيُونِ فِي ذِمَمِ الْغُرَمَاءِ، وَحَقُّ حَبْسِ الْمَبِيعِ لاِسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ وَحَقُّ حَبْسِ الرَّهْنِ لاِسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ وَحَقُّ الدِّيَةِ وَالأَْرْشِ فِي الأَْطْرَافِ وَحُقُوقُ الاِرْتِفَاقِ وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

أَوَّلًا - الدُّيُونُ فِي ذِمَّةِ الْغُرَمَاءِ

١٧ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي عَدَمِ تَأْثِيرِ مَوْتِ

_________

(١) فتاوى الحافظ ابن حجر العسقلاني (مطبوع ضمن مجموعة الرسائل المنيرية ٤ / ٤٠) .

الدَّائِنِ عَلَى الدُّيُونِ الَّتِي وَجَبَتْ لَهُ فِي ذِمَّةِ الْغُرَمَاءِ، وَأَنَّهَا تَنْتَقِل إِلَى وَرَثَتِهِ كَسَائِرِ الأَْمْوَال الَّتِي تَرَكَهَا، لأَِنَّ الدُّيُونَ فِي الذِّمَمِ أَمْوَالٌ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِاعْتِبَارِهَا تَؤُول إِلَى مَالٍ عِنْدَ الاِسْتِيفَاءِ (١) .

١٨ - وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ دَيْنَ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ، سَوَاءٌ تَقَرَّرَ بِالتَّرَاضِي أَوْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَقَالُوا إِنَّهُ يَسْقُطُ بِمَوْتِ الزَّوْجَةِ قَبْل قَبْضِهِ، لأَِنَّ النَّفَقَةَ صِلَةٌ، وَالصِّلاَتُ عِنْدَهُمْ لاَ تَتِمُّ إِلاَّ بِالتَّسْلِيمِ، وَتَسْقُطُ بِالْمَوْتِ قَبْلَهُ، إِلاَّ إِذَا اسْتَدَانَتِ النَّفَقَةَ بِأَمْرِ الْقَاضِي، فَعِنْدَئِذٍ لاَ تَسْقُطُ بِمَوْتِهَا، بَل تَنْتَقِل إِلَى وَرَثَتِهَا، وَكَذَلِكَ دَيْنُ نَفَقَةِ الأَْقَارِبِ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عِنْدَهُمْ بِمَوْتِ مَنْ وَجَبَ لَهُ قَبْل قَبْضِهِ، لأَِنَّ هَذِهِ النَّفَقَةَ إِنَّمَا وَجَبَتْ كِفَايَةً لِلْحَاجَةِ. . . إِلاَّ إِذَا أَذِنَ الْقَاضِي لِمَنْ وَجَبَتْ لَهُ بِالاِسْتِدَانَةِ وَاسْتَدَانَ، فَعِنْدَئِذٍ لاَ تَسْقُطُ بِمَوْتِهِ، بَل تَنْتَقِل إِلَى وَرَثَتِهِ، وَهَذَا قَوْلٌ لِبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ أَيْضًا فِي دَيْنِ نَفَقَةِ الأَْقَارِبِ. (٢)

_________

(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٣٥٤، وفتح القدير ٥ / ٢٥٠، ومجموع فتاوى ابن تيمية ٢٠ / ٥١٣، وبدائع الفوائد ٤ / ١٢٣، والقياس لابن تيمية ص ١١ وما بعدها.

(٢) الهداية مع فتح القدير ٤ / ٣٩٤، والمبسوط للسرخسي ١٠ / ٨١، ورد المحتار ٣ / ٦٣٥، وكشاف القناع ٤ / ٤٨٤، والمغني ٧ / ٥٧٨، والبحر الرائق ٤ / ٢٠٥، ٢٣٤.

أَمَّا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فَقَدْ قَالُوا: إِنَّ دَيْنَ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ دَيْنٌ صَحِيحٌ، سَوَاءٌ وَجَبَ بِالتَّرَاضِي أَوْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَلاَ يَسْقُطُ بِمَوْتِهَا قَبْل تَسَلُّمِهِ، بَل يَنْتَقِل إِلَى وَرَثَتِهَا كَسَائِرِ الدُّيُونِ، أَمَّا نَفَقَةُ الأَْقَارِبِ، فَإِنَّ وُجُوبَهَا عَلَى سَبِيل الْمُوَاسَاةِ وَسَدِّ الْخَلَّةِ، وَهِيَ مُجَرَّدُ إِمْتَاعٍ فَلاَ تَصِيرُ دَيْنًا إِلاَّ إِذَا فَرَضَهَا الْقَاضِي، فَحِينَئِذٍ تَثْبُتُ لِمَنْ وَجَبَتْ لَهُ، وَلاَ تَسْقُطُ بِمَوْتِهِ قَبْل قَبْضِهَا، بَل تَنْتَقِل إِلَى وَرَثَتِهِ (١) .

١٩ - وَالدُّيُونُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ تَنْتَقِل إِلَى الْوَرَثَةِ بِالصِّفَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا حَال حَيَاةِ الدَّائِنِ، فَمَا كَانَ مِنْهَا حَالًّا انْتَقَل إِلَى الْوَرَثَةِ حَالًا، وَمَا كَانَ مِنْهَا مُؤَجَّلًا أَوْ مُقَسَّطًا انْتَقَل كَمَا هُوَ مُؤَخَّرًا إِلَى أَجَلِهِ، حَيْثُ إِنَّ الأَْجَل عِنْدَهُمْ لاَ يَسْقُطُ بِمَوْتِ الدَّائِنِ (٢) .

وَحُكِيَ عَنِ اللَّيْثِ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ أَنَّ

_________

(١) الأم ٥ / ٨٩، وأسنى المطالب ٣ / ٤٣٢، ونهاية المحتاج ٧ / ١٩١، وشرح الخرشي ٤ / ١٩٥، ومنح الجليل ٣ / ١٣٦، وكشاف القناع ٤ / ٤٦٩، والمغني ٧ / ٥٧٨.

(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٣٥٧، ورد المحتار ٤ / ٥٣٢، والأم ٣ / ٢١٢، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٣٥٦، ٣٥٧، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣ / ٢٣٩، والخرشي ٥ / ٢٦٧، والمنتقى للباجي ٥ / ٨٦، والقواعد لابن رجب ص ٣٤٣.

كُل مَنْ مَاتَ وَلَهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ، فَإِنَّهُ يَنْتَقِل بَعْدَ مَوْتِهِ إِلَى وَرَثَتِهِ حَالًّا، وَيَبْطُل الأَْجَل بِوَفَاتِهِ (١) .

ثَانِيًا - الدِّيَةُ وَأَرْشُ الأَْطْرَافِ:

٢٠ - الدِّيَةُ وَالأَْرْشُ كِلاَهُمَا حَقٌّ مَالِيٌّ يَجِبُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بَدَل الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ.

وَيُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ الدِّيَةَ عَلَى الْمَال الَّذِي هُوَ بَدَل النَّفْسِ، وَالأَْرْشَ عَلَى الْمَال الْوَاجِبِ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ مِنَ الأَْطْرَافِ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (دِيَاتٌ ف ٤ وَمَا بَعْدَهَا، أَرْشٌ ف ١) .

وَمِنَ الْمُقَرَّرِ فِقْهًا أَنَّ الدِّيَةَ وَالأَْرْشَ تَكُونَانِ عَلَى الْجَانِي فِي جِنَايَةِ الْعَمْدِ، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ فِي الْخَطَأِ، وَلَكِنْ إِذَا حَدَثَ أَنْ مَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ أَوْ تُوُفِّيَ بَعْدَ مَا وَجَبَ لَهُ الْحَقُّ فِي الأَْرْشِ، فَمَا هُوَ مُصِيرُ هَذَا الْحَقِّ هَل يُعْتَبَرُ مِلْكًا لَهُ، وَمِنْ جُمْلَةِ أَمْوَالِهِ، بِحَيْثُ تُقْضَى مِنْهُ دُيُونُهُ وَتُنَفَّذُ مِنْهُ وَصَايَاهُ، وَمَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ لِوَرَثَتِهِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى، أَمْ أَنَّهُ يَسْقُطُ حَقُّهُ فِي تَمَلُّكِهِ، وَيَكُونُ لِوَرَثَتِهِ دُونَهُ، بِحَيْثُ لاَ تُوَفَّى مِنْهُ دُيُونُهُ وَلاَ يُنَفَّذُ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ وَصَايَاهُ؟ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:

_________

(١) المحلي ٨ / ٨٤، ٨٥.

أَحَدُهُمَا: لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الْمُعْتَمَدِ، وَهُوَ أَنَّ دِيَةَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ مَالٌ يَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ، لأَِنَّهَا بَدَل نَفْسِهِ، وَنَفْسُهُ لَهُ، فَكَذَلِكَ بَدَلُهَا، وَلأَِنَّ بَدَل أَطْرَافِهِ فِي حَال حَيَاتِهِ لَهُ، فَكَذَلِكَ بَدَلُهَا بَعْدَ مَوْتِهِ، وَيَجُوزُ تَجَدُّدُ الْمِلْكِ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، كَمَنْ نَصَبَ شَبَكَةً وَنَحْوَهَا فَسَقَطَ بِهَا صَيْدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ. . . وَعَلَى ذَلِكَ: فَإِنَّهُ تُسَدَّدُ مِنْهَا دُيُونُهُ، وَتُنَفَّذُ مِنْهَا وَصَايَاهُ، وَتُقْضَى مِنْهَا سَائِرُ حَوَائِجِهِ مِنْ تَجْهِيزٍ وَنَحْوِهِ، ثُمَّ مَا يَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهَا فَإِنَّهُ يَكُونُ لِوَرَثَتِهِ حَسَبَ قَوَاعِدِ الإِْرْثِ (١) .

وَاحْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ نَشَدَ النَّاسَ بِمِنًى: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الدِّيَةِ أَنْ يُخْبِرَنِي، فَقَامَ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ الْكِلاَبِيُّ فَقَال: كَتَبَ إِلَيَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ أُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا. . . فَقَضَى عُمَرُ بِذَلِكَ. قَال ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ أَشْيَمُ قُتِل خَطَأً " (٢) .

_________

(١) العقود الدرية لابن عابدين ٢ / ٢٥٣، ورد المحتار ٦ / ٧٥٩، ونهاية المحتاج وحاشية الشبرامسلي عليه ٦ / ٣، وأسنى المطالب وحاشية الرملي عليه ٤ / ٣٥، ومواهب الجليل ٦ / ٢٥٥، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٣٤، والمغني ٨ / ٥٤٨، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٥٥٨، ومعالم السنن للخطابي ٤ / ١٩٠.

(٢) أثر: أن عمر بن الخطاب نشد الناس بمنى. أخرجه مالك في الموطأ (٢ / ٨٦٦ - ٨٦٧ - ط الحلبي) ونقل الزيلعي في نصب الراية (٤ / ٣٥٢) عن ابن القطان أنه أعله بالانقطاع بين عمر والراوي عنه وهو سعيد ابن المسيب.

قَال الْبَاجِيُّ: اقْتَضَى ذَلِكَ تَعَلُّقَ هَذَا الْحُكْمِ بِقَتْل الْخَطَأِ، إِلاَّ أَنَّ دِيَةَ الْعَمْدِ مَحْمُولَةٌ عِنْدَ جَمِيعِ فُقَهَاءِ الأَْمْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يُفَرِّقْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلِمْنَاهُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ دِيَةِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، وَأَنَّهَا كَسَائِرِ مَال الْمَيِّتِ، يَرِثُ مِنْهَا الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ وَالإِْخْوَةُ لِلأُْمِّ وَغَيْرُهُمْ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَشُرَيْحٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ (١) .

وَعَلَّقَ الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَثَرِ عُمَرَ وَقَضَائِهِ بِقَوْلِهِ: وَلاَ اخْتِلاَفَ بَيْنَ أَحَدٍ فِي أَنْ يَرِثَ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ مَنْ وَرِثَ مَا سِوَاهَا مِنْ مَال الْمَيِّتِ، لأَِنَّهَا تُمْلَكُ عَنِ الْمَيِّتِ، وَبِهَذَا نَأْخُذُ، فَنُوَرِّثُ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ مَنْ وَرِثَ مَا سِوَاهَا مِنْ مَال الْمَيِّتِ، وَإِذَا مَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ وَقَدْ وَجَبَتْ دِيَتُهُ، فَمَنْ مَاتَ مِنْ وَرَثَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ كَانَتْ لَهُ حِصَّتُهُ مِنْ دِيَتِهِ، كَأَنَّ رَجُلًا جَنَى عَلَيْهِ فِي صَدْرِ النَّهَارِ فَمَاتَ، وَمَاتَ ابْنٌ لَهُ فِي آخِرِ النَّهَارِ، فَأُخِذَتْ دِيَةُ أَبِيهِ فِي ثَلاَثِ سِنِينَ، فَمِيرَاثُ الاِبْنِ الَّذِي عَاشَ بَعْدَهُ سَاعَةً قَائِمٌ فِي دِيَتِهِ، كَمَا يَثْبُتُ فِي دَيْنٍ لَوْ كَانَ لأَِبِيهِ، وَكَذَلِكَ امْرَأَتُهُ

_________

(١) المنتقى شرح الموطأ ٧ / ١٠٤.

وَغَيْرُهَا مِمَّنْ يَرِثُهُ إِذَا مَاتَ (١) .

وَالثَّانِي: لإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَرُوِيَ عَنْ مَكْحُولٍ وَشَرِيكٍ وَهُوَ أَنَّ الدِّيَةَ تَثْبُتُ لِلْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً، وَلاَ تَكُونُ مِلْكًا لِلْمَيِّتِ أَصْلًا، إِذِ الْمَقْتُول لاَ تَجِبُ دِيَتُهُ إِلاَّ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَإِذَا مَاتَ فَقَدْ بَطَل مِلْكُهُ، وَلِهَذَا لاَ يَصِحُّ أَنْ تُقْضَى مِنْهَا دُيُونُهُ، وَلاَ أَنْ تُنَفَّذَ مِنْهَا وَصَايَاهُ.

وَقَدْ جَاءَ فِي اسْتِدْلاَلِهِمْ عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ: أَنَّ الدِّيَةَ مَالٌ حَدَثَ لِلأَْهْل بَعْدَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِمْ، وَلَمْ يَرِثُوهُ عَنْهُ قَطُّ، إِذْ لَمْ يَجِبْ لَهُ شَيْءٌ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ، فَكَانَ مِنَ الْبَاطِل أَنْ يُقْضَى دَيْنُهُ مِنْ مَال الْوَرَثَةِ الَّذِي لَمْ يَمْلِكْهُ هُوَ قَطُّ فِي حَيَاتِهِ، وَأَنْ تُنَفَّذَ مِنْهُ وَصِيَّتُهُ. . . ثُمَّ إِنَّهُ بِالْمَوْتِ تَزُول أَمْلاَكُ الْمَيِّتِ الثَّابِتَةُ لَهُ، فَكَيْفَ يَتَجَدَّدُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِلْكٌ؟ وَلِهَذَا لاَ تُنَفَّذُ وَصِيَّتُهُ مِنْ مَال الدِّيَةِ، لأَِنَّ الْمَيِّتَ إِنَّمَا يُوصِي بِجُزْءٍ مِنْ مَالٍ لاَ بِمَال وَرَثَتِهِ (٢) .

ثَالِثًا - حُقُوقُ الاِرْتِفَاقِ

٢١ - حَقُّ الاِرْتِفَاقِ عِبَارَةٌ عَنْ حَقٍّ مُقَرَّرٍ عَلَى عَقَارٍ لِمَنْفَعَةِ عَقَارٍ آخَرَ مَمْلُوكٍ لِغَيْرِ مَالِكِ

_________

(١) الأم ٦ / ٨٨، ٨٩.

(٢) المحلي ١٠ / ٤٩٠، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٣٢١، والمغني ٨ / ٥٤٨، ٥٤٩، والمبدع لبرهان الدين ابن مفلح ٦ / ٥٦.

الْعَقَارِ الأَْوَّل، وَتَشْمَل حُقُوقُ الاِرْتِفَاقِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: حَقَّ الشُّرْبِ، وَحَقَّ الْمَجْرَى، وَحَقَّ الْمَسِيل، وَحَقَّ الْمُرُورِ، وَحَقَّ التَّعَلِّي، وَحَقَّ الْجِوَارِ (١) .

وَحُقُوقُ الاِرْتِفَاقِ لَيْسَتْ بِمُفْرَدِهَا مَالًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، لأَِنَّهَا أُمُورٌ لاَ يُمْكِنُ حَوْزُهَا وَادِّخَارُهَا، وَلِذَلِكَ قَالُوا بِعَدَمِ جَوَازِ بَيْعِهَا وَإِجَارَتِهَا وَهِبَتِهَا اسْتِقْلاَلًا، وَلَكِنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَهَا حُقُوقًا مَالِيَّةً لِتَعَلُّقِهَا بِأَعْيَانٍ مَالِيَّةٍ، وَمِنْ هُنَا أَجَازُوا بَيْعَهَا تَبَعًا لِلْعَقَارِ الَّذِي ثَبَتَتْ لِمَنْفَعَتِهِ.

أَمَّا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فَقَدِ اعْتَبَرُوهَا مِنْ قَبِيل الأَْمْوَال، وَأَجَازُوا - فِي الْجُمْلَةِ - بَيْعَهَا وَهِبَتَهَا اسْتِقْلاَلًا (٢) .

وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ هَذِهِ الْحُقُوقَ لاَ تَسْقُطُ بِمَوْتِ صَاحِبِ الْحَقِّ، بَل تَنْتَقِل إِلَى وَرَثَتِهِ تَبَعًا لِلْعَقَارِ الَّذِي ثَبَتَتْ لِمَصْلَحَتِهِ، لأَِنَّهُ حُقُوقٌ مَالِيَّةٌ، فِيهَا مَعْنَى الْمَال، وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَعْيَانٍ مَالِيَّةٍ، وَلِهَذَا فَلاَ تَأْثِيرَ لِلْمَوْتِ عَلَيْهَا، سَوَاءٌ قِيل إِنَّهَا أَمْوَالٌ ذَاتُهَا أَوْ حُقُوقٌ مُتَعَلِّقَةٌ

_________

(١) البحر الرائق ٦ / ١٤٨، وجامع الفصولين ١ / ٦٥، ومنح الجليل ٣ / ٦٩.

(٢) بدائع الصنائع ٦ / ١٨٩، وتبيين الحقائق ٦ / ٤٣، وفتح القدير ٦ / ٤٢٨.

بِأَعْيَانٍ مَالِيَّةٍ (١) .

رَابِعًا - حُقُوقُ الْمُرْتَهِنِ:

٢٢ - الرَّهْنُ هُوَ الْمَال الَّذِي يُجْعَل وَثِيقَةً بِالدَّيْنِ، لِيُسْتَوْفَى مِنْ ثَمَنِهِ إِنْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ. وَبِهَذِهِ الْوَثِيقَةِ يَصِيرُ الْمُرْتَهِنُ أَحَقَّ بِالرَّهْنِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ بِحَيْثُ إِذَا كَانَ عَلَى الرَّاهِنِ دُيُونٌ أُخْرَى لاَ تَفِي بِهَا أَمْوَالُهُ، وَبِيعَ الرَّهْنُ لِسَدَادِ مَا عَلَيْهِ، كَانَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ مِنْ ثَمَنِهِ أَوَّلًا، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ فَهُوَ لِبَقِيَّةِ الْغُرَمَاءِ (٢) .

وَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ حُقُوقَ الْمُرْتَهِنِ لاَ تَبْطُل بِمَوْتِهِ، بَل تَنْتَقِل إِلَى وَرَثَتِهِ، وَعَلَى ذَلِكَ: فَالْمَيِّتُ الَّذِي لَهُ دَيْنٌ بِهِ رَهْنٌ، فَإِنَّهُ يَنْتَقِل إِلَى وَرَثَتِهِ بِرَهْنِهِ، وَتَبْقَى الْعَيْنُ رَهْنًا عِنْدَهُمْ، وَتَتَعَلَّقُ بِهَا سَائِرُ حُقُوقِ الْمُرْتَهِنِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ (٣) .

_________

(١) مجمع الأنهر ٢ / ٥٦٧، والبدائع ٦ / ١٩٢، وتبيين الحقائق ٦ / ٤٣، ونهاية المحتاج ٤ / ٤٠١، وأسنى المطالب ٢ / ٢٢٦، ومواهب الجليل ٤ / ٧٦، والفروق للقرافي ٣ / ٢٧٥، والبهجة على التحفة ٢ / ١٧، والقواعد لابن رجب ص ٣٤٣.

(٢) المغني ٦ / ٤٤٣، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٨، ورد المحتار ٥ / ٣٠٧، وانظر م (٧٠١) من مجلة الأحكام العدلية وم (٩٧٥) من مرشد الحيران.

(٣) العقود الدرية لابن عابدين ٢ / ٢٣٨، والهداية وحواشيها ١٠ / ١٧٨، والأم ٣ / ١٤٧، ومغني المحتاج ٢ / ١٢٩، وحاشية الدسوقي ٣ / ٢١٧، وتهذيب الفروق ٣ / ٢٨٥، والقواعد لابن رجب ص ٣٤٣.