الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩ الصفحة 51

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩

لأَِسَاسِ التَّكْلِيفِ، لأَِنَّهُ عَجْزٌ كُلُّهُ عَنْ إِتْيَانِ الْعِبَادَاتِ أَدَاءً وَقَضَاءً، وَلأَِنَّ الْمَيِّتَ قَدْ ذَهَبَ مِنْ دَارِ الاِبْتِلاَءِ إِلَى دَارِ الْجَزَاءِ (١)، قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: إِنَّ الْمَوْتَ يُنَافِي أَحْكَامَ الدُّنْيَا مِمَّا فِيهِ تَكْلِيفٌ، لأَِنَّ التَّكْلِيفَ يَعْتَمِدُ الْقُدْرَةَ وَالْمَوْتُ عَجْزٌ كُلُّهُ (٢) .

وَحَيْثُ إِنَّ الذِّمَّةَ خَاصَّةٌ مِنَ الْخَصَائِصِ الإِْنْسَانِيَّةِ فَإِنَّهَا تَبْدَأُ مَعَ الشَّخْصِ مُنْذُ الْحَمْل بِهِ، وَتَبْقَى مَعَهُ طِيلَةَ حَيَاتِهِ، فَإِذَا مَاتَ خَرِبَتْ ذِمَّتُهُ وَانْتَهَتْ أَهْلِيَّتُهُ.

غَيْرَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا هَل تَخْرَبُ الذِّمَّةُ وَتَنْتَهِي فَوْرًا بِمُجَرَّدِ حُصُول الْمَوْتِ، أَمْ أَنَّ الْمَوْتَ يُضْعِفُهَا، أَمْ أَنَّهَا تَبْقَى كَمَا هِيَ بَعْدَ الْمَوْتِ حَتَّى تُسْتَوْفَى الْحُقُوقُ مِنَ التَّرِكَةِ؟ وَذَلِكَ عَلَى ثَلاَثَةِ مَذَاهِبَ يُنْظَرُ تَفْصِيلُهَا فِي (ذِمَّةٌ ف ٦ - ٩) .

انْقِطَاعُ الْعَمَل بِالْمَوْتِ وَمَدَى انْتِفَاعِ الْمَوْتَى بِسَعْيِ الأَْحْيَاءِ

١١ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ أَهْل الْعِلْمِ فِي انْقِطَاعِ عَمَل ابْنِ آدَمَ بِمَوْتِهِ فِي الْجُمْلَةِ، لأَِنَّ الْمَوْتَ عَجْزٌ كَامِلٌ عَنْ إِتْيَانِ الْعِبَادَاتِ أَدَاءً وَقَضَاءً، وَلأَِنَّ الْمَيِّتَ قَدِ ارْتَحَل مِنْ دَارِ الاِبْتِلاَءِ وَالتَّكْلِيفِ

_________

(١) فواتح الرحموت ١ / ١٧٥.

(٢) فتح الغفار شرح المنار ٣ / ٩٨.

إِلَى دَارِ الْجَزَاءِ (١)، وَلَكِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِمَا تَسَبَّبَ إِلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ (٢)، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِذَا مَاتَ الإِْنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ: إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ (٣) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ، أَوْ وَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، أَوْ مُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لاِبْنِ السَّبِيل بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخَرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ (٤) وَرَوَى جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ سَنَّ فِي الإِْسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِل بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِْسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ

_________

(١) فواتح الرحموت ١ / ١٧٥.

(٢) الروح لابن القيم ص ١٦٣.

(٣) حديث: " إذا مات الإنسان انقطع عمله. . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١٢٥٥ - ط عيسى الحلبي) .

(٤) حديث: " إن مما يلحق المؤمن. . ". أخرجه ابن ماجه (١ / ٨٨ - ٨٩، ط عيسى الحلبي)، وابن خزيمة (٤ / ١٢١ - ط المكتب الإسلامي) . وقال البوصيري في مصباح الزجاجة: (١ / ٨٠ - ط دار الجنان): هذا إسناد مختلف فيه.

مَنْ عَمِل بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ (١) .

أَمَّا انْتِفَاعُهُ بِغَيْرِ مَا تَسَبَّبَ إِلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ، فَقَدْ فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ:

أ - دُعَاءُ الْمُسْلِمِينَ لَهُ وَاسْتِغْفَارُهُمْ، وَفِي ذَلِكَ قَال النَّوَوِيُّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ لِلأَْمْوَاتِ يَنْفَعُهُمْ وَيَصِلُهُمْ ثَوَابُهُ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِْيمَانِ﴾ (٢)، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآْيَاتِ الْمَشْهُورَةِ بِمَعْنَاهَا، وَبِالأَْحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ كَقَوْلِهِ ﷺ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَِهْل بَقِيعِ الْغَرْقَدِ (٣) وَكَقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا (٤) .

_________

(١) حديث: " من سن في الإسلام سنَّة حسنة. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ٧٠٥ - ط عيسى الحلبي) .

(٢) سورة الحشر / ١٠.

(٣) حديث: " الًّلهم اغفر لأهل البقيع ". أخرجه مسلم (٢ / ٦٦٩ - ط عيسى الحلبي) ضمن حديث طويل.

(٤) حديث: " اللهم اغفر لحينا وميتنا ". أخرجه أبو داود (٣ / ٥٣٩ - ط حمص)، والنسائي (٤ / ٧٤ - ط المكتبة التجارية)، والترمذي (٣ / ٣٣٥ - ط مصطفى الحلبي) من حديث أبي هريرة، وقال الترمذي: حسن صحيح.

ب - مَا جَعَل الأَْحْيَاءُ ثَوَابَهُ لِلْمَيِّتِ مِنَ الأَْعْمَال الأُْخْرَى كَالْحَجِّ وَالصَّدَقَةِ وَالصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ وَتِلاَوَةِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ كُل وَاحِدٍ مِنْهَا وَوُصُولِهِ لِلْمَيِّتِ.

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (أَدَاءٌ ف ١٤، وَقِرَاءَةٌ ف ١٨ وَقُرْبَةٌ ف ١١) .

السَّلاَمُ عَلَى الْمَوْتَى وَرَدُّهُمْ

١٢ - وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَا مِنْ أَحَدٍ مَرَّ بِقَبْرِ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ إِلاَّ عَرَفَهُ وَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ (١) وَوَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ بِقَتْلَى بَدْرٍ، فَأُلْقُوا فِي قَلِيبٍ، ثُمَّ جَاءَ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِمْ وَنَادَاهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ: يَا فُلاَنُ ابْنُ فُلاَنٍ، وَيَا فُلاَنُ ابْنُ فُلاَنٍ، هَل وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا، فَقَال لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُول اللَّهِ، مَا تُخَاطِبُ مِنْ أَقْوَامٍ قَدْ جَيَّفُوا، فَقَال ﵊: وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ، مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُول مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ جَوَابًا (٢) وَوَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ

_________

(١) حديث: " ما من أحد مر بقبر. . . ". أخرجه ابن عبد البر في الاستذكار (٢ / ١٦٥ - ط دار قتيبة - دمشق) من حديث ابن عباس وقال صاحب عون المعبود: صح عن ابن عباس مرفوعًا.

(٢) حديث: " أنه أمر بقتلى بدر فألقوا في قليب. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٧ / ٣٠٠ - ط السلفية) من حديث أبي طلحة ﵁، ومسلم (٤ / ٢٢٠٣ - ط عيسى الحلبي) من حديث أنس بن مالك ﵁.

أَنَّهُ قَال: إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ (١) وَلِهَذَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالسَّلاَمِ عَلَى الْمَوْتَى، حَيْثُ جَاءَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ إِذَا زَارُوا الْقُبُورَ أَنْ يَقُولُوا: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ أَهْل الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكَمْ لَلاَحِقُونَ (٢) .

قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: وَهَذَا خِطَابٌ لِمَنْ يَسْمَعُ وَيَعْقِل، وَلَوْلاَ ذَلِكَ لَكَانَ هَذَا الْخِطَابُ بِمَنْزِلَةِ خِطَابِ الْمَعْدُومِ وَالْجَمَادِ، وَالسَّلَفُ مُجْمِعُونَ عَلَى هَذَا، وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الآْثَارُ بِأَنَّ الْمَيِّتَ يَعْرِفُ زِيَارَةَ الْحَيِّ لَهُ وَيَسْتَبْشِرُ بِهِ (٣) .

وَجَاءَ فِي فَتَاوَى الْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلاَمِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَيِّتَ يَعْرِفُ الزَّائِرَ، لأَِنَّا أُمِرْنَا بِالسَّلاَمِ عَلَيْهِمْ، وَالشَّرْعُ لاَ يَأْمُرُ بِخِطَابِ مَنْ لاَ يَسْمَعُ (٤) .

_________

(١) حديث: " إن العبد إذا وضع في قبره. . . ". أخرجه مسلم (٤ / ٢٢٠٠ - ٢٢٠١ - ط عيسى الحلبي) ضمن حديث طويل عن أنس ﵁.

(٢) حديث: " السلام على أهل الديار من المؤمنين. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ٦٦٩ - ط عيسى الحلبي) من حديث بريدة بن الحصيب ﵁.

(٣) الروح ص ٧، ٨.

(٤) فتاوى العز بن عبد السلام ص ٤٤.

عَوْدَةُ أَرْوَاحِ الْمَوْتَى فِي الْحَيَاةِ الْبَرْزَخِيَّةِ

١٣ - الْمُرَادُ بِالْبَرْزَخِ هَاهُنَا: الْحَاجِزُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ، قَال الْعُلَمَاءُ: وَلَهُ زَمَانٌ وَمَكَانٌ وَحَالٌ، فَزَمَانُهُ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَحَالُهُ الأَْرْوَاحُ، وَمَكَانُهُ مِنَ الْقَبْرِ إِلَى عِلِّيِّينَ لأَِرْوَاحِ أَهْل السَّعَادَةِ، أَمَّا أَهْل الشَّقَاوَةِ فَلاَ تُفْتَحُ لأَِرْوَاحِهِمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، بَل هِيَ فِي سِجِّينٍ مَسْجُونَةٍ، وَبِلَعْنَةِ اللَّهِ مَصْفُودَةٌ (١)، قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ وَنَعِيمَهُ اسْمٌ لِعَذَابِ، الْبَرْزَخِ وَنَعِيمِهِ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ (٢) . قَال تَعَالَى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٣) .

هَذَا وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي السُّؤَال فِي الْقَبْرِ، هَل يَقَعُ عَلَى الْبَدَنِ أَمْ عَلَى الرُّوحِ أَوْ عَلَيْهِمَا مَعًا، وَذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ (٤):

الأَْوَّل: لِجُمْهُورِ عُلَمَاءِ أَهْل السُّنَّةِ، وَهُوَ أَنَّ

_________

(١) شرح الخريدة للدردير وحاشية السباعي المالكي عليه ص ٣٢٥ - ط هجر.

(٢) الروح ص ١٠٣ - ١٠٥.

(٣) سورة المؤمنين / ١٠٠.

(٤) مجموع فتاوى ابن تيمية ٤ / ٢٩٢، ٢٩٦، والروح ص ٦٢، ٦٣، وإتحاف السادة المتقين ١٠ / ٣٧٧، وشرح عقيدة أهل السنة للبابرتي ص ١٢٧، ١٢٨، وشرح العقيدة الطحاوية للغنيمي ص ١١٦، والنووي على مسلم ١٧ / ٢٠٠، ٢٠١، وفتح الباري ٣ / ٢٣٥، وشرح الخريدة وحاشية السباعي ص ٣٢٥، ٣٢٦، والمعتمد لأبي يعلى ص ١٧٨.

الرُّوحَ تُعَادُ إِلَى الْجَسَدِ أَوْ بَعْضِهِ، وَلاَ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُ الْمَيِّتِ قَدْ تَتَفَرَّقُ أَجَزَاؤُهُ، لأَِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُعِيدَ الْحَيَاةَ إِلَى جُزْءٍ مِنَ الْجَسَدِ، وَيَقَعُ عَلَيْهِ السُّؤَال، كَمَا هُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَجْمَعَ أَجْزَاءَهُ، قَال ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ تَرْجِعَ الرُّوحُ فِي حَالٍ آخَرَ وَأَمْرٍ ثَانٍ، وَبِعَوْدِهَا يَرْجِعُ الْمَيِّتُ حَيًّا، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِحَيَاةِ الْقَبْرِ عِنْدَ إِتْيَانِ الْمَلَكَيْنِ لِلسُّؤَال، فَإِذَا رُدَّتْ إِلَيْهِ الْحَيَاةُ، لِلْجِسْمِ وَالرُّوحِ، تَبِعَتْهَا الإِْدْرَاكَاتُ الْمَشْرُوطَةُ بِهَا، فَيَتَوَجَّهُ حِينَئِذٍ عَلَى الْمَيِّتِ السُّؤَال، وَيُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْجَوَابُ (١) .

وَقَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: عَوْدُ الرُّوحِ إِلَى بَدَنِ الْمَيِّتِ فِي الْقَبْرِ لَيْسَ مِثْل عَوْدِهَا إِلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ أَكْمَل مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، كَمَا أَنَّ النَّشْأَةَ الأُْخْرَى لَيْسَ مِثْل هَذِهِ النَّشْأَةِ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْمَل مِنْهَا، بَل كُل مَوْطِنٍ فِي هَذِهِ الدَّارِ وَفِي الْبَرْزَخِ وَالْقِيَامَةِ لَهُ حُكْمٌ يَخُصُّهُ (٢) .

وَقَال ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلاَنِيُّ: الْمُرَادُ بِالْحَيَاةِ فِي الْقَبْرِ لِلْمَسْأَلَةِ لَيْسَتِ الْحَيَاةَ الْمُسْتَقِرَّةَ الْمَعْهُودَةَ فِي الدُّنْيَا الَّتِي تَقُومُ فِيهَا الرُّوحُ بِالْبَدَنِ وَتَدْبِيرِهِ وَتَصَرُّفِهِ، وَتَحْتَاجُ إِلَى مَا

_________

(١) الفتاوى الحديثية ص ١٢١.

(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٤ / ٢٧٤.

يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الأَْحْيَاءُ، بَل هِيَ مُجَرَّدُ إِعَادَةٍ لِفَائِدَةِ الاِمْتِحَانِ الَّذِي وَرَدَتْ بِهِ الأَْحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، فَهِيَ إِعَادَةٌ عَارِضَةٌ (١) .

الثَّانِي: لأَِبِي حَنِيفَةَ وَالْغَزَالِيِّ: وَهُوَ التَّوَقُّفُ. قَال الْغُنَيْمِيُّ الْحَنَفِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ أَهْل الْحَقِّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ فِي الْمَيِّتِ نَوْعَ حَيَاةٍ فِي الْقَبْرِ، قَدْرَ مَا يَتَأَلَّمُ وَيَلْتَذُّ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَل تُعَادُ الرُّوحُ إِلَيْهِ أَمْ لاَ؟

وَالْمَنْقُول عَنِ الإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ التَّوَقُّفُ (٢)، وَقَال الْغَزَالِيُّ: وَلاَ يَبْعُدُ أَنْ تُعَادَ الرُّوحُ إِلَى الْجَسَدِ فِي الْقَبْرِ، وَلاَ يَبْعُدُ أَنْ تُؤَخَّرَ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا حَكَمَ بِهِ عَلَى عَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ (٣) .

الثَّالِثُ: لاِبْنِ جَرِيرٍ وَجَمَاعَةٍ، وَهُوَ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْبَدَنِ فَقَطْ، وَأَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ فِيهِ إِدْرَاكًا بِحَيْثُ يَسْمَعُ وَيَعْلَمُ وَيَلْتَذُّ وَيَأْلَمُ.

الرَّابِعُ: لاِبْنِ هُبَيْرَةَ وَغَيْرِهِ: وَهُوَ أَنَّ السُّؤَال يَقَعُ عَلَى الرُّوحِ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ عَوْدٍ إِلَى الْجَسَدِ (٤) .

١٤ - وَقَدْ تَفَرَّعَ عَنْ ذَلِكَ الْخِلاَفِ اخْتِلاَفُ

_________

(١) فتح الباري ٣ / ٢٤٠.

(٢) شرح الغنيمي الميداني على العقيدة الطحاوية ص ١١٧.

(٣) إحياء علوم الدين ٤ / ٤٢١.

(٤) المراجع السابقة.

الْعُلَمَاءِ فِي نَعِيمِ الْقَبْرِ وَعَذَابِهِ فِي الْحَيَاةِ الْبَرْزَخِيَّةِ، هَل يَقَعُ عَلَى الرُّوحِ فَقَطْ أَمْ عَلَى الْجَسَدِ أَمْ عَلَى كِلَيْهِمَا؟

فَذَهَبَ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَالْغَزَالِيُّ إِلَى أَنَّ التَّنْعِيمَ وَالتَّعْذِيبَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الرُّوحِ وَحْدَهَا (١) .

وَقَال جُمْهُورُ أَهْل السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفُقَهَاءِ: هُوَ عَلَى الرُّوحِ وَالْجَسَدِ (٢) . قَال النَّوَوِيُّ: النَّعِيمُ وَالْعَذَابُ لِلْجَسَدِ بِعَيْنِهِ أَوْ بَعْضِهِ بَعْدَ إِعَادَةِ الرُّوحِ إِلَيْهِ أَوْ إِلَى جُزْءٍ مِنْهُ (٣)، وَقَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: الْعَذَابُ وَالنَّعِيمُ عَلَى النَّفْسِ وَالْبَدَنِ جَمِيعًا بِاتِّفَاقِ أَهْل السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، تُنَعَّمُ النَّفْسُ وَتُعَذَّبُ مُنْفَرِدَةً عَنِ الْبَدَنِ، وَتُعَذَّبُ مُتَّصِلَةً بِالْبَدَنِ، وَالْبَدَنُ مُتَّصِلٌ بِهَا، فَيَكُونُ النَّعِيمُ وَالْعَذَابُ عَلَيْهِمَا فِي هَذِهِ الْحَال مُجْتَمِعَيْنِ، كَمَا يَكُونُ لِلرُّوحِ مُنْفَرِدَةً عَنِ الْبَدَنِ (٤) .

وَذَهَبَ ابْنُ جَرِيرٍ إِلَى أَنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُرَدَّ الرُّوحُ إِلَيْهِ، وَيَحُسُّ بِالأَْلَمِ

_________

(١) شرح الخريدة للدردير وحاشية السباعي عليه ص ٣٢٥، والأربعين في أصول الدين للغزالي ص ٢٨٢، ومجموع فتاوى ابن تيمية ٤ / ٢٦٢، ٢٨٣، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني ٢ / ٢٤، ٢٦.

(٢) لوامع الأنوار البهية ٢ / ٢٤، والروح لابن القيم ص ٧٣، ٧٤ وفتاوى ابن حجر العسقلاني ٤ / ٤١.

(٣) شرح النووي على صحيح مسلم ١٧ / ٢٠١.

(٤) مجموع فتاوى ابن تيمية ٤ / ٢٨٢.

وَإِنْ كَانَ غَيْرَ حَيٍّ (١) .

مُسْتَقَرُّ أَرْوَاحِ الْمَوْتَى مَا بَيْنَ الْمَوْتِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ

١٥ - قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: إِنَّ اللَّهَ جَعَل الدُّورَ ثَلاَثًا: دَارَ الدُّنْيَا، وَدَارَ الْبَرْزَخِ، وَدَارَ الْقَرَارِ، وَجَعَل لِكُل دَارٍ أَحْكَامًا تَخْتَصُّ بِهَا، وَرَكَّبَ هَذَا الإِْنْسَانَ مِنْ بَدَنٍ وَرُوحٍ، وَجَعَل أَحْكَامَ الدُّنْيَا عَلَى الأَْبْدَانِ وَالأَْرْوَاحِ تَبَعًا لَهَا، وَلِهَذَا جَعَل أَحْكَامَهُ الشَّرْعِيَّةَ مُرَتَّبَةً عَلَى مَا يَظْهَرُ مِنْ حَرَكَاتِ اللِّسَانِ وَالْجَوَارِحِ، وَإِنْ أَضْمَرَتِ النَّفُوسُ خِلاَفَهُ، وَجَعَل أَحْكَامَ الْبَرْزَخِ عَلَى الأَْرْوَاحِ، وَالأَْبْدَانُ تَبَعًا لَهَا، فَكَمَا تَبِعَتِ الأَْرْوَاحُ الأَْبْدَانَ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا، فَتَأَلَّمَتْ بِأَلَمِهَا وَالْتَذَّتْ بِرَاحَتِهَا، فَإِنَّ الأَْبْدَانَ تَتْبَعُ الأَْرْوَاحَ فِي أَحْكَامِ الْبَرْزَخِ فِي نَعِيمِهَا وَعَذَابِهَا (٢) حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أُعِيدَتِ الأَْرْوَاحُ إِلَى الأَْجْسَادِ، وَقَامُوا مِنْ قُبُورِهِمْ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٣) .

وَالْبَرْزَخُ هُوَ أَوَّل دَارِ الْجَزَاءِ، وَعَذَابُ الْبَرْزَخِ وَنَعِيمُهُ أَوَّل عَذَابِ الآْخِرَةِ وَنَعِيمِهَا، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْهُ، وَوَاصِلٌ إِلَى أَهْل الْبَرْزَخِ، يَدُل عَلَى ذَلِكَ مَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي نَعِيمِ

_________

(١) المعتمد في أصول الدين لأبي يعلى ص ١٧٨.

(٢) الروح لابن القيم ص ٩١ بتصرف.

(٣) الروح ص ٧٤.