الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩ الصفحة 50

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩

ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْل الْجَنَّةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْل النَّارِ فَمِنْ أَهْل النَّارِ يُقَال: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (١) فَدَل ذَلِكَ عَلَى نَعِيمِ الأَْرْوَاحِ وَعَذَابِهَا بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ إِلَى أَنْ يُرْجِعَهَا اللَّهُ فِي أَجْسَادِهَا وَلَوْ مَاتَتِ الأَْرْوَاحُ لاَنْقَطَعَ عَنْهَا النَّعِيمُ وَالْعَذَابُ. (٢)

وَقَدْ أَوْرَدَ الإِْمَامُ الْغَزَالِيُّ تَوْضِيحًا لِحَال الرُّوحِ وَحَيَاتِهَا بَعْدَ مَوْتِ الْبَدَنِ فَقَال: هَذِهِ الرُّوحُ لاَ تَفْنَى الْبَتَّةَ وَلاَ تَمُوتُ بَل يَتَبَدَّل بِالْمَوْتِ حَالُهَا فَقَطْ وَيَتَبَدَّل مَنْزِلُهَا فَتَنْتَقِل مِنْ مَنْزِلٍ إِلَى مَنْزِلٍ، وَالْقَبْرُ فِي حَقِّهَا إِمَّا رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النِّيرَانِ، إِذًا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَعَ الْبَدَنِ عَلاَقَةٌ سِوَى اسْتِعْمَالِهَا الْبَدَنَ وَاقْتِنَاصِهَا أَوَائِل الْمَعْرِفَةِ بِهِ بِوَاسِطَةِ شَبَكَةِ الْحَوَاسِّ فَالْبَدَنُ آلَتُهَا وَمَرْكَبُهَا

_________

(١) حديث " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٢٤٣ - ط السلفية)، ومسلم (٤ / ٢١٩٩ - ط عيسى الحلبي)، واللفظ لمسلم.

(٢) الروح لابن القيم ص ٥٠.

وَشَبَكَتُهَا وَبُطْلاَنُ الآْلَةِ وَالْمَرْكَبِ وَالشَّبَكَةِ لاَ يُوجِبُ بُطْلاَنَ الصَّائِدِ (١) .

وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ الرُّوحَ تَفْنَى وَتَمُوتُ بِمَوْتِ الْجَسَدِ لأَِنَّهَا نَفْسٌ (٢) وَقَدْ قَال تَعَالَى: ﴿كُل نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (٣) . قَال الزُّبَيْدِيُّ: وَقَدْ قَال بِهَذَا الْقَوْل جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الأَْنْدَلُسِ قَدِيمًا مِنْهُمْ عَبْدُ الأَْعْلَى بْنُ وَهْبِ بْنِ لُبَابَةَ وَمِنْ مُتَأَخِّرِيهِمْ كَالسُّهَيْلِيِّ وَابْنِ الْعَرَبِيِّ (٤) .

وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ: وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَال: مَوْتُ النُّفُوسِ هُوَ مُفَارَقَتُهَا لأَِجْسَادِهَا وَخُرُوجُهَا مِنْهَا فَإِنْ أُرِيدَ بِمَوْتِهَا هَذَا الْقَدْرُ فَهِيَ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنْ أُرِيدَ بِأَنَّهَا تَعْدَمُ وَتَضْمَحِل وَتَصِيرُ عَدَمًا مَحْضًا فَهِيَ لاَ تَمُوتُ بِهَذَا الاِعْتِبَارِ بَل هِيَ بَاقِيَةٌ بَعْدَ خَلْقِهَا فِي نَعِيمٍ أَوْ فِي عَذَابٍ (٥) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الرُّوحُ:

٤ - ذَهَبَ أَهْل السُّنَّةِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفُقَهَاءِ

_________

(١) الأربعين في أصول الدين للغزالي ص ٢٧٦.

(٢) الروح ص ٥٠.

(٣) سورة آل عمران / ١٨٥.

(٤) إتحاف السادة المتقين ١٠ / ٣٧٧.

(٥) الروح ص ٥٠.

وَالْمُحَدِّثِينَ إِلَى أَنَّ الرُّوحَ (١) جِسْمٌ لَطِيفٌ مُتَخَلِّلٌ فِي الْبَدَنِ تَذْهَبُ الْحَيَاةُ بِذَهَابِهِ، وَعِبَارَةُ بَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ: هِيَ جِسْمٌ لَطِيفٌ مُشْتَبِكٌ بِالْبَدَنِ اشْتِبَاكَ الْمَاءِ بِالْعُودِ الأَْخْضَرِ، وَبِهِ جَزَمَ النَّوَوِيُّ وَابْنُ عَرَفَةَ الْمَالِكِيُّ وَنَقَلاَ تَصْحِيحَهُ عَنْ أَصْحَابِهِمْ (٢) .

وَقَال الْفَيُّومِيُّ: وَمَذْهَبُ أَهْل السُّنَّةِ أَنَّ الرُّوحَ هُوَ النَّفْسُ النَّاطِقَةُ الْمُسْتَعِدَّةُ لِلْبَيَانِ وَفَهْمِ الْخِطَابِ وَلاَ تَفْنَى بِفَنَاءِ الْجَسَدِ وَأَنَّهُ جَوْهَرٌ لاَ عَرَضٌ (٣) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمَوْتِ وَبَيْنَ الرُّوحِ هِيَ التَّبَايُنُ.

ب - النَّفْسُ:

٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ أَهْل السُّنَّةِ مِنْ فُقَهَاءَ وَمُحَدِّثِينَ وَمُتَكَلِّمِينَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْسِ الرُّوحُ.

يُقَال: خَرَجَتْ نَفْسُهُ، أَيْ رُوحُهُ، وَأَنَّهُ يُعَبَّرُ

_________

(١) قال الكفوي: الروح مؤنث إذا كان بمعنى النفس، ومذكر إذا كان بمعنى المهجة. (الكليات ٢ / ٣٧٧) .

(٢) شرح العقيدة الطحاوية للغنيمي الميداني ص ١١٥، ومغني المحتاج ١ / ٣٢٩، وحاشية القليوبي ١ / ٣٢٠، وعارضة الأحوذي ١١ / ٢٨٩، والشرح الصغير للدردير ١ / ٥٤٢، والكليات ٢ / ٣٧٣، ٣٧٧، ٤ / ٣٤٨، ٣٤٩، وكشاف اصطلاحات الفنون ١ / ٥٤٠ - ٥٤٨.

(٣) المصباح المنير، وانظر الروح لابن القيم ص ٢٨٦.

عَنِ النَّفْسِ بِالرُّوحِ وَبِالْعَكْسِ (١) .

قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: الرُّوحُ الْمُدَبِّرَةُ لِلْبَدَنِ الَّتِي تُفَارِقُهُ بِالْمَوْتِ هِيَ الرُّوحُ الْمَنْفُوخَةُ فِيهِ، وَهِيَ النَّفْسُ الَّتِي تُفَارِقُهُ بِالْمَوْتِ. . . وَإِنَّمَا تُسَمَّى نَفْسًا بِاعْتِبَارِ تَدْبِيرِهَا لِلْبَدَنِ، وَتَسَمَّى رُوحًا بِاعْتِبَارِ لُطْفِهَا (٢) .

وَدَلِيلُهُمْ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَْنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِل الأُْخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٣) قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: وَالأَْنْفُسُ هَاهُنَا هِيَ الأَْرْوَاحُ قَطْعًا (٤) .

وَتُقَسَّمُ النَّفْسُ إِلَى النَّفْسِ الأَْمَّارَةِ، وَاللَّوَّامَةِ، وَالْمُطْمَئِنَّةِ (٥)، وَذَكَرَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّ النَّفْسَ يُرَادُ بِهَا عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ صِفَاتُهَا

_________

(١) الروح لابن القيم ص ٢٨٦ وما بعدها، المعتمد في أصول الدين لأبي يعلى (ط دار المشرق) ص ٩٥، وفتح الباري ٣ / ٢٣٣، ومجموع فتاوى ابن تيمية ٤ / ٢٢٥، ورسالة في العقل والروح ٢ / ٢١، وبصائر ذوي التمييز ٥ / ٩٧، والكليات ٤ / ٣٤٨، وكشاف اصطلاحات الفنون ٢ / ١٣٩٦، وما بعدها، والنظم المستعذب لابن بطال ١ / ١٢٤.

(٢) رسالة في العقل والروح ٢ / ٣٦، ٣٧.

(٣) سورة الزمر / ٤٢.

(٤) الروح لابن القيم ص ٢٠٣.

(٥) التعريفات للجرجاني ص ١٢٧، والتوقيف على مهمات التعاريف للمناوي ص ٧٠٦، وكشاف اصطلاحات الفنون ٢ / ١٤٠٢، ورسالة في العقل والروح ٢ / ٤١.

الْمَذْمُومَةُ، فَيُقَال: فُلاَنٌ لَهُ نَفْسٌ: أَيْ مَذْمُومَةُ الأَْحْوَال، وَأَيْضًا: فَإِنَّ النَّفْسَ لَمَّا كَانَتْ حَال تَعَلُّقِهَا بِالْبَدَنِ يَكْثُرُ عَلَيْهَا اتِّبَاعُ هَوَاهَا صَارَ لَفْظُ " النَّفْسِ " يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ النَّفْسِ الْمُتَّبِعَةِ لِهَوَاهَا، أَوْ عَنِ اتِّبَاعِهَا الْهَوَى، بِخِلاَفِ لَفْظِ " الرُّوحِ " فَإِنَّهُ لاَ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ ذَلِكَ (١) .

وَقَال الْفَيُّومِيُّ: وَالنَّفْسُ أُنْثَى إِنْ أُرِيدَ بِهَا الرُّوحُ، قَال تَعَالَى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (٢)، وَإِنْ أُرِيدَ الشَّخْصُ فَمُذَكَّرٌ (٣) .

وَحَكَى الْكَفَوِيُّ فِي الْكُلِّيَّاتِ أَنَّ الإِْنْسَانَ لَهُ نَفْسَانِ: نَفْسٌ حَيَوَانِيَّةٌ، وَنَفْسٌ رُوحَانِيَّةٌ.

فَالنَّفْسُ الْحَيَوَانِيَّةُ لاَ تُفَارِقُهُ إِلاَّ بِالْمَوْتِ، وَالنَّفْسُ الرُّوحَانِيَّةُ - الَّتِي هِيَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ - هِيَ الَّتِي تُفَارِقُ الإِْنْسَانَ عِنْدَ النَّوْمِ، وَإِلَيْهَا الإِْشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَْنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ الْحَيَاةَ لِلنَّائِمِ رَدَّ عَلَيْهِ رُوحَهُ فَاسْتَيْقَظَ، وَإِذَا قَضَى عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ أَمْسَكَ عَنْهُ رُوحَهُ فَيَمُوتُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِل الأُْخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أَمَّا النَّفْسُ الْحَيَوَانِيَّةُ فَلاَ تُفَارِقُ الإِْنْسَانَ بِالنَّوْمِ، وَلِهَذَا يَتَحَرَّكُ النَّائِمُ، وَإِذَا

_________

(١) رسالة في العقل والروح ٢ / ٤٠.

(٢) سورة النساء / ١.

(٣) المصباح المنير.

مَاتَ فَارَقَهُ جَمِيعُ، ذَلِكَ (١) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ النَّفْسِ وَالْمَوْتِ التَّبَايُنُ.

ج - الْحَيَاةُ:

٦ - الْحَيَاةُ فِي اللُّغَةِ نَقِيضُ الْمَوْتِ، وَهِيَ فِي الإِْنْسَانِ عِبَارَةٌ عَنْ قُوَّةٍ مِزَاجِيَّةٍ تَقْتَضِي الْحِسَّ وَالْحَرَكَةَ، وَهِيَ الْمُوجِبَةُ لِتَحْرِيكِ مَنْ قَامَتْ بِهِ، وَمَفْهُومُهَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: أَثَرُ مُقَارَنَةِ النَّفُوسِ لِلأَْبْدَانِ، وَإِنَّهَا لَتَسْرِي فِي الإِْنْسَانِ تَبَعًا لِسَرَيَانِ الرُّوحِ فِي جَسَدِهِ. وَحَكَى الْقَزْوِينِيُّ أَنَّ الرُّوحَ هِيَ الْحَيَاةُ، وَأَنَّ الْحَيَاةَ عَرَضٌ يَقُومُ بِالْحَيِّ، فَمَتَى وُجِدَ فِيهِ يَكُونُ حَيًّا، وَإِذَا عُدِمَ فِيهِ فَقَدْ حَصَل ضِدُّهُ، وَهُوَ الْمَوْتُ (٢) .

وَقَدْ ذَكَرَ الرَّاغِبُ الأَْصْفَهَانِيُّ أَنَّ " الْحَيَاةَ " تُسْتَعْمَل عَلَى أَوْجُهٍ

الأَْوَّل: لِلْقُوَّةِ النَّامِيَةِ الْمَوْجُودَةِ فِي النَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ، وَمِنْهُ قِيل: نَبَاتٌ حَيٌّ، قَال تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُل شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (٣) .

_________

(١) الكليات ٤ / ٣٤٩.

(٢) التوقيف على الأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين لابن السيد البطليوسي ص ١٢٢، ورسالة في العقل والروح لابن تيمية ٢ / ٤٧، والمعتمد لأبي يعلى ص ٩٧، ٩٨، والفروق لأبي هلال العسكري ٩٥، ٩٦، ٩٨، والكليات ٢ / ٢٦٤، وكشاف اصطلاحات الفنون ١ / ٣٩٨، ومفيد العلوم للقزويني ص ٦٣.

(٣) سورة الأنبياء / ٣٠.

وَالثَّانِي: لِلْقُوَّةِ الْحَسَّاسَةِ، وَبِهِ سُمِّيَ الْحَيَوَانُ حَيَوَانًا، قَال تَعَالَى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَْحْيَاءُ وَلاَ الأَْمْوَاتُ﴾ (١) .

وَالثَّالِثُ: لِلْقُوَّةِ الْعَالِمَةِ الْعَاقِلَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ (٢) .

وَالرَّابِعُ: عِبَارَةٌ عَنِ ارْتِفَاعِ الْغَمِّ، وَعَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيل اللَّهِ أَمْوَاتًا بَل أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (٣) أَيْ هُمْ مُتَلَذِّذُونَ لِمَا رُوِيَ فِي الأَْخْبَارِ الْكَثِيرَةِ عَنْ أَرْوَاحِ الشُّهَدَاءِ.

وَالْخَامِسُ: الْحَيَاةُ الأُْخْرَوِيَّةُ الأَْبَدِيَّةُ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ (٤) يَعْنِي بِهَا الْحَيَاةَ الأُْخْرَوِيَّةَ الدَّائِمَةَ.

وَالسَّادِسُ: الْحَيَاةُ الَّتِي يُوصَفُ بِهَا الْبَارِي تَعَالَى، فَإِنَّهُ إِذَا قِيل فِيهِ سُبْحَانُهُ، هُوَ حَيٌّ، فَمَعْنَاهُ لاَ يَصِحُّ عَلَيْهِ الْمَوْتُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلاَّ لِلَّهِ ﷿.

ثُمَّ إِنَّ الْحَيَاةَ بِاعْتِبَارِ الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ ضَرْبَانِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا، وَالْحَيَاةُ الآْخِرَةُ. وَقَوْلُهُ

_________

(١) سورة فاطر / ٢٢.

(٢) سورة الأنعام / ١٢٢.

(٣) سورة آل عمران / ١٦٩.

(٤) سورة الفجر / ٢٤.

﷿: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (١) أَيْ يَرْتَدِعُ بِالْقِصَاصِ مَنْ يُرِيدُ الإِْقْدَامَ عَلَى الْقَتْل، فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ حَيَاةُ النَّاسِ (٢) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ أَنَّهُمَا نَقِيضَانِ.

د - الأَْهْلِيَّةُ:

٧ - الأَْهْلِيَّةُ شَرْعًا هِيَ كَوْنُ الإِْنْسَانِ بِحَيْثُ يَصِحُّ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ الْحُكْمُ (٣)، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا صِفَةٌ أَوْ قَابِلِيَّةٌ يُقَدِّرُهَا الشَّارِعُ فِي الشَّخْصِ تَجْعَلُهُ مَحَلًّا صَالِحًا لأَِنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ الْخِطَابُ التَّشْرِيعِيُّ (٤) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمَوْتِ وَبَيْنَ الأَْهْلِيَّةِ أَنَّ الْمَوْتَ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ انْعِدَامِ الأَْهْلِيَّةِ.

هـ - الذِّمَّةُ:

٨ - الذِّمَّةُ كَمَا عَرَّفَهَا الْجُرْجَانِيُّ: وَصْفٌ يَصِيرُ الشَّخْصُ بِهِ أَهْلًا لِلإِْيجَابِ لَهُ وَعَلَيْهِ (٥) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمَوْتِ وَبَيْنَ الذِّمَّةِ أَنَّ الْمَوْتَ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ انْعِدَامِ الذِّمَّةِ أَوْ ضَعْفِهَا أَوْ شَغْلِهَا.

_________

(١) سورة البقرة / ١٧٩.

(٢) المفردات للراغب ص ٢٦٨، وانظر نفس الكلام في بصائر ذوي التمييز ٢ / ٥١٢، وما بعدها.

(٣) فواتح الرحموت ١ / ١٥٦.

(٤) كشف الأسرار للبخاري ٤ / ١٣٥٧، وتيسير التحرير ٢ / ٢٤٩.

(٥) التعريفات للجرجاني ص ٥٧.

أَقْسَامُ الْمَوْتِ

٩ - الْمَوْتُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ: حَقِيقِيٌّ، وَحُكْمِيٌّ، وَتَقْدِيرِيٌّ.

فَأَمَّا الْمَوْتُ الْحَقِيقِيُّ: فَهُوَ مُفَارَقَةُ الرُّوحِ لِلْجَسَدِ عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَةِ وَالْيَقِينِ، وَيُعْرَفُ بِالْمُشَاهَدَةِ، وَيَثْبُتُ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ أَمَامَ الْقَضَاءِ.

وَأَمَّا الْمَوْتُ الْحُكْمِيُّ: فَهُوَ حُكْمٌ يَصْدُرُ مِنْ قِبَل الْقَاضِي بِمَوْتِ شَخْصٍ مِنَ الأَْشْخَاصِ - وَإِنْ كَانَ لاَ يَزَال حَيًّا - لِسَبَبٍ شَرْعِيٍّ يَقْتَضِي ذَلِكَ.

وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: الْمُرْتَدُّ إِذَا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَصَدَرَ حُكْمُ الْقَاضِي بِلُحُوقِهِ بِهَا مُرْتَدًّا، فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ مَيِّتًا مِنْ حِينِ صُدُورِ الْحُكْمِ، وَإِنْ كَانَ حَيًّا يُرْزَقُ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَيُقْسَمُ مَالُهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ (١)، وَقَدْ عَلَّل ذَلِكَ السَّرْخَسِيُّ بِقَوْلِهِ: لأَِنَّ الإِْمَامَ لَوْ ظَفِرَ بِهِ مَوَّتَهُ حَقِيقَةً، بِأَنَّ يَقْتُلَهُ، فَإِذَا عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ بِدُخُولِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ مَوَّتَهُ حُكْمًا، فَقَسَمَ مَالَهُ (٢) .

وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: الْمَفْقُودُ (وَهُوَ الَّذِي يُعْمَى خَبَرُهُ، وَيَنْقَطِعُ أَثَرُهُ، وَلاَ يُعْلَمُ مَوْضِعُهُ، وَلاَ تُدْرَى حَيَاتُهُ وَلاَ مَوْتُهُ) إِذَا حَكَمَ

_________

(١) المبسوط للسرخسي ١٠ / ١٠٣، ١١ / ٢٣، ١٥ / ١٠٨.

(٢) المبسوط ١١ / ٣٨.

الْقَاضِي بِمَوْتِهِ بِنَاءً عَلَى مَا تَرَجَّحَ لَدَيْهِ مِنَ الظُّرُوفِ وَقَرَائِنِ الأَْحْوَال، فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ مَيِّتًا مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ، قَال الدُّسُوقِيُّ: لأَِنَّ هَذَا تَمْوِيتٌ، أَيْ حُكْمٌ بِالْمَوْتِ، لاَ مَوْتٌ حَقِيقَةً (١)، وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَرِثُهُ مِنْ وَرَثَتِهِ مَنْ كَانَ حَيًّا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، دُونَ مَنْ مَاتَ قَبْل ذَلِكَ (٢) .

وَأَمَّا الْمَوْتُ التَّقْدِيرِيُّ: فَهُوَ لِلْجَنِينِ الَّذِي أُسْقِطَ مَيِّتًا بِجِنَايَةٍ عَلَى أُمِّهِ. كَمَا إِذَا ضَرَبَ إِنْسَانٌ امْرَأَةً، فَأَسْقَطَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْجَانِي أَوْ عَاقِلَتِهِ الْغُرَّةُ (دِيَةُ الْجَنِينِ) وَهَذِهِ الدِّيَةُ تَكُونُ لِوَرَثَةِ الْجَنِينِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى، حَيْثُ يُقَدَّرُ حَيًّا فِي بَطْنِ أُمِّهِ قَبْل الْجِنَايَةِ ثُمَّ مَوْتُهُ مِنْهَا (٣) .

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَوْتِ:

تَتَعَلَّقُ بِالْمَوْتِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:

انْتِهَاءُ الأَْهْلِيَّةِ وَخَرَابُ الذِّمَّةِ بِالْمَوْتِ

١٠ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْمَوْتَ هَادِمٌ

_________

(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٤٧٩.

(٢) الخرشي ٤ / ١٥١ وما بعدها، والمعونة للقاضي عبد الوهاب ٢ / ٨٢٠، والمغني ١١ / ٢٤٧ وما بعدها، وحاشية الدسوقي ٢ / ٤٧٩.

(٣) شرح منتهى الإرادات ٣ / ٣١٠، والمغني ١٢ / ٦٧، ومغني المحتاج ٤ / ١٠٥، وأسنى المطالب ٤ / ٨٩، ٩٥، والخرشي ٨ / ٣٢ - ٣٤، والمبسوط ١٥ / ١٠٨، وتحفة المحتاج ٧ / ٣٩، وبدائع الصنائع ٧ / ٣٢٦.