الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩
إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثُمَّ أَنَاخَ كُل إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَصَلَّى وَلَمْ يُصَل بَيْنَهُمَا (١) .
وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنَ الْمُوَالاَةِ سُنَّةُ الظُّهْرِ وَذَهَبَ بَعْضٌ آخَرُ إِلَى اسْتِثْنَاءِ تَكْبِيرَاتِ التَّشْرِيقِ (٢) .
وَذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ - جَمْعَ تَقْدِيمٍ - وَإِنْ طَال بَيْنَهُمَا الْفَصْل مَا لَمْ يَخْرُجْ وَقْتُ الأُْولَى مِنْهُمَا (٣) .
ط - الْمُوَالاَةُ بَيْنَ أَشْوَاطِ الطَّوَافِ
١١ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّ الْمُوَالاَةَ بَيْنَ أَشْوَاطِ الطَّوَافِ وَاجِبَةٌ فَإِنْ تَرَكَ الْمُوَالاَةَ وَطَال الْفَصْل ابْتَدَأَ الطَّوَافَ وَإِنْ لَمْ يُطِل بَنَى، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ تَرْكِ الْمُوَالاَةِ عَمْدًا وَسَهْوًا مِثْل مَنْ يَتْرُكُ شَوْطًا مِنَ الطَّوَافِ يَحْسِبُ أَنَّهُ قَدْ أَتَمَّهُ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَالَى بَيْنَ طَوَافِهِ وَقَال: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ (٤) وَلأَِنَّهُ صَلاَةٌ قَال النَّبِيُّ ﷺ: ﴿
_________
(١) حديث: " جاء المزدلفة فتوضأ فأسبغ. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٥٢٣ - ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٩٣٤)، واللفظ للبخاري.
(٢) فتح القدير ٢ / ١٦٤، وحاشية ابن عابدين ٢ / ١٧٣.
(٣) المجموع ٤ / ٤٧٦.
(٤) حديث: " خذوا عني مناسككم ". أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٥ / ١٢٥ - ط مجلس دائرة المعارف) .
الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلاَةٌ (١) فَاشْتُرِطَتْ لَهَا الْمُوَالاَةُ كَالصَّلاَةِ وَيَرْجِعُ فِي طُول الْفَصْل وَقِصَرِهِ إِلَى الْعُرْفِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ (٢) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ:
إِنَّ الْمُوَالاَةَ سُنَّةٌ لأَِنَّهُ ﷺ وَالَى طَوَافَهُ.
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الأَْشْوَاطِ تَفْرِيقًا كَثِيرًا مَكْرُوهٌ (٣) .
ي - الْمُوَالاَةُ بَيْنَ أَشْوَاطِ السَّعْيِ
١٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُوَالاَةَ بَيْنَ أَشْوَاطِ السَّعْيِ مُسْتَحَبَّةٌ فَلَوْ فَرَّقَ بَيْنَهَا تَفْرِيقًا كَثِيرًا كُرِهَ وَاسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ (٤) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ (٥) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمُعْتَمَدِ: إِنَّ
_________
(١) حديث: " الطواف بالبيت صلاة ". أخرجه النسائي (٥ / ٢٢٢ - ط المكتبة التجارية الكبرى)، والبيهقي في السنن الكبرى (٥ / ٨٧ - ط مجلس دائرة المعارف) من حديث ابن عباس.
(٢) الذخيرة ٣ / ٢٥، وحاشية الدسوقي ٢ / ٣٢، ومغني المحتاج ١ / ٤٩١، والمغني ٣ / ٣٩٥.
(٣) حاشية ابن عابدين ٢ / ١٦٨ و١٦٩، ومغني المحتاج ١ / ٤٩١.
(٤) حاشية ابن عابدين ٢ / ١٦٨، وفتح القدير ٢ / ١٥٦ - ١٥٧.
(٥) المجموع ٨ / ٧٩.
الْمُوَالاَةَ بَيْنَ أَشْوَاطِ السَّعْيِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ السَّعْيِ (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (سَعْيٌ ف ٢٣) .
ك - الْمُوَالاَةُ فِي رَمْيِ الْجَمَرَاتِ
١٣ - الْمُوَالاَةُ فِي الْجَمَرَاتِ بَيْنَ الرَّمَيَاتِ السَّبْعِ سُنَّةٌ بِحَيْثُ لاَ يَزِيدُ الْفَصْل بَيْنَهَا عَنِ الذِّكْرِ الْوَارِدِ فِيمَا بَيْنَهَا (٢) .
ل - الْمُوَالاَةُ فِي تَغْرِيبِ الزَّانِي
١٤ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُوَالاَةَ فِي تَغْرِيبِ الزَّانِي شَرْطٌ وَلَوْ رَجَعَ إِلَى بَلَدٍ غُرِّبَ مِنْهُ اسْتُؤْنِفَتِ الْمُدَّةُ لِيَتَوَالَى الإِْيحَاشُ حَتَّى يُكْمِل لَهُ الْحَوْل مُسَافِرًا.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ عَادَ قَبْل مُضِيِّ الْحَوْل أُعِيدَ تَغْرِيبُهُ حَتَّى يُكْمِل الْحَوْل مُسَافِرًا وَيَبْنِيَ عَلَى مَا مَضَى (٣) .
م - الْمُوَالاَةُ بَيْنَ كَلِمَاتِ اللِّعَانِ
١٥ - يُشْتَرَطُ الْمُوَالاَةُ فِي اللِّعَانِ بَيْنَ الْكَلِمَاتِ
_________
(١) حاشية العدوي ١ / ٤٧١، وكشاف القناع ٢ / ٤٨٥ - ٤٨٧.
(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ١٨٤، والحاوي الكبير ٥ / ٢٦٤، ومغني المحتاج ١ / ٥٠٧، والفروع ٣ / ٥١٢.
(٣) أسنى المطالب ٤ / ١٣٠، والمغني لابن قدامة ٨ / ١٦٨، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٢٢، ومغني المحتاج ٤ / ١٤٨
الْخَمْسِ الْوَارِدَةِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (١) فَيُؤَثِّرُ الْفَصْل الطَّوِيل لأَِنَّهُمْ جَعَلُوهَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ وَالْوَاحِدُ لاَ تُفَرَّقُ أَجْزَاؤُهُ كَمَا فِي الصَّلاَةِ الْمُؤَلَّفَةِ مِنْ رَكَعَاتٍ (٢) .
ن - الْمُوَالاَةُ فِي الْبَيْعِ بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول
١٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) إِلَى أَنَّ الْمُوَالاَةَ لاَ تُشْتَرَطُ فِي الإِْيجَابِ وَالْقَبُول وَلاَ يَضُرُّ تَرَاخِي الْقَبُول عَنِ الإِْيجَابِ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ وَلَمْ يَتَشَاغَلاَ بِمَا يَقْطَعُهُ (٣) .
_________
(١) سورة النور / ٦ - ٩.
(٢) بدائع الصنائع ٣ / ٢٣٧، وحاشية الدسوقي ٢ / ٤٦٣، ونهاية المحتاج ٧ / ١٠٨ - ١٠٩، والمنثور في القواعد للزركشي ٣ / ٢٤٢، وكشاف القناع ٥ / ٣٩٢، ومغني المحتاج ٣ / ٣٧٦.
(٣) بدائع الصنائع ٥ / ١٣٧، والهداية ٣ / ٢١، وحاشية ابن عابدين ٤ / ١٩ - ٢٠، ٢ / ٢٦٦، وحاشية الدسوقي ٣ / ٥، والحطاب ٤ / ٢٤٠ - ٢٤١، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ١٤١.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الْمُوَالاَةُ بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول فِي الْعَقْدِ شَرْطٌ وَيُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يَطُول الْفَصْل بَيْنَهُمَا فَإِنْ طَال ضَرَّ لأَِنَّ طُول الْفَصْل يُخْرِجُ الثَّانِي عَنْ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا عَنِ الأَْوَّل فَكُل مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبُول مِنَ الْعُقُودِ فَعَلَى الْفَوْرِ أَيْ أَنْ يَكُونَ عَقِبَ الإِْيجَابِ وَلاَ يَضُرُّ عِنْدَهُمُ الْفَصْل الْيَسِيرُ (١) .
وَانْظُرِ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (عَقْدٌ ف ٢٤) .
س - الْمُوَالاَةُ فِي الاِسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ
١٧ - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الاِسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ الْمُوَالاَةُ بِحَيْثُ يَكُونُ الاِسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلًا بِالْكَلاَمِ السَّابِقِ فَلَوْ فَصَل عَنْهُ بِسُكُوتٍ كَثِيرٍ بِغَيْرِ عُذْرٍ أَوْ بِكَلاَمٍ أَجْنَبِيٍّ لَمْ يَصِحَّ الاِسْتِثْنَاءُ فَلاَ يُخَصِّصْ مَا قَبْلَهُ إِنْ كَانَ اسْتِثْنَاءً بِنَحْوِ إِلاَّ (٢) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِثْنَاءٌ ف ١٦) .
ع - الْمُوَالاَةُ فِي رَدِّ السَّلاَمِ
١٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ رَدُّ السَّلاَمِ عَلَى الْفَوْرِ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِذَا أَخَّرَ رَدَّ السَّلاَمِ لِغَيْرِ
_________
(١) حاشية الجمل ٣ / ١٢، ومغني المحتاج ٢ / ٥ - ٦.
(٢) بدائع الصنائع ٣ / ١٥، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٥٠٩، ٣١٠، ٣ / ١٠٠.
عُذْرٍ كُرِهَ تَحْرِيمًا وَلاَ يُرْفَعُ الإِْثْمُ بِالرَّدِّ بَل بِالتَّوْبَةِ.
وَقَال الزَّرْكَشِيُّ وَالسُّيُوطِيُّ: مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الْمُوَالاَةُ. . الْمُوَالاَةُ فِي رَدِّ السَّلاَمِ (١) .
ف - التَّخَلُّل الْقَاطِعُ لِلْمُوَالاَةِ
١٩ - قَال السُّيُوطِيُّ نَقْلًا عَنِ ابْنِ السُّبْكِيِّ: الضَّابِطُ فِي التَّخَلُّل الْمُضِرِّ فِي الأَْبْوَابِ أَنْ يُعَدَّ الثَّانِيَ مُنْقَطِعًا عَنِ الأَْوَّل.
هَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الأَْبْوَابِ فَرُبَّ بَابٍ يُطْلَبُ فِيهِ مِنَ الاِتِّصَال مَا لاَ يُطْلَبُ فِي غَيْرِهِ وَبِاخْتِلاَفِ الْمُتَخَلِّل نَفْسِهِ فَقَدْ يُغْتَفَرُ مِنَ السُّكُوتِ مَا لاَ يُغْتَفَرُ مِنَ الْكَلاَمِ، وَمِنَ الْكَلاَمِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْعَقْدِ مَا لاَ يُغْتَفَرُ مِنَ الأَْجْنَبِيِّ وَمِنَ الْمُتَخَلِّل بِعُذْرِ مَا لاَ يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهِ فَصَارَتْ مَرَاتِبَ، أَقْطَعُهَا لِلاِتِّصَال كَلاَمٌ كَثِيرٌ أَجْنَبِيٌّ وَأَبْعَدُهَا عَنْهُ سُكُوتٌ يَسِيرٌ لِعُذْرٍ وَبَيْنَهُمَا مَرَاتِبُ لاَ تَخْفَى (٢) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٦٦، والمنثور في القواعد للزركشي ٣ / ٢٤١، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٤٠٨.
(٢) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٤١٠، والأشباه والنظائر لابن الوكيل ٢ / ١٢٩.
مَوْتٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْمَوْتُ فِي اللُّغَةِ: ضِدُّ الْحَيَاةِ.
يُقَال: مَاتَ يَمُوتُ فَهُوَ مَيِّتٌ وَمَيْتٌ (١) وَمِنْ أَسْمَائِهِ: الْمَنُونُ وَالْمَنَا وَالْمَنِيَّةُ وَالشَّعُوبُ وَالسَّامُ وَالْحِمَامُ وَالْحَيْنُ وَالرَّدَى وَالْهَلاَكُ وَالثُّكْل وَالْوَفَاةُ وَالْخَبَال (٢) .
وَفِي مَقَايِيسِ اللُّغَةِ (٣): الْمِيمُ وَالْوَاوُ وَالتَّاءُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُل عَلَى ذَهَابِ الْقُوَّةِ مِنَ الشَّيْءِ وَمِنْهُ الْمَوْتُ خِلاَفُ الْحَيَاةِ.
وَالْمَوْتُ فِي الاِصْطِلاَحِ هُوَ: مُفَارَقَةُ الرُّوحِ لِلْجَسَدِ (٤) .
قَال الْغَزَالِيُّ: وَمَعْنَى مُفَارَقَتِهَا
_________
(١) القاموس المحيط، والمصباح المنير، والكليات للكفوي ٤ / ٢٧٨، وأساس البلاغة ص ٤٣٩، وأنيس الفقهاء ص ١٢٣.
(٢) فقه اللغة للثعالبي (ط الدار العربية للكتاب) ص ١٣٣، ١٣٤.
(٣) معجم مقاييس اللغة لابن فارس ٥ / ٢٨٣.
(٤) المجموع شرح المهذب ٥ / ١٠٥، ومغني المحتاج ١ / ٣٢، وتحرير ألفاظ التنبيه للنووي ص ٩٤، وقواعد الحكام ص ٦٩٦ - ط دار الطباع بدمشق، ومختصر منهاج القاصدين ص ٤٤٩، والفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي ص ١٢١.
لِلْجَسَدِ انْقِطَاعُ تَصَرُّفِهَا عَنِ الْجَسَدِ بِخُرُوجِ الْجَسَدِ عَنْ طَاعَتِهَا (١) .
عَلاَمَاتُ الْمَوْتِ
٢ - نَظَرًا لِتَعَذُّرِ إِدْرَاكِ كُنْهِ الْمَوْتِ فَقَدْ عَلَّقَ الْفُقَهَاءُ الأَْحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ الْمُتَرَتِّبَةَ عَلَيْهِ بِظُهُورِ أَمَارَتِهِ فِي الْبَدَنِ فَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: إِذَا اشْتَبَهَ أَمْرُ الْمَيِّتِ اعْتُبِرَ بِظُهُورِ أَمَارَاتِ الْمَوْتِ مِنِ اسْتِرْخَاءِ رِجْلَيْهِ وَانْفِصَال كَفَّيْهِ وَمَيْل أَنْفِهِ وَامْتِدَادِ جِلْدَةِ وَجْهِهِ وَانْخِسَافِ صُدْغَيْهِ (٢) .
وَجَاءَ فِي رَوْضَةِ الطَّالِبِينَ: تُسْتَحَبُّ الْمُبَادَرَةُ إِلَى غُسْلِهِ وَتَجْهِيزِهِ إِذْ تَحَقَّقَ مَوْتُهُ بِأَنْ يَمُوتَ بِعِلَّةٍ وَتَظْهَرُ أَمَارَاتُ الْمَوْتِ بِأَنْ تَسْتَرْخِيَ قَدَمَاهُ وَلاَ تَنْتَصِبَا أَوْ يَمِيل أَنْفُهُ أَوْ يَنْخَسِفَ صُدْغَاهُ أَوْ تَمْتَدَّ جِلْدَةُ وَجْهِهِ أَوْ يَنْخَلِعَ كَفَّاهُ مِنْ ذِرَاعَيْهِ أَوْ تَتَقَلَّصَ خُصْيَتَاهُ إِلَى فَوْقٍ مَعَ تَدَلِّي الْجِلْدَةِ. . . إِلَخْ (٣) .
_________
(١) إحياء علوم الدين ٤ / ٤٢١، وما بعدها، وانظر الأربعين في أصول الدين للغزالي ص ٢٧٥، ٢٧٧.
(٢) المغني (٣ / ٣٦٧ ط هجر) .
(٣) روضة الطالبين ٢ / ٩٨، وانظر الفتاوى الهندية ١ / ١٥٧، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٣٢٣، ورد المحتار ١ / ٥٧٠، وأسنى المطالب ١ / ٢٩٩.
هَذَا وَقَدْ نَبَّهَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَنَّ شُخُوصَ بَصَرِ الْمُحْتَضِرِ عَلاَمَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى قَبْضِ رُوحِهِ وَمُفَارَقَتِهَا لِجَسَدِهِ فَقَدْ وَرَدَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ (١) .
وَقَال ﷺ: إِذَا حَضَرْتُمْ مَوْتَاكُمْ فَأَغْمِضُوا الْبَصَرَ فَإِنَّ الْبَصَرَ يَتْبَعُ الرُّوحَ (٢) .
هَل الْمَوْتُ لِلْبَدَنِ وَالرُّوحِ أَوْ لِلْبَدَنِ وَحْدَهُ؟
٣ - نَصَّ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ أَهْل السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّ الأَْرْوَاحَ بَعْدَ الْمَوْتِ بَاقِيَةٌ غَيْرُ فَانِيَةٍ إِمَّا فِي نَعِيمٍ مُقِيمٍ وَإِمَّا فِي عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣) قَال فِي الإِْحْيَاءِ: الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ طُرُقُ الاِعْتِبَارِ وَتَنْطِقُ بِهِ الآْيَاتُ وَالأَْخْبَارُ أَنَّ الْمَوْتَ مَعْنَاهُ تَغَيُّرُ حَالٍ فَقَطْ وَأَنَّ الرُّوحَ بَاقِيَةٌ
_________
(١) حديث " إن الروح إذا قبض. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ٦٣٤ - ط عيسى الحلبي) من حديث أم سلمة ﵂.
(٢) حديث: " إذا حضرتم موتاكم. . . ". أخرجه ابن ماجه (١ / ٤٦٨) من حديث شداد بن أوس ﵁، وحسن إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (١ / ٢٦١ - ط دار الجنان) .
(٣) الروح لابن القيم ص ٥٠، والفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي ص ١٢١، وإحياء علوم الدين ٤ / ٤٢٢، ومجموع فتاوى ابن تيمية ٤ / ٢٩٢، ٢٩٦، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني ٢ / ٢٥، وأسنى المطالب ١ / ٢٩٧، وفتح الباري ٣ / ٢٣٣، ومغني المحتاج ١ / ٣٢٩.
بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْجَسَدِ إِمَّا مُعَذَّبَةٌ وَإِمَّا مُنَعَّمَةٌ (١) . قَال الزُّبَيْدِيُّ: وَهَذَا قَوْل أَهْل السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَفُقَهَاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَمُتَكَلِّمِي الصِّفَاتِيَّةِ (٢) .
وَقَدْ بَيَّنَ أَحْمَدُ بْنُ قُدَامَةَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَالَّذِي تَدُل عَلَيْهِ الآْيَاتُ وَالأَْخْبَارُ أَنَّ الرُّوحَ تَكُونُ بَعْدَ الْمَوْتِ بَاقِيَةً إِمَّا مُعَذَّبَةً أَوْ مُنَعَّمَةً فَإِنَّ الرُّوحَ قَدْ تَتَأَلَّمُ بِنَفْسِهَا بِأَنْوَاعِ الْحُزْنِ وَالْغَمِّ وَتَتَنَعَّمُ بِأَنْوَاعِ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ مِنْ غَيْرِ تَعَلُّقٍ لَهَا بِالأَْعْضَاءِ فَكُل مَا هُوَ وَصْفٌ لِلرُّوحِ بِنَفْسِهَا يَبْقَى مَعَهَا بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْجَسَدِ وَكُل مَا لَهَا بِوَاسِطَةِ الأَْعْضَاءِ يَتَعَطَّل بِمَوْتِ الْجَسَدِ إِلَى أَنْ تُعَادَ الرُّوحُ إِلَى الْجَسَدِ (٣) .
وَاحْتَجَّ عَلَى أَنَّ الرُّوحَ لاَ تَنْعَدِمُ بِالْمَوْتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيل اللَّهِ أَمْوَاتًا بَل أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٤) حَيْثُ قَال عَلَيْهَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِيهِ: جَعَل اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ تَأْكُل مِنْ ثِمَارِهَا وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيل مِنْ ذَهَبٍ فِي ظِل الْعَرْشِ (٥) وَبِمَا وَرَدَ عَنِ
_________
(١) إحياء علوم الدين ٤ / ٤٢١.
(٢) إتحاف السادة المتقين ١٠ / ٣٧٦.
(٣) مختصر منهاج القاصدين ص ٤٩٩، ٥٠٠.
(٤) سورة آل عمران / ١٦٩.
(٥) حديث " جعل الله أرواحهم في أجواف طير. . . ". أخرجه أحمد (١ / ٢٦٦ - ط الميمنية)، والحاكم في المستدرك (٢ / ٨٨ - ط دار الكتاب العربي) من حديث ابن عباس، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.