الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩ الصفحة 35

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩

قَال الدَّرْدِيرُ: وَإِنْ زَارَ أَحَدُهُمَا الآْخَرَ وَتَنَازَعَا فِي الْوَطْءِ صُدِّقَ الزَّائِرُ مِنْهُمَا بِيَمِينٍ؛ فَإِنْ زَارَتْهُ صُدِّقَتْ أَنَّهُ وَطِئَهَا وَلاَ عِبْرَةَ بِإِنْكَارِهِ؛ وَإِنْ زَارَهَا صُدِّقَ فِي نَفْيِهِ وَلاَ عِبْرَةَ بِدَعْوَاهَا الْوَطْءَ؛ لأَِنَّ لَهُ جُرْأَةً عَلَيْهَا فِي بَيْتِهِ دُونَ بَيْتِهَا؛ فَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الزَّائِرَ يُصَدَّقُ مُطْلَقًا فِي النَّفْيِ وَالإِْثْبَاتِ؛ فَإِنْ كَانَا مَعًا زَائِرَيْنِ صُدِّقَ فِي نَفْيِهِ (١) .

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْجَدِيدِ أَنَّ الْخَلْوَةَ لاَ تُقَرِّرُ الْمَهْرَ وَلاَ تُؤَثِّرُ فِيهِ؛ وَعَلَى هَذَا لَوِ اتَّفَقَا عَلَى الْخَلْوَةِ وَادَّعَتِ الإِْصَابَةَ لَمْ يَتَرَجَّحْ جَانِبُهَا؛ بَل الْقَوْل قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ (٢) .

وَلِلتَّفْصِيل فِي شُرُوطِ الْخَلْوَةِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أَثَرُهَا فِي تَقْرِيرِ الْمَهْرِ (ر: خَلْوَةٌ ف ١٤ وَمَا بَعْدَهَا) .

د - مُقَدِّمَاتُ الْجِمَاعِ

٣٤ - صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الْقُبْلَةَ وَالْمُبَاشَرَةَ وَالتَّجَرُّدَ وَالْوَطْءَ دُونَ الْفَرْجِ لاَ يُوجِبُ عَلَيْهِ الصَّدَاقَ وَلاَ يَسْتَقِرُّ بِهِ الْمَهْرُ.

وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ: وَلاَ بِاسْتِدْخَال مَنِيٍّ (٣) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنِ اسْتَمْتَعَ بِامْرَأَتِهِ بِمُبَاشَرَةٍ

_________

(١) الشرح الصغير ٢ / ٤٣٩.

(٢) مغني المحتاج ٣٣ / ٢٢٥.

(٣) مواهب الجليل ٣ / ٥٠٦، ومغني المحتاج ٣ / ٢٢٥.

فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ مِنْ غَيْرِ خَلْوَةٍ كَالْقُبْلَةِ وَنَحْوِهَا فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُكَمَّل بِهِ الصَّدَاقُ فَإِنَّهُ قَال: إِذَا أَخَذَهَا فَمَسَّهَا وَقَبَضَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْلُوَ بِهَا لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا إِذَا نَال مِنْهَا شَيْئًا لاَ يَحِل لِغَيْرِهِ؛ وَقَال فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا: إِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَنَظَرَ إِلَيْهَا وَهِيَ عُرْيَانَةُ تَغْتَسِل أُوجِبُ عَلَيْهِ الْمَهْرَ؛ وَرَوَاهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: إِذَا اطَّلَعَ مِنْهَا عَلَى مَا يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ؛ لأَِنَّهُ نَوْعُ اسْتِمْتَاعٍ فَهُوَ كَالْقُبْلَةِ.

قَال الْقَاضِي: يَحْتَمِل أَنَّ هَذَا يَنْبَنِي عَلَى ثُبُوتِ تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ بِذَلِكَ؛ وَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ فَيَكُونُ فِي تَكْمِيل الصَّدَاقِ بِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُكَمَّل بِهِ الصَّدَاقُ لِمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ كَشَفَ خِمَارَ امْرَأَةٍ وَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَدْ وَجَبَ الصَّدَاقُ دَخَل بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُل بِهَا (١)؛ وَلأَِنَّهُ مَسِيسٌ فَيَدْخُل فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ قَبْل أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾؛ وَلأَِنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ بِامْرَأَتِهِ فَكُمِّل بِهِ الصَّدَاقُ كَالْوَطْءِ.

وَالْوَجْهُ الآْخَرُ: لاَ يُكَمَّل بِهِ الصَّدَاقُ وَهُوَ

_________

(١) حديث: " من كشف خمار. . . ". أخرجه الدارقطني (٣ / ٣٠٧ ط دار المحاسن القاهرة)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧ / ٢٥٦)، وقال البيهقي: هذا منقطع، وبعض رواته غير محتج به.

قَوْل أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ لأَِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ إِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ فِي الظَّاهِرِ الْجِمَاعُ؛ وَمُقْتَضَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْل أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أَنْ لاَ يُكَمَّل الصَّدَاقُ لِغَيْرِ مَنْ وَطِئَهَا؛ وَلاَ تَجِبُ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ؛ تَرَكَ عُمُومَهُ فِيمَنْ خَلاَ بِهَا لِلإِْجْمَاعِ الْوَارِدِ عَنِ الصَّحَابَةِ؛ فَيَبْقَى فِيمَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْعُمُومِ (١) .

هـ - إِزَالَةُ الْبَكَارَةِ بِغَيْرِ آلَةِ الْجِمَاعِ

٣٥ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ لَوْ أَزَال الزَّوْجُ بَكَارَةَ زَوْجَتِهِ بِحَجَرٍ وَنَحْوِهِ فَإِنَّ لَهَا كَمَال الْمَهْرِ بِخِلاَفِ مَا لَوْ أَزَالَهَا بِدَفْعَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ نِصْفُ الْمُسَمَّى عَلَى الزَّوْجِ وَعَلَى الأَْجْنَبِيِّ نِصْفُ صَدَاقِ مِثْلِهَا.

وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَابِدِينَ دُخُول صُورَةِ إِزَالَةِ الْبَكَارَةِ بِغَيْرِ آلَةِ الْجِمَاعِ فِي الْخَلْوَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ عَلَى أَنَّ إِزَالَةَ الْبَكَارَةِ بِحَجَرٍ وَنَحْوِهِ كَإِصْبَعٍ إِنَّمَا تَكُونُ فِي الْخَلْوَةِ فَلِذَا أَوْجَبَ كُل الْمَهْرِ بِخِلاَفِ إِزَالَتِهَا بِدَفْعَةٍ فَإِنَّ الْمُرَادَ حُصُولُهَا فِي غَيْرِ خَلْوَةٍ (٢) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: مَنْ دَفَعَ امْرَأَةً فَسَقَطَتْ عُذْرَتُهَا فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَهَا بِذَلِكَ مِنْ صَدَاقِهَا عِنْدَ الأَْزْوَاجِ؛ وَعَلَيْهِ الأَْدَبُ؛ وَكَذَا لَوْ أَزَالَهَا

_________

(١) المغني لابن قدامة ٦ / ٧٢٧.

(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ٣٣٠.

بِإِصْبَعِهِ وَالأَْدَبُ هُنَا أَشَدُّ؛ وَسَوَاءٌ فَعَل ذَلِكَ رَجُلٌ أَوْ غُلاَمٌ أَوِ امْرَأَةٌ.

هَذَا فِي غَيْرِ الزَّوْجِ؛ وَأَمَّا الزَّوْجُ فَحُكْمُهُ فِي الدَّفْعَةِ مِثْل غَيْرِهِ عَلَيْهِ مَا نَقَصَهَا عِنْدَ غَيْرِهِ وَإِنْ فَارَقَهَا وَلَمْ يُمْسِكْهَا. وَإِنْ فَعَل بِهَا ذَلِكَ بِإِصْبَعِهِ فَاخْتُلِفَ: هَل يَجِبُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الصَّدَاقُ أَوْ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الصَّدَاقُ؛ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَا شَانَهَا عِنْدَ غَيْرِهِ مِنَ الأَْزْوَاجِ إِنْ طَلَّقَهَا وَلَمْ يُمْسِكْهَا؟ قَوْلاَنِ؛ وَقَال فِي التَّوْضِيحِ: إِنْ أَصَابَهَا بِإِصْبَعِهِ وَطَلَّقَهَا فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَلاَ شَيْءَ لَهَا؛ وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا وَافْتَضَّهَا بِهِ فَقِيل: يَلْزَمُهُ كُل الْمَهْرِ؛ وَقِيل: يَلْزَمُهُ مَا شَانَهَا مَعَ نِصْفِهِ؛ وَقِيل: إِنْ رُئِيَ أَنَّهَا لاَ تَتَزَوَّجُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلاَّ بِمَهْرِ ثَيِّبٍ فَكَالأَْوَّل وَإِلاَّ فَكَالثَّانِي. وَمَال أَصْبَغُ إِلَى الثَّانِي وَاسْتَحْسَنَهُ اللَّخْمِيُّ؛ قَال فِي النَّوَادِرِ: وَلاَ أَدَبَ عَلَيْهِ. وَلَوْ فَعَل ذَلِكَ غَيْرُ زَوْجِهَا فَعَلَيْهِ الأَْدَبُ وَمَا شَانَهَا؛ وَقَال فِي التَّوْضِيحِ: وَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ غَيْرَ بَالِغٍ فَلاَ يَتَكَمَّل بِوَطْئِهِ الصَّدَاقُ (١) .

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْمَهْرَ لاَ يَسْتَقِرُّ بِإِزَالَةِ الْبَكَارَةِ بِغَيْرِ آلَةِ الْجِمَاعِ (٢) .

_________

(١) مواهب الجليل ٣ / ٥٠٦.

(٢) مغني المحتاج ٣ / ٢٢٥.

و- وُجُوبُ الْعِدَّةِ عَلَى الزَّوْجَةِ مِنَ النِّكَاحِ

٣٦ - اعْتَبَرَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وُجُوبَ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا مِنْهُ مُؤَكِّدًا مِنْ مُؤَكِّدَاتِ الْمَهْرِ؛ حَيْثُ قَالُوا: لَوْ طَلَّقَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ طَلاَقًا بَائِنًا بَعْدَ الدُّخُول ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ وَجَبَ كَمَال الْمَهْرِ الثَّانِي بِدُونِ الْخَلْوَةِ وَالدُّخُول لأَِنَّ وُجُوبَ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا فَوْقَ الْخَلْوَةِ (١) .

وُجُوبُ نِصْفِ الْمَهْرِ الْمُسَمَّى

٣٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ قَبْل الدُّخُول بِهَا وَقَدْ سَمَّى لَهَا مَهْرًا يَجِبُ عَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ الْمُسَمَّى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْل أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾؛ وَهُوَ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي الْبَابِ فَيَجِبُ الْعَمَل بِهِ (٢) .

وَلِلْفُقَهَاءِ بَعْدَ هَذَا الاِتِّفَاقِ تَفْصِيلٌ فِي أَحْكَامِ تَنْصِيفِ الْمَهْرِ:

أ - مَوَاضِعُ تَنَصُّفِ الْمَهْرِ:

٣٨ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: مَا يَسْقُطُ بِهِ نِصْفُ الْمَهْرِ نَوْعَانِ:

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٣٣٠.

(٢) الهداية وشروحها ٢ / ٤٣٨ ط الأميرية، وتحفة الفقهاء ٢ / ١٤٠، وعقد الجواهر الثمينة ٢ / ١١٧، وروضة الطالبين ٧ / ٢٨٩، والمغني ٦ / ٦٩٩.

نَوْعٌ يَسْقُطُ بِهِ نِصْفُ الْمَهْرِ صُورَةً وَمَعْنًى؛ وَنَوْعٌ يَسْقُطُ بِهِ نِصْفُ الْمَهْرِ مَعْنًى وَالْكُل صُورَةً.

أَمَّا النَّوْعُ الأَْوَّل: فَهُوَ الطَّلاَقُ قَبْل الدُّخُول فِي نِكَاحٍ فِيهِ تَسْمِيَةُ الْمَهْرِ؛ وَالْمَهْرُ دَيْنٌ لَمْ يُقْبَضْ بَعْدُ (١) .

وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي: وَهُوَ مَا يَسْقُطُ بِهِ نِصْفُ الْمَهْرِ مَعْنًى وَالْكُل صُورَةً فَهُوَ كُل طَلاَقٍ تَجِبُ فِيهِ الْمُتْعَةُ (٢) .

وَتَجِبُ الْمُتْعَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي الطَّلاَقِ قَبْل الدُّخُول فِي نِكَاحٍ لاَ تَسْمِيَةَ فِيهِ وَلاَ فَرْضَ بَعْدَهُ؛ أَوْ كَانَتِ التَّسْمِيَةُ فِيهِ فَاسِدَةً (٣)؛ وَكَذَا فِي الْفُرْقَةِ بِالإِْيلاَءِ وَاللِّعَانِ وَالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ؛ فَكُل فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنْ قِبَل الزَّوْجِ قَبْل الدُّخُول فِي نِكَاحٍ لاَ تَسْمِيَةَ فِيهِ تُوجِبُ الْمُتْعَةَ؛ لأَِنَّهَا تُوجِبُ نِصْفَ الْمُسَمَّى فِي نِكَاحٍ فِيهِ تَسْمِيَةٌ؛ وَالْمُتْعَةُ عِوَضٌ عَنْهُ كَرِدَّةِ الزَّوْجِ وَإِبَائِهِ الإِْسْلاَمَ (٤) .

وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ اخْتِيَارَ الزَّوْجِ لإِيقَاعِ الطَّلاَقِ قَبْل الْمَسِيسِ يُوجِبُ تَشْطِيرَ الْمَهْرِ الثَّابِتِ بِتَسْمِيَةٍ مَقْرُونَةٍ بِالْعَقْدِ صَحِيحَةٍ؛

_________

(١) بدائع الصنائع ٢ / ٢٩٦.

(٢) بدائع الصنائع ٢ / ٣٠٢.

(٣) بدائع الصنائع ٢ / ٣٠٢.

(٤) بدائع الصنائع ٢ / ٣٠٣.

أَوْ بِفَرْضٍ صَحِيحٍ بَعْدَ الْعَقْدِ فِي الْمُفَوِّضَةِ؛ وَيَسْتَوِي فِيهِ عَدَدُ الْمُوقَعِ مِنَ الطَّلاَقِ (١)؛ وَأَمَّا إِذَا أَرَادَتِ الزَّوْجَةُ رَدَّ زَوْجِهَا بِعَيْبٍ بِهِ قَبْل الْبِنَاءِ فَطَلَّقَ عَلَيْهِ لاِمْتِنَاعِهِ مِنْهُ؛ أَوْ فَسَخَ الزَّوْجُ النِّكَاحَ لِعَيْبٍ بِهَا قَبْل الْبِنَاءِ فَإِنَّهُ لاَ شَيْءَ لَهَا عَلَى الزَّوْجِ (٢) .

قَال ابْنُ شَاسٍ: وَإِنَّمَا يَسْقُطُ جَمِيعُ الْمَهْرِ قَبْل الْمَسِيسِ بِالْفَسْخِ أَوْ بِاخْتِيَارِهِ رَدَّهَا لِعَيْبِهَا؛ وَفِي اخْتِيَارِهَا لِرَدِّهِ بِعَيْبِهِ خِلاَفٌ لأَِنَّهُ غَارٌّ؛ وَلاَ صَدَاقَ لَهَا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ (٣) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَتَشَطَّرُ الصَّدَاقُ بِالطَّلاَقِ وَالْخُلْعِ قَبْل الدُّخُول؛ وَفِيمَا إِذَا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا بِتَفْوِيضِهِ إِلَيْهَا؛ أَوْ عَلَّقَ طَلاَقَهَا بِدُخُول الدَّارِ فَدَخَلَتْ؛ أَوْ طَلَّقَهَا بَعْدَ مُدَّةِ الإِْيلاَءِ بِطَلَبِهَا؛ وَبِكُل فُرْقَةٍ تَحْصُل لاَ بِسَبَبٍ مِنَ الْمَرْأَةِ؛ بِأَنْ أَسْلَمَ؛ أَوِ ارْتَدَّ؛ أَوْ أَرْضَعَتْ أُمُّ الزَّوْجَةِ الزَّوْجَ وَهُوَ صَغِيرٌ؛ أَوْ أُمُّ الزَّوْجِ أَوِ ابْنَتُهُ الزَّوْجَةَ الصَّغِيرَةَ؛ أَوْ وَطِئَهَا أَبُوهُ أَوِ ابْنُهُ بِشُبْهَةِ وَهِيَ تَظُنُّهُ زَوْجَهَا؛ أَوْ قَذَفَهَا وَلاَعَنَ.

فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْفِرَاقُ مِنْهَا أَوْ بِسَبَبٍ مِنْهَا بِأَنْ أَسْلَمَتْ؛ أَوِ ارْتَدَّتْ أَوْ فَسَخَتِ النِّكَاحَ بِعِتْقٍ أَوْ عَيْبٍ؛ أَوْ أَرْضَعَتْ زَوْجَةً أُخْرَى لَهُ صَغِيرَةً؛

_________

(١) عقد الجواهر الثمينة ٢ / ١١٧.

(٢) حاشية الدسوقي ٢ / ٣٠٠.

(٣) عقد الجواهر الثمينة ٢ / ١١٧.

أَوْ فَسَخَ النِّكَاحَ بِعَيْبِهَا فَيَسْقُطُ جَمِيعُ الْمَهْرِ؛ وَشِرَاؤُهَا زَوْجَهَا يُسْقِطُ الْجَمِيعَ عَلَى الأَْصَحِّ؛ وَشِرَاؤُهُ زَوْجَتَهُ يُشْطِّرُ عَلَى الأَْصَحِّ (١) .

وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْمَهْرَ يَتَنَصَّفُ بِشِرَاءِ الزَّوْجَةِ زَوْجَهَا؛ وَفُرْقَةٍ مِنْ قِبَلِهِ كَطَلاَقِهِ وَخُلْعِهِ - وَلَوْ بِسُؤَالِهَا - وَإِسْلاَمِهِ مَا عَدَا مُخْتَارَاتِ مَنْ أَسْلَمَ؛ وَرِدَّتِهِ وَشِرَائِهِ إِيَّاهَا وَلَوْ مِنْ مُسْتَحِقِّ مَهْرٍ أَوْ مِنْ قِبَل أَجْنَبِيٍّ - كَرَضَاعٍ وَنَحْوِهِ - قَبْل دُخُولٍ (٢) .

ب - كَيْفِيَّةُ تَنَصُّفِ الْمَهْرِ

٣٩ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الطَّلاَقَ قَبْل الدُّخُول فِي نِكَاحٍ فِيهِ تَسْمِيَةٌ قَدْ يَسْقُطُ بِهِ عَنِ الزَّوْجِ نِصْفُ الْمَهْرِ؛ وَقَدْ يَعُودُ بِهِ إِلَيْهِ النِّصْفُ؛ وَقَدْ يَكُونُ لَهُ بِهِ مِثْل النِّصْفِ صُورَةً وَمَعْنًى؛ أَوْ مَعْنًى لاَ صُورَةً.

وَبَيَانُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ: أَنَّ الْمَهْرَ الْمُسَمَّى إِمَّا أَنْ يَكُونَ دَيْنًا؛ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَيْنًا؛ وَكُل ذَلِكَ لاَ يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَقْبُوضًا؛ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَقْبُوضٍ.

فَإِنْ كَانَ دَيْنًا فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى طَلَّقَهَا قَبْل الدُّخُول بِهَا سَقَطَ نِصْفُ الْمُسَمَّى بِالطَّلاَقِ

_________

(١) روضة الطالبين ٧ / ٢٨٩.

(٢) منتهى الإرادات لابن النجار ٢ / ٢٨٩ ط عالم الكتب.

وَبَقِيَ النِّصْفُ؛ وَهَذَا طَرِيقُ عَامَّةِ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ.

وَقَال بَعْضُهُمْ: إِنَّ الطَّلاَقَ قَبْل الدُّخُول يُسْقِطُ جَمِيعَ الْمُسَمَّى وَإِنَّمَا يَجِبُ نِصْفٌ آخَرُ ابْتِدَاءً عَلَى طَرِيقَةِ الْمُتْعَةِ لاَ بِالْعَقْدِ؛ إِلاَّ أَنَّ هَذِهِ الْمُتْعَةَ مُقَدَّرَةٌ بِنِصْفِ الْمُسَمَّى؛ وَالْمُتْعَةُ فِي الطَّلاَقِ قَبْل الدُّخُول فِي نِكَاحٍ لاَ تَسْمِيَةَ فِيهِ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ بِنِصْفِ مَهْرِ الْمِثْل.

وَإِلَى هَذَا الطَّرِيقِ ذَهَبَ الْكَرْخِيُّ وَالرَّازِيُّ؛ وَكَذَا رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَال فِي الَّذِي طَلَّقَ قَبْل الدُّخُول وَقَدْ سَمَّى لَهَا: أَنَّ لَهَا نِصْفَ الْمَهْرِ وَذَلِكَ مُتْعَتُهَا (١) .

وَهَذَا إِذَا كَانَ الْمَهْرُ دَيْنًا فَقَبَضَتْهُ أَوْ لَمْ تَقْبِضْهُ حَتَّى وَرَدَ الطَّلاَقُ قَبْل الدُّخُول.

فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَهْرُ عَيْنًا بِأَنْ كَانَ مُعَيَّنًا مُشَارًا إِلَيْهِ مِمَّا يَحْتَمِل التَّعْيِينَ كَالْعَبْدِ وَالْجَارِيَةِ وَسَائِرِ الأَْعْيَانِ فَلاَ يَخْلُو: إِمَّا إِنْ كَانَ بِحَالِهِ لَمْ يَزِدْ وَلَمْ يَنْقُصْ؛ وَإِمَّا أَنْ زَادَ أَوْ نَقَصَ.

فَإِنْ كَانَ بِحَالِهِ لَمْ يَزِدْ وَلَمْ يَنْقُصْ: فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَقْبُوضٍ فَطَلَّقَهَا قَبْل الدُّخُول بِهَا عَادَ الْمِلْكُ فِي النِّصْفِ إِلَيْهِ بِنَفْسِ الطَّلاَقِ وَلاَ يَحْتَاجُ لِلْعَوْدِ إِلَيْهِ إِلَى الْفَسْخِ وَالتَّسْلِيمِ مِنْهَا؛ حَتَّى لَوْ كَانَ الْمَهْرُ أَمَةً فَأَعْتَقَهَا الزَّوْجُ قَبْل

_________

(١) بدائع الصنائع ٢ / ٢٩٦ - ٢٩٧.

الْفَسْخِ وَالتَّسْلِيمِ يَنْفُذُ إِعْتَاقُهُ فِي نِصْفِهَا بِلاَ خِلاَفٍ.

وَإِنْ كَانَ مَقْبُوضًا لاَ يَعُودُ الْمِلْكُ فِي النِّصْفِ إِلَيْهِ بِنَفْسِ الطَّلاَقِ وَلاَ يَنْفَسِخُ مِلْكُهَا فِي النِّصْفِ حَتَّى يَفْسَخَهُ الْحَاكِمُ أَوْ تُسَلِّمُهُ الْمَرْأَةُ (١) .

هَذَا إِذَا كَانَ الْمَهْرُ لَمْ يَزِدْ وَلَمْ يَنْقُصْ.

فَأَمَّا إِذَا زَادَ فَالزِّيَادَةُ لاَ تَخْلُو: إِمَّا أَنْ كَانَتْ فِي الْمَهْرِ أَوْ عَلَى الْمَهْرِ:

فَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْمَهْرِ بِأَنْ سَمَّى الزَّوْجُ لَهَا أَلْفًا ثُمَّ زَادَهَا بَعْدَ الْعَقْدِ مِائَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْل الدُّخُول بِهَا؛ فَلَهَا نِصْفُ الأَْلْفِ وَبَطَلَتِ الزِّيَادَةُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ لَهَا نِصْفَ الأَْلْفِ وَنِصْفَ الزِّيَادَةِ أَيْضًا (٢) .

وَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ فِي الْمَهْرِ فَالْمَهْرُ لاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ الزَّوْجِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ الْمَرْأَةِ.

فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الزَّوْجِ فَالزِّيَادَةُ لاَ تَخْلُو إِمَّا إِنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً بِالأَْصْل؛ وَإِمَّا إِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً عَنْهُ.

_________

(١) بدائع الصنائع ٢ / ٢٩٨.

(٢) بدائع الصنائع ٢ / ٢٩٨.