الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩
مِنْهُمَا فَظَاهِرٌ لأَِنَّهُ كَالأَْجْنَبِيِّ؛ وَأَمَّا وَلِيُّ الصَّغِيرَيْنِ فَلأَِنَّهُ سَفِيرٌ وَمُعَبِّرٌ (١) .
جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: زَوَّجَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ أَوِ الْكَبِيرَةَ - وَهِيَ بِكْرٌ أَوْ مَجْنُونَةٌ - رَجُلًا وَضَمِنَ عَنْهُ مَهْرَهَا صَحَّ ضَمَانُهُ؛ ثُمَّ هِيَ بِالْخِيَارِ: إِنْ شَاءَتْ طَالَبَتْ زَوْجَهَا أَوْ وَلِيَّهَا إِنْ كَانَتْ أَهْلًا لِذَلِكَ؛ وَيَرْجِعُ الْوَلِيُّ بَعْدَ الأَْدَاءِ عَلَى الزَّوْجِ إِنْ ضَمِنَ بِأَمْرِهِ (٢) .
وَيَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ لِصِحَّةِ هَذَا الضَّمَانِ شَرْطَيْنِ:
الأَْوَّل: أَنْ يَكُونَ الضَّمَانُ فِي حَال صِحَّةِ الضَّامِنِ؛ فَلَوْ كَفَل فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَالْمَكْفُول عَنْهُ أَوِ الْمَكْفُول لَهُ وَارِثُهُ لَمْ يَصِحَّ الضَّمَانُ لأَِنَّهُ تَبَرُّعٌ لِوَارِثِهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ (٣) .
قَال فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: إِذَا حَصَل الضَّمَانُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لأَِنَّهُ قَصَدَ بِهَذَا الضَّمَانِ إِيصَال النَّفْعِ إِلَى الْوَارِثِ؛ وَالْمَرِيضُ مَحْجُورٌ عَنْ ذَلِكَ فَلاَ يَصِحُّ (٤) .
الثَّانِي: قَبُول الْمَرْأَةِ أَوْ وَلِيِّهَا أَوْ فُضُولِيٍّ فِي مَجْلِسِ الضَّمَانِ (٥)؛ إِذْ لاَ تَصِحُّ الْكَفَالَةُ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٣٥٦.
(٢) الفتاوى الهندية ١ / ٣٢٦.
(٣) حاشية ابن عابدين ٢ / ٣٥٦.
(٤) الفتاوى الهندية ١ / ٣٢٦.
(٥) حاشية ابن عابدين ٢ / ٣٥٧.
بِنَوْعَيْهَا (بِالنَّفْسِ وَالْمَال) بِلاَ قَبُول الطَّالِبِ أَوْ نَائِبِهِ وَلَوْ فُضُولِيًّا فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ (١) .
مَنْعُ الزَّوْجَةِ نَفْسَهَا حَتَّى تَقْبِضَ مَهْرَهَا
٢٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ مَنْعَ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ مَهْرَهَا (٢)؛ لأَِنَّ الْمَهْرَ عِوَضٌ عَنْ بُضْعِهَا؛ كَالثَّمَنِ عِوَضٌ عَنِ الْمَبِيعِ؛ وَلِلْبَائِعِ حَقُّ حَبْسِ الْمَبِيعِ لاِسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ فَكَانَ لِلْمَرْأَةِ حَقُّ حَبْسِ نَفْسِهَا لاِسْتِيفَاءِ الْمَهْرِ (٣) .
هَذَا إِذَا كَانَ الْمَهْرُ حَالًّا وَلَمْ يَحْصُل وَطْءٌ وَلاَ تَمْكِينٌ (٤) .
٢٦ - فَإِنْ تَطَوَّعَتِ الْمَرْأَةُ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهَا قَبْل قَبْضِ الْمَهْرِ؛ ثُمَّ أَرَادَتْ بَعْدَ التَّسْلِيمِ أَنْ تَمْتَنِعَ عَلَيْهِ لِقَبْضِ الْمَهْرِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَسْأَلَةِ:
فَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لَوْ دَخَل الزَّوْجُ بِزَوْجَتِهِ بِرِضَاهَا وَهِيَ مُكَلَّفَةٌ فَلَهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا حَتَّى تَأْخُذَ الْمَهْرَ؛ لأَِنَّ الْمَهْرَ مُقَابَلٌ بِجَمِيعِ مَا يُسْتَوْفَى مِنْ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ٢٦٩.
(٢) القوانين الفقهية ص ٢٠٦، والمغني ٦ / ٧٣٧، وكشاف القناع ٥ / ١٦٣، وروضة الطالبين ٧ / ٢٦٥، وتحفة الفقهاء ٢ / ١٤٢.
(٣) بدائع الصنائع ٢ / ٢٨٨.
(٤) تحفة الفقهاء ٢ / ١٤٢، والشرح الصغير ٢ / ٤٣٤.
مَنَافِعِ الْبُضْعِ فِي جَمِيعِ الْوَطَآتِ الَّتِي تُوجَدُ فِي هَذَا الْمِلْكِ؛ لاَ بِالْمُسْتَوْفَى بِالْوَطْأَةِ الأُْولَى خَاصَّةً؛ لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِخْلاَءُ شَيْءٍ مِنْ مَنَافِعِ الْبُضْعِ عَنْ بَدَلٍ يُقَابِلُهُ احْتِرَامًا لِلْبُضْعِ وَإِبَانَةً لِخَطَرِهِ؛ فَكَانَتْ هِيَ بِالْمَنْعِ مُمْتَنِعَةً عَنْ تَسْلِيمِ مَا يُقَابِلُهُ بَدَلٌ؛ فَكَانَ لَهَا ذَلِكَ بِالْوَطْءِ فِي الْمَرَّةِ الأُْولَى؛ فَكَانَ لَهَا أَنْ تَمْنَعَهُ عَنِ الأَْوَّل حَتَّى تَأْخُذَ مَهْرَهَا فَكَذَا عَنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ (١) .
جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: فِي كُل مَوْضِعٍ دَخَل بِهَا أَوْ صَحَّتِ الْخَلْوَةُ وَتَأَكَّدَ كُل الْمَهْرِ لَوْ أَرَادَتْ أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا لاِسْتِيفَاءِ الْمُعَجَّل كَانَ لَهَا ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلاَفًا لِلصَّاحِبَيْنِ (٢) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَ لَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا لِقَبْضِ الْمَهْرِ الْحَال بَعْدَ أَنْ سَلَّمَتْ نَفْسَهَا وَمَكَّنَتْهُ مِنَ الْوَطْءِ قَبْل قَبْضِهِ لأَِنَّ التَّسْلِيمَ اسْتَقَرَّ بِهِ الْعِوَضُ بِرِضَا الْمُسَلِّمِ؛ فَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ كَمَا لَوْ سَلَّمَ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ (٣) .
_________
(١) بدائع الصنائع ٢ / ٢٨٨ - ٢٨٩، والمغني ٦ / ٧٣٨، وانظر تحفة الفقهاء ٢ / ١٤٣.
(٢) الفتاوى الهندية ١ / ٣١٧.
(٣) الشرح الصغير ٢ / ٤٣٤، والمغني ٦ / ٧٣٨، وتحفة الفقهاء ٢ / ٢٤٣، والفتاوى الهندية ١ / ٣١٧، وكشاف القناع ٥ / ١٦٣، ١٦٤.
وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَابْنِ عَرَفَةَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِذَا كَانَ الزَّوْجُ وَطِئَهَا بَعْدَ التَّسْلِيمِ؛ أَمَّا إِذَا لَمْ يَجْرِ وَطْءٌ فَلَهَا الْعَوْدُ إِلَى الاِمْتِنَاعِ وَيَكُونُ الْحُكْمُ كَمَا قَبْل التَّمْكِينِ (١) .
٢٧ - أَمَّا إِذَا كَانَ الْمَهْرُ مُؤَجَّلًا إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ فَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ عَلَيْهَا تَسْلِيمَ نَفْسِهَا وَلَيْسَ لَهَا الاِمْتِنَاعُ لِقَبْضِ الْمَهْرِ وَلَوْ حَل الأَْجَل قَبْل الدُّخُول؛ لأَِنَّهَا قَدْ رَضِيَتْ بِتَأْخِيرِ حَقِّهَا وَتَعْجِيل حَقِّهِ؛ فَصَارَ كَالْبَيْعِ بِالثَّمَنِ الْمُؤَجَّل يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ قَبْل قَبْضِ الثَّمَنِ (٢) .
وَقَال أَبُو يُوسُفَ: لَهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا بِالْمُؤَجَّل؛ لأَِنَّ حَقَّ الاِسْتِمْتَاعِ بِهَا بِمُقَابَلَةِ تَسْلِيمِ الْمَهْرِ؛ فَمَتَى طَلَبَ الزَّوْجُ تَأْجِيل الْمَهْرِ فَقَدْ رَضِيَ بِتَأْخِيرِ حَقِّهِ فِي الاِسْتِمْتَاعِ (٣) .
٢٨ - وَلَوْ كَانَ بَعْضُ الْمَهْرِ حَالًّا وَبَعْضُهُ مُؤَجَّلًا مَعْلُومًا؛ فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ بِالاِتِّفَاقِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا؛ أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ
_________
(١) الحاوي الكبير ١٢ / ١٦٢، وروضة الطالبين ٧ / ٢٦٠، والشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه ٢ / ٤٣٤.
(٢) تحفة الفقهاء ٢ / ١٤٢، والحاوي للماوردي ١٢ / ١٦٣ - ١٦٤، والمغني ٦ / ٧٣٧، وكشاف القناع ٥ / ١٦٣.
(٣) تحفة الفقهاء ٢ / ١٤٢.
وَمُحَمَّدٍ فَلأَِنَّ الزَّوْجَ مَا رَضِيَ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ؛ وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَلأَِنَّهُ لَمَّا عَجَّل الْبَعْضَ لَمْ يَرْضَ بِتَأْخِيرِ حَقِّهِ فِي الاِسْتِمْتَاعِ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ نَكَحَ بِنَقْدٍ وَآجِلٍ؛ فَإِنْ دَفَعَ النَّقْدَ كَانَ لَهُ الْبِنَاءُ؛ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَلَوَّمَ لَهُ الإِْمَامُ وَضَرَبَ لَهُ أَجَلًا بَعْدَ أَجَلٍ؛ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا (٢) .
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ بَعْضُ صَدَاقِهَا حَالًّا وَبَعْضُهُ مُؤَجَّلًا فَيَصِحُّ إِذَا كَانَ قَدْرُ الْحَال مِنْهُ مَعْلُومًا وَأَجَل الْمُؤَجَّل مَعْلُومًا؛ وَلَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا لِقَبْضِ الْحَال؛ وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا لِقَبْضِ الْمُؤَجَّل؛ فَيَكُونُ حُكْمُ الْحَال مِنْهُ كَحُكْمِهِ لَوْ كَانَ جَمِيعُهُ حَالًّا؛ وَحُكْمُ الْمُؤَجَّل مِنْهُ كَحُكْمِهِ لَوْ كَانَ جَمِيعُهُ مُؤَجَّلًا؛ فَلَوْ تَرَاخَى التَّسْلِيمُ حَتَّى حَل الْمُؤَجَّل كَانَ لَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا عَلَى قَبْضِ الْمُعَجَّل دُونَ مَا حَل مِنَ الْمُؤَجَّل (٣) .
وَبِهَذَا يَقُول الْحَنَابِلَةُ؛ فَقَدْ قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ حَالًّا وَبَعْضُهُ مُؤَجَّلًا فَلَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا قَبْل قَبْضِ الْعَاجِل دُونَ الآْجِل (٤) .
_________
(١) المرجع نفسه.
(٢) عقد الجواهر الثمينة ٢ / ٩٦.
(٣) الحاوي للماوردي ١٢ / ١٦٤.
(٤) المغني ٦ / ٧٣٧ - ٧٣٨.
مَا يَتَأَكَّدُ بِهِ الْمَهْرُ
٢٩ - الأَْصْل أَنَّ الزَّوْجَةَ تَمْلِكُ الصَّدَاقَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ حَالًّا كَانَ أَوْ مُؤَجَّلًا لأَِنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ عَقْدٌ يَمْلِكُ الزَّوْجُ بِهِ الْعِوَضَ؛ فَتَمْلِكُ الزَّوْجَةُ بِهِ الْمُعَوَّضَ كَامِلًا كَالْبَيْعِ (١)؛ وَلَكِنْ هَذَا الْمِلْكُ عُرْضَةٌ لِلسُّقُوطِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا مَا دَامَ لَمْ يُوجَدْ مَا يُؤَكِّدُ الْمَهْرَ وَيُقَرِّرُهُ.
وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اعْتِبَارِ بَعْضِ الأُْمُورِ مُؤَكِّدَةً لِلْمَهْرِ؛ وَاخْتَلَفُوا فِي بَعْضِهَا الآْخَرِ؛ وَفِيمَا يَلِي مُؤَكِّدَاتُ الْمَهْرِ مَعَ بَيَانِ مَوْقِفِ الْمَذَاهِبِ الْمُخْتَلِفَةِ مِنْهَا:
أ - الْوَطْءُ (الدُّخُول):
٣٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَهْرَ يَتَأَكَّدُ بِوَطْءِ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ (٢)؛ وَإِنْ كَانَ الْوَطْءُ حَرَامًا لِوُقُوعِهِ فِي الْحَيْضِ أَوِ الإِْحْرَامِ؛ لأَِنَّ وَطْءَ الشُّبْهَةِ يُوجِبُ الْمَهْرَ ابْتِدَاءً فَذَا أَوْلَى بِالتَّقْرِيرِ وَيَسْتَقِرُّ بِوَطْأَةٍ وَاحِدَةٍ (٣) .
وَقَال الرُّحَيْبَانِيُّ: وَيَتَّجِهُ احْتِمَال أَنَّ الْمُعْتَبَرَ
_________
(١) كشاف القناع ٥ / ١٤٠، وتحفة الفقهاء ٢ / ١٤٠، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٣٢٤.
(٢) تحفة الفقهاء ٢ / ١٤٠، وبدائع الصنائع ٢ / ٢٩١، وعقد الجواهر الثمينة ٢ / ٩٧، والشرح الصغير ٢ / ٤٣٧، وروضة الطالبين ٧ / ٢٦٣، كشاف القناع ٥ / ١٥٠، ومطالب أولي النهى ٥ / ٢٠٥.
(٣) روضة الطالبين ٧ / ٢٦٣.
وُقُوعُ الْوَطْءِ مِنِ ابْنِ عَشْرٍ فَأَكْثَرَ؛ إِذْ مَنْ كَانَ سِنُّهُ دُونَهَا فَوُجُودُ الْوَطْءِ مِنْهُ كَعَدَمِهِ؛ وَكَذَا لاَ بُدَّ مِنْ حُصُول الْوَطْءِ فِي بِنْتِ تِسْعٍ فَأَكْثَرَ لأَِنَّهَا قَبْل ذَلِكَ لَمْ تَتَأَهَّل لِوَطْءِ الرَّجُل عَادَةً وَلاَ هِيَ مَحِلٌّ لِلشَّهْوَةِ غَالِبًا (١) . وَلِلتَّفْصِيل (ر: وَطْءٌ) .
ب - الْمَوْتُ:
٣١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ إِذَا مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ قَبْل الدُّخُول فِي نِكَاحٍ فِيهِ تَسْمِيَةُ مَهْرٍ أَنَّهُ يَتَأَكَّدُ الْمُسَمَّى؛ سَوَاءٌ كَانَتِ الْمَرْأَةُ حُرَّةً أَوْ أَمَةً؛ لأَِنَّ الْمَهْرَ كَانَ وَاجِبًا بِالْعَقْدِ؛ وَالْعَقْدُ لَمْ يَنْفَسِخْ بِالْمَوْتِ؛ بَل انْتَهَى نِهَايَتَهُ؛ لأَِنَّهُ عَقْدٌ لِلْعُمْرِ؛ فَتَنْتَهِي نِهَايَتُهُ عِنْدَ انْتِهَاءِ الْعُمْرِ؛ وَإِذَا انْتَهَى يَتَأَكَّدُ فِيمَا مَضَى وَيَتَقَرَّرُ بِمَنْزِلَةِ الصَّوْمِ يَتَقَرَّرُ بِمَجِيءِ اللَّيْل فَيَتَقَرَّرُ الْوَاجِبُ؛ وَلأَِنَّ كُل الْمَهْرِ لَمَّا وَجَبَ بِنَفْسِ الْعَقْدِ فَصَارَ دَيْنًا عَلَيْهِ - وَالْمَوْتُ لَمْ يَعْرِفْ مُسْقِطًا لِلدَّيْنِ فِي أُصُول الشَّرْعِ - فَلاَ يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْهُ بِالْمَوْتِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ (٢) .
وَإِذَا تَأَكَّدَ الْمَهْرُ لَمْ يَسْقُطْ مِنْهُ شَيْءٌ (٣) .
_________
(١) مطالب أولي النهى ٥ / ٢٠٥.
(٢) بدائع الصنائع ٢ / ٢٩٤، والفتاوى الهندية ١ / ٣٠٦، والشرح الصغير ٢ / ٤٣٨، وعقد الجواهر الثمينة ٢ / ٩٧، وروضة الطالبين ٧ / ٢٦٣، وكشاف القناع ٥ / ١٥٠.
(٣) الفتاوى الهندية ١ / ٣٠٦، وكشاف القناع ٥ / ١٥٠.
٣٢ - وَكَذَلِكَ الْمَهْرُ يَتَأَكَّدُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِذَا قُتِل أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ؛ سَوَاءٌ كَانَ قَتَلَهُ أَجْنَبِيٌّ أَوْ قَتَل أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ أَوْ قَتَل الزَّوْجُ نَفْسَهُ؛ لأَِنَّ النِّكَاحَ قَدْ بَلَغَ غَايَتَهُ فَقَامَ ذَلِكَ مَقَامَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ (١) .
وَإِذَا قَتَلَتِ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا فَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً لاَ يَسْقُطُ عَنِ الزَّوْجِ شَيْءٌ مِنَ الْمَهْرِ؛ بَل يَتَأَكَّدُ الْكُل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٢) .
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الْمَوْتَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ كَالْمَوْتِ الْمُتَيَقَّنِ فِي تَأْكِيدِ الْمَهْرِ؛ وَذَلِكَ كَالْمَفْقُودِ فِي بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ التَّعْمِيرِ (٣) يَحْكُمُ الْحُكَّامُ بِمَوْتِهِ.
وَيَتَأَكَّدُ الْمَهْرُ عِنْدَهُمْ فِي حَالَةِ مَا إِذَا قَتَلَتِ الزَّوْجَةُ نَفْسَهَا كُرْهًا فِي زَوْجِهَا؛ أَوْ قَتَل السَّيِّدُ أَمَتَهُ الْمُتَزَوِّجَةَ؛ فَلاَ يَسْقُطُ الصَّدَاقُ عَنْ زَوْجِهَا؛ وَقَالُوا: يَبْقَى النَّظَرُ فِي قَتْل الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا هَل تُعَامَل بِنَقِيضِ مَقْصُودِهَا وَلاَ يَتَكَمَّل صَدَاقُهَا أَوْ يَتَكَمَّل؟
وَاسْتَظْهَرَ الْعَدَوِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ أَنَّهُ لاَ يَتَكَمَّل
_________
(١) بدائع الصنائع ٢ / ٢٩٤، كشاف القناع ٥ / ١٥٠.
(٢) الفتاوى الهندية ١ / ٣٠٦، وكشاف القناع ٥ / ١٠٥.
(٣) التعمير: أي المدة التي يعمّر إليها أمثاله.
لَهَا لاِتِّهَامِهَا؛ لِئَلاَّ يَكُونَ ذَرِيعَةً لِقَتْل النِّسَاءِ أَزْوَاجَهُنَّ (١) .
وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ مِنْ أَصْل اسْتِقْرَارِ الْمَهْرِ بِمَوْتِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ مَسَائِل (٢) .
قَال النَّوَوِيُّ فِي مَعْرِضِ تَفْصِيلِهِ لِلْمَسْأَلَةِ: هَلاَكُ الْمَنْكُوحَةِ بَعْدَ الدُّخُول لاَ يُسْقِطُ شَيْئًا مِنَ الْمَهْرِ؛ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً؛ سَوَاءٌ هَلَكَتْ بِمَوْتٍ أَوْ قَتْلٍ.
فَأَمَّا إِذَا هَلَكَتْ قَبْل الدُّخُول فَإِنْ قَتَل السَّيِّدُ أَمَتَهُ الْمُزَوَّجَةَ؛ فَالنَّصُّ فِي " الْمُخْتَصَرِ ": أَنْ لاَ مَهْرَ؛ وَنَصَّ فِي " الأُْمِّ " فِي الْحُرَّةِ إِذَا قَتَلَتْ نَفْسَهَا: لاَ يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنَ الْمَهْرِ.
ثُمَّ الْحُرَّةُ إِذَا مَاتَتْ أَوْ قَتَلَهَا الزَّوْجُ أَوْ أَجْنَبِيٌّ لَمْ يَسْقُطْ مَهْرُهَا قَطْعًا؛ وَكَذَا لَوْ قَتَلَتْ نَفْسَهَا عَلَى الْمَذْهَبِ (٣) . وَلِلتَّفْصِيل (ر: مَوْتٌ) .
ج - الْخَلْوَةُ
٣٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْخَلْوَةَ الصَّحِيحَةَ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي يَتَأَكَّدُ بِهَا الْمَهْرُ (٤)؛ حَتَّى لَوْ خَلاَ رَجُلٌ بِامْرَأَتِهِ خَلْوَةً صَحِيحَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْل الدُّخُول بِهَا فِي نِكَاحٍ
_________
(١) الشرح الصغير ٢ / ٤٣٨، وحاشية الدسوقي ٢ / ٣٠١.
(٢) مغني المحتاج ٢ / ٢٢٥، وروضة الطالبين ٧ / ٢٦٣.
(٣) روضة الطالبين ٧ / ٢١٩.
(٤) الفتاوى الهندية ١ / ٣٠٣، ومطالب أولي النهى ٥ / ٢٠٧.
فِيهِ تَسْمِيَةٌ يَجِبُ عَلَيْهِ كَمَال الْمُسَمَّى؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي النِّكَاحِ تَسْمِيَةٌ يَجِبُ عَلَيْهِ كَمَال مَهْرِ الْمِثْل (١) .
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَالْخَلْوَةُ بِمُجَرَّدِهَا لاَ تُقَرِّرُ الْمَهْرَ عِنْدَهُمْ إِلاَّ أَنْ يَطُول الْمَقَامُ فَيَتَقَرَّرُ الْكَمَال عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَهُمْ؛ لأَِنَّ الْجِهَازَ قَدْ تَغَيَّرَ وَاللَّذَّةُ قَدْ حَصَلَتْ وَدَامَتْ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ قَائِلُو هَذَا الْقَوْل فِي ضَبْطِ مُدَّةِ الطُّول فَقِيل: سَنَةٌ؛ وَقِيل: مَا يُعَدُّ طُولًا فِي الْعَادَةِ (٢) .
قَال ابْنُ شَاسٍ: ثُمَّ حَيْثُ قُلْنَا إِنَّ الْخَلْوَةَ بِمُجَرَّدِهَا لاَ تُقَرِّرُ؛ فَإِنَّهَا تُؤَثِّرُ فِي جَعْل الْقَوْل قَوْلَهَا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ إِذَا تَنَازَعَا فِي الْوَطْءِ لأَِجْل التَّقْرِيرِ؛ كَمَا إِذَا خَلاَ بِهَا خَلْوَةَ الْبِنَاءِ؛ فَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْقَوْل قَوْلُهَا؛ وَقِيل: إِنْ كَانَتْ بِكْرًا نَظَرَ إِلَيْهَا النِّسَاءُ (٣)؛ وَتَثْبُتُ خَلْوَةُ الْبِنَاءِ (خَلْوَةُ الاِهْتِدَاءِ) وَلَوْ بِامْرَأَتَيْنِ أَوْ بِاتِّفَاقِ الزَّوْجَيْنِ عَلَيْهَا (٤) .
وَأَمَّا فِي خَلْوَةِ الزِّيَارَةِ فَالْقَوْل قَوْل الزَّائِرِ مِنْهُمَا جَرْيًا عَلَى مُقْتَضَى الْعَادَةِ (٥) .
_________
(١) بدائع الصنائع ٢ / ٢٩١.
(٢) عقد الجواهر الثمينة ٢ / ٩٧ - ٩٨.
(٣) عقد الجواهر الثمينة ٢ / ٩٨.
(٤) الشرح الصغير ٢ / ٤٣٩.
(٥) عقد الجواهر الثمينة ٢ / ٩٨.