الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩ الصفحة 33

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ إِلَى أَنَّ الزَّوْجَةَ لَوْ وَهَبَتِ الْمَهْرَ لِزَوْجِهَا بِلَفْظِ الْهِبَةِ بَعْدَ قَبْضِهَا لَهُ - وَالْمَهْرُ عَيْنٌ - ثُمَّ طَلَّقَ؛ أَوْ فَارَقَ بِغَيْرِ طَلاَقٍ - كَرِدَّةِ قَبْل الدُّخُول - فَلَهُ نِصْفُ بَدَل الْمَهْرِ مِنْ مِثْلٍ أَوْ قِيمَةٍ؛ لأَِنَّهُ مَلَكَ الْمَهْرَ قَبْل الطَّلاَقِ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الطَّلاَقِ.

وَفِي مُقَابِل الأَْظْهَرِ لاَ شَيْءَ لَهُ لأَِنَّهَا عَجَّلَتْ لَهُ مَا يَسْتَحِقُّ بِالطَّلاَقِ فَأَشْبَهَ تَعْجِيل الدَّيْنِ قَبْل الدُّخُول (١) .

وَلَوْ كَانَ الصَّدَاقُ دَيْنًا فَأَبْرَأَتْهُ مِنْهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ وَلَوْ وَهَبَتْ لَهُ الدَّيْنَ؛ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ كَالإِْبْرَاءِ؛ وَقِيل كَهِبَةِ الْعَيْنِ (٢) .

وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْجَدِيدِ بِأَنَّهُ: لَيْسَ لِلْوَلِيِّ الْعَفْوُ عَنْ مَهْرِ مُوَلِّيَتِهِ كَسَائِرِ دُيُونِهَا؛ وَالْقَدِيمُ لَهُ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ (٣) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا طَلَّقَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ قَبْل الدُّخُول وَالْخَلْوَةِ وَسَائِرِ مَا يُقَرِّرُ الصَّدَاقَ؛ فَأَيُّ الزَّوْجَيْنِ عَفَا لِصَاحِبِهِ عَمَّا وَجَبَ لَهُ مِنَ الْمَهْرِ - وَالْعَافِي جَائِزُ التَّصَرُّفِ - بَرِئَ مِنْهُ

_________

(١) مغني المحتاج ٣ / ٢٤٠، وروضة الطالبين ٧ / ٣١٦.

(٢) روضة الطالبين ٧ / ٣١٧.

(٣) مغني المحتاج ٣ / ٢٤٠ - ٢٤١.

صَاحِبُهُ؛ سَوَاءٌ كَانَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا؛ فَإِنْ كَانَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ دَيْنًا سَقَطَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَالتَّمْلِيكِ وَالإِْسْقَاطِ وَالإِْبْرَاءِ وَالْعَفْوِ وَالصَّدَقَةِ وَالتَّرْكِ؛ وَلاَ يَفْتَقِرُ إِسْقَاطُهُ إِلَى الْقَبُول كَسَائِرِ الدُّيُونِ.

وَإِنْ كَانَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ عَيْنًا فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَعَفَا الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ فَهُوَ هِبَةٌ يَصِحُّ بِلَفْظِ الْعَفْوِ وَالْهِبَةِ وَالتَّمْلِيكِ؛ وَلاَ يَصِحُّ بِلَفْظِ الإِْبْرَاءِ وَالإِْسْقَاطِ؛ لأَِنَّ الأَْعْيَانَ لاَ تَقْبَل ذَلِكَ أَصَالَةً؛ وَيَفْتَقِرُ لُزُومُ الْعَفْوِ عَنِ الْعَيْنِ مِمَّنْ هِيَ بِيَدِهِ إِلَى الْقَبْضِ فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ هِبَةٌ حَقِيقَةٌ وَلاَ تَلْزَمُ إِلاَّ بِالْقَبْضِ؛ وَالْقَبْضُ فِي كُل شَيْءٍ بِحَسَبِهِ.

وَلاَ يَمْلِكُ الأَْبُ الْعَفْوَ عَنْ نِصْفِ مَهْرِ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ إِذَا طُلِّقَتْ - وَلَوْ قَبْل الدُّخُول - كَثَمَنِ مَبِيعِهَا؛ وَلاَ يَمْلِكُ الأَْبُ أَيْضًا الْعَفْوَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ مَهْرِ ابْنَتِهِ الْكَبِيرَةِ إِذَا طُلِّقَتْ وَلَوْ قَبْل الدُّخُول لأَِنَّهُ لاَ وِلاَيَةَ لَهُ عَلَيْهَا.

وَلاَ يَمْلِكُ غَيْرُ الأَْبِ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ كَالْجَدِّ وَالأَْخِ وَالْعَمِّ الْعَفْوَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ مَهْرِ وَلِيَّتِهِ وَلَوْ طُلِّقَتْ قَبْل الدُّخُول لأَِنَّهُ لاَ وِلاَيَةَ لَهُمْ فِي الْمَال (١) .

_________

(١) كشاف القناع ٥ / ١٤٥ - ١٤٦، ومطالب أولي النهى ٥ / ١٩٩ وما بعدها.

تَعْجِيل الْمَهْرِ وَتَأْجِيلُهُ

٢٢ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ جَوَازَ كَوْنِ كُل الْمَهْرِ مُعَجَّلًا أَوْ مُؤَجَّلًا وَجَوَازَ كَوْنِ بَعْضِهِ مُعَجَّلًا وَبَعْضِهِ مُؤَجَّلًا (١) .

وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ إِذَا سَمَّى الْمَهْرَ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَأَطْلَقَ فَالْمَرْجِعُ فِي مَعْرِفَةِ مِقْدَارِ الْمُعَجَّل مِنَ الْمَهْرِ هُوَ الْعُرْفُ؛ قَال ابْنُ الْهَمَّامِ: يَتَنَاوَل الْمُعَجَّل عُرْفًا وَشَرْطًا؛ فَإِنْ كَانَ قَدْ شَرَطَ تَعْجِيل كُلِّهِ فَلَهَا الاِمْتِنَاعُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَهُ كُلَّهُ؛ أَوْ بَعْضَهُ فَبَعْضَهُ.

وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ تَعْجِيل شَيْءٍ بَل سَكَتُوا عَنْ تَعْجِيلِهِ وَتَأْجِيلِهِ: فَإِنْ كَانَ عُرِفَ فِي تَعْجِيل بَعْضِهِ وَتَأْخِيرِ بَاقِيهِ إِلَى الْمَيْسَرَةِ أَوِ الطَّلاَقِ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَحْتَبِسَ إِلاَّ إِلَى تَسْلِيمِ ذَلِكَ الْقَدْرِ (٢) .

قَال فِي فَتَاوَى قَاضِيخَانْ: إِنْ لَمْ يُبَيِّنُوا قَدْرَ الْمُعَجَّل يُنْظَرُ إِلَى الْمَرْأَةِ وَإِلَى الْمَهْرِ: أَنَّهُ كَمْ يَكُونُ الْمُعَجَّل لِمِثْل هَذِهِ الْمَرْأَةِ مِنْ مِثْل هَذَا الْمَهْرِ؟ فَيُعَجَّل ذَلِكَ؛ وَلاَ يَتَقَدَّرُ بِالرُّبُعِ وَالْخُمُسِ بَل يُعْتَبَرُ الْمُتَعَارَفُ؛ فَإِنَّ الثَّابِتَ عُرْفًا كَالثَّابِتِ شَرْطًا بِخِلاَفِ مَا إِذَا شَرَطَ تَعْجِيل الْكُل إِذْ لاَ عِبْرَةَ بِالْعُرْفِ إِذَا جَاءَ الصَّرِيحُ

_________

(١) العناية ٢ / ٢٧٢، والمهذب ٢ / ٥٧ ط المعرفة.

(٢) فتح القدير ٢ / ٤٧٣.

بِخِلاَفِهِ (١) .

وَالْحَنَفِيَّةُ مُتَّفِقُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى صِحَّةِ تَأْجِيل الْمَهْرِ إِلَى غَايَةٍ مَعْلُومَةٍ نَحْوِ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ.

أَمَا إِذَا كَانَ التَّأْجِيل لاَ إِلَى غَايَةٍ مَعْلُومَةٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ مَشَايِخُ الْحَنَفِيَّةِ فِيهِ:

فَعَلَى الْقَوْل الصَّحِيحِ يَصِحُّ هَذَا التَّأْجِيل لأَِنَّ الْغَايَةَ مَعْلُومَةٌ فِي نَفْسِهَا وَهُوَ الطَّلاَقُ أَوِ الْمَوْتُ (٢) .

وَبِنَاءً عَلَى هَذَا الاِخْتِلاَفِ تَخْتَلِفُ آرَاءُ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ فِيمَا إِذَا فُرِضَ نِصْفُ الْمَهْرِ مُعَجَّلًا وَنِصْفُهُ مُؤَجَّلًا وَلَمْ يُذْكَرِ الْوَقْتُ لِلْمُؤَجَّل؛ إِذْ قَال بَعْضُهُمْ: لاَ يَجُوزُ الأَْجَل وَيَجِبُ حَالًّا؛ وَقَال بَعْضُهُمْ يَجُوزُ وَيَقَعُ ذَلِكَ عَلَى وَقْتِ وُقُوعِ الْفُرْقَةِ بِالْمَوْتِ أَوْ بِالطَّلاَقِ؛ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ مَا يُؤَيِّدُ هَذَا الْقَوْل (٣) .

وَالأَْصْل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ اسْتِحْبَابُ كَوْنِ الْمَهْرِ مُعَجَّلًا (٤) .

وَلَوْ شَرَطَ الأَْجَل فِي الصَّدَاقِ فَقَال عَبْدُ الْمَلِكِ: كَانَ مَالِكُ وَأَصْحَابُهُ يَكْرَهُونَ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ الْمَهْرِ مُؤَخَّرًا؛ وَكَانَ مَالِكُ

_________

(١) المرجع نفسه.

(٢) الفتاوى الهندية ١ / ٣١٨.

(٣) المرجع نفسه.

(٤) عقد الجواهر الثمينة ٢ / ١٠٢.

يَقُول: إِنَّمَا الصَّدَاقُ فِيمَا مَضَى نَاجِزٌ كُلُّهُ؛ فَإِنْ وَقَعَ مِنْهُ شَيْءٌ مُؤَخَّرًا فَلاَ أُحِبُّ أَنْ يَطُول الأَْجَل فِي ذَلِكَ (١) .

وَيَشْتَرِطُ فُقَهَاءُ الْمَالِكِيَّةِ لِجَوَازِ تَأْجِيل الصَّدَاقِ مَعْلُومِيَّةَ الأَْجَل حَيْثُ قَالُوا: وَجَازَ تَأْجِيل الصَّدَاقِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا لِلدُّخُول إِنْ عُلِمَ وَقْتُ الدُّخُول عِنْدَهُمْ كَالشِّتَاءِ أَوِ الصَّيْفِ؛ لاَ إِنْ لَمْ يُعْلَمْ؛ فَيُفْسَخُ قَبْل الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ بِصَدَاقِ الْمِثْل عَلَى الْمَشْهُورِ.

وَمُقَابِل الْمَشْهُورِ جَوَازُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَقْتُ الدُّخُول مَعْلُومًا لأَِنَّ الدُّخُول بِيَدِ الْمَرْأَةِ فَهُوَ كَالْحَال مَتَى شَاءَتْ أَخَذَتْهُ.

وَجَازَ تَأْجِيل الصَّدَاقِ إِلَى الْمَيْسَرَةِ إِنْ كَانَ الزَّوْجُ مَلِيًّا بِالْقُوَّةِ؛ بِأَنْ كَانَ لَهُ سِلَعٌ يَرْصُدُ بِهَا الأَْسْوَاقَ أَوْ لَهُ مَعْلُومٌ فِي وَقْفٍ أَوْ وَظِيفَةٍ؛ لاَ إِنْ كَانَ مُعْدَمًا؛ وَيُفْسَخُ قَبْل الدُّخُول لِمَزِيدِ الْجَهَالَةِ (٢) .

وَذَكَرَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي تَأْخِيرِ الأَْجَل إِلَى السَّنَتَيْنِ وَالأَْرْبَعِ؛ وَذَكَرَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ إِلَى السَّنَةِ؛ ثُمَّ حُكِيَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ قَال: لاَ يُفْسَخُ النِّكَاحُ إِلاَّ أَنْ يَزِيدَ الأَْجَل إِلَى أَكْثَرَ مِنَ الْعِشْرِينَ.

_________

(١) عقد الجواهر الثمينة ٢ / ١٠٤.

(٢) الشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه ٢ / ٤٣٢ - ٤٣٣.

وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَفْسَخُهُ إِلَى الأَْرْبَعِينَ فَمَا فَوْقَ؛ ثُمَّ حَكَى أَنَّهُ يَفْسَخُهُ إِلَى الْخَمْسِينَ وَالسِّتِّينَ.

قَال فَضْل بْنُ سَلَمَةَ: لأَِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ الأَْجَل الطَّوِيل مِثْل مَا لَوْ تَزَوَّجَهَا إِلَى مَوْتٍ أَوْ فِرَاقٍ.

وَقَال عَبْدُ الْمَلِكِ: وَمَا قَصُرَ مِنَ الأَْجَل فَهُوَ أَفْضَل وَإِنْ بَعُدَ لَمْ أَفْسَخْهُ إِلاَّ أَنْ يُجَاوِزَ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ؛ وَإِنْ كَانَتِ الأَْرْبَعُونَ فِي ذَلِكَ كَثِيرًا (١) .

وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الصَّدَاقِ مُؤَخَّرًا إِلَى غَيْرِ أَجَلٍ فَإِنَّ مَالِكًا كَانَ يَفْسَخُهُ قَبْل الْبِنَاءِ وَيَمْضِيهِ بَعْدَهُ؛ وَتُرَدُّ الْمَرْأَةُ إِلَى صَدَاقِ مِثْلِهَا مُعَجَّلًا كُلِّهِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ صَدَاقُ مِثْلِهَا أَقَل مِنَ الْمُعَجَّل فَلاَ تَنْقُصُ مِنْهُ؛ أَوْ أَكْثَرَ مِنَ الْمُعَجَّل، وَالْمُؤَجَّل فَتُوَفَّى تَمَامَ ذَلِكَ إِلاَّ أَنْ يَرْضَى النَّاكِحُ بِأَنْ يَجْعَل الْمُؤَخَّرَ مُعَجَّلًا كُلَّهُ مَعَ النَّقْدِ مِنْهُ فَيُمْضِي النِّكَاحَ؛ فَلاَ يُفْسَخُ لاَ قَبْل الْبِنَاءِ وَلاَ بَعْدَهُ؛ وَلاَ تُرَدُّ الْمَرْأَةُ إِلَى صَدَاقِ مِثْلِهَا؛ فَإِنْ كَرِهَ النَّاكِحُ أَنْ يَجْعَلَهُ مُعَجَّلًا كُلَّهُ؛ وَرَضِيَتِ الْمَرْأَةُ أَنْ تُسْقِطَ الْمُؤَخَّرَ وَتَقْتَصِرَ عَلَى النَّقْدِ مَضَى النِّكَاحُ وَلاَ كَلاَمَ لِلنَّاكِحِ.

وَاسْتَثْنَى ابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ وَجْهًا

_________

(١) عقد الجواهر الثمينة ٢ / ١٠٤ - ١٠٥.

وَاحِدًا وَهُوَ: إِذَا رُدَّتِ الْمَرْأَةُ بَعْدَ الْبِنَاءِ إِلَى صَدَاقِ مِثْلِهَا فَوُجِدَ صَدَاقُ مِثْلِهَا أَكْثَرُ مِنَ الْمُعَجَّل وَالْمُؤَخَّرِ فَإِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ قَال: كَمَا لاَ يُنْقَصُ إِذَا قَل صَدَاقُ مِثْلِهَا مِنْ مِقْدَارِ الْمُعَجَّل؛ كَذَلِكَ لاَ يُزَادُ إِذَا ارْتَفَعَ عَلَى مِقْدَارِ؛ الْمُعَجَّل وَالْمُؤَخَّرِ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا؛ وَلِلزَّوْجَةِ حَبْسُ نَفْسِهَا وَلَوْ بِلاَ عُذْرٍ لِتَقْبِضَ الْمَهْرَ الْمُعَيَّنَ وَالْحَال؛ لاَ الْمُؤَجَّل فَلاَ تَحْبِسُ نَفْسَهَا بِسَبَبِهِ لِرِضَاهَا بِالتَّأْجِيل (٢) .

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ جَعْل بَعْضِ الْمَهْرِ حَالًّا وَبَعْضَهُ يَحِل بِالْمَوْتِ أَوِ الْفِرَاقِ؛ وَلاَ يَصِحُّ تَأْجِيل الْمَهْرِ إِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ كَقُدُومِ زَيْدٍ (٣) .

وَإِذَا سَمَّى الصَّدَاقَ فِي الْعَقْدِ وَأَطْلَقَ فَلَمْ يُقَيَّدْ بِحُلُولٍ وَلاَ تَأْجِيلٍ صَحَّ؛ وَيَكُونُ الصَّدَاقُ حَالًّا لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ الأَْجَل.

وَإِنْ فَرَضَ الصَّدَاقَ مُؤَجَّلًا أَوْ فَرَضَ بَعْضَهُ مُؤَجَّلًا إِلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ أَوْ إِلَى أَوْقَاتٍ كُل جُزْءٍ مِنْهُ إِلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ صَحَّ لأَِنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَجَازَ ذَلِكَ فِيهِ كَالثَّمَنِ؛ وَهُوَ إِلَى أَجَلِهِ؛ سَوَاءٌ فَارَقَهَا أَوْ أَبْقَاهَا كَسَائِرِ الْحُقُوقِ الْمُؤَجَّلَةِ.

_________

(١) عقد الجواهر الثمينة ٢ / ١٠٤ - ١٠٥.

(٢) المذهب ٢ / ٥٧، ومغني المحتاج ٣ / ٢٢٢.

(٣) مطالب أولي النهى ٥ / ١٨٢.

وَإِنْ أَجَّل الصَّدَاقَ أَوْ أَجَّل بَعْضَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ مَحِل الأَْجَل صَحَّ نَصًّا وَمَحِلُّهُ الْفُرْقَةُ الْبَائِنَةُ فَلاَ يَحِل مَهْرُ الرَّجْعِيَّةِ إِلاَّ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا (١) .

قَبْضُ الْمَهْرِ

٢٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِلأَْبِ وَالْجَدِّ وَالْقَاضِي قَبْضَ مَهْرِ الْبِكْرِ صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً إِلاَّ إِذَا نَهَتْ وَهِيَ بَالِغَةٌ صَحَّ النَّهْيُ؛ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِمْ ذَلِكَ؛ وَالْوَصِيُّ يَمْلِكُ ذَلِكَ عَلَى الصَّغِيرَةِ؛ وَالْبِنْتُ الْبَالِغَةُ حَقُّ الْقَبْضِ لَهَا دُونَ غَيْرِهَا (٢) . وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ مَنْ يَتَوَلَّى قَبْضَ الْمَهْرِ هُوَ الْوَلِيُّ الْمُجْبِرُ (الأَْبُ أَوْ وَصِيُّهُ أَوِ السَّيِّدُ) أَوْ وَلِيُّ الزَّوْجَةِ السَّفِيهَةِ؛ أَمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلسَّفِيهَةِ وَلِيٌّ وَلاَ مُجْبِرٌ فَلاَ يَقْبِضُ صَدَاقَهَا إِلاَّ الْحَاكِمُ؛ فَإِنْ شَاءَ قَبَضَهُ وَاشْتَرَى لَهَا بِهِ جِهَازًا وَإِنْ شَاءَ عَيَّنَ لَهَا مَنْ يَقْبِضُهُ وَيَصْرِفُهُ فِيمَا يَأْمُرُهُ بِهِ مِمَّا يَجِبُ لَهَا.

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاكِمٌ؛ أَوْ لَمْ يُمْكِنِ الرَّفْعُ إِلَيْهِ؛ أَوْ خِيفَ عَلَى الصَّدَاقِ مِنْهُ حَضَرَ الزَّوْجُ وَالْوَلِيُّ وَالشُّهُودُ فَيَشْتَرُونَ لَهَا بِصَدَاقِهَا جِهَازًا وَيُدْخِلُونَهُ فِي بَيْتِ الْبِنَاءِ.

_________

(١) كشاف القناع ٥ / ١٣٤.

(٢) الفتاوى الهندية ١ / ٣١٩، وروضة القضاة للسمناني ٣ / ٩٣٠.

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُجْبِرٌ وَلاَ وَلِيُّ سَفِيهَةٍ مِنْ حَاكِمٍ أَوْ مُقَدَّمٍ عَلَيْهَا مِنْهُ فَالْمَرْأَةُ الرَّشِيدَةُ هِيَ الَّتِي تَقْبِضُ مَهْرَهَا لاَ مَنْ يَتَوَلَّى عَقْدَهَا إِلاَّ بِتَوْكِيلٍ مِنْهَا فِي قَبْضِهِ (١) .

فَإِنْ قَبَضَ الْمَهْرَ غَيْرُ الْمُجْبِرِ وَوَلِيُّ السَّفِيهَةِ وَالْمَرْأَةِ الرَّشِيدَةِ بِلاَ تَوْكِيلٍ مِمَّنْ لَهُ الْقَبْضُ فَضَاعَ وَلَوْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ كَانَ ضَامِنًا لَهُ لِتَعَدِّيهِ بِقَبْضِهِ؛ وَاتَّبَعَتْهُ الزَّوْجَةُ أَوْ تَبِعَتِ الزَّوْجَ لِتَعَدِّيهِ بِدَفْعِ الْمَهْرِ لِغَيْرِ مَنْ لَهُ قَبْضُهُ (٢) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الأَْبَ إِذَا قَبَضَ مَهْرَ ابْنَتِهِ لَمْ يَخْل حَالُهَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُوَلًّى عَلَيْهَا؛ أَوْ رَشِيدَةً: فَإِنْ كَانَتْ مُوَلًّى عَلَيْهَا لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ؛ أَوْ سَفَهٍ جَازَ لَهُ قَبْضُ مَهْرِهَا لاِسْتِحْقَاقِهِ الْوِلاَيَةَ عَلَى مَالِهَا؛ وَلَوْ قَبَضَتْهُ مِنْ زَوْجِهَا لَمْ يَصِحَّ وَلَمْ يَبْرَأِ الزَّوْجُ مِنْهُ إِلاَّ أَنْ يُبَادِرَ الأَْبُ إِلَى أَخْذِهِ مِنْهَا فَيَبْرَأُ الزَّوْجُ حِينَئِذٍ مِنْهُ.

وَإِنْ كَانَتْ بَالِغَةً عَاقِلَةً رَشِيدَةً فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ ثَيِّبًا لاَ تُجْبَرُ عَلَى النِّكَاحِ؛ فَلَيْسَ لِلأَْبِ قَبْضُ مَهْرِهَا إِلاَّ بِإِذْنِهَا؛

_________

(١) الشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه ٢ / ٤٦٣ - ٤٦٤.

(٢) الشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه ٢ / ٤٦٥.

فَإِنْ قَبَضَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهَا لَمْ يَبْرَأِ الزَّوْجُ مِنْهُ؛ كَمَا لَوْ قَبَضَ لَهَا دَيْنًا أَوْ ثَمَنًا.

وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ بِكْرًا يُجْبِرُهَا أَبُوهَا عَلَى النِّكَاحِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ قَبْضَ مَهْرِهَا إِلاَّ بِإِذْنِهَا؛ فَإِنْ قَبَضَهُ بِغَيْرِ إِذْنٍ لَمْ يَبْرَأِ الزَّوْجُ مِنْهُ؛ وَجَعَل لَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ قَبْضَ مَهْرِهَا لأَِنَّهُ يَمْلِكُ إِجْبَارَهَا عَلَى النِّكَاحِ كَالصَّغِيرَةِ (١) .

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ لِلأَْبِ وَالْوَلِيِّ قَبْضَ مَهْرِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهَا لِصِغَرٍ أَوْ سَفَهٍ أَوْ جُنُونٍ لأَِنَّهُ يَلِي مَالَهَا فَكَانَ لَهُ قَبْضُهُ كَثَمَنِ مَبِيعِهَا.

وَلاَ يَقْبِضُ الأَْبُ صَدَاقَ مُكَلَّفَةٍ رَشِيدَةٍ وَلَوْ بِكْرًا إِلاَّ بِإِذْنِهَا لأَِنَّهَا الْمُتَصَرِّفَةُ فِي مَالِهَا فَاعْتُبِرَ إِذْنُهَا فِي قَبْضِهِ كَثَمَنِ مَبِيعِهَا؛ فَإِنْ سَلَّمَ زَوْجُ رَشِيدَةٍ الصَّدَاقَ لِلأَْبِ بِغَيْرِ إِذْنِهَا لَمْ يَبْرَأِ الزَّوْجُ بِتَسْلِيمِهِ لَهُ فَتَرْجِعُ هِيَ عَلَى الزَّوْجِ لأَِنَّهُ مُفَرِّطٌ وَيَرْجِعُ هُوَ عَلَى الأَْبِ بِمَا غَرِمَهُ (٢) .

ضَمَانُ الْمَهْرِ

٢٤ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ يَصِحُّ ضَمَانُ الْوَلِيِّ مَهْرَ الزَّوْجَةِ سَوَاءٌ كَانَ وَلِيُّ الزَّوْجِ أَوِ الزَّوْجَةِ؛ صَغِيرَيْنِ كَانَا أَوْ كَبِيرَيْنِ؛ أَمَا ضَمَانُ وَلِيِّ الْكَبِيرِ

_________

(١) الحاوي الكبير للماوردي ١٢ / ١٣٠ - ١٣١.

(٢) مطالب أولي النهى ٥ / ١٨٨ - ١٨٩، وكشاف القناع ٥ / ١٣٨.