الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩ الصفحة 28

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَنِيِّ:

حُكْمُ إِنْزَال الْمَنِيِّ بِالْيَدِ

٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ إِنْزَال الْمَنِيِّ بِالْيَدِ فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الاِسْتِمْنَاءَ بِالْيَدِ حَرَامٌ وَفِيهِ التَّعْزِيرُ (١) .

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يُكْرَهُ تَحْرِيمًا الاِسْتِمْنَاءُ بِالْكَفِّ وَنَحْوِهِ بِدُونِ عُذْرٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٢) فَلَمْ يُبِحِ الاِسْتِمْتَاعَ إِلاَّ بِالزَّوْجَةِ وَالأَْمَةِ وَأَيْضًا فَإِنَّ فِيهِ سَلْخَ الْمَاءِ وَتَهْيِيجَ الشَّهْوَةِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ.

أَمَّا إِذَا وُجِدَ عُذْرٌ كَمَا إِذَا تَعَيَّنَ الْخَلاَصُ مِنَ الزِّنَا بِالاِسْتِمْنَاءِ وَكَانَ عَزْبًا لاَ زَوْجَةَ لَهُ وَلاَ أَمَةَ أَوْ كَانَ إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى الْوُصُول إِلَيْهَا لِعُذْرٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ لأَِنَّهُ أَخَفُّ، وَعِبَارَةُ صَاحِبِ فَتْحِ الْقَدِيرِ: فَإِنْ غَلَبَتْهُ الشَّهْوَةُ فَفَعَل إِرَادَةَ تَسْكِينِهَا بِهِ فَالرَّجَاءُ أَلاَّ يُعَاقَبَ (٣) .

وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الاِسْتِمْنَاءَ بِالْيَدِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ حَرَامٌ وَفِيهِ التَّعْزِيرُ وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُكْرَهُ.

_________

(١) الحطاب ٦ / ٣٢٠، والدسوقي ١ / ١٧٣، وروضة الطالبين ١٠ / ٩١، ونهاية المحتاج ٣ / ١٦٩.

(٢) سورة المعارج / ٢٩ - ٣٠.

(٣) ابن عابدين ٢ / ١٠٠.

وَإِنْ كَانَ الاِسْتِمْنَاءُ خَوْفًا مِنَ الزِّنَى جَازَ وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ.

قَال صَاحِبُ الإِْنْصَافِ: لَوْ قِيل بِوُجُوبِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ كَالْمُضْطَرِّ.

وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَحْرُمُ وَلَوْ خَافَ الزِّنَى.

قَال فِي الإِْنْصَافِ: لاَ يُبَاحُ الاِسْتِمْنَاءُ إِلاَّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ ثُمَّ قَال: وَحُكْمُ الْمَرْأَةِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الرَّجُل (١) .

وَيَجُوزُ عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ الاِسْتِمْنَاءُ بِيَدِ الزَّوْجَةِ (٢)

طَهَارَةُ الْمَنِيِّ وَنَجَاسَتُهُ

٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْمَنِيَّ نَجِسٌ (٣) وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ.

فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الْمَنِيَّ نَجِسٌ سَوَاءٌ مِنَ

_________

(١) الإنصاف ١٠ / ٢٥١، ٢٥٢، وكشاف القناع ٥ / ١٨٨.

(٢) المراجع السابقة.

(٣) البناية على الهداية ١ / ٧٢٠، وحاشية ابن عابدين ١ / ٢٠٨، وبدائع الصنائع ١ / ٦٠ - ٦١، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٥٦، والخرشي ١ / ٩٢، والحطاب ١ / ١٠٤، وشرح منتهى الإرادات ١ / ١٠٢، والمبدع شرح المقنع ١ / ٣٣٨، والفروع ١ / ٢٤٧، والإنصاف ١ / ٣٤٠، ومغني المحتاج ١ / ٨٠.

الإِْنْسَانِ أَوْ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ كُلِّهَا دُونَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ مَأْكُول اللَّحْمِ وَغَيْرِ مَأْكُولِهِ (١) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْمَنِيُّ نَجِسٌ إِذَا كَانَ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ مِنْ حَيَوَانٍ مُحَرَّمِ الأَْكْل بِغَيْرِ خِلاَفٍ، أَمَّا مَنِيُّ مُبَاحِ الأَْكْل فَفِيهِ خِلاَفٌ.

فَقِيل بِطَهَارَتِهِ وَقِيل بِنَجَاسَتِهِ لِلاِسْتِقْذَارِ وَالاِسْتِحَالَةِ إِلَى فَسَادٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ (٢) .

وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَنِيِّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِل الْجَنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلاَةِ وَإِنْ بَقَّعَ الْمَاءُ فِي ثَوْبِهِ (٣) .

وَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَدْ غَسَلَتِ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَالْغُسْل شَأْنُ النَّجَاسَاتِ وَأَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَدْ عَلِمَ بِهَذَا فَأَقَرَّهُ وَلَمْ يَقُل لَهَا أَنَّهُ طَاهِرٌ وَلأَِنَّهُ خَارِجٌ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ فَكَانَ

_________

(١) البناية ١ / ٧٢٠، وابن عابدين ١ / ٢٠٨، والبحر الرائق ١ / ٢٣٦.

(٢) الخرشي ١ / ٩٢، والدسوقي ١ / ٥٦.

(٣) حديث عائشة: " كنت أغسل الجنابة من ثوب النبي ﷺ. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٣٣٢) ومسلم (١ / ٢٣٩) واللفظ للبخاري.

نَجِسًا كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ (١) .

وَاسْتَدَلُّوا بِآثَارٍ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ: إِنْ رَأَيْتَهُ فَاغْسِلْهُ وَإِلاَّ فَاغْسِل الثَّوْبَ كُلَّهُ وَمِنِ التَّابِعِينَ مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّ الْمَنِيَّ بِمَنْزِلَةِ الْبَوْل (٢) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ سَبَبَ نَجَاسَةِ الْمَنِيِّ أَنَّهُ دَمٌ مُسْتَحِيلٌ إِلَى نَتْنٍ وَفَسَادٍ (٣) فَحُكِمَ بِنَجَاسَةِ الْمَنِيِّ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ كُلِّهَا لأَِنَّ مَنَاطَ التَّنْجِيسِ كَوْنُهُ دَمًا مُسْتَحِيلًا إِلَى نَتْنٍ وَفَسَادٍ وَهَذَا لاَ يَخْتَلِفُ بَيْنَ الْحَيَوَانَاتِ كُلِّهَا كَمَا قَال الدَّرْدِيرُ.

وَبِأَنَّ الْمَنِيَّ يَخْرُجُ مِنْ مَخْرَجِ الْبَوْل مُوجِبًا لِتَنْجِيسِهِ فَأُلْحِقَ الْمَنِيُّ بِالْبَوْل طَهَارَةً وَنَجَاسَةً (٤) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ: إِنَّ مَنِيَّ الإِْنْسَانِ طَاهِرٌ سَوَاءٌ أَكَانَ مِنَ الذَّكَرِ أَمِ الأُْنْثَى.

_________

(١) بدائع الصنائع ١ / ٦٠، وتبيين الحقائق ١ / ٧١، والبناية على الهداية ١ / ٧٢٢، وانتصار الفقير السالك ٢٥٦.

(٢) البناية على الهداية ١ / ٧٢٢.

(٣) حاشية الدسوقي ١ / ٥١.

(٤) الحطاب ١ / ١٠٤، والخرشي ١ / ٩٢، وحاشية الدسوقي ١ / ٥٦.

لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُول اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ (١) فَدَل أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرَعَ فِي الصَّلاَةِ وَالْمَنِيُّ عَلَى ثَوْبِهِ وَهَذَا شَأْنُ الطَّاهِرَاتِ (٢) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: سُئِل رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ فَقَال: إِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبُصَاقِ أَوِ الْمُخَاطِ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَمْسَحَهُ بِخِرْقَةٍ أَوْ إِذْخِرٍ (٣) .

فَيَدُل هَذَا الْحَدِيثُ بِظَاهِرِهِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَدْ شَبَّهَ الْمَنِيَّ بِالْمُخَاطِ وَالْبُصَاقِ مِمَّا يَدُل عَلَى طَهَارَتِهِ وَأَمَرَ بِإِمَاطَتِهِ بِأَيِّ كَيْفِيَّةٍ كَانَتْ - وَلَوْ بِإِذْخِرٍ - لأَِنَّهُ مُسْتَقْذَرٌ طَبْعًا وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَصَابَ ثَوْبَهُ الْمَنِيُّ إِنْ كَانَ رَطْبًا مَسَحَهُ وَإِنْ

_________

(١) حديث عائشة: " أنها كانت تفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٢٣٨) .

(٢) مغني المحتاج ١ / ٧٩ - ٨٠، وتحفة المحتاج ١ / ٢٩٧، وكفاية الأخيار ١ / ٤١، ونهاية المحتاج ١ / ٢٢٥، وحاشية القليوبي وعميرة على شرح المنهاج ١ / ٧٠، وشرح منتهى الإرادات ١ / ١٠٢، والمبدع شرح المقنع ١ / ٢٥٤، والفروع ١ / ٢٤٧، والإنصاف ١ / ٣٤٠.

(٣) حديث ابن عباس: " سئل رسول الله ﷺ عن المني. . . ". أخرجه البيهقي (٢ / ٤١٨)، وقبلها رواه موقوفًا، وصوب الرواية الموقوفة.

كَانَ يَابِسًا حَتَّهُ ثُمَّ صَلَّى فِيهِ (١) وَلأَِنَّهُ مَبْدَأُ خَلْقِ الإِْنْسَانِ فَكَانَ طَاهِرًا كَالطِّينِ وَكَذَلِكَ مَنِيُّ الْحَيَوَانَاتِ الطَّاهِرَةِ حَال حَيَاتِهَا فَإِنَّهُ مَبْدَأُ خَلْقِهَا وَيُخْلَقُ مِنْهُ حَيَوَانٌ طَاهِرٌ (٢) .

وَفِي مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ نَجِسٌ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.

وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ نَجِسٌ مِنَ الْمَرْأَةِ دُونَ الرَّجُل بِنَاءً عَلَى نَجَاسَةِ رُطُوبَةِ فَرْجِهَا وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (٣) .

أَمَّا مَنِيُّ غَيْرِ الآْدَمِيِّ فَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ إِلَى أَنَّ مَنِيَّ غَيْرِ الآْدَمِيِّ وَنَحْوِ الْكَلْبِ نَجِسٌ كَسَائِرِ الْمُسْتَحِيلاَتِ.

وَقَال النَّوَوِيُّ: إِنَّ الأَْصَحَّ طَهَارَةُ مَنِيِّ غَيْرِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَفَرْعِ أَحَدِهِمَا لأَِنَّهُ أَصْل حَيَوَانٍ طَاهِرٍ فَأَشْبَهَ مَنِيَّ الآْدَمِيِّ.

وَفِي مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَقَوْل الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ طَاهِرٌ مِنَ الْمَأْكُول نَجِسٌ مِنْ غَيْرِهِ كَلَبَنِهِ (٤) .

الْوُضُوءُ مِنَ الْمَنِيِّ

٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ خُرُوجَ الْمَنِيِّ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ.

_________

(١) أثر سعد " أنه كان إذا أصاب ثوبه المني. . . ". أخرجه الشافعي في المسند (١ / ٢٦ ترتيبه)

(٢) المراجع الفقهية السابقة.

(٣) نهاية المحتاج ١ / ٢٢٦، والإنصاف ١ / ٣٣٩.

(٤) مغني المحتاج ١ / ٧٩ - ٨٠، الإنصاف ١ / ٣٣٩.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ خُرُوجَ الْمَنِيِّ لاَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (حَدَثٌ ف ٦ وَمَا بَعْدَهَا) .

الْغُسْل مِنَ الْمَنِيِّ

٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ خُرُوجَ الْمَنِيِّ مِنَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ مُوجِبٌ لِلْغُسْل (١) .

لِمَا وَرَدَ: أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ ﵂ حَدَّثَتْ: أَنَّهَا سَأَلَتْ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ: عَنِ الْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُل؟ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِذَا رَأَتْ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ فَلْتَغْتَسِل فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ - وَاسْتَحْيَيْتُ مِنْ ذَلِكَ - قَالَتْ: وَهَل يَكُونُ هَذَا؟ فَقَال نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: نَعَمْ فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ؟ إِنَّ مَاءَ الرَّجُل غَلِيظٌ أَبْيَضُ وَمَاءَ الْمَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ فَمِنْ أَيِّهِمَا عَلاَ أَوْ سَبَقَ يَكُونُ مِنْهُ الشَّبَهُ وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهَا قَالَتْ: هَل عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذْ هِيَ احْتَلَمَتْ؟ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: نَعَمْ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ (٢) .

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ١٠٧ وما بعدها، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق ١ / ٥٥، والخرشي ١ / ١٦٢ وما بعدها، وحاشية الدسوقي ١ / ١٢٦ وما بعدها، والمجموع ٢ / ١٣٨ - ١٣٩، والمغني ١ / ١٩٩، ٢٠٣، ومغني المحتاج ١ / ٧٠ ط مصطفى الحلبي.

(٢) حديث أم سليم أنها سألت النبي ﷺ. أخرجه مسلم (١ / ٢٥٠)، والرواية الأخرى أخرجها البخاري (الفتح ١ / ٣٨٨)، ومسلم (١ / ٢٥١) .

قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَإِنْ رَأَى فِي ثَوْبِهِ مَنِيًّا وَكَانَ مِمَّا لاَ يَنَامُ فِيهِ غَيْرُهُ فَعَلَيْهِ الْغُسْل لأَِنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵄ اغْتَسَلاَ حِينَ رَأَيَاهُ فِي ثَوْبَيْهِمَا وَلأَِنَّهُ لاَ يُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ إِلاَّ مِنْهُ وَيُعِيدُ الصَّلاَةَ مِنْ أَحْدَثِ نَوْمَةٍ نَامَهَا فِيهِ، إِلاَّ أَنْ يَرَى إِمَارَةً تَدُل عَلَى أَنَّهُ قَبْلَهَا فَيُعِيدُ مِنْ أَدْنَى نَوْمَةٍ يَحْتَمِل أَنَّهُ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ الرَّائِي لَهُ غُلاَمًا يُمْكِنُ وُجُودُ الْمَنِيِّ مِنْهُ كَابْنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً فَهُوَ كَالرِّجَال لأَِنَّهُ وَجَدَ دَلِيلَهُ وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْوُجُودِ وَإِنْ كَانَ أَقَل مِنْ ذَلِكَ فَلاَ غُسْل عَلَيْهِ لأَِنَّهُ لاَ يُحْتَمَل فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ غَيْرِهِ فَأَمَّا إِنْ وَجَدَ الرَّجُل مَنِيًّا فِي ثَوْبٍ يَنَامُ فِيهِ هُوَ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ يَحْتَلِمُ فَلاَ غُسْل عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ مُفْرَدًا يُحْتَمَل أَنْ لاَ يَكُونَ مِنْهُ فَوُجُوبُ الْغُسْل عَلَيْهِ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَلَيْسَ لأَِحَدِهِمَا أَنْ يَأْتَمَّ بِصَاحِبِهِ؛ لأَِنَّ أَحَدَهُمَا جُنُبٌ يَقِينًا فَلاَ تَصِحُّ صَلاَتُهُمَا كَمَا لَوْ سَمِعَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَوْتَ رِيحٍ يَظُنُّ أَنَّهَا مِنْ صَاحِبِهِ أَوْ لاَ يَدْرِي مِنْ أَيِّهِمَا هِيَ (١) .

وَالتَّفْصِيل فِي (غُسْلٌ ف ٥) .

_________

(١) المغني ١ / ١٩٩ - ٢٠٣.

الْمَنِيُّ وَأَثَرُهُ فِي الصَّوْمِ

٨ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الصَّائِمَ إِذَا قَبَّل وَلَمْ يُمْنِ لاَ يَفْسُدُ صَوْمُهُ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَبِّل وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ (١) وَوَرَدَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَال: هَشَشْتُ فَقَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ صَنَعْتُ الْيَوْمَ أَمْرًا عَظِيمًا قَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ فَقَال: أَرَأَيْتَ لَوْ مَضْمَضْتَ مِنَ الْمَاءِ وَأَنْتَ صَائِمٌ؟ قُلْتُ: لاَ بَأْسَ بِهِ قَال: فَمَهْ (٢) .

شَبَّهَ الْقُبْلَةَ بِالْمَضْمَضَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا مِنْ مُقَدِّمَاتِ الشَّهْوَةِ وَأَنَّ الْمَضْمَضَةَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا نُزُول الْمَاءِ لَمْ يُفْطِرْ (٣) .

وَإِنْ قَبَّل الصَّائِمُ فَأَمْنَى فَسَدَ صَوْمُهُ لأَِنَّهُ إِنْزَالٌ بِالْمُبَاشَرَةِ فَأَشْبَهَ الإِْنْزَال بِالْجِمَاعِ

_________

(١) حديث عائشة: " كان النبي ﷺ يقبل ويباشر. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ١٤٩) ومسلم (٢ / ٧٧٧)، واللفظ للبخاري.

(٢) حديث عمر أنه قال: " هششت فقبلت وأنا صائم. . . ". أخرجه أبو داود (٢ / ٧٧٩ - ٧٨٠) والحاكم (١ / ٤٣١)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

(٣) فتح القدير والعناية ٢ / ٢٥٦، وتحفة الفقهاء ١ / ٣٥٨، وحاشية الدسوقي ١ / ٥٢٣، والخرشي ٢ / ٢٥٣، وروضة الطالبين ٢ / ٣٦١، والمغني ٣ / ١١١ - ١١٤، والإنصاف ٣ / ٣٠١، وفتح الباري ٤ / ١٥١ ط السلفية.

لِوُجُودِ مَعْنَى الْجِمَاعِ وَهُوَ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ (١) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ خَرَجَ الْمَنِيُّ مِنَ الصَّائِمِ يَقَظَةً بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ فَسَدَ الصَّوْمُ وَوَجَبَ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ وَأَمَّا إِنْ خَرَجَ بِلاَ لَذَّةٍ أَوْ خَرَجَ بِلَذَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ فَلاَ يَفْسُدُ الصَّوْمُ وَقَال عَبْدُ الْوَهَابِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّمَا يَرَى أَصْحَابُنَا الْقَضَاءَ عَلَى مَنْ أَمْنَى مِنْ لَمْسٍ وَقُبْلَةٍ اسْتِحْبَابًا وَلَيْسَ بِإِيجَابٍ؛ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ الْقُبْلَةُ حَرَّكَتِ الْمَنِيَّ عَنْ مَوْضِعِهِ، فَأَمَّا إِنْ سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ (٢) .

وَلَوِ اسْتَمْنَى الصَّائِمُ بِيَدِهِ فَأَنْزَل فَسَدَ صَوْمُهُ لأَِنَّهُ فِي مَعْنَى الْقُبْلَةِ فِي إِثَارَةِ الشَّهْوَةِ وَإِنْ نَزَل لِغَيْرِ شَهْوَةٍ كَالَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَنِيُّ أَوِ الْمَذْيُ لِمَرَضٍ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ لأَِنَّهُ خَارِجٌ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ أَشْبَهَ الْبَوْل وَلأَِنَّهُ عَنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ وَلاَ تَسَبُّبٍ إِلَيْهِ فَأَشْبَهَ الاِحْتِلاَمَ، وَلَوِ احْتَلَمَ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ لأَِنَّهُ عَنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَخَل حَلْقَهُ شَيْءٌ وَهُوَ نَائِمٌ (٣) .

_________

(١) المراجع السابقة وفتح الباري ٤ / ١٥٣، وبداية المجتهد ١ / ٢٩٨ ط مكتبة الكليات الأزهرية.

(٢) حاشية الدسوقي ١ / ٥٢٣، والخرشي ٢ / ٢٥٣، والمدونة ١ / ١٩٥.

(٣) تحفة الفقهاء ١ / ٣٥٨، والعناية بهامش فتح القدير ٢ / ٢٥٦، والخرشي ٢ / ٢٥٣، والمدونة ١ / ١٩٥، وروضة الطالبين ٢ / ٣٦١، والمغني ٣ / ١١١.