الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩
الْمَنَافِعِ بَيْنَ النَّاسِ (١) .
د - مُنْكَرَاتُ الْحَمَّامَاتِ
١٨ - مُنْكَرَاتُ الْحَمَّامَاتِ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: الصُّوَرُ الَّتِي تَكُونُ عَلَى بَابِ الْحَمَّامِ أَوْ دَاخِل الْحَمَّامِ يَجِبُ إِزَالَتُهَا عَلَى كُل مَنْ يَدْخُلُهَا إِنْ قَدِرَ، فَإِنَّهُ مُنْكَرٌ.
وَمِنْ مُنْكَرَاتِ الْحَمَّامَاتِ كَشْفُ الْعَوْرَاتِ وَالنَّظَرُ إِلَيْهَا قَصْدًا وَمِنْ جُمْلَتِهَا كَشْفُ الدَّلاَّكِ عَنِ الْفَخِذِ وَمَا تَحْتَ السُّرَّةِ فِي تَنْحِيَةِ الْوَسَخِ بَل مِنْ جُمْلَتِهَا إِدْخَال الْيَدِ تَحْتَ الإِْزَارِ فَإِنَّ مَسَّ عَوْرَةِ الْغَيْرِ حَرَامٌ كَالنَّظَرِ إِلَيْهَا فَهَذَا كُلُّهُ مَكْرُوهٌ وَمُنْكَرٌ.
وَكَذَلِكَ كَشْفُ الْعَوْرَةِ لِلْحَجَّامِ وَالْفَصَّادِ الذِّمِّيِّ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لاَ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَكْشِفَ بَدَنَهَا لِلذِّمِّيَّاتِ فِي الْحَمَّامِ.
وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ فِي مَدَاخِل بُيُوتِ الْحَمَّامِ وَمَجَارِي مِيَاهِهَا حِجَارَةٌ مُلْسٌ مُزْلِقَةٌ لِلأَْقْدَامِ فَهُوَ مُنْكَرٌ يَجِبُ قَلْعُهُ وَإِزَالَتُهُ وَيُنْكَرُ عَلَى الْحَمَّامِيِّ إِهْمَالُهُ.
وَكَذَلِكَ تَرْكُ السِّدْرِ وَالصَّابُونِ الْمُزْلِقِ لِلأَْقْدَامِ عَلَى أَرْضِ الْحَمَّامِ مُنْكَرٌ يَجِبُ إِزَالَتُهُ (٢) .
_________
(١) إتحاف السادة المتقين ٧ / ٥٨.
(٢) إتحاف السادة المتقين ٧ / ٥٩ - ٦٠.
هـ - مُنْكَرَاتُ الضِّيَافَةِ
١٩ - مِنْ مُنْكَرَاتِ الضِّيَافَةِ فَرْشُ الْحَرِيرِ لِلرِّجَال فَهُوَ حَرَامٌ وَكَذَلِكَ تَبْخِيرُ الْبَخُورِ فِي مِجْمَرَةٍ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ أَوِ الشُّرْبُ مِنْهُمَا أَوِ اسْتِعْمَال مَاءِ الْوَرْدِ مِنْهُمَا.
وَمِنْهَا إِسْدَال السُّتُورِ وَعَلَيْهَا الصُّوَرُ.
وَمِنْهَا سَمَاعُ الأَْوْتَارِ أَوْ سَمَاعُ الْقَيْنَاتِ فَإِنَّهُ مُنْكَرٌ مُسْقِطٌ لِوُجُوبِ الدَّعْوَةِ.
وَمِنْهَا اجْتِمَاعُ النِّسَاءِ عَلَى السُّطُوحِ وَفِي الرَّوَاشِنِ الْمُشْرِفَةِ عَلَى مَقَاعِدِ الرِّجَال لِلنَّظَرِ لِلرِّجَال فَكُل ذَلِكَ مَحْظُورٌ وَمُنْكَرٌ يَجِبُ تَغْيِيرُهُ.
وَمَنْ عَجَزَ عَنْ تَغْيِيرِهِ لَزِمَهُ الْخُرُوجُ عَنْ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ فَلاَ رُخْصَةَ فِي مُشَاهَدَةِ الْمُنْكَرَاتِ.
وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ فِي الضِّيَافَةِ مُبْتَدِعٌ يَتَكَلَّمُ فِي بِدْعَتِهِ وَيَحْمِل النَّاسَ عَلَيْهَا فَإِنْ كَانَ الْمُتَكَلِّمُ يَضْحَكُ بِالْفُحْشِ وَالْكَذِبِ لَمْ يَجِبِ الْحُضُورُ وَعِنْدَ الْحُضُورِ يَجِبُ الإِْنْكَارُ.
وَمِنْهَا الإِْسْرَافُ فِي الطَّعَامِ فَإِنَّهُ مُنْكَرٌ.
وَمِنْهَا صَرْفُ الْمَال إِلَى النَّائِحَةِ فِي الْمَوْتِ وَالْغِنَاءِ وَالطَّرَبِ فِي الأَْفْرَاحِ فَهَذِهِ مُنْكَرَاتٌ كُلُّهَا (١) .
_________
(١) إتحاف السادة المتقين ٧ / ٦٠ وما بعدها.
و- الْمُنْكَرَاتُ الْعَامَّةُ
٢٠ - قَال الْغَزَالِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ كُل قَاعِدٍ فِي بَيْتِهِ أَيْنَمَا كَانَ فَلَيْسَ خَالِيًا فِي هَذَا الزَّمَانِ عَنْ مُنْكَرٍ مِنْ حَيْثُ التَّقَاعُدُ عَنْ إِرْشَادِ النَّاسِ وَتَعْلِيمِهِمْ وَحَمْلِهِمْ عَلَى الْمَعْرُوفِ، وَكُل مَنْ رَأَى مُنْكَرًا مِنْ مَنَاكِيرِ الشَّرْعِ عَلَى الدَّوَامِ أَيْ مَنْ تَيَقَّنَ أَنَّ فِي السُّوقِ مُنْكَرًا أَوْ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى تَغْيِيرِهِ بِالْيَدِ أَوْ بِاللِّسَانِ فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُسْقِطَ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ بِالْقُعُودِ فِي الْبَيْتِ بَل يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ.
فَإِنْ كَانَ لاَ يَقْدِرُ عَلَى تَغْيِيرِ الْجَمِيعِ وَهُوَ يَحْتَرِزُ عَنْ مُشَاهَدَتِهِ وَيَقْدِرُ عَلَى تَغْيِيرِ الْبَعْضِ لَزِمَهُ الْخُرُوجُ.
وَإِنَّمَا يُمْنَعُ الْحُضُورُ لِمُشَاهَدَةِ الْمُنْكَرِ إِذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ.
فَحَقٌّ عَلَى كُل مُسْلِمٍ أَنْ يَبْدَأَ بِنَفْسِهِ فَيُصْلِحَهَا بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى الْفَرَائِضِ وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ ثُمَّ يُعَلِّمُ ذَلِكَ أَهْل بَيْتِهِ: زَوْجَتَهُ وَوَلَدَهُ وَخَادِمَهُ، ثُمَّ يَتَعَدَّى عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُمْ إِلَى جِيرَانِهِ ثُمَّ إِلَى مَحَلَّتِهِ ثُمَّ إِلَى أَهْل بَلَدِهِ ثُمَّ إِلَى السَّوَادِ - أَيِ الرِّيفِ - الْمُكْتَنِفِ لِبَلَدِهِ أَيِ: الْمُحِيطِ بِهِ فَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ بِقَدْرِ اسْتِطَاعَتِهِ فَإِنَّهُ مَأْجُورٌ وَمُثَابٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ (١) .
_________
(١) إتحاف السادة المتقين ٧ / ٦٣ - ٦٤.
مَنٌّ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْمَنُّ لُغَةً يُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ عِدَّةٍ: فَيُطْلَقُ عَلَى الإِْنْعَامِ وَعَلَى تَعْدَادِ الصَّنَائِعِ كَأَنْ يَقُول: أَعْطَيْتُكَ كَذَا وَفَعَلْتُ بِكَ كَذَا.
كَمَا يُطْلَقُ عَلَى مِكْيَالٍ أَوْ مِيزَانٍ.
وَعَلَى قَطْعِ الشَّيْءِ: مِنْ مَنَنْتُ الْحَبْل: قَطَعْتُهُ فَهُوَ مَمْنُونٌ.
وَعَلَى شَيْءٍ يَنْزِل مِنَ السَّمَاءِ يُشْبِهُ الْعَسَل قَال تَعَالَى فِي مَعْرِضِ الاِمْتِنَانِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ (١) .
وَالْمُنَّةُ بِالضَّمِّ: الضَّعْفُ وَالْقُوَّةُ مِنْ أَسْمَاءِ الأَْضْدَادِ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢) .
_________
(١) سورة الأعراف / ١٦٠.
(٢) المصباح المنير، ولسان العرب، وابن عابدين ٢ / ٧٦، والبحر الرائق ٢ / ٢٧٤، والمحلي شرح المنهاج ٢ / ١٧.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَنِّ:
تَتَعَلَّقُ بِالْمَنِّ أَحْكَامٌ مِنْهَا:
أ - الْمَنُّ بِاعْتِبَارِهِ مِقْدَارًا شَرْعِيًّا:
٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَحْدِيدِ مِقْدَارِ الْمَنِّ
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُدَّ رَطْلاَنِ وَالرَّطْل نِصْفُ مَنٍّ وَالْمَنُّ بِالدَّرَاهِمِ مِائَتَانِ وَسِتُّونَ دِرْهَمًا وَبِالْمَثَاقِيل أَرْبَعَةٌ وَنِصْفٌ فَالْمُدُّ وَالْمَنُّ سَوَاءٌ كُلٌّ مِنْهُمَا رُبُعُ صَاعٍ، رَطْلاَنِ بِالْعِرَاقِيِّ وَالرَّطْل مِائَةٌ وَثَلاَثُونَ دِرْهَمًا (١) .
وَضَبَطَ الإِْمَامُ الرَّافِعِيُّ مِنْ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ الأَْوْسُقَ الْخَمْسَةَ الَّتِي هِيَ نِصَابُ الْقُوتِ بِالْمَنِّ، وَلَمْ يَضْبِطْهَا بِالأَْرْطَال لاَ بَالْبَغْدَادِيَّةِ وَلاَ الدِّمَشْقِيَّةِ بِقَوْلِهِ: وَالأَْوْسُقُ الْخَمْسَةُ بِالْمَنِّ الصَّغِيرِ: ثَمَانُمِائَةِ مَنٍّ، وَبِالْمَنِّ الْكَبِيرِ الَّذِي وَزْنُهُ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ: ثَلَثُمِائَةٍ وَأَرْبَعُونَ مَنًّا وَثُلُثَا مَنٍّ وَقَال الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ: وَاسْتَفَدْنَا مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الرَّطْل الدِّمَشْقِيَّ مُسَاوٍ لِلْمَنِّ الْكَبِيرِ، وَأَنَّ الْمَنَّ الصَّغِيرَ مُسَاوٍ رَطْلَيْنِ بِالْبَغْدَادِيِّ (٢) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٧٦.
(٢) مغني المحتاج ١ / ٣٨٣، والمحلي شرح المنهاج ٢ / ١٧٢، وانظر كشاف القناع ٢ / ٢٠٦.
ب - الْمَنُّ بِمَعْنَى ذِكْرِ النِّعْمَةِ عَلَى الْغَيْرِ:
حُكْمُ الْمَنِّ
٣ - الْمَنُّ إِنْ كَانَ مِنَ اللَّهِ فَهُوَ تَذْكِيرُ الْمَخْلُوقِ بِخَالِقِهِ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْهِ وَتَنْبِيهُهُ لِيَشْكُرَهُ وَفِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ الْمَنَّانُ " (١) .
وَإِنْ كَانَ الْمَنُّ مِنَ الْعَبْدِ فَهُوَ تَعْدَادُ الصَّنَائِعِ وَالتَّقْرِيعُ بِهَا وَالتَّعْيِيرُ وَهِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ وَتُبْطِل ثَوَابَ الصَّدَقَةِ (٢) .
فَقَدْ دَل الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ بِالنَّصِّ وَالإِْيمَاءِ بِأَنَّ الْمَنَّ وَالأَْذَى يُبْطِلاَنِ ثَوَابَ الصَّدَقَةِ حَيْثُ بَيَّنَ فَضْل الإِْنْفَاقِ فِي سَبِيل اللَّهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَل الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيل اللَّهِ كَمَثَل حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِل فِي كُل سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣) .
ثُمَّ أَخْبَرَ فِي الآْيَةِ التَّالِيَةِ أَنَّ الإِْنْفَاقَ الْمَذْكُورَ الَّذِي يُضَاعَفُ ثَوَابُهُ لِصَاحِبِهِ هُوَ الإِْنْفَاقُ الَّذِي يَخْلُو عَنِ الْمَنِّ وَالأَْذَى فَقَال عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيل اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلاَ أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٤)
_________
(١) حديث: " اللهم إني أسألك بأن لك الحمد. . . ". أخرجه النسائي (٣ / ٥٢) عن أنس أنه كان مع رسول الله ﷺ جالسًا ورجل قائم يصلي. . . ثم دعا: بهذا الدعاء فقال النبي ﷺ: " والذي نفسي بيده لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي
(٢) الآداب الشرعية ١ / ٣٥٨، وتفسير القرطبي ٣ / ٣٠٨.
(٣) سورة البقرة / ٢٦١.
(٤) سورة البقرة / ٢٦٢.
وَالْمَفْهُومُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَأَذًى لَيْسَ لَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ أَجْرٌ وَلاَ أَمْنٌ مِنَ الْخَوْفِ وَالْحُزْنِ.
ثُمَّ بَيَّنَ ﷾ أَنَّ كَلِمَةً طَيِّبَةً وَرَدًّا جَمِيلًا وَالدُّعَاءَ لِلسَّائِل وَالتَّأْنِيسَ وَالتَّرْجِيَةَ بِمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ هِيَ فِي ظَاهِرِهَا صَدَقَةٌ وَفِي حَقِيقَتِهَا لاَ شَيْءَ لأَِنَّ ذِكْرَ الْقَوْل الْمَعْرُوفِ فِيهِ أَجْرٌ وَهَذِهِ لاَ أَجْرَ لَهَا قَال ﷺ: الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ (١) وَلاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ (٢) فَيَتَلَقَّى الْمَسْئُول السَّائِل بِالْبِشْرِ وَالتَّرْحِيبِ وَيُقَابِلُهُ بِالطَّلاَقَةِ وَالتَّقْرِيبِ لِيَكُونَ مَشْكُورًا إِنْ أَعْطَى وَمَعْذُورًا إِنْ مَنَعَ، فَالسَّتْرُ مِنْهُ عَلَيْهِ لِمَا عَلِمَ مِنْ خَلَّتِهِ وَسُوءِ حَالِهِ خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ صَدَقَةٍ يَتَصَدَّقُهَا عَلَيْهِ وَيُتْبِعُهَا أَذًى وَمَنًّا (٣) .
قَال عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿قَوْلٌ
_________
(١) حديث: " الكلمة الطيبة صدقة ". أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ١٣٢)، ومسلم (٢ / ٦٩٩) من حديث أبي هريرة.
(٢) حديث: " لا تحقرن من المعروف شيئًا. . . ". أخرجه مسلم (٤ / ٢٠٢٦) من حديث أبي ذر.
(٣) تفسير القرطبي ٣ / ٣٠٩ في تفسير آيات من سورة البقرة من الآية ٢٦١ - ٢٦٣.
مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ (١) .
ثُمَّ ذَكَرَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالنَّصِّ حُكْمَ الصَّدَقَةِ الَّتِي يَتْبَعُهَا الْمَنُّ وَالأَْذَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَْذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَل صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (٢) .
فَشَبَّهَ سُبْحَانَهُ الَّذِي يَمُنُّ وَيُؤْذِي فِي صَدَقَتِهِ بِالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ لاَ لِوَجْهِ اللَّهِ وَبِالْكَافِرِ الَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ لِيُقَال: إِنَّهُ جَوَادٌ وَيُثْنَى عَلَيْهِ أَنْوَاعُ الثَّنَاءِ.
وَمَثَّل سُبْحَانَهُ الْمُنْفِقَ الْمَنَّانَ بِصَفْوَانٍ - حَجَرٍ أَمْلَسَ - عَلَيْهِ تُرَابٌ فَيَظُنُّهُ الرَّائِي أَرْضًا مُنْبِتَةً طَيِّبَةً فَإِذَا أَصَابَهُ وَابِلٌ مِنَ الْمَطَرِ أَذْهَبَ عَنْهُ التُّرَابَ وَبَقِيَ صَلْدًا فَكَذَلِكَ الْمُرَائِي وَالْمَنَّانُ فَالْمَنُّ وَالرِّيَاءُ وَالأَْذَى تَكْشِفُ عَنِ النِّيَّةِ فِي الآْخِرَةِ كَمَا يَكْشِفُ الْمَطَرُ الْغَزِيرُ عَنِ الْحَجَرِ الأَْمْلَسِ (٣) .
وَقِيل: الْمُرَادُ بِالآْيَةِ إِبْطَال الْفَضْل دُونَ
_________
(١) سورة البقرة / ٢٦٣.
(٢) سورة البقرة / ٢٦٤.
(٣) تفسير القرطبي ٣ / ٣١١ وما بعدها.
أَصْل الثَّوَابِ وَقِيل: إِنَّمَا يَبْطُل مِنْ ثَوَابِ صَدَقَتِهِ مِنْ وَقْتِ مَنِّهِ وَإِيذَائِهِ وَمَا قَبْل ذَلِكَ يُكْتَبُ لَهُ وَيُضَاعَفُ فَإِذَا مَنَّ وَأَذَى انْقَطَعَ التَّضْعِيفُ لأَِنَّهُ وَرَدَ أَنَّ الصَّدَقَةَ تُرَبَّى لِصَاحِبِهَا حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَل (١) فَإِذَا خَرَجَتْ مِنْ يَدِ صَاحِبِهَا خَالِصَةً لِوَجْهِ اللَّهِ ضُوعِفَتْ فَإِذَا جَاءَ الْمَنُّ بِهَا وَالأَْذَى وُقِفَ بِهَا هُنَاكَ وَانْقَطَعَ التَّضْعِيفُ عَنْهَا وَالْقَوْل الأَْوَّل أَظْهَرُ (٢) .
وَقَدْ جَاءَ فِي السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ الْمَنَّانَ لاَ يُكَلِّمُهُ اللَّهُ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ﵁: ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَال أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا مَنْ هُمْ يَا رَسُول اللَّهِ؟ قَال: الْمُسْبِل وَالْمَنَّانُ وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ (٣) .
_________
(١) ورد ذلك في الحديث الذي رواه أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: " ما تصدق أحد بصدقة من طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم َفلُوّه أو فصيله ". أخرجه وهو في البخاري (الفتح ٣ / ٢٧٨) بلفظ مقارب.
(٢) تفسير القرطبي ٣ / ٣٠٦ - ٣٢٠ عند تفسير الآيات ٢٦٢ - ٢٦٧ من سورة البقرة.
(٣) حديث أبي ذر: " ثلاثة لا يكلمهم الله ﷿ يوم القيامة. . . ". أخرجه مسلم (١ / ١٠٢) .
رَفْضُ التَّبَرُّعِ خَوْفًا مِنَ الْمِنَّةِ
٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُكَلَّفِ عَدَمُ قَبُول التَّبَرُّعِ وَإِنْ تَعَيَّنَ لأَِدَاءِ فَرْضٍ حَيْثُ قَالُوا: إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمُكَلَّفُ مَاءً لِلطَّهَارَةِ بَعْدَ دُخُول الْوَقْتِ أَوْ لَمْ يَجِدْ مَا يَشْتَرِي بِهِ فَوَهَبَ لَهُ شَخْصٌ الثَّمَنَ لَمْ يَجِبْ قَبُولُهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمِنَّةِ.
قَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ وُهِبَ ثَمَنَ الْمَاءِ أَوْ ثَمَنَ آلَةِ الاِسْتِقَاءِ أَوْ أُقْرِضَ ثَمَنَ ذَلِكَ - وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا بِمَالٍ غَائِبٍ - فَلاَ يَجِبُ قَبُولُهُ لِعِظَمِ الْمِنَّةِ وَلَوْ مِنَ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ.
أَمَّا إِنْ وُهِبَ لَهُ الْمَاءُ أَوْ أُعِيرَ آلَةَ الاِسْتِسْقَاءِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةِ لأَِنَّ الْمُسَامَحَةَ بِذَلِكَ غَالِبَةٌ فَلاَ تَعْظُمُ فِيهِ الْمِنَّةُ.
إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَيَّدُوا اللُّزُومَ بِمَا إِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْهُ مِنَّةٌ قَالُوا: وَهَذَا فِي مِنَّةٍ يَظْهَرُ لَهَا أَثَرٌ وَأَمَّا التَّافِهُ فَيَلْزَمُهُ قَبُولُهُ.
وَالْقَوْل الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ يَجِبُ قَبُول الْمَاءِ لِلْمِنَّةِ كَالثَّمَنِ (١) .
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ
_________
(١) مغني المحتاج ١ / ٩٠ - ٩١، والمحلي ١ / ٨١، وشرح الزرقاني ١ / ١١٨، والشرح الصغير ١ / ١٨٨، والمغني ١ / ٢٤٠.