الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩
تَغْيِيرُهُ: أَنْ يَكُونَ مِمَّا أُجْمِعَ عَلَى تَحْرِيمِهِ أَوْ ضَعُفَ مَدْرَكُ الْقَائِل بِجَوَازِهِ، وَأَمَّا مَا اخْتُلِفَ فِيهِ فَلاَ يُنْكَرُ عَلَى مُرْتَكِبِهِ إِنْ عُلِمَ أَنَّهُ يَعْتَقِدُ تَحْلِيلَهُ بِتَقْلِيدِهِ الْقَائِل بِالْحِل.
وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ إِذْنُ الإِْمَامِ وَلاَ عَدَالَةُ الآْمِرِ أَوِ النَّاهِي عَلَى الْمَشْهُورِ (١) لِحَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَال: قُلْنَا يَا رَسُول اللَّهِ لاَ نَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ حَتَّى نَعْمَل بِهِ وَلاَ نَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى نَجْتَنِبَهُ كُلَّهُ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: بَل مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَإِنْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهِ وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِنْ لَمْ تَجْتَنِبُوهُ كُلَّهُ (٢) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (حِسْبَةٌ ف ٢٨ - ٣٣) .
شُرُوطُ الإِْنْكَارِ
٧ - مِنْ شُرُوطِ الإِْنْكَارِ: أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لاَ يُفْضِي إِلَى مَفْسَدَةٍ وَأَنْ يَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ خَوْفَ التَّلَفِ.
_________
(١) شرح الزرقاني ٣ / ١٠٨ - ١٠٩.
(٢) حديث أنس: " قلنا يا رسول الله. . . ". أخرجه الطبراني في الصغير (٢ / ١٧٦ ط المكتب الإسلامي - بيروت) . وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧ / ٢٧٧ - ط القدسي): رواه الطبراني في الصغير والأوسط من طريق عبد السلام بن عبد القدوس بن حبيب عن أبيه، وهما ضعيفان.
وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ (الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ ف ٤) .
الإِْنْكَارُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ
٨ - قَال الْقُرْطُبِيُّ: لِلظَّنِّ حَالَتَانِ: حَالَةٌ تُعْرَفُ وَتَقْوَى بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الدَّلاَلَةِ فَيَجُوزُ الْحُكْمُ بِهَا، وَأَكْثَرُ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ كَالْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ قِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ وَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ.
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقَعَ فِي النَّفْسِ شَيْءٌ مِنْ غَيْرِ دَلاَلَةٍ فَلاَ يَكُونُ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ ضِدِّهِ فَهَذَا هُوَ الشَّكُّ فَلاَ يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهِ وَهُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ.
وَقَال الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: يَجِبُ إِنْكَارُ الْمُنْكَرِ فِي مِثْل الْحَالاَتِ التَّالِيَةِ:
الأُْولَى: لَوْ رَأَى إِنْسَانًا يَسْلُبُ ثِيَابَ إِنْسَانٍ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الإِْنْكَارُ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى الظَّنِّ الْمُسْتَفَادِ مِنْ ظَاهِرِ يَدِ الْمَسْلُوبِ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ رَأَى رَجُلًا يَجُرُّ امْرَأَةً إِلَى مَنْزِلِهِ يَزْعُمُ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ وَهِيَ تُنْكِرُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجِبُ الإِْنْكَارُ عَلَيْهِ لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ مَا ادَّعَاهُ.
الثَّالِثَةُ: لَوْ رَأَى إِنْسَانًا يَقْتُل إِنْسَانًا يَزْعُمُ أَنَّهُ كَافِرٌ حَرْبِيٌّ دَخَل إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ بِغَيْرِ أَمَانٍ وَهُوَ يُكَذِّبُهُ فِي ذَلِكَ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الإِْنْكَارُ
لأَِنَّ اللَّهَ خَلَقَ عِبَادَهُ حُنَفَاءَ، وَالدَّارُ دَالَّةٌ عَلَى إِسْلاَمِ أَهْلِهَا لِغَلَبَةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهَا، فَفِي هَذِهِ الْحَالاَتِ وَأَمْثَالِهَا يُعْمَل بِالظُّنُونِ فَإِنْ أَصَابَ مَنْ قَامَ بِهَا فَقَدْ أَدَّى مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِذَا قَصَدَ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ لَمْ يُصِبْ كَانَ مَعْذُورًا وَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ فِي فِعْلِهِ (١) .
أَقْسَامُ الْمُنْكَرِ
٩ - الْمُنْكَرُ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالثَّانِي: مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ.
وَالثَّالِثُ: مَا كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ.
فَأَمَّا النَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَعَلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا تَعَلَّقَ بِالْعِبَادَاتِ، وَالثَّانِي: مَا تَعَلَّقَ بِالْمَحْظُورَاتِ، وَالثَّالِثُ: مَا تَعَلَّقَ بِالْمُعَامَلاَتِ.
وَانْظُرْ تَفْصِيل حُكْمِ كُل فَرْعٍ مِنْهَا فِي مُصْطَلَحِ (حِسْبَةٌ ف ٣٤) .
وُجُودُ الْمُنْكَرِ فِي الْوَلِيمَةِ
١٠ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ وُجُودَ الْمُنْكَرِ فِي الْوَلِيمَةِ يُبِيحُ عَدَمَ إِجَابَةِ الْمَدْعُوِّ إِلَيْهَا إِلاَّ إِذَا
_________
(١) تفسير القرطبي ١٦ / ٣٣٢، وقواعد الأحكام ٢ / ٤٨ - ٤٩.
غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ إِزَالَةَ هَذَا الْمُنْكَرِ وَذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (وَلِيمَةٌ) .
إِبَاحَةُ الْغِيبَةِ لِتَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ
١١ - قَال النَّوَوِيُّ: تُبَاحُ الْغِيبَةُ بِسِتَّةِ أَسْبَابٍ وَعَدَّ مِنْهَا: الاِسْتِعَانَةُ عَلَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ وَرَدِّ الْعَاصِي إِلَى الصَّوَابِ فَيَقُول لِمَنْ يَرْجُو قُدْرَتَهُ عَلَى إِزَالَةِ الْمُنْكَرِ: فُلاَنٌ يَعْمَل كَذَا فَازْجُرْهُ عَنْهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَيَكُونُ مَقْصُودُهُ إِزَالَةَ الْمُنْكَرِ فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ كَانَ حَرَامًا (٢) .
وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (غِيبَةٌ ف ١٠) .
الْكِتَابَةُ إِلَى ذِي وِلاَيَةٍ لِتَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ
١٢ - جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ لِلْحَنَفِيَّةِ: رَجُلٌ عَلِمَ أَنَّ فُلاَنًا يَتَعَاطَى مِنَ الْمُنْكَرِ هَل يَحِل لَهُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى أَبِيهِ بِذَلِكَ؟ قَالُوا: إِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ كَتَبَ إِلَى أَبِيهِ يَمْنَعْهُ الأَْبُ مِنْ ذَلِكَ وَيَقْدِرُ عَلَيْهِ يَحِل لَهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ أَبَاهُ لَوْ أَرَادَ مَنْعَهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لاَ يَكْتُبُ.
وَكَذَلِكَ فِيمَا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَبَيْنَ السُّلْطَانِ
_________
(١) شرح الزرقاني ٤ / ٥٣، وكشاف القناع ٥ / ١٧٠، وروضة الطالبين ٧ / ٣٣٤.
(٢) روضة الطالبين ٧ / ٣٣.
وَالرَّعِيَّةِ وَالْحَشَمِ إِنَّمَا يَجِبُ الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُمْ يَسْتَمِعُونَهُ. كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَلَوْ أَرَادَ الأَْبُ أَنْ يَأْمُرَ وَلَدَهُ بِشَيْءٍ وَيَخَافُ أَنَّهُ لَوْ أَمَرَهُ لاَ يَمْتَثِل أَمْرَهُ يَقُول لَهُ: يَا وَلَدِي إِنْ فَعَلْتَ كَذَا أَوْ إِنْ لَمْ تَفْعَل كَذَا يَكُونُ حَسَنًا وَلاَ يَأْمُرُهُ حَتَّى لاَ يَلْحَقَهُ عُقُوبَةُ الْعُقُوقِ (١) .
إِظْهَارُ أَهْل الذِّمَّةِ الْمُنْكَرَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ
١٣ - يَتَضَمَّنُ عَقْدُ الذِّمَّةِ شُرُوطًا يَلْزَمُ أَهْل الذِّمَّةِ الاِلْتِزَامُ بِهَا وَمِنْهَا عَدَمُ إِظْهَارِ الْمُنْكَرِ.
وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (أَهْل الذِّمَّةِ ف ٩) .
التَّدَرُّجُ فِي النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ
١٤ - تَغْيِيرُ الْمُنْكَرِ لَهُ مَرَاتِبُ إِذْ يَتَدَرَّجُ مِنَ التَّنْبِيهِ وَالتَّذْكِيرِ إِلَى الْوَعْظِ وَالتَّخْوِيفِ، ثُمَّ الزَّجْرِ وَالتَّأْنِيبِ، ثُمَّ التَّغْيِيرِ بِالْيَدِ، ثُمَّ إِيقَاعِ الْعُقُوبَةِ بِالنَّكَال وَالضَّرْبِ، وَأَخِيرًا الاِسْتِعْدَاءُ وَرَفْعُ الأَْمْرِ إِلَى الْحَاكِمِ.
وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (حِسْبَةٌ ف ٤٢ - ٤٨) .
_________
(١) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٥٣ - ٣٥٤.
صُوَرٌ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ
أ - مُنْكَرَاتُ الْمَسَاجِدِ
١٥ - قَال الْغَزَالِيُّ: مِمَّا يُشَاهَدُ كَثِيرًا فِي الْمَسَاجِدِ إِسَاءَةُ الصَّلاَةِ بِتَرْكِ الطُّمَأْنِينَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَهُوَ مُنْكَرٌ مُبْطِلٌ لِلصَّلاَةِ فَيَجِبُ النَّهْيُ عَنْهُ وَمَنْ رَأَى مُسِيئًا فِي صَلاَتِهِ فَسَكَتَ عَلَيْهِ فَهُوَ شَرِيكُهُ فِي الْحُرْمَةِ (١) هَكَذَا وَرَدَ الأَْثَرُ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَفِي الْخَبَرِ النَّبَوِيِّ مَا يَدُل عَلَيْهِ فَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: الْمُغْتَابُ وَالْمُسْتَمِعُ شَرِيكَانِ فِي الإِْثْمِ (٢) .
وَكَذَلِكَ كُل مَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الصَّلاَةِ مِنْ نَجَاسَةٍ عَلَى ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ أَوْ مَوْضِعِ الصَّلاَةِ لاَ يَرَاهَا أَوِ انْحِرَافٍ عَنْ سَمْتِ الْقِبْلَةِ بِسَبَبِ ظَلاَمٍ أَوْ عَمَى الْبَصَرِ، فَكُل ذَلِكَ تَجِبُ الْحِسْبَةُ فِيهِ وَيَجِبُ إِرْشَادُهُ بِذَلِكَ.
وَمِنْهَا: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِاللَّحْنِ أَيْ بِالْخَطَأِ يَجِبُ النَّهْيُ عَنْهُ وَيَجِبُ تَلْقِينُ الصَّحِيحِ وَتَكْرَارُهُ لَهُ حَتَّى يَعْرِفَهُ.
_________
(١) إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين ٧ / ٥٢ - ٥٣.
(٢) حديث: " المغتاب والمستمع شريكان ". ذكره الغزالي في إحياء علوم الدين (١ / ٢٤٢ ط الحلبي) وقال العراقي: غريب، وللطبراني من حديث ابن عمر بسند ضعيف: " نهى رسول الله ﷺ عن الغيبة وعن الاستماع إلى الغيبة ". (الطبراني في الأوسط ٣ / ٢٠٠ ط مكتبة المعارف - الرياض) .
وَمِنْهَا تَرَاسُل الْمُؤَذِّنِينَ فِي الأَْذَانِ وَتَطْوِيلُهُمْ فِي كَلِمَاتِهِ بِحَيْثُ يَضْطَرِبُ عَلَى الْحَاضِرِينَ جَوَابُ الأَْذَانِ لِتَدَاخُل الأَْصْوَاتِ، فَكُل ذَلِكَ مُنْكَرَاتٌ مَكْرُوهَةٌ يَجِبُ تَعْرِيفُهَا إِيَّاهُمْ وَإِرْشَادُهُمْ إِلَى مَا يُسَنُّ فِي الأَْذَانِ وَآدَابِهِ.
وَمِنْ مُنْكَرَاتِ الْمَسَاجِدِ: كَلاَمُ الْقُصَّاصِ وَالْوُعَّاظِ الَّذِينَ يَمْزُجُونَ بِكَلاَمِهِمُ الْبِدْعَةَ مِمَّا لَيْسَ فِي سِيرَةِ السَّلَفِ فَالْقَاصُّ إِنْ كَانَ يَكْذِبُ فِي أَخْبَارِهِ لِلْحَاضِرِينَ فَهُوَ فِسْقٌ، وَالإِْنْكَارُ عَلَيْهِ وَاجِبٌ لِئَلاَّ يُعْتَمَدَ عَلَى مَا يَذْكُرُهُ.
وَكَذَا الْوَاعِظُ الْمُبْتَدِعُ يَجِبُ مَنْعُهُ وَلاَ يَجِبُ حُضُورُ مَجْلِسِهِ إِلاَّ عَلَى قَصْدِ الإِْنْكَارِ وَالرَّدِّ عَلَيْهِ فِي بِدْعَتِهِ (١) .
وَمِنْهَا: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بَيْنَ يَدَيِ الْوُعَّاظِ عَلَى الأَْرْضِ أَوْ عَلَى الْكَرَاسِيِّ مَعَ التَّمْدِيدِ الْمُفْرِطِ وَهُوَ تَمْطِيطُ الْحُرُوفِ حَتَّى تَتَجَاوَزَ عَنْ مَخَارِجِهَا الأَْصْلِيَّةِ، عَلَى وَجْهٍ يُغَيِّرُ نَظْمَ الْقُرْآنِ وَيُجَاوِزُ حَدَّ التَّرْتِيل الْمَأْمُورِ بِهِ، فَهَذَا مُنْكَرٌ قَبِيحٌ مَكْرُوهٌ شَدِيدُ الْكَرَاهَةِ أَنَكْرَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ مِنْهُمْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.
وَمِنْهَا الْحِلَقُ: أَيِ اتِّخَاذُهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهِيَ
_________
(١) إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين للغزالي ٧ / ٥٢ - ٥٤.
جَمْعُ حَلْقَةٍ لِبَيْعِ الأَْدْوِيَةِ وَالأَْطْعِمَةِ وَالتَّعْوِيذَاتِ وَالْمَصْنُوعَاتِ مِنَ الْحُلِيِّ وَالْخَرَزِ.
وَكَقِيَامِ السُّؤَّال فِي وَسَطِ الصُّفُوفِ أَوْ عَلَى الأَْبْوَابِ وَقِرَاءَتِهِمُ الْقُرْآنَ وَنَشِيدِهِمُ الأَْشْعَارَ فَهَذِهِ الأَْشْيَاءُ مِنْهَا مَا هُوَ حَرَامٌ؛ لِكَوْنِهِ تَلْبِيسًا أَوْ كَذِبًا فَهَذَا حَرَامٌ فِي الْمَسْجِدِ وَخَارِجَ الْمَسْجِدِ، وَيَجِبُ الْمَنْعُ مِنْهُ وَخُصُوصًا فِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ لَمْ يُبْنَ لِذَلِكَ، بَل كُل بَيْعٍ فِيهِ كَذِبٌ وَتَلْبِيسٌ وَإِخْفَاءُ عَيْبٍ مِنْ عُيُوبِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي فَهُوَ حَرَامٌ (١) .
وَمِنْهَا: دُخُول الْمَجَانِينِ وَالصِّبْيَانِ وَالسَّكَارَى فِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّ هَؤُلاَءِ مَسْلُوبُو الاِخْتِيَارِ لاَ يَتَحَفَّظُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَالْمَجَانِينُ قَدْ يُخْشَى مِنْهُمْ تَلْوِيثُ الْمَسْجِدِ بِنَحْوِ مُخَاطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ شَتْمِهِمْ وَنُطْقِهِمْ بِمَا هُوَ فُحْشٌ أَوْ تَعَاطِيهِمْ لِمَا هُوَ مُنْكَرٌ كَكَشْفِ الْعَوْرَةِ.
وَمِنْهَا: خُرُوجُ الْمَرْأَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ مُتَزَيِّنَةً مُتَعَطِّرَةً فَهَذَا مُنْكَرٌ لاَ يُسْكَتُ عَلَيْهِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَأْكُل الثُّومَ أَوِ الْبَصَل وَيَأْتِيَ إِلَى الْمَسْجِدِ.
وَقَدْ نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: مَنْ أَكَل مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمُنْتِنَةِ فَلاَ يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا فَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الإِْنْسُ (٢) .
_________
(١) إتحاف السادة المتقين ٧ / ٥٥، ٥٦.
(٢) حديث جابر بن عبد الله: " من أكل من هذه الشجرة المنتنة. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٣٩٤ ط عيسى الحلبي) .
ب - مُنْكَرَاتُ الأَْسْوَاقِ
١٦ - مِنَ الْمُنْكَرَاتِ الْمُعْتَادَةِ فِي الأَْسْوَاقِ: الْكَذِبُ فِي الْمُرَابَحَةِ وَإِخْفَاءُ الْعَيْبِ فِي السِّلَعِ وَكَذَا فِي الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ الْمُعْتَادَةِ بَيْنَ النَّاسِ يَجِبُ الإِْنْكَارُ فِيهَا فَإِنَّهَا مُفْسِدَةٌ لِلْعُقُودِ أَوْ مُبْطِلَةٌ عَلَى رَأْيٍ، وَكَذَا فِي الرِّبَوِيَّاتِ كُلِّهَا وَهِيَ غَالِبَةٌ فِي الأَْسْوَاقِ، وَكَذَا سَائِرُ التَّصَرُّفَاتِ الْفَاسِدَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ الإِْنْكَارُ فِيهَا، وَمِنْهَا بَيْعُ الْمَلاَهِي أَيْ: آلاَتُهَا، كَالْعُودِ وَالْقَانُونِ وَالطُّنْبُورِ وَالرَّبَابَةِ فَلِذَلِكَ يَجِبُ كَسْرُهَا وَالْمَنْعُ مِنْ بَيْعِهَا كَالْمَلاَهِي، وَكَذَا بَيْعُ ثِيَابِ الْحَرِيرِ وَقَلاَنِسِ الذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ الَّتِي لاَ تَصْلُحُ لِلرِّجَال وَيُعْلَمُ بِعَادَةِ الْبَلَدِ أَنَّهُ لاَ يَشْتَرِيهِ إِلاَّ الرِّجَالُ، فَكُل ذَلِكَ مُنْكَرٌ مَحْظُورٌ يَجِبُ الْمَنْعُ عَنْهُ (١) .
ج - مُنْكَرَاتُ الشَّوَارِعِ
١٧ - الشَّوَارِعُ هِيَ الطُّرُقُ الْعَامَّةُ شُرِعَتْ لِسُلُوكِ النَّاسِ وَمُرُورِهِمْ فِيهَا لِحَاجَاتِهِمْ.
فَمِنَ الْمُعْتَادِ فِيهَا وَضْعُ الأُْسْطُوَانَاتِ وَهِيَ
_________
(١) إتحاف السادة المتقين ٧ / ٥٧.
الأَْعْمِدَةُ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ حَجَرٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ بِنَاءٍ وَكَذَا غَرْسُ الأَْشْجَارِ وَوَضْعُ الْخَشَبِ وَوَضْعُ أَحْمَال الْحُبُوبِ وَالأَْطْعِمَةِ عَلَى الطُّرُقِ فَكُل ذَلِكَ مُنْكَرٌ إِنْ كَانَ يُؤَدِّي إِلَى تَضْيِيقِ الطُّرُقِ وَاسْتِضْرَارِ الْمَارَّةِ بِهَا.
وَكَذَلِكَ رَبْطُ الدَّوَابِّ عَلَى الطَّرِيقِ بِحَيْثُ يَضِيقُ عَلَى الْمَارَّةِ وَيُنَجِّسُ الْمُجْتَازِينَ بِالْبَوْل وَالرَّوْثِ، فَهَذَا مُنْكَرٌ يَجِبُ الْمَنْعُ مِنْهُ إِلاَّ بِقَدْرِ حَاجَةِ النُّزُول وَالرُّكُوبِ.
وَكَذَلِكَ تَحْمِيل الدَّوَابِّ مِنَ الأَْحْمَال مَا لاَ تُطِيقُهَا مُنْكَرٌ يَجِبُ مَنْعُ الْمُلاَّكِ مِنْهُ وَيُؤْمَرُ بِتَخْفِيفِهَا.
وَكَذَلِكَ الْقَصَّابُ إِذَا كَانَ يَذْبَحُ فِي الطَّرِيقِ فَيُلَوِّثُ الطَّرِيقَ بِالدَّمِ وَالْفَرْثِ مُنْكَرٌ يَجِبُ الْمَنْعُ مِنْهُ.
وَكَذَلِكَ طَرْحُ الْقُمَامَةِ مِثْل الْحَيَوَانِ الْمَيِّتِ مِنْ هِرَّةٍ أَوْ دَجَاجَةٍ عَلَى جَوَانِبِ الطَّرِيقِ، كُل ذَلِكَ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ.
وَكَذَلِكَ إِرْسَال الْمَاءِ مِنَ الْمَزَارِيبِ وَهِيَ مَسَايِل الْمِيَاهِ مِنَ السُّطُوحِ.
وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ لَهُ كَلْبٌ عَقُورٌ عَلَى بَابِ دَارِهِ يُؤْذِي النَّاسَ وَيَعْقِرُهُمْ فَهَذَا مُنْكَرٌ يَجِبُ مَنْعُهُ مِنْهُ لأَِنَّ الشَّوَارِعَ إِنَّمَا جُعِلَتْ مُشْتَرَكَةَ