الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩ الصفحة 15

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩

فَلَمَّا قَال: ﴿أَلاَ تَسْتَمِعُونَ﴾ قَال: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَْوَّلِينَ﴾ رَدًّا عَلَى فِرْعَوْنَ قَوْلَهُ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَْعْلَى﴾ (١) فَلَمَّا قَال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِل إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ أَرْدَفَ مَا ذَكَرَ بِشَاهِدَيْنِ آخَرَيْنِ فَقَال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ لأَِنَّ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ آيَتَانِ عَظِيمَتَانِ لاَ يَقْدِرُ فِرْعَوْنُ عَلَى ادِّعَائِهِمَا، فَلَمَّا انْدَحَضَتْ حُجَّتُهُ قَال: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ .

وَدَلِيل ذَلِكَ مِنَ السُّنَّةِ: مُنَاظَرَةُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ طَالِبِ الإِْذْنِ بِالزِّنَا، وَذَلِكَ فِيمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَال: إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَأَقْبَل الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ، وَقَالُوا: مَهْ مَهْ، فَقَال: ادْنُهْ. فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا، قَال: فَجَلَسَ، قَال: أَتُحِبُّهُ لأُِمِّكَ؟ قَال: لاَ وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قَال: وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأُِمَّهَاتِهِمْ، قَال: أَفَتُحِبُّهُ لاِبْنَتِكَ؟ قَال: لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُول اللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قَال: وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ. قَال: أَفَتُحِبُّهُ لأُِخْتِكَ؟ قَال: لاَ وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ.

_________

(١) سورة النازعات / ٢٤.

قَال: وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأَِخَوَاتِهِمْ. قَال: أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟ قَال: لاَ وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قَال: وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ. قَال: أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟ قَال: لاَ وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قَال: وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالاَتِهِمْ. قَال: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَال: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ وَحَصِّنْ فَرْجَهُ. فَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ (١) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلْمُنَاظَرَةِ:

حُكْمُ تَعَلُّمِ فَنِّ الْمُنَاظَرَةِ

٨ - قَال الآْمِدِيُّ: هَذَا الْفَنُّ لاَ شَكَّ فِي اسْتِحْبَابِ تَحْصِيلِهِ، وَإِنَّمَا الشَّكُّ فِي وُجُوبِهِ وُجُوبًا كِفَائِيًّا، فَمَنْ قَال بِوُجُوبِ مَعْرِفَةِ مُجَادَلاَتِ الْفِرَقِ عَلَى الْكِفَايَةِ، قَال بِوُجُوبِ التَّحْصِيل، لأَِنَّ هَذَا الْفَنَّ يُعْرَفُ بِهِ كَيْفِيَّةُ الْمُجَادَلَةِ، وَإِلاَّ فَلاَ.

وَقَال مُلاَّ زَادَهْ تَعْلِيقًا عَلَيْهِ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ ذَهَبَ بَعْضٌ إِلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ مُجَادَلاَتِ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ لِيُجَادِلَهُمْ فَرْضُ كِفَايَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

_________

(١) حديث: " أن فتى شابًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله. . . ". أخرجه أحمد (٥ / ٢٥٦ - ٢٥٧) عن أبي أمامة ﵁ وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار بهامش إحياء علوم الدين للغزالي (٢ / ٣٢٩ - ٣٣٠ ط مصطفى الحلبي): " إسناده جيد ورجاله رجال الصحيح ".

٠٠ ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) وَلأَِنَّهَا دَفْعُ الضُّرِّ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، إِذْ يَخَافُ أَنْ يَقَعُوا فِي اعْتِقَادَاتِهِمُ الْمُضِرَّةِ، وَذَا فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ مَظِنَّةَ الْوُقُوعِ فِيهِ، وَفَرْضُ عَيْنٍ عَلَى مِنْ كَانَ كَذَلِكَ.

وَقَال بَعْضُهُمْ: إِنَّهَا حَرَامٌ لأَِنَّ الْعِلْمَ تَابِعٌ لِلْمَعْلُومِ مَا لَمْ يَمْنَعْ عَنِ التَّبَعِيَّةِ (٢) .

حُكْمُ الْمُنَاظَرَةِ فِي الْحَالاَتِ الَّتِي تَجْرِي فِيهَا

يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْمُنَاظَرَةِ بِاخْتِلاَفِ الْحَالاَتِ الَّتِي تَجْرِي فِيهَا.

أَوَّلًا - الْوُجُوبُ:

٩ - تَكُونُ الْمُنَاظَرَةُ وَاجِبَةً فِي حَالاَتٍ مِنْهَا:

- نُصْرَةُ الْحَقِّ بِإِقَامَةِ الْحُجَجِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْبَرَاهِينِ الْقَاطِعَةِ وَحَل الْمُشْكِلاَتِ فِي الدِّينِ، لِتَنْدَفِعَ الشُّبُهَاتُ وَتَصْفُوَ الاِعْتِقَادَاتُ عَنْ تَمْوِيهَاتِ الْمُبْتَدَعِينَ وَمُعْضِلاَتِ الْمُلْحِدِينَ.

- وَمَعَ أَهْل الْكِتَابِ إِذَا ظَهَرَتْ مَصْلَحَةٌ مِنْ إِسْلاَمِ مَنْ يُرْجَى إِسْلاَمُهُ مِنْهُمْ.

_________

(١) سورة النحل / ١٢٥.

(٢) شرح ملا عمر زاده على الولدية ص ٦.

وَهِيَ فَرْضُ عَيْنٍ، إِذَا لَمْ يُوجَدْ سِوَى عَالِمٍ وَاحِدٍ وَكَانَ أَهْلًا لِلْمُنَاظَرَةِ فِي الْحَالاَتِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا.

وَتَجِبُ كَذَلِكَ إِذَا عَيَّنَ الْحَاكِمُ عَالِمًا لِمُنَاظَرَةِ أَهْل الْبَاطِل وَكَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ.

وَتَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ فِي حَالاَتٍ: مِنْهَا إِذَا كَانَ هُنَاكَ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ غَيْرُ وَاحِدٍ قَادِرٌ عَلَى الْمُنَاظَرَاتِ الْوَاجِبَةِ، وَحِينَئِذٍ فَقِيَامُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَكْفِي لِسُقُوطِ الْحَرَجِ عَنِ الْبَاقِينَ وَإِلاَّ أَثِمَ الْجَمِيعُ بِتَرْكِهِ (١) .

ثَانِيًا - النَّدْبُ:

١٠ - وَالْمُنَاظَرَةُ تَكُونُ مَنْدُوبَةً فِي حَالاَتٍ مِنْهَا:

تَأْكِيدُ الْحَقِّ وَتَأْيِيدُهُ، وَمَعَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يُرْجَى إِسْلاَمُهُمْ (٢) .

ثَالِثًا - الْحُرْمَةُ:

١١ - تَكُونُ الْمُنَاظَرَةُ مُحَرَّمَةً فِي حَالاَتٍ مِنْهَا:

طَمْسُ الْحَقِّ وَرَفْعُ الْبَاطِل، وَقَهْرُ مُسْلِمٍ،

_________

(١) انظر: زاد المعاد ٤ / ٦٣٩ ط الرسالة، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٢٧١ ط دار إحياء التراث، ومغني المحتاج ٤ / ٢١٠، وحاشية القليوبي ٤ / ١٧٧، وتحفة المحتاج ٩ / ٢١٣ - ٢١٤.

(٢) زاد المعاد ٤ / ٦٣٩.

وَإِظْهَارُ عِلْمٍ، وَنَيْل دُنْيَا أَوْ مَالٍ أَوْ قَبُولٍ (١) .

الْمُنَاظَرَةُ وَمَنَاهِجُ اسْتِعْمَال الأَْدِلَّةِ وَمُنَاسَبَةُ إِيرَادِهَا

١٢ - قَال صَاحِبُ فَوَاتِحِ الرَّحَمُوتِ: إِنَّ الْمُسْتَدِل إِذَا بَيَّنَ دَعْوَاهُ بِدَلِيلٍ، فَإِنْ خَفِيَ عَلَى الْخَصْمِ مَفْهُومُ كَلاَمِهِ لإِجْمَالٍ أَوْ غَرَابَةٍ فِيمَا اسْتَعْمَل اسْتَفْسَرَهُ، وَعَلَى الْمُسْتَدَل بَيَانُ مُرَادِهِ عِنْدَ الاِسْتِفْسَارِ، وَإِلاَّ يَبْقَى مَجْهُولًا فَلاَ تُمْكِنُ الْمُنَاظَرَةُ.

وَلَوْ كَانَ بِلاَ نَقْلٍ مِنْ لُغَةٍ أَوْ أَهْل عُرْفٍ أَوْ بِلاَ ذِكْرِ قَرِينَةٍ فَإِذَا اتَّضَحَ مُرَادُهُ: فَإِنْ كَانَ جَمِيعُ مُقَدَّمَاتِهِ مُسَلَّمَةً وَلاَ خَلَل فِيهَا بِوَجْهٍ لاَ تَفْصِيلًا وَلاَ إِجْمَالًا لَزِمَ الاِنْقِطَاعُ لِلْبَحْثِ وَظَهَرَ الصَّوَابُ. وَإِلاَّ، فَإِنْ كَانَ الْخَلَل فِي الْبَعْضِ تَفْصِيلًا يُمْنَعُ هَذَا الْمُخْتَل مُجَرَّدًا عَنِ السَّنَدِ أَوْ مَقْرُونًا مَعَ السَّنَدِ، وَيُطَالَبُ بِالدَّلِيل عَلَيْهِ فَيُجَابُ بِإِثْبَاتِ الْمُقَدِّمَةِ الْمَمْنُوعَةِ.

وَإِنْ كَانَ الْخَلَل فِيهَا إِجْمَالًا، وَذَلِكَ الْخَلَل: إِمَّا أَنْ يَتَخَلَّفَ الْحُكْمُ عَنْهُ فِي صُوَرِهِ فَيَكُونُ الدَّلِيل حِينَئِذٍ أَعَمَّ مِنَ الْمُدَّعَى، أَوْ لُزُومُ مُحَالٍ آخَرَ فَيُنْقَضُ حِينَئِذٍ وَيُدَّعَى فَسَادُ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٧١.

الدَّلِيل، فَلاَ بُدَّ مِنْ إِقَامَةِ دَلِيلٍ.

وَإِمَّا بِوُجُودِ دَلِيلٍ مُقَابِلٍ لِدَلِيل الْمُسْتَدِل وَحَاكِمٍ بِمُنَافِي مَا يَحْكُمُ هُوَ بِهِ فَيُعَارَضُ.

وَفِي هَذَيْنِ أَيِ النَّقْضِ وَالْمُعَارَضَةِ تَنْقَلِبُ الْمَنَاصِبُ، فَيَصِيرُ الْمُعْتَرِضُ مُسْتَدِلًّا وَالْمُسْتَدِل مُعْتَرِضًا.

فَكُل بَحْثٍ - مُنَاظَرَةٍ - إِمَّا مَنْعٌ أَوْ نَقْضٌ أَوْ مُعَارَضَةٌ (١) .

وَفِي ذَلِكَ يَقُول طَاشُ كُبْرَى زَادَهْ فِي مَنْظُومَتِهِ فِي آدَابِ الْبَحْثِ:

ثَلاَثَةٌ لِسَائِلٍ مُنَاقَضَةْ

وَالنَّقْضُ ذُو الإِْجْمَال وَالْمُعَارَضَةْ

فَمَنْعُهُ الصُّغْرَى مِنَ الدَّلِيل

أَوْ مَنْعُهُ الْكُبْرَى عَلَى التَّفْصِيل (٢)

وَالتَّفْصِيل فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

آدَابُ الْمُنَاظَرَةِ

١٣ - لِلْمُنَاظَرَةِ آدَابٌ عَشَرَةٌ:

الأَْوَّل: إِرَادَةُ إِظْهَارِ الْحَقِّ، قَال الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀ ﵀ ﵀: مَا نَاظَرْتُ أَحَدًا إِلاَّ وَدِدْتُ أَنْ يُظْهِرَ اللَّهُ الْحَقَّ عَلَى يَدَيْهِ، وَجَاءَ فِي

_________

(١) فواتح الرحموت ٢ / ٣٣٠ بتصرف ط الأميرية.

(٢) مجموع أمهات المتون / ٢٨٥ ط م. الحلبي، وانظر: شرح الآمدي على الولدية في آداب البحث والمناظرة لمحمد المرعشي المعروف بساجقلي زاده.

رَدِّ الْمُحْتَارِ: الْمُنَاظَرَةُ فِي الْعِلْمِ لِنُصْرَةِ الْحَقِّ عِبَادَةٌ (١) .

الثَّانِي: أَنْ يَحْتَرِزَ الْمُنَاظِرُ عَنِ الإِْيجَازِ وَالاِخْتِصَارِ وَالْكَلاَمِ الأَْجْنَبِيِّ لِئَلاَّ يَكُونَ مُخِلًّا بِالْفَهْمِ.

الثَّالِثُ: أَنْ يَحْتَرِزَ عَنِ التَّطْوِيل فِي الْمَقَال لِئَلاَّ يُؤَدِّيَ إِلَى الْمَلاَل.

الرَّابِعُ: أَنْ يَحْتَرِزَ عَنِ الأَْلْفَاظِ الْغَرِيبَةِ فِي الْبَحْثِ.

الْخَامِسُ: أَنْ يَحْتَرِزَ عَنِ اسْتِعْمَال الأَْلْفَاظِ الْمُحْتَمِلَةِ لِمَعْنَيَيْنِ.

السَّادِسُ: أَنْ يَحْتَرِزَ عَنِ الدُّخُول فِي كَلاَمِ الْخَصْمِ قَبْل الْفَهْمِ بِتَمَامِهِ، وَإِنِ افْتَقَرَ إِلَى إِعَادَتِهِ ثَانِيًا فَلاَ بَأْسَ بِالاِسْتِفْسَارِ عَنْهُ إِذِ الدَّاخِل فِي الْكَلاَمِ قَبْل الْفَهْمِ أَقْبَحُ مِنَ الاِسْتِفْسَارِ.

السَّابِعُ: أَنْ يَحْتَرِزَ عَمَّا لاَ مَدْخَل لَهُ فِي الْمَقْصُودِ بِأَلاَّ يَلْزَمَ الْبُعْدَ عَنِ الْمَقْصُودِ.

الثَّامِنُ: أَنْ يَحْتَرِزَ عَنِ الضَّحِكِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ وَالسَّفَاهَةِ، فَإِنَّ الْجُهَّال يَسْتُرُونَ بِهَا جَهْلَهُمْ.

التَّاسِعُ: أَنْ يَحْتَرِزَ عَنِ الْمُنَاظَرَةِ مَعَ مَنْ كَانَ

_________

(١) شذرات الذهب ٣ / ٢٢ ط دار ابن كثير، ورد المحتار ٥ / ٢٧١.

مَهِيبًا وَمُحْتَرَمًا كَالأُْسْتَاذِ إِذْ مَهَابَةُ الْخَصْمِ وَاحْتِرَامُهُ رُبَّمَا تُزِيل دِقَّةَ نَظَرِ الْمُنَاظِرِ وَحِدَّةَ ذَهَنِهِ.

الْعَاشِرُ: أَنْ يَحْتَرِزَ عَنْ أَنْ يَحْسِبَ الْخَصْمَ حَقِيرًا لِئَلاَّ يَصْدُرَ عَنْهُ كَلاَمٌ يَغْلِبُ بَهِ الْخَصْمَ عَلَيْهِ (١) .

أَنْوَاعُ الْمُنَاظَرَةِ

لِلْمُنَاظَرَةِ أَنْوَاعٌ مُخْتَلِفَةٌ بِاعْتِبَارَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ:

أ - أَنْوَاعُ الْمُنَاظَرَةِ بِاعْتِبَارِ وَسِيلَةِ أَدَائِهَا

الْمُنَاظَرَةُ بِهَذَا الاِعْتِبَارِ نَوْعَانِ:

الأَْوَّل: الْمُنَاظَرَةُ الْخَطَابِيَّةُ:

١٤ - وَتَكُونُ الْمُنَاظَرَةُ الْخَطَابِيَّةُ بِالْتِقَاءِ الْمُتَنَاظِرَيْنِ فِي مَجْلِسِ عِلْمٍ، وَكَثِيرًا مَا كَانَ يَحْضُرُ الأُْمَرَاءُ هَذِهِ الْمُنَاظَرَاتِ.

وَمِنْ ذَلِكَ الْمُنَاظَرَةُ بَيْنَ الإِْمَامَيْنِ مَالِكٍ وَأَبِي يُوسُفَ صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ بِحُضُورِ هَارُونَ الرَّشِيدِ حَوْل صَدَاقِ الْمَرْأَةِ تَصْنَعُ بِهِ مَا تَشَاءُ.

قَال الْقَاضِي عِيَاضٌ: فَلَمَّا تَنَاظَرَ مَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ فِي صَدَاقِ الْمَرْأَةِ وَقَال أَبُو يُوسُفَ: لَهَا

_________

(١) شرح العلامة محمد بن حسين البهتي على الولدية ص ١٢٣ ط الحلبي.

أَنْ تَصْنَعَ بِهِ مَا شَاءَتْ: إِنْ شَاءَتْ رَمَتْ بِهِ وَجَاءَتْهُ فِي قَمِيصٍ، وَإِنْ شَاءَتْ جَعَلَتْهُ فِي خَيْطِ الدَّوَّامَةِ، فَقَال مَالِكٌ: لَوْ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ خَطَبَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِهِ وَأَصْدَقَهَا مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَجَاءَتْهُ فِي قَمِيصٍ لَمْ يَحْكُمْ لَهَا بِذَلِكَ، وَلَكِنْ يَأْمُرُهَا أَنْ تَتَجَهَّزَ وَتَتَهَيَّأَ لَهُ بِمَا يَشْتَهِيهِ مِمَّا يَتَجَهَّزُ بَهِ النِّسَاءُ، فَقَال هَارُونَ: أَصَبْتَ (١) .

الثَّانِي: الْمُنَاظَرَةُ الْكِتَابِيَّةُ

١٥ - وَتَكُونُ الْمُنَاظَرَةُ الْكِتَابِيَّةُ بِمُخَاطَبَةِ الْمُتَنَاظِرَيْنِ كِتَابِيًّا حَوْل مَسْأَلَةٍ عِلْمِيَّةٍ أَوْ أَمْرٍ يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ.

وَمِنْ ذَلِكَ رِسَالَةُ الإِْمَامِ مَالِكٍ إِلَى الإِْمَامِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي مُخَالَفَةِ أَهْل الْمَدِينَةِ، وَرَدَّ اللَّيْثُ عَلَى ذَلِكَ.

وَفِيمَا يَلِي نَصُّ الرِّسَالَتَيْنِ: مِنْ مَالِكٍ بْنِ أَنَسٍ إِلَى اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. سَلاَمُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، فَإِنِّي أَحْمَدُ اللَّهَ إِلَيْكَ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ. أَمَّا بَعْدُ عَصَمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ بِطَاعَتِهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلاَنِيَةِ، وَعَافَانَا وَإِيَّاكَ مِنْ كُل مَكْرُوهٍ.

اعْلَمْ - رَحِمَكَ اللَّهُ - أَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُفْتِي النَّاسَ بِأَشْيَاءَ مُخَالِفَةٍ لِمَا عَلَيْهِ جَمَاعَةُ النَّاسِ عِنْدَنَا وَبِبَلَدِنَا الَّذِي نَحْنُ فِيهِ، وَأَنْتَ فِي إِمَامَتِكَ

_________

(١) ترتيب المدارك ١ / ٢٢١.

وَفَضْلِكَ وَمَنْزِلَتِكَ مِنْ أَهْل بَلَدِكَ وَحَاجَةُ مَنْ قِبَلَكَ إِلَيْكَ وَاعْتِمَادُهُمْ عَلَى مَا جَاءَهُمْ مِنْكَ، حَقِيقٌ بِأَنْ تَخَافَ عَلَى نَفْسِكَ وَتَتَّبِعَ مَا تَرْجُو النَّجَاةَ بِاتِّبَاعِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُول فِي كِتَابِهِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَْوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَْنْصَارِ﴾ (١) الآْيَةَ وَقَال تَعَالَى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِيَ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْل فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (٢) فَإِنَّمَا النَّاسُ تَبَعٌ لأَِهْل الْمَدِينَةِ، إِلَيْهَا كَانَتِ الْهِجْرَةُ وَبِهَا نَزَل الْقُرْآنُ وَأُحِل الْحَلاَل وَحُرِّمَ الْحَرَامُ إِذْ رَسُول اللَّهِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ يَحْضُرُونَ الْوَحْيَ وَالتَّنْزِيل وَيَأْمُرُهُمْ فَيُطِيعُونَهُ وَيَسُنُّ لَهُمْ فَيَتَّبِعُونَهُ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ وَاخْتَارَ لَهُ مَا عِنْدَهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَبَرَكَاتُهُ.

ثُمَّ قَامَ مِنْ بَعْدَهُ أَتْبَعُ النَّاسِ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ مِمَّنْ وَلِيَ الأَْمْرَ مِنْ بَعْدِهِ، فَمَا نَزَل بِهِمْ مِمَّا عَلِمُوا أَنْفَذُوهُ، وَمَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ فِيهِ عِلْمٌ سَأَلُوا عَنْهُ، ثُمَّ أَخَذُوا بِأَقْوَى مَا وَجَدُوا فِي ذَلِكَ فِي اجْتِهَادِهِمْ وَحَدَاثَةِ عَهْدِهِمْ، وَإِنْ خَالَفَهُمْ مُخَالِفٌ أَوْ قَال امْرُؤٌ غَيْرُهُ أَقْوَى مِنْهُ وَأَوْلَى تُرِكَ قَوْلُهُ وَعُمِل بِغَيْرِهِ، ثُمَّ كَانَ التَّابِعُونَ مِنْ بَعْدِهِمْ يَسْلُكُونَ تِلْكَ السَّبِيل وَيَتَّبِعُونَ تِلْكَ السُّنَنَ.

فَإِذَا كَانَ الأَْمْرُ بِالْمَدِينَةِ ظَاهِرًا مَعْمُولًا بِهِ لَمْ أَرَ لأَِحَدٍ خِلاَفَهُ لِلَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ تِلْكَ

_________

(١) سورة التوبة / ١٠٠.

(٢) سورة الزمر / ١٨.