الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩
أَمَّا إِنْ كَانَ مِمَّا يَبْقَى كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالثِّيَابِ وَالْحُلِيِّ وَالْقُمَاشِ، فَهَذِهِ هِيَ اللُّقَطَةُ الَّتِي قَال فِيهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً (١)، فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِشُرُوطِ تَعْرِيفِهَا، ثُمَّ بَعْدَ الْحَوْل إِنْ لَمْ يَأْتِ صَاحِبُهَا تَمَلَّكَهَا إِنْ أَرَادَ ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ الْمَال مَدْفُونًا، فَضَرَبَانِ: جَاهِلِيٌّ وَإِسْلاَمِيٌّ.
فَإِنْ كَانَ إِسْلاَمِيًّا فَلُقَطَةٌ يَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ اللُّقَطَةِ فَيُنْشَدُ.
وَإِنْ كَانَ جَاهِلِيًّا فَهُوَ رِكَازٌ، وَيَجِبُ فِيهِ الْخُمُسُ.
مُدَّةُ الإِْنْشَادِ
٤ - مُدَّةُ الإِْنْشَادِ حَوْلٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ،
وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَالْقَوْل الآْخَرُ عِنْدَهُمْ: يُنْشِدُهَا إِلَى أَنْ يَظُنَّ أَنَّ صَاحِبَهَا لاَ يَطْلُبُهَا، وَلَيْسَ لِلإِْنْشَادِ مُدَّةٌ مُحَدَّدَةٌ (٢) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (لُقْطَةٌ ف ٨) .
_________
(١) حديث: " اعرف عفاصها ووكاءها. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ٧٨)، ومسلم (٣ / ١٣٤٧) من حديث زيد بن خالد الجهني، واللفظ لمسلم.
(٢) الحاوي الكبير ٩ / ٤٣٨، وكشاف القناع ٤ / ٢١٦، والمحلي شرح المنهاج ٣ / ١٢١، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٢٠.
هَذَا فِي غَيْرِ لُقَطَةِ الْحَرَمِ، أَمَّا لُقَطَةُ الْحَرَمِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ:
ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ لُقَطَةَ الْحَرَمِ كَلُقَطَةِ سَائِرِ الْبِلاَدِ فِي الأَْحْكَامِ.
وَقَال الشَّافِعِيُّ ﵀: إِنَّهُ لَيْسَ لِوَاجِدِ لُقَطَةِ مَكَّةَ تَمَلُّكُهَا، وَيُنْشِدُهَا أَبَدًا (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي (لُقَطَةٌ ف ١٤) .
أَمَاكِنُ الإِْنْشَادِ
٥ - أَمَاكِنُ الإِْنْشَادِ هِيَ: مَجَامِعُ النَّاسِ وَمَحَافِلُهُمْ مِنَ الْبُلْدَانِ الَّتِي وَجَدَ اللُّقَطَةَ فِيهَا، وَمَحَال الرِّحَال، وَمُنَاخُ الأَْسْفَارِ، وَفِي الأَْسْوَاقِ.
فَأَمَّا الضَّوَاحِي الْخَالِيَةُ مِنَ النَّاسِ فَلاَ يَكُونُ الإِْنْشَادُ فِيهَا تَعْرِيفًا.
وَيُنْشِدُهَا فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ عِنْدَ خُرُوجِ الْجَمَاعَاتِ، أَوْ أَقْرَبِ الْبِلاَدِ إِلَى مَكَانِ الاِلْتِقَاطِ، وَإِنْ جَازَتْ قَافِلَةٌ تَبِعَهُمْ وَأَنْشَدَهَا فِيهِمْ (٢) .
إِنْشَادُ اللُّقَطَةِ فِي الْمَسَاجِدِ
٦ - يَحْرُمُ أَوْ يُكْرَهُ عَلَى اخْتِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ
_________
(١) الحاوي الكبير ٩ / ٤٢٧، والمحلي شرح المنهاج ٣ / ١٢١.
(٢) الحاوي الكبير ٩ / ٤٤٠، والمحلي شرح المنهاج ٣ / ١٢٠، وابن عابدين ٣ / ٣٢٠.
إِنْشَادُ اللُّقَطَةِ فِي الْمَسَاجِدِ، لِخَبَرِ: مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُل: لاَ رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ بَأْسَ أَنْ يَسْأَل مَنْ فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ صُورَةِ إِنْشَادٍ.
وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ عَنْ حَظْرِ إِنْشَادِ اللُّقَطَةِ فِي الْمَسَاجِدِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَقَالُوا: لاَ يُكْرَهُ إِنْشَادُ اللُّقَطَةِ فِيهِ، وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَل شَأْنُهُ جَعَل هَذَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ: أَيْ يَعُودُونَ إِلَيْهِ، فَرُبَّمَا يَرْجِعُ مَالِكُهَا وَإِنْ طَال الزَّمَنُ (٢) .
إِنْشَادُ ضَوَال الْحَيَوَانِ
٧ - ضَوَال الْحَيَوَانِ إِنْ وُجِدَتْ فِي صَحْرَاءَ: فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يَصِل إِلَى الْمَاءِ وَالرِّعْيِ بِنَفْسِهِ، وَيَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ صِغَارَ السِّبَاعِ بِقُوَّتِهِ كَالإِْبِل وَالْبَقَرِ وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِيرِ فَلاَ يَجُوزُ التَّعَرُّضُ لَهَا لِلنِّشْدَانِ وَلاَ لِلتَّمَلُّكِ، لِقَوْلِهِ ﷺ فِي ضَوَال الإِْبِل: مَا لَكَ وَلَهَا؟ ! مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُل الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا (٣) .
_________
(١) حديث: " من سمع رجلًا ينشد ضالة. . . ". أخرجه مسلم ١ / ٣٩٧ من حديث أبي هريرة.
(٢) المحلي وحاشية قليوبي ٣ / ١٢٠ - ١٢١ و١٢٣.
(٣) حديث: " ما لك ولها؟ معها سقاؤها وحذاؤها. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ٤٦) ومسلم (٣ / ١٣٤٧ - ١٣٤٨) من حديث زيد بن خالد الجهني.
أَمَّا إِنْ كَانَتْ مِمَّا لاَ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ صِغَارَ السِّبَاعِ، وَيَعْجِزُ عَنِ الْوُصُول إِلَى الْمَاءِ وَالرِّعْيِ كَالْغَنَمِ وَالدَّجَاجِ، فَلِلْوَاجِدِ أَخْذُهُ وَأَكْلُهُ مِنْ غَيْرِ نِشْدَانٍ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ إِذَا ظَهَرَ مَالِكُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا بِالصَّحْرَاءِ إِذَا لَمْ يَتَيَسَّرْ حَمْلُهَا أَوْ سَوْقُهَا لَلْعُمْرَانِ. وَفِي قَوْلٍ عِنْدَهُمْ: يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا فِي الصَّحْرَاءِ وَلَوْ مَعَ تَيَسُّرِ سَوْقِهَا لَلْعُمْرَانِ، وَإِنْ أَتَى بِهَا حَيَّةً لَلْعُمْرَانِ وَجَبَ عَلَيْهِ تَعْرِيفُهَا (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (ضَالَّةٌ ف ٣ - ٤ وَمَا بَعْدَهَا) .
الإِْنْشَادُ بِالشِّعْرِ
٨ - الإِْنْشَادُ بِالشِّعْرِ جَائِزٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ وَخَلاَ عَنْ هَجْوٍ وَإِغْرَاقٍ فِي الْمَدْحِ وَالْكَذِبِ الْمَحْضِ وَالْغَزَل الْحَرَامِ.
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (شِعْرٌ ف ٧) .
مُنَاشَدَةُ الظَّالِمِ
٩ - نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَعَرَّضَ الْمُحَارِبُ لِلْمُسَافِرِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُنَاشِدَهُ قَبْل الْقِتَال إِذَا أَمْكَنَ.
_________
(١) الحاوي الكبير ٩ / ٤٢٩ - ٤٣٠، والفواكه الدواني ٢ / ٢٤٢، والدسوقي ٤ / ١٢٢.
وَالْمُنَاشَدَةُ هُنَا أَنْ يَدْعُوَهُ إِلَى التَّقْوَى وَالْكَفِّ عَنِ التَّعَرُّضِ لَهُ.
وَصِيغَةُ الْمُنَاشَدَةِ: نَاشَدْتُكَ اللَّهَ إِلاَّ مَا خَلَّيْتَ سَبِيلِي، أَوِ: اتَّقِ اللَّهَ وَكُفَّ عَنِ الاِعْتِدَاءِ وَالظُّلْمِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ التَّذْكِيرِ وَالْوَعْظِ.
وَقَال سَحْنُونُ: لاَ يُنَاشِدُ الْمُعْتَرِضَ لَهُ وَلاَ يَدْعُوهُ لِلتَّقْوَى، لأَِنَّ الدَّعْوَةَ لِلتَّقْوَى وَالتَّذْكِيرِ لاَ يَزِيدُهُ إِلاَّ إِشْلاَءً وَجُرْأَةً (١) .
مُنَاصَرَةٌ
انْظُرْ: عَاقِلَةٌ.
مُنَاضَلَةٌ
انْظُرْ: سِبَاقٌ.
_________
(١) جواهر الإكليل ٢ / ٢٩٤، والخرشي ٨ / ١٠٥، ومواهب الجليل ٦ / ٣١٤.
مُنَاظَرَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْمُنَاظَرَةُ لُغَةً: يُقَال: نَاظَرَ فُلاَنًا: صَارَ نَظِيرًا لَهُ، وَنَاظَرَ فُلاَنًا: بَاحَثَهُ وَبَارَاهُ فِي الْمُجَادَلَةِ، وَنَاظَرَ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ: جَعَلَهُ نَظِيرًا لَهُ. فَالْمُنَاظَرَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ النَّظِيرِ أَوْ مِنَ النَّظَرِ بِالْبَصِيرَةِ (١) .
وَالْمُنَاظَرَةُ اصْطِلاَحًا: عَرَّفَهَا الآْمِدِيُّ بِأَنَّهَا تَرَدُّدُ الْكَلاَمُ بَيْنَ الشَّخْصَيْنِ يَقْصِدُ كُلٌّ مِنْهُمَا تَصْحِيحَ قَوْلِهِ وَإِبْطَال قَوْل صَاحِبِهِ لِيَظْهَرَ الْحَقُّ (٢)، وَعَرَّفَهَا الْجُرْجَانِيُّ بِأَنَّهَا: النَّظَرُ بِالْبَصِيرَةِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ فِي النِّسْبَةِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إِظْهَارًا لِلصَّوَابِ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْمُجَادَلَةُ:
٢ - الْمُجَادَلَةُ لُغَةً:
الْمُنَاظَرَةُ وَالْمُخَاصَمَةُ،
_________
(١) المعجم الوسيط، ولسان العرب.
(٢) شرح الولدية في آداب البحث والمناظرة ص ٧.
(٣) التعريفات ط دار الكتاب العربي، وانظر: الكليات للكفوي ٤ / ٢٦٣ ط دمشق.
يُقَال: جَدَل الرَّجُل جَدَلًا فَهُوَ جَدِلٌ مِنْ بَابِ تَعِبَ: إِذَا اشْتَدَّتْ خُصُومَتُهُ، وَجَادَل جِدَالًا وَمُجَادَلَةً: إِذَا خَاصَمَ بِمَا يَشْغَل عَنْ ظُهُورِ الْحَقِّ وَوُضُوحِ الصَّوَابِ (١) .
وَالْمُجَادَلَةُ اصْطِلاَحًا: قَال الآْمِدِيُّ: هِيَ الْمُدَافَعَةُ لإِسْكَاتِ الْخَصْمِ (٢) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُجَادِلَيْنِ يُرِيدُ حِفْظَ مَقَالِهِ وَهَدْمَ مَقَال صَاحِبِهِ، سَوَاءٌ كَانَ حَقًّا أَوْ بَاطِلًا.
أَمَّا الْمُنَاظِرَانِ فَكُلٌّ مِنْهُمَا يُرِيدُ إِظْهَارَ الْحَقِّ (٣) .
ب - الْمُنَاقَشَةُ:
٣ - الْمُنَاقَشَةُ لُغَةً: يُقَال: نَقَشَ الشَّيْءَ نَقْشًا: بَحَثَ عَنْهُ وَاسْتَخْرَجَهُ، وَيُقَال: نَقَشَ الشَّوْكَةَ بِالْمِنْقَاشِ، وَنَقَشَ الْحَقَّ مِنْ فُلاَنٍ، وَنَاقَشَهُ مُنَاقَشَةً وَنِقَاشًا اسْتَقْصَى فِي حِسَابِهِ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٤) .
_________
(١) المصباح المنير، ولسان العرب.
(٢) شرح الآمدي على الولدية في آداب البحث والمناظرة ص ٧، وانظر: الكليات ٤ / ٦٣، والمفردات للراغب الأصفهاني ط الحلبي، وتاج العروس.
(٣) شرح الآمدي على الولدية في آداب المناظرة ص ٧.
(٤) المعجم الوسيط، وتاج العروس والمصباح المنير، وانظر: الكليات ٤ / ٢٠٦.
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمُنَاقَشَةِ وَالْمُنَاظَرَةِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَهْدُفُ إِلَى بَيَانِ وَجْهِ الْحَقِّ.
ج - الْمُكَابَرَةُ:
٤ - الْمُكَابَرَةُ لُغَةً: الْمُغَالَبَةُ. يُقَال: كَابَرْتُهُ مُكَابَرَةً، غَالَبْتَهُ وَعَانَدْتَهُ (١) .
وَالْمُكَابَرَةُ اصْطِلاَحًا: الْمُنَازَعَةُ فِي الْمَسَائِل الْعِلْمِيَّةِ مَعَ عِلْمِ الْمُتَكَلِّمِ بِفَسَادِ كَلاَمِهِ وَصِحَّةِ كَلاَمِ خَصْمِهِ (٢) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمُنَاظَرَةِ وَالْمُكَابَرَةِ التَّضَادُّ مِنْ حَيْثُ الْغَايَةُ وَالثَّمَرَةُ.
د - الْمُعَانَدَةُ:
٥ - الْمُعَانَدَةُ لُغَةً: مِنْ بَابِ ضَرَبَ، يُقَال: عَانَدَ فُلاَنٌ عِنَادًا: إِذَا رَكِبَ الْخِلاَفَ وَالْعِصْيَانَ، وَعَانَدَهُ مُعَانَدَةً: عَارَضَهُ، قَال الأَْزْهَرِيُّ: الْمُعَانِدُ الْمُعَارِضُ بِالْخِلاَفِ لاَ بِالْوِفَاقِ (٣) .
وَالْمُعَانَدَةُ اصْطِلاَحًا: الْمُنَازَعَةُ فِي الْمَسَائِل الْعِلْمِيَّةِ مَعَ عَدَمِ عِلْمِهِ بِكَلاَمِهِ هُوَ وَكَلاَمُ صَاحِبِهِ (٤) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمُنَاظَرَةِ وَالْمُعَانَدَةِ التَّبَايُنُ.
_________
(١) المصباح المنير.
(٢) الكليات ٤ / ٢٦٣.
(٣) المصباح المنير.
(٤) الكليات ٤ / ٢٦٣.
هـ - الْمُحَاوَرَةُ:
٦ - الْمُحَاوَرَةُ لُغَةً: يُقَال: حَاوَرَهُ مُحَاوَرَةً وَحِوَارًا: جَاوَبَهُ، وَحَاوَرَهُ: جَادَلَهُ، قَال تَعَالَى: ﴿قَال لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ (١) وَيُقَال: تَحَاوَرُوا: تَرَاجَعُوا الْكَلاَمَ بَيْنَهُمْ وَتَجَادَلُوا (٢)، قَال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ (٣) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمُحَاوَرَةِ وَالْمُنَاظَرَةِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُرَاجِعُ صَاحِبَهُ فِي قَوْلِهِ.
مَشْرُوعِيَّةُ الْمُنَاظَرَةِ
٧ - الْمُنَاظَرَةُ مَشْرُوعَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَمِنْهُ الْمُنَاظَرَةُ الَّتِي تَمَّتْ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ﵇ وَبَيْنَ النَّمْرُودِ الَّذِي ادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ، وَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى قَوْلِهِ تَعَالَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَال أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَال إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ
_________
(١) سورة الكهف / ٣٧.
(٢) المعجم الوسيط والمصباح المنير، ولسان العرب، وتاج العروس.
(٣) سورة المجادلة / ١.
لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (١) .
وَمُنَاظَرَةُ مُوسَى ﵇ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ﵇ مَعَ فِرْعَوْنَ وَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى قَوْلِهِ تَعَالَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قَال فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَال رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ قَال لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ قَال رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَْوَّلِينَ قَال إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِل إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قَال رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ قَال لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ قَال أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ قَال فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ (٢)
وَأَشَارَ ابْنُ الْحَنْبَلِيِّ إِلَى وَجْهِ الدَّلاَلَةِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ فِرْعَوْنَ لَمَّا قَال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ عَلِمَ مُوسَى ﵇ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ﵇ أَنَّهُ سُؤَالٌ عَنْ مَاهِيَّةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَرَبُّ الْعَالَمِينَ لاَ مَاهِيَّةَ لَهُ، لأَِنَّهُ الأَْوَّل فَلاَ شَيْءَ قَبْلَهُ فَيَكُونُ مِنْهُ، بَل هُوَ مُكَوِّنُ مَا تَتَكَوَّنُ الأَْشْيَاءُ مِنْهُ، فَلَمْ يَشْتَغِل مُوسَى بِرَدِّ سُؤَالِهِ وَبَيَانِ فَسَادِهِ، وَكَانَ الْمَقْصُودُ تَعْرِيفَ الرَّبِّ جَل وَعَلاَ بِصِفَتِهِ فَقَال: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ فَحَصَرَ الْكَائِنَاتِ فِي ثَلاَثِ كَلِمَاتٍ،
_________
(١) سورة البقرة / ٢٥٨.
(٢) سورة الشعراء / ٢٣ - ٣٣.